مدونة محمد خروب

»

الاجتياح التركي لشمال العراق.. التوقيت والتوافقات السرية !

عاد العراق، الذي لم يغب اصلاً، الى صدارة جدول الاعمال الدولي ليس من باب ارتفاع حدة السجالات بين الكتل البرلمانية والحزبية حول كيفية توزيع كعكة الحكومة الجديدة التي يجري الحديث عنها منذ مدة طويلة، وليس حول اقتراب عدد القتلى من الجنود الاميركيين الى اربعة الاف (عددهم الآن وفق البيانات الرسمية 3984) دون احتساب القتلى من المتعاقدين الذين تم تجنيدهم تحت اغراءات الحصول على الكرت الاخضر السابق على الجنسية الاميركية وليس بالتأكيد افراد الشركات الامنية العاملة في العراق مثل سيئة السمعة والصيت بلاك ووتر ، التي ولغت في دم العراقيين وجعلت من شوارع مدنهم وبلداتهم ميادين تدريب بالذخيرة الحية لهؤلاء المرتزقة.

العراق عاد الى واجهة المشهد الدولي من البوابة التركية، حيث دفعت انقرة بأكثر من عشرة الاف جندي عمقاً، باتجاه معاقل حزب العمال الكردستاني التركي (PKK) المتمركز في جبال قنديل، في احوال مناخية غير ملائمة لكنها - وهنا هو الأهم واللافت - تأتي في ظروف ومناخات سياسية ودبلوماسية ملائمة، تستدعي نظرية المؤامرة بامتياز وتستوقف المراقبين وعواصم المنطقة المعنية بالرسائل التي تنطوي عليها هذه الخطوة التي سيكون لها ما بعدها في ظل عملية المراجعة التي تقوم بها ادارة بوش في الشهور القليلة المتبقية على وجودها في البيت الابيض وعملية الهجوم الشامل السياسي والدبلوماسي وربما العسكري التي تحضر لها لاعادة ترتيب اوراق المشهد الاقليمي، وربما رسم خرائط جديدة اذا ما سمحت لها حقائق الميدان بذلك.

يمكن رصد عملية المراجعة او ترتيب اوراق المشهد الاقليمي في ثلاث محطات رئيسة، وهي اصلاً ساحات المواجهة المفتوحة بين الاطراف اللاعبة عليها، كالعراق الذي يحاول بوش ورايس انزاله عن جدول اعمال المعركة الانتخابية حول ترشيحات الحزبين الرئيسيين للرئاسة عبر جلب انتصار ما على الجبهتين اللبنانية او الفلسطينية والذي يأخذ طابعاً متصاعداً من الحدة على الاولى، فيما الثانية (الفلسطينية) باتت مرشحة اكثر من أي وقت مضى لعملية عسكرية واسعة النطاق تعيد فيها آلة القتل الاسرائيلية احتلال قطاع غزة ولا تنسحب الا بقدوم قوات دولية (لا مانع ان يكون معظمها من دول اسلامية وعربية) تتولى الفصل بين حدود القطاع مع اسرائيل وقد تكون مسلحة بالفصل السابع من ميثاق الامم المتحدة الذي يسمح لذوي القبعات الزرقاء باستخدام القوة، ضد الذين يطلقون النار (باتجاه اسرائيل بالطبع) وهو امر ان تم سيكون مقدمة اولى وطبيعية لفرض حل دولي (اقرأ اميركي اسرائيلي) على الفلسطينيين في الضفة والقطاع يتجاوز كل ما يعلكه المسؤولون الفلسطينيون (وبعض العرب) حول الدولة المستقلة القابلة للحياة التي ستقوم وفق قرارات الشرعية الدولية وخارطة الطريق (لا تنسوا المبادرة العربية التي لا احد يتحدث عنها غير العرب)..

لم نذهب بعيداً عن شمال العراق، لكننا حاولنا ربط القضايا الثلاث في اطار سيناريو لا يحتاج المرء الى كبير عناء لاكتشاف الصلة الوثيقة بينها، ليس فقط في عملية التسخين والتصعيد الجارية على قدم وساق والتي بدأتها انقرة عبر الجبال المكسوة بالثلوج، والتي لم يقدم على مثلها أي جيش في العالم سوى ما دار في الحرب العالمية الثانية من معارك فرضتها طبيعة الاهداف وعناد المتحاربين وعدم جدوى التوصل الى وقف اطلاق نار بين الحلفاء ودول المحور حتى لا يستفيد العدو من عامل الوقت لتعزيز قدراته والتقاط الانفاس واعادة تنظيم صفوفه، حيث كان يظن كل طرف انه على وشك الحاق الهزيمة بالآخر، وانما ايضاً لأن المايسترو واحد وهو هنا الولايات المتحدة الاميركية المعنية الاولى مباشرة بما يجري وصاحبة القرار الاول والاخير في مسارات الاحداث والتي تكشفها الاشارات التالية:.

*ادارة بوش كانت على علم مسبق بموعد بدء العمليات العسكرية التركية وهو ما اكده الناطقون باسمها ولم تقع ضحية المفاجأة لأنها اولاً هي السلطة الفعلية في العراق ولأنها ثانية على علاقات وثيقة بأنقرة حكومة ومؤسسة عسكرية على حد سواء.

* هذا يعني - استطراداً - ان واشنطن ادارت ظهرها لحكومة اقليم كردستان (دع عنك حكومة المنطقة الخضراء فهي غير موجودة على جدول أعمال بوش اصلاً) وهو تطور خطير ازاء مستقبل المعادلات التي استقرت، أقله منذ خمس سنوات من الان بين واشنطن واربيل، ما يعني ان بوش قد سلك الطريق التي سار عليها بيل كلينتون عندما صرف النظر عن تدخل الجيش العراقي (جيش صدام) لصالح مسعود البرزاني، بعد ان لاحت هزيمته على يد قوات جلال طالباني في اواسط تسعينات القرن الماضي ما أدى الى تغيير عميق في التحالفات وشعور الاكراد بأنهم خُذلوا مرة ثانية على يد حليفهم الاميركي، لكن المشهد هذه المرة اكثر كارثية على المشروع الكردي برمته لأن تركيا لن تعود من شمال العراق إلاّ بعد تحقيق اهداف العملية هذه وهو تعبير يستخدمه الاميركيون في العراق منذ خمس سنوات، وبرع فيه الاسرائيليون في جنوب لبنان طوال ربع قرن.

* حكومة نوري المالكي كانت كعادتها دائماً، آخر من يعلم وكل من تابع وقائع الاجتياح كان يتوقف عند اعلان بليد يقول أن لا علم لبغداد باجتياح تركي لشمال العراق، وعندما بات الأمر حقيقة وغدت رسالة عبدالله غل لجلال طالباني بمثابة إخبار ببدء العملية، قيل ان رسالة احتجاج من حكومة المالكي قد تم ارسالها الى انقرة تشجب فيها تعريض سيادة ووحدة الاراضي العراقية للخطر.

ما يجري الان في شمال العراق يتجاوز بعده العسكري الى تداعيات السياسة التي ستتجاوز مسألة قتل او أسر عدد من مقاتلي حزب العمال، لأن تركيا وطوال ربع قرن لم تتوقف عن شن غارات وتوغلات كهذه، فالاجتياح الحالي أعاد ترتيب بعض الاولويات على اكثر من صعيد حيث نجحت حكومة اردوغان في تمرير قانون الحجاب وصادق عليه رئيس الجمهورية عبدالله غل في اليوم ذاته الذي اعطت فيه الضوء الاخضر للمؤسسة العسكرية، كي تدخل شمال العراق في عرض قوة لا يخلو من اشارة للعب دور في القرار السياسي وإن كان سيبقى دوراً محسوباً ومحدوداً.

الاجتياح شكل المسمار الاخير في نعش حكومة المالكي التي تم تجاهلها على نحو كامل وهي (وان رغبت) لا تستطيع ان تفعل شيئاً، أما الاكثر خطورة في تداعيات الخطوة التركية الاميركية المنسقة على أعلى مستوى، هو حدوث تصدع في حكومة اقليم كردستان وانخراط مسعود برزاني في المواجهة مع القوات التركية كاشارة على احتمال حدوث تفاقم (حتى لا نقول تواطؤ) بين انقرة والاتحاد الوطني الكردستاني بزعامة جلال طالباني الذي لا يشارك برزاني رأيه في حزب العمال، ولا أيضاً في خطورة الخطوة التركية الراهنة على نحو يبدو انه اقرب الى الرأي الاميركي القائل بأنها عملية محدودة العمق والمدة منه الى رأي برزاني الذي يراها مقدمة لتخل اميركي عن الاكراد واقليمهم واجهاض حلمهم في دولة مستقلة او قريباً من صيغتها.

تعليقات

اضافة تعليق
authimage
رمز التأكيد
 
A service provided by Al Bawaba