« |
»
18 كانون اول, 2007
الغارات التركية على شمال العراق: من يقول الحقيقة.. ومن يراوغ؟
ثمة من يتعمد المراوغة (اقرأ الكذب)، وهناك ما يشبه التواطؤ في لغز عمليات القصف الجوي التركي للمناطق التي يتواجد فيها مقاتلو حزب العمال الكردستاني الكردي ..PKK
الغارات الجوية الاميركية اذاً مجرد بداية عمليات عسكرية متواصلة ولم تكن الاسئلة التي طرحت منذ اشهر قليلة ماضية تدور حول هل تمضي انقرة قدماً في تنفيذ تهديداتها باجتياح واسع لشمال العراق، وانما متى يبدأ هذا الاجتياح، ولأن الامور ليست على هذه الدرجة من البساطة والسهولة ايضاً، ولأن اكلافها السياسية والبشرية قد تكون باهظة ولا يستطيع حزب العدالة والتنمية ان يدفعها وبخاصة اذا ما قويت شوكة المؤسسة العسكرية واستعاد الجيش دوره ونفوذه السابق، الذي تراجع قليلاً بعد ان تم حسم مسألة الرئاسة وصعد عبدالله غل الى الموقع الرمز ، الذي ظل حكراً على العلمانيين والمخلصين لفكر وتعاليم مصطفى كمال اتاتورك، فإن رجب طيب اردوغان واركان حكومته يبدون حذراً شديداً، ازاء خطوة كهذه ناهيك عن اثارها على مستقبل العلاقات بين انقرة وواشنطن وبين انقرة واربيل (عاصمة اقليم كردستان)، وامتداداً مع حكومة نوري المالكي (حتى لا نقول حكومة بغداد)، رغم انها حكومة لا وزن لها ولا أهمية، وما حدث في البصرة قبل يومين يؤكد ان لا وجود لمثل هذه الحكومة حيث اقتسمت السيطرة على عاصمة الجنوب العراقي بعد انسحاب قوات الاحتلال البريطاني منها ثلاثة فصائل ميلشياوية بوساطة ايرانية.
عودة الى الغارات الجوية
انقرة تقول ان الولايات المتحدة الاميركية وافقت على قيام سلاحها الجوي بمثل هذه الغارات ما آثار على الفور جملة من الاسئلة والتساؤلات حول امكانية حدوث تحول في الموقف الاميركي الامر الذي سيؤدي الى انهيار معادلات واصطفافات وتحالفات راهنة قائمة وبروز اخرى بديلة منها.. بكل ما يحمل هذا التحول (إن حدث) من اشارات ووسائل ترسلها ادارة بوش الى اكثر من جهة وخصوصا لحكومة اقليم كردستان (وهي الحليف الاقوى والاول وحصان الرهان الاميركي في العراق المشتعل).
المثير للسخرية هو مسارعة الادارة الاميركية الى نفي الخبر التركي بالكامل ثم الذهاب في اتجاه تبرير لا يقنع احداً عندما قيل أن الولايات المتحدة لم توافق على مثل هذه الغارات لكنها أخذت علماً بها.
وإذا ما اخضعنا التصريح التركي ثم النفي الاميركي المرتبك الى المنطق والتحليل الموضوعي والمحايد فان الرواية التركية تبدو اقرب الى الصحة منها الى هذه المراوغة الاميركية الواضحة التي تسعى الى تسجيل اكثر من هدف فهي وإن اخذت علماً بهذه الغارات فانها لم تقم بادانتها او العمل على منعها بل إن صمتها هو اقرب الى الموافقة منه الى أي شيء آخر ما فهمته انقرة على انه ضوء اخضر او ان واشنطن لا تعارضه تماماً ولن تقف في مواجهته (تذكرون كلمات السفيرة الاميركية في بغداد ابريل غلاسبي عندما قالت للرئيس العراقي السابق عندما أعلمها انه قد يغزو الكويت، بأن بلادها لا تتدخل في العلاقات بين البلاد العربية، فوقع او اوقع نفسه وبلاده في الفخ وكان الغزو كارثة ما يزال الجميع يدفع أكلاف هذه الحماقة).
تريد واشنطن ان ترصد ردود الفعل على ما يمكن وصفه ببدايات الاجتياح التركي (الذي طال انتظاره) كي تقرر خطوتها التالية وهي تريد ان تقول لاكراد العراق ان ليس بمقدورها لجم انقرة تماما ما لم يقدموا بعض التنازلات لها وهي كذلك توحي لحكومة اردوغان ان مثل هذا الضوء الاخضر الاميركي (ولو المرتبك) يجب ان تقابله انقرة بامتنان وان تبدي تجاوبا اكبر مع الاستراتيجية الاميركية الجديدة في المنطقة او تساعد في بلورة مواقف اقليمية تسمح لواشنطن بالخروج من العراق ولكن ليس على شكل هزيمة عسكرية كاملة على غرار ما حدث في فيتنام قبل ثلاثة عقود ونيف.
الحال ان اكثر من ما يثير الشفقة والسخرية في الان ذاته هو مسارعة حكومة نوري المالكي الى اعلان احتجاجها الشديد على الغارات التركية فيما يدرك الجميع ان احدا لا يحفل بمثل هذا الاحتجاجات لان حكومة تمارس كل هذه المقارفات من الطائفية والمذهبية وتصرف النظر ان لم نقل انها تشجع عمليات القتل على الهوية ولا تتخذ أي اجراءات عملية وجادة وصادقة لتسريع المصالحة الوطنية انما ينظر اليها على انها حكومة دمى او مجرد ديكور تجميلي لاحتلال بغيض دمر العراق وشعبه وارجعه الى مائة سنة الى الوراء.
اين من هنا؟.
اغلب الظن ان اردوغان لن يذهب بعيدا في اعتماد الخيار العسكري وان سيبقى ملوحا به لتحسين شروط تفاوضه ومجاراة المؤسسة العسكرية وان كان لن يسمح لها بان تستعيد زمام المبادرة قبل ان يكبلها نهائيا عندما يتم اقرار الدستور الجديد الذي سيضع العسكر في ثكناتهم ويبقيهم تحت امرة الوسط السياسي المنتخب. وتلك مسألة أخرى.
فالغارات التركية تمت بالفعل ولأن انقرة كانت قد اتخذت قراراً بمنح الجيش ضوءاً اخضر لتنفيذ عمليات اجتياح وقصف لتلك المناطق حتى لو أدت الى عملية واسعة النطاق، بصرف النظر عن ردود فعل حكومة اقليم كردستان، وحتى حكومة نوري المالكي حيث كان الاخير وقع اتفاق تعاون أمني مشترك مع رجب طيب اردوغان لمحاربة حزب العمال، ما لبث ان تراجع عنه بعد عاصفة انتقادات حادة ولاذعة وجهها له حزب العمال وايضا حكومة اقليم كردستان..
تعليقات