مدونة محمد خروب

« | »

دم السيدة الذي توزع على القبائل!

يومان فقط، بل أقل، وراحت قبائل باكستان السياسية تتبادل الاتهامات، ليس فقط حول الكيفية التي تم فيها تغييب بناظير بوتو عن المشهد السياسي، في عملية قتل بشعة و متقنة التحضير والاخراج، ووضوح الخبرة في طمس الحقائق في مسرح الجريمة ذاته وانما ايضا في التأشير على من يتحمل مسؤولية هذا الاغتيال السياسي والجسدي، لسيدة لم تكن بريئة من عملية خلط الاوراق وقلب خريطة التحالفات والاشتراك في سيناريوهات لمرحلة ما بعد برويز مشرف، وخصوصاً بعد ان تم اجباره اميركياً، على خلع بزته العسكرية والتراجع عن فرض حال الطوارئ، وتحديد موعد للانتخابات التشريعية (البرلمان) والمحلية (الاقاليم والبلديات)، في الثالث من الشهر المقبل (هذا اذا لم يتم تأجيله في حال اعلن حزب الشعب، الذي كانت تتزعمه بوتو اليوم الاحد عن عدم مشاركته في الانتخابات، وبذلك يكون قد انضم الى حزب نواز شريف الرابطة الاسلامية في مقاطعة المعارضة لها).

من الحكمة عدم التقليل من شأن التسريبات أو الشائعات او المعلومات التي بدأت تطفو على السطح اثر اغتيال السيدة بوتو، سواء فيما خص الاتفاقات السرية التي قيل انها وقعتها مع نواز شريف، بعد ان حسمت رئيسة حزب الشعب خياراتها السياسية عبر القطيعة التي اعلنتها مع الديكتاتور مشرف (وفق وصفها)، وبعد ان سحبت منافسها في المعارضة نواز شريف الى مربع المشاركة في الانتخابات، رغم منع المحكمة شريف من الترشح لأسباب تتعلق بتهم الفساد التي وجهت اليها، ما يزيد من احتمالات حدوث اتفاق كهذا بينهما (بموافقة اميركية بالتأكيد)، وخصوصاً ان التسريبات قالت ان شريف وافق على ان يكون رئيساً للجمهورية (وهو منصب رمزي في كل حال)، فيما تتولى بوتو رئاسة الوزراء، كطريق اقصر وأسلم واسرع للتخلص من ارث الجنرال الرئيس والانخراط بجدية في الحرب على الارهاب، ولضبط علاقة المستوى السياسي بالمؤسسة العسكرية الباكستانية صاحبة النفوذ الاكبر والطاغي في المشهد الباكستاني، والتي واصلت اطاحة السياسيين المنتخبين والتنكيل بهم والاستحواذ على النصيب الاكبر من موازنة الدولة، ورعاية وتمويل المنظمات والحركات الجهادية بدءاً من تنظيم وتسهيل مرور الاسلحة الى المجاهدين الافغان، الذين انتدبتهم ودربتهم الولايات المتحدة والاستخبارات الباكستانية المعروفة اختصاراً (آي.إس.آي) في عز الحرب الباردة لمحاربة الاتحاد السوفياتي، الذي ارتكب حماقة الاجتياح العسكري لافغانستان، وليس انتهاء بالطبع بصناعة حركة طلاب الدين طالبان المتشددة لمناوأة تنظيمات المجاهدين والاستيلاء على الحكم، رغم تحالفها مع تنظيم القاعدة الذي ورث الجهاد ووضع نفسه تحت تصرف إمارة طالبان، التي كانت تحكم من قبل الاستخبارات الباكستانية..

تغيرت قواعد اللعبة وانهارت معادلة التحالفات القديمة بعد الحادي عشر من ايلول، لكن شيئاً لم يتغير في دور مراكز القوى الباكستانية،وبقيت المؤسسة العسكرية في المقدمة استمراراً للقاعدة التي دشنها الجنرالات في وقت مبكر من عمر الاستقلال ، الذي انجزه القائد محمد علي جناح، تحت شعارات ودوافع دينية ، ولم يكن حكم المدنيين الا استثناء وكان - من أسف - استثناء مأساوياً، حيث اقتيد ذو الفقار علي بوتو الى المقصلة بتهم مفتعلة، ولكن في الاساس عقاباً على مشروعه النووي، الذي كان بدأه وأصر عليه، واذ نابذته الولايات المتحدة العداء ودعته للتخلي عن طموحه (المرفوض اميركيا واسرائيليا وتذكرون كيف راجت في ذلك الحين حكاية القنبلة النووية الاسلامية وكأن للقنابل دين) فوضع الرجل العنيد الخيار السوفياتي بديلا ميمما نظره صوب موسكو زائراً، جن جنون البيت الابيض ووكالة المخابرات المركزية لان باكستان هي درة التحالفات الاميركية الاستراتيجية في تلك المنطقة وخروجها سيكون بداية النهاية لتلك السلسلة من السد المنيع الذي اقامته واشنطن لمحاصرة الاتحاد السوفياتي (تركيا وايران وباكستان والصين نسبيا بعد نجاح دبلوماسية البينغ بونغ التي انتهجها نيكسون وكيسينجر ازاءها)، فتم اشعال الضوء الاخضر للمؤسسة العسكرية فقفز الجنرال محمد ضياء الحق (الذي عينه بوتو متجاوزا جنرالات أرفع منه رتبة وخبرة) الى السلطة، وقام بقطع رأس رئيس الوزراء المنتخب رغم ان الرئيس الاميركي وقتذاك جيمي كارتر ناشده عدم تنفيذ الحكم.

لم يكن القصد الاطالة في شرح ملابسات اعدام والد بناظير، بل التأكيد على تضاؤل حظوظ السياسيين في البقاء في السلطة كمنتخبين، لان المؤسسة العسكرية امسكت بكل الخيوط تحت ادعاءات واضاليل عديدة ولم يكن افتعال الحروب مع الهند والتحالف مع الصين ثم اعتبار افغانستان بمثابة حديقة خلفية لباكستان سوى بعض تجليات هذا الدور الذي تعاظم بعد دخول اسلام اباد النادي النووي في العام 1999 واعلان بوش الحرب العالمية على الارهاب واعادة تأهيل الجنرال مشرف (الذي انقلب على نواز شريف المنتخب) للعب دور الحليف الاول في هذه الحرب الفاشلة أو التي من غير الممكن القول بانها حققت نجاحات تذكر وخصوصا في افغانستان (دع عنك العراق).

القبائل السياسية الباكستانية (بما في ذلك المؤسسة العسكرية واجهزة الاستخبارات) تتبادل الاتهامات، وكل يدلي برواية من عندياته عن الاسباب التي اودت بحياة السيدة بوتو، ومع رفض حركة طالبان باكستان (احد اذرعة تنظيم القاعدة) اتهامات الحكومة كذلك تنصل طالبان افغانستان من المسؤولية واصرار قادة حزب السيدة بوتو على القول بان الرصاص هو السبب في مصرعها وليس اصطدام رأسها بسقف سيارتها، فإن نظام مشرف والمؤسسة العسكرية باتا تحت النار ويبدو انهما سيدفعان الثمن، رغم كل محاولات توزيع دمها على القبائل لتضليل التحقيق (الذي لم يبدأ اصلا) وتبديد الادلة في سيل السجالات والجدل والحرائق المشتعلة في انحاء باكستان.

تعليقات

اضافة تعليق
authimage
رمز التأكيد
 
A service provided by Al Bawaba