« |
»
23 تشرين اول, 2007
اردوغان اذ يحذر اميركا..!
سيدخل رجب طيب اردوعان التاريخ - ان لم يكن قد دخله فعلا - ليس فقط كأحد ابرز السياسيين الاتراك دهاء وبراغماتية واستيعاباً للمعادلات الداخلية، التي تشكل المؤسسة العسكرية ''أهم'' عناصرها، وانما ايضا لاصراره على ايجاد موطئ قدم لتركيا كدولة اقليمية كبرى ذات مصالح ونفوذ، يجب ان يؤخذا في عين الاعتبار، عند رسم الخرائط الجديدة في المنطقة، او بناء التحالفات الاستراتيجية او ''توزيع الغنائم''، بعد ان كانت تركيا طوال العقود الثمانية الاخيرة، وخصوصاً اندلاع الحرب الباردة في اوائل خمسينات القرن الماضي، حتى تفكك الاتحاد السوفياتي، مجرد قاعدة تجسس لحلف شمالي الاطلسي، الذي لم يكن ''ضمها'' الى عضويته، الا لكي يكمل طوق حصاره لمنظومة الدولة الاشتراكية، ولكي يجعل منها منطلقاً لبناء تحالفات اقليمية مساندة كحلف بغداد أو السنتو وغيرهما..
رجب طيب اردوغان، يبدو أنه من قماشة مختلفة عن الزعماء الاتراك الذين سبقوه في نظرته الى تركيا، الدور والمكانة والموقع الاستراتيجي، وخصوصاً ان رموز الطبقة السياسية الذين توالوا على حكم تركيا، بعد رحيل كمال اتاتورك، كانوا في حاجة دوماً الى دعم المؤسسة العسكرية واسترضائها، ما افقدهم هامش المناورة السياسية، وخصوصاً قواعدهم الشعبية، التي تخلت عنهم في شكل اقرب الى الاذلال، على النحو الذي شهدناه قبل خمس سنوات، عندما تم شطب الاحزاب التقليدية كافة، في انتخابات العام 2002 بفوز حزب العدالة والتنمية ''وبقاء'' الحزب الجمهوري الذي أسسه كمال اتاتورك لاسباب عاطفية بالتأكيد، ولأن الاتاتوركية لم تختف بعد من المشهد التركي رغم الضعف الذي هي عليه الان وتآكل شعبيتها وحدوث متغيرات عاصفة اجتماعية وسياسية واقتصادية وثقافية داخل المجتمع التركي، لم يعد من الممكن الاستمرار بحقن ''جسد'' الاتاتوركية المنهك، بمزيد من الدماء، بعد أن تعطلت - او كادت - باقي ''اجهزته'' ولم يبق غير المؤسسة العسكرية التي بدأت تشعر بحجم التغييرات التي طرأت على دورها ومكانتها، ولهذا فهي لا تسارع الى الصدام والمواجهة - عبر القيام بالانقلاب ونشر الدبابات والجنود في الشوارع كما فعلت اربع مرات سابقة - بل هي تهادن وتسعى لتسويات معينة بانتظار ظهور ''فرص'' اخرى تسمح لها بتجديد دورها او استعادة مكانتها كمدافع عن ''الكرامة الوطنية للامة التركية'' وليس فقط عن الاتاتوركية بوصفها حارس هذه ''الايقونة'' التي لا يعيرها الكثيرون اهتماماً يذكر، مع بزوغ نجم حزب العدالة والتنمية وتجذر حضوره في المشهد التركي ونجاحه في ايصال مرشحه الى القصر الجمهوري الذي اعتبر على الدوام رمزاً للعلمانية (الاتاتوركية) محظور على غيرهم دخوله، سواء كان اكتسى رأس زوجة الرئيس حجابا (كما هي حال السيدة خير النساء) زوجة عبدالله غل أم لا.
سجّل اردوغان لنفسه (ولحزبه) يوم أول من أمس، نقطة ثمينة تمثلت في الموافقة الشعبية الكبيرة على التعديلات التي اقترح حزبه ادخالها على الدستور، لعل أهمها انتخاب رئيس الجمهورية في الاقتراع الشعبي المباشر (وتقصير مدة رئاسته الى خمس سنوات بدلاً من سبع) والثاني اجراء الانتخابات التشريعية (البرلمانية) كل اربع سنوات وهي تعديلات جوهرية إذا ما اخذنا في الاعتبار ان العلمانيين وخصوصاً المؤسسة العسكرية، كانوا يمسكون بكافة الخيوط التي تضمن وصول رئيس بالمواصفات التي يضعونها هم، ورأينا المجابهة الاخيرة حول توفر نصاب الثلثين، حيث حيل بين حزب العدالة والتنمية وايصال مرشحه (عبدالله غل) داخل البرلمان بحجة ان التصويت، الذي تم، لم يكن دستوريا لأن نصاب الثلثين لم يكن متوفراً في الجلسة، وهو ما ايدته محكمة العدل العليا التركية، ما ادى في النهاية الى الذهاب لانتخابات مبكرة، جاءت لصالح حزب اردوغان في شكل كبير مكّنه من ''فرض'' عبدالله غل كأول رئيس ''غير عثماني'' لتركيا الاتاتوركية منذ ثمانين عاماً.
طال عرضنا للمشهد التركي الجديد، رغم ان النية كانت متجهة للحديث عن الازمة المتصاعدة بين انقرة وواشنطن، على خلفية التوتر الخطير الذي يميز الاوضاع على الحدود التركية العراقية والتي قد تفضي في النهاية الى قطيعة اميركية تركية، ليس لأحد منهما مصلحة في الوقت الراهن ان تحدث.
لم تصل الأمور بعد الى نقطة اللاعودة، لكن رجب طيب اردوغان (وهنا نواصل الحديث عن مواصفات هذا الرجل الذي يواصل بدأب وصبر حصد المزيد من المكاسب المترافقة في الآن نفسه مع ارتفاع شعبيته وشعبية حزبه ايضا) لم يعد يُخْفِ غضبه من المراوغة الاميركية في شأن الملف الكردي الذي بات ''كعب أَخيل'' لمستقبل اردوغان السياسي ومكانة حزب العدالة والتنمية، بعد ان تواصل سقوط المزيد من القتلى في صفوف الجنود الاتراك من قِبل مقاتلي حزب العمال الكردستاني التركي، ما يقوي من شوكة المؤسسة العسكرية (الذي يسعى اردوغان الى تقليم اظافرها، واخضاعها للمستوى السياسي وليس العكس كما كان يحدث طوال العقود السابقة).
لهذا خرج اردوغان على المألوف السياسي والدبلوماسي التركي، وقال في مقابلة غاضبة مع صحيفة التايمز اللندنية يوم امس (حيث بدأ زيارة لبريطانيا). انه ابلغ الرئيس بوش اكثر من مرة ان موضوع الانفصاليين الاكراد في غاية الحساسية ''دون ان يلمس أي نتائج'' واوضح ان مقاتلي حزب العمال ''يتخفون'' (..) وراء ''اميركا'' والحكومة العراقية، وانهم يقتلون الاتراك بأسلحة اميركية!!. كلام خطير وغير مسبوق وبالتأكيد له أكلافه السياسية، ولهذا لم يتردد (اردوغان) في تحذير واشنطن من ان بلاده ستهاجم المتمردين الاكراد في العراق وانه ليس بحاجة ''لأخذ الاذن'' من احد للدفاع عن بلاده.
واذا ما استدعينا للذاكرة تصريحا لافتا وخطيرا لرئيس الحكومة التركية امام البرلمان قبل ايام عندما قال: ان انقرة مستعدة لدفع الثمن المترتب على قرارها اجتياح شمال العراق ''للقضاء'' على حزب العمال الكردستاني، فاننا نكون امام تطورات دراماتيكية، يمكن ان تكون عاصفة على اكثر من صعيد سياسي ودبلوماسي وخصوصا ميداني.
واشنطن لا تسقط ''بالتأكيد'' تحذيرات اردوغان من حساباتها.. لكن إلى أين تذهب الأمور؟.
.. لا أحد يعرف، فالغموض والارتباك سيدا ''المواقف''، حتى لو عرض حزب العمال الكردستاني وقفاً لاطلاق النار من جانب واح
تعليقات