مدونة محمد خروب

« | »

والعُمانيات ضد انفسهن .. ايضاً!

خرجت المرأة في سلطنة عُمان من ''مولد'' انتخابات مجلس الشورى العُماني بلا حمص، بل ان نساء السلطنة ابدين فعل ''الندم'' على الخطأ الذي ارتكبنه في الانتخابات السابقة عندما ''وضعن'' منهن امرأتين في المجلس الذي انتهت ولايته، وجاء قرارهن هذه المرة حاسماً وقاطعاً: لا لوجودنا كنساء في مجلس شورى.

لسان حالهن يقول: نحن لا نصلح للشورى بل نحن معشر النساء لا مكان لنا سوى المطبخ وتربية الابناء، والبقاء في حال استنفار وتحفز تحت طلب السيد الذكر، سواء في تعظيم نرجسيته واعتبار عدم وجوده كارثة يجب ان يحال بكل الوسائل والسبل كي لا تحدث، ام في الاستجابة لرغباته وطلباته وحقوقه الشرعية، في أي وقت وظرف بدون ابداء الاعتراض او الشكوى او التماس الاعذار لاسباب بيولوجية او نفسية او جسدية..

لم تخرج نساء عُمان عن القاعدة النسوية العربية في مجمل مشهدها بل وجُل تفاصيلها رغم ضجيج مؤتمراتها العديدة في الفنادق الفخمة وعلو ظاهرة حراكها التلفزيوني، فالمرأة الكويتية قبل عام ونيف من الآن ''شقت'' درباً في هذا الاتجاه، بعد ان بدت اكثر نشاطاً وحضوراً وتحدياً لطرح المجتمع الذكوري وهيمنته، وهي في الآن ذاته ابدت نوعاً ولو محتشماً وليناً من الاعتراض على المنطق العشائري والقبلي الذي لم يغادر دولة الكويت على رغم ما تميزت به الحياة السياسية والنشاط الحزبي المتواضع نسبياً في ستينات وسبعينات وثمانينات القرن الماضي، وان كانت تلك الفترات قد حفلت بمصاعب ومواجهات وازمات بين السلطتين التشريعية والتنفيذية والتي اخذت في السنوات الاخيرة التي تلت التحرير (1991) والحرب الاميركية البريطانية على العراق (2003) طابعاً اكثر حدة وصدامية وأزمات لا تهدأ واحدة منها حتى تطل اخرى برأسها، وشهدنا قبل ايام كيف استبقت السلطة التنفيذية الامور وتفاديا لاي مواجهات مع المجلس التشريعي باعلان حكومة جديدة روعي في تشكيلها استبعاد الوزراء الذين هم على خصومة مع التيار المهيمن في مجلس الامة وهم ''الاسلاميون''، وكي لا تذهب البلاد الى انتخابات مبكرة قد تأتي بنتائج معاكسة لطموحات السلطة التنفيذية وتسهم بالتالي في اضفاء المزيد من حال عدم الاستقرار والازمات السياسية في منطقة عاصفة لم تحسم فيها ملفات عديدة والاحتمالات مفتوحة على حروب شاملة او محدودة او تحالفات جديدة مرشحة لان تضع قيد التنفيذ الخطط الجاهزة - او التي ستستجد - لرسم خرائط جديدة في المنطقة وخصوصا منطقة الخليج، التي ستكون مسرح ''الحروب'' التي تقرع طبولها الان، والسؤال حولها لم يعد إن كانت ستشن بل متى سيسمع هدير المدافع وقصف الطائرات.

العُمانيات كما نساء الكويت، وقبلهن الاردنيات، كن وما زلن ضد انفسهن، فلم تسجل المرأة الكويتية حضورا ولو رمزيا لها في مجلس الامة الحالي بعد ان انتزعت فعلا وبعد جهود مثابرة ودؤوبة، حقها في الترشيح بعد ان كان مقتصرا على الانتخاب ما اعتبر انتصارا مهما على طريق تحقيق مطالباتها بالمساواة الافقية والعامودية في المجتمع.

لكنها (المرأة الكويتية كما العُمانية ودائما الاردنية) أسيرة الثقافة السائدة التي ارتضت (وما تزال) تكبيل المجتمع الذكوري لها وتسليمها بذلك، ومنحها ''الرجل'' الدليل العملي على ''استسلامها'' الكامل لقوانينه ومطالبه وسطوته، وإذا كان هناك من تُحَاجِجْ من النساء، بان هذا غير صحيح.. فهل من اجابة على ما حدث في انتخابات سلطنة عُمان الأخيرة؟.

لا قيمة ولا اهمية تذكر للمزاعم النسائية التي تقول ان الرجل اقدر على تقديم الحلول وطرح المقاربات وتحمل مسؤولية انحيازاته السياسية والاجتماعية والفكرية.. ولا قيمة البتة للحديث ''النسائي'' المتهافت حول انعدام تجربة المرأة وعن قصور قدراتها على انتزاع حقوقها من مجتمع ذكوري، لا يلبث ان يتماسك ويتحد في مواجهة مطالب المرأة ومحاولاتها الخروج من سجن التقاليد والممنوعات والمحظورات الذي بناه للمرأة، حتى من قبل مجموعة ''الندرة'' الذكورية، من المستنيرين واصحاب الافكار المتحررة نسبيا الذين لا يمانعون في منح المرأة ''بعض'' حقوقها.

سقطت نساء عُمان في التجربة كما الفشل الذي سجلته على نفسها المرأة الكويتية ونحسب ان المرأة الاردنية ستعيد (بعد ثلاثة اسابيع من الآن) تكرار ممارساتها السابقة والتي ما تزال بعضها ''طازجة'' ونقصد بذلك الانتخابات البلدية التي خذلت فيها المرأة نفسها حتى في اطار ''خدمي'' بحت، تنهض به مجالس الحكم المحلي (البلديات والمجالس القروية) ناهيك عن ''سجلها'' غير الباعث على التفاؤل في الانتخابات البرلمانية التي نادرا ما تسمح لنفسها بان تمنح صوتها لمرشحة من جنسها، واذا ما خرجت نسبة منهن على المألوف، فانها تبقى نسبة متواضعة غير كافية لايصال امرأة للندوة البرلمانية الا عبر ''الكوتا'' التي هي محاولة لادخال المرأة من الباب ''الخلفي'' لمجلس النواب، لكنها لا تعبر عن حال ديمقراطية سليمة مهما حسنت النوايا.

المرأة تكيد لنفسها وتزيد من ''سمك صفائح'' سجن الممنوعات والمحظورات المفروضة، وتجذر الثقافة الذكورية التقليدية، التي لا ترى فيها جزءا منتجاً في المجتمع ولا تعترف في الاساس بانسانيتها بما هي حقوق اصيلة لا نقاش حولها ولا سجالات، هي من حق ''الانسان'' أياً كان جنسه.

لكن ما يثير الغرابة والغضب في الآن عينه، هو ان المرأة لا تكتفي باسقاط المرأة، بل تقوم بالتصويت لصالح اولئك الذين لا يرون فيها الا ''عورة'' يجب دائما تغطيتها وحجب الضوء عنها.

تعليقات

اضافة تعليق
authimage
رمز التأكيد
 
A service provided by Al Bawaba