« |
»
29 كانون ثاني, 2008
سوهارتو وبينوشيت.. حكم الشعوب قبل حكم التاريخ
بين توسلات كريمته الكبرى التي ذرفت دموعاً غزيرة وهي تطلب من الشعب
الاندونيسي المغفرة لما كان والدها الراحل الجنرال محمد سوهارتو قد قارفه
بحق شعبه طوال ثلاثة عقود، وبين كلمات التأبين اللافتة والمثيرة التي
قالها الرئيس الاندونيسي الحالي يوديونو عن سوهارتو بأنه افضل ابناء
اندونيسيا، تكمن المفارقة التي يمكن تحميلها على البون الشاسع الذي يفصل
بين المشاعر الانسانية في لحظة صدق مع الذات ومع اهداف السياسي الذي يراعي
المعادلات والتحالفات وموازين القوى الحزبية ويرنو دائماً وخصوصاً اولئك
الذين ما زالوا في السلطة، الى توسل الدعم من قبل ايتام الزعيم الراحل
وانصاره وحزبه يستوي في ذلك الجنرال يوديونو كما أي حاكم في العالم، يأتي
بعد حقبة من الاضطهاد، والفساد، والقمع، والديكتاتورية التي جسدها طوال 32
عاماً، الجنرال سوهارتو، ما بالك وانه ترك حزباً يدعى جولكار ما تزال له
شعبيته وحضوره وبخاصة في المناطق الريفية، التي اراد سوهارتو التغطية على
فساده، ونهب اسرته للمال العام (والخاص ايضاً)، فذهب اليها (المناطق
الريفية)، مُدخِلاً عليها بعض التحسينات ومُقيماً بعض البنى التحتية
المتواضعة، والخدمات البسيطة، ومنتزعاً او فارضاً او خالعاً على نفسه لقب
ابو التنمية ، فيما اطلق ايدي وأرجُل وألْسِنَة عائلته وخصوصاً عقيلته،
التي كانت توصف علناً من قبل الاندونيسيين بأنها السيدة عشرة بالمائة (مسز
تن بيرسنت)، كعمولة كانت تتقاضى على أية صفقة تجارية لأي شيء كان.
رحل سوهارتو بكل ما له وما عليه، بعد ان حكم رابع اكبر دولة في العالم من
حيث عدد السكان واكبر دولة اسلامية، لسنوات طوال، منذ ان قفز الى السلطة
في 1967 بعد ان ازاح ابو الاستقلال احمد سوكارنو بحجة ان الاخير لم يعد
قادراً على الحكم بسبب مرضه وبعد أن غدا نجماً لامعاً في البلاد (17500)
جزيرة، اثر قيامه بذبح نصف مليون اندونيسي قيل (وقتذاك) انهم ينتمون الى
الحزب الشيوعي الاندونيسي الذي كان مقرباً من الصين (والذي كان أصلاً -
وهذا الذي يتم اغفاله دائماً - حليفاً للرئيس الذي كان ما يزال رئيساً
للبلاد وهو احمد سوكارنو).
اللافت في سيرة الديكتاتوريين، انهم لا يذهبون غالباً الى دائرة النسيان
او الدار الاخرة، الا بهبات شعبية تطيحهم وتحيل ما تبقى من حيواتهم الى
جحيم لا يطاق من الاذلال والعزلة على النحو الذي شهدناه مع ديكتاتور تشيلي
(بينوشيت) ومع ديكتاتور اندونيسيا الذي رحل عن دنيانا الفانية قبل يومين.
كلاهما، اسقطته هبات شعبية رفضت تزويره للانتخابات واستمراره المؤيد في
الحكم كحالة سوهارتو الذي اعيد انتخابه (من دون منافس) لولاية سابعة من
خمس سنوات في اذار من العام 1998، الى ان خرج الاندونيسيون الى الشوارع،
بعد اقل من شهرين، ليطالبوه بالتنحي عن السلطة ولم يجد امامه من مفر سوى
الاستقالة لان الجنرالات خذلوه بعد ان رأوا من خلال مناظيرهم العسكرية ومن
على ابراج دباباتهم التي انزلها سوهارتو الى الشوارع لقمع المتظاهرين، ان
فقاعة المعجزة الاقتصادية التي حققتها اندونيسيا، كما معظم دول شرق اسيا
قد انفجرت، واوشكت البلاد على السقوط في هاوية الفوضى والكساد والانهيار
الاقتصادي وخصوصاً ان تقارير منظمة الشفافية الدولية ذكرت ان عائلة
سوهارتو نهبت ثروة تكاد تصل الى 30 مليار دولار.
سوهارتو الاندونيسي وبينوشيت التشيلي (على سبيل المثال) جُلبا الى
العدالة، لمحاكمتهما على الانتهاكات الفظيعة لحقوق الانسان في بلديهما
ولدفع ثمن الفساد وعمليات النهب المنظم لثروات البلاد وخيراتها - وكلاهما
- من اسف - بقيا حتى اللحظة الاخيرة من حياتهما يتهربان من المثول امام
المحاكم بحجة المرض ودائما كان مرضا سياسيا بنصائح من محاميهم الفاسدين،
وغدت الجلسات رهينة التأجيل بحجة عدم وقدرة احدهم على المشي (بينو شيت)
وعدم القدرة على الكلام (سوهارتو) الى ان استرد الخالق وديعته.
وكلاهما دائماً، كانت واشنطن (ديمقراطيا كان ساكن البيت الابيض ام
جمهوريا) داعمة له وموفرة له الاكسجين السياسي والاعلامي والدبلوماسي
والمزودة الحصرية له بالسلاح وادوات القمع وخبراء التجسس (على الشعب
طبعاً) والتصفيات الجسدية او الاغتيالات المعنوية للمعارضة او الذين
يحاولون الانشقاق او التفكير بابداء فعل الندم.
بينوشيت اقام حكمه على جماجم سيلفادور اليندي الرئيس المنتخب وعشرات
الالاف من اليساريين التشيليين الذين ذبحهم في استادات الملاعب وغيّب
المئات منهم على نحو لا يعرف احد حتى اللحظة مصيرهم، كذلك فعل سوهارتو
بنصف مليون من الاندونيسيين في مجزرة لم يعرف القرن العشرون مثيلا لها.
كلاهما أجرت له واشنطن غسيلا سياسيا، كما تغسل المافيات المختلفة اموالها
عبر العالم وهما ايضا قدّما اوراق اعتمادهما لدى البيت الابيض باظهارهما
العداء المطلق، لكل ما هو يساري او اشتراكي او شيوعي، لكن سوهارتو تفوق
بنقطة او اكثر على بينوشيت في ان الاول لفت نظر الادارة الاميركية والغرب
الاوروبي (في وقت مبكر) الى الخطر الذي تمثله الاصولية الاسلامية في بلاده
(بما هي اكبر دولة اسلامية في العالم).
..للتاريخ ان يحكم على جنراليين، لم يخرجا على الادوار المرسومة لكل
منهما، لكن حكم الشعب يسبق دائما حكم التاريخ، ولهذا لم يكن عبثا ان تعرض
بينوشيت كما سوهارتو لملاحقة وجلب للمحاكم وسمعا بأذنيهما لعنات الشعب
الذي نكّلا به وسَفَكَا دماءه وانتهكا حقوقه الاساسية بفظاظة وسادية
ووحشية.
تعليقات
لم يكن محمد سوهارتو يوما ما مذلا لشعبه كما حدث في بلاد أخري يسعي واصفة لعدم فضحهم لامور هو يعلمها أقلها مصلحته المالية وعن هذا البطل الاسيوي المغوار لا أقول ألا أن نعود جميعا لحزن الشعب الاندونيسي علي رحلية وبكل طوائفة من القمة للقاع فهل بعد ذلك من تدليس لكاتب السطور وان كان قد قتل نصف مليون فلست مبرئة من هذا ولكن لك أن تعرف لماذا قامت تلك المقتله التي أيدها أكثر الاندونيسيون أعتدالا وتطرفا كل ما أرجوه من مثل هؤلاء الكتاب هو عدم العبث بسمعة الزعماء حيث أشتم رائحة الخروب المنتهي الصلاحية