24 شباط, 2008
الاجتياح التركي لشمال العراق.. التوقيت والتوافقات السرية !
عاد العراق، الذي لم يغب اصلاً، الى صدارة جدول الاعمال الدولي ليس من باب
ارتفاع حدة السجالات بين الكتل البرلمانية والحزبية حول كيفية توزيع كعكة
الحكومة الجديدة التي يجري الحديث عنها منذ مدة طويلة، وليس حول اقتراب
عدد القتلى من الجنود الاميركيين الى اربعة الاف (عددهم الآن وفق البيانات
الرسمية 3984) دون احتساب القتلى من المتعاقدين الذين تم تجنيدهم تحت
اغراءات الحصول على الكرت الاخضر السابق على الجنسية الاميركية وليس
بالتأكيد افراد الشركات الامنية العاملة في العراق مثل سيئة السمعة والصيت
بلاك ووتر ، التي ولغت في دم العراقيين وجعلت من شوارع مدنهم وبلداتهم
ميادين تدريب بالذخيرة الحية لهؤلاء المرتزقة.
العراق عاد الى واجهة المشهد الدولي من البوابة التركية، حيث دفعت انقرة
بأكثر من عشرة الاف جندي عمقاً، باتجاه معاقل حزب العمال الكردستاني
التركي (PKK) المتمركز في جبال قنديل، في احوال مناخية غير ملائمة لكنها -
وهنا هو الأهم واللافت - تأتي في ظروف ومناخات سياسية ودبلوماسية ملائمة،
تستدعي نظرية المؤامرة بامتياز وتستوقف المراقبين وعواصم المنطقة المعنية
بالرسائل التي تنطوي عليها هذه الخطوة التي سيكون لها ما بعدها في ظل
عملية المراجعة التي تقوم بها ادارة بوش في الشهور القليلة المتبقية على
وجودها في البيت الابيض وعملية الهجوم الشامل السياسي والدبلوماسي وربما
العسكري التي تحضر لها لاعادة ترتيب اوراق المشهد الاقليمي، وربما رسم
خرائط جديدة اذا ما سمحت لها حقائق الميدان بذلك.
يمكن رصد عملية المراجعة او ترتيب اوراق المشهد الاقليمي في ثلاث محطات
رئيسة، وهي اصلاً ساحات المواجهة المفتوحة بين الاطراف اللاعبة عليها،
كالعراق الذي يحاول بوش ورايس انزاله عن جدول اعمال المعركة الانتخابية
حول ترشيحات الحزبين الرئيسيين للرئاسة عبر جلب انتصار ما على الجبهتين
اللبنانية او الفلسطينية والذي يأخذ طابعاً متصاعداً من الحدة على الاولى،
فيما الثانية (الفلسطينية) باتت مرشحة اكثر من أي وقت مضى لعملية عسكرية
واسعة النطاق تعيد فيها آلة القتل الاسرائيلية احتلال قطاع غزة ولا تنسحب
الا بقدوم قوات دولية (لا مانع ان يكون معظمها من دول اسلامية وعربية)
تتولى الفصل بين حدود القطاع مع اسرائيل وقد تكون مسلحة بالفصل السابع من
ميثاق الامم المتحدة الذي يسمح لذوي القبعات الزرقاء باستخدام القوة، ضد
الذين يطلقون النار (باتجاه اسرائيل بالطبع) وهو امر ان تم سيكون مقدمة
اولى وطبيعية لفرض حل دولي (اقرأ اميركي اسرائيلي) على الفلسطينيين في
الضفة والقطاع يتجاوز كل ما يعلكه المسؤولون الفلسطينيون (وبعض العرب) حول
الدولة المستقلة القابلة للحياة التي ستقوم وفق قرارات الشرعية الدولية
وخارطة الطريق (لا تنسوا المبادرة العربية التي لا احد يتحدث عنها غير
العرب)..
لم نذهب بعيداً عن شمال العراق، لكننا حاولنا ربط القضايا الثلاث في اطار
سيناريو لا يحتاج المرء الى كبير عناء لاكتشاف الصلة الوثيقة بينها، ليس
فقط في عملية التسخين والتصعيد الجارية على قدم وساق والتي بدأتها انقرة
عبر الجبال المكسوة بالثلوج، والتي لم يقدم على مثلها أي جيش في العالم
سوى ما دار في الحرب العالمية الثانية من معارك فرضتها طبيعة الاهداف
وعناد المتحاربين وعدم جدوى التوصل الى وقف اطلاق نار بين الحلفاء ودول
المحور حتى لا يستفيد العدو من عامل الوقت لتعزيز قدراته والتقاط الانفاس
واعادة تنظيم صفوفه، حيث كان يظن كل طرف انه على وشك الحاق الهزيمة
بالآخر، وانما ايضاً لأن المايسترو واحد وهو هنا الولايات المتحدة
الاميركية المعنية الاولى مباشرة بما يجري وصاحبة القرار الاول والاخير في
مسارات الاحداث والتي تكشفها الاشارات التالية:.
*ادارة بوش كانت على علم مسبق بموعد بدء العمليات العسكرية التركية وهو ما
اكده الناطقون باسمها ولم تقع ضحية المفاجأة لأنها اولاً هي السلطة
الفعلية في العراق ولأنها ثانية على علاقات وثيقة بأنقرة حكومة ومؤسسة
عسكرية على حد سواء.
* هذا يعني - استطراداً - ان واشنطن ادارت ظهرها لحكومة اقليم كردستان (دع
عنك حكومة المنطقة الخضراء فهي غير موجودة على جدول أعمال بوش اصلاً) وهو
تطور خطير ازاء مستقبل المعادلات التي استقرت، أقله منذ خمس سنوات من الان
بين واشنطن واربيل، ما يعني ان بوش قد سلك الطريق التي سار عليها بيل
كلينتون عندما صرف النظر عن تدخل الجيش العراقي (جيش صدام) لصالح مسعود
البرزاني، بعد ان لاحت هزيمته على يد قوات جلال طالباني في اواسط تسعينات
القرن الماضي ما أدى الى تغيير عميق في التحالفات وشعور الاكراد بأنهم
خُذلوا مرة ثانية على يد حليفهم الاميركي، لكن المشهد هذه المرة اكثر
كارثية على المشروع الكردي برمته لأن تركيا لن تعود من شمال العراق إلاّ
بعد تحقيق اهداف العملية هذه وهو تعبير يستخدمه الاميركيون في العراق منذ
خمس سنوات، وبرع فيه الاسرائيليون في جنوب لبنان طوال ربع قرن.
* حكومة نوري المالكي كانت كعادتها دائماً، آخر من يعلم وكل من تابع وقائع
الاجتياح كان يتوقف عند اعلان بليد يقول أن لا علم لبغداد باجتياح تركي
لشمال العراق، وعندما بات الأمر حقيقة وغدت رسالة عبدالله غل لجلال
طالباني بمثابة إخبار ببدء العملية، قيل ان رسالة احتجاج من حكومة المالكي
قد تم ارسالها الى انقرة تشجب فيها تعريض سيادة ووحدة الاراضي العراقية
للخطر.
ما يجري الان في شمال العراق يتجاوز بعده العسكري الى تداعيات السياسة
التي ستتجاوز مسألة قتل او أسر عدد من مقاتلي حزب العمال، لأن تركيا وطوال
ربع قرن لم تتوقف عن شن غارات وتوغلات كهذه، فالاجتياح الحالي أعاد ترتيب
بعض الاولويات على اكثر من صعيد حيث نجحت حكومة اردوغان في تمرير قانون
الحجاب وصادق عليه رئيس الجمهورية عبدالله غل في اليوم ذاته الذي اعطت فيه
الضوء الاخضر للمؤسسة العسكرية، كي تدخل شمال العراق في عرض قوة لا يخلو
من اشارة للعب دور في القرار السياسي وإن كان سيبقى دوراً محسوباً
ومحدوداً.
الاجتياح شكل المسمار الاخير في نعش حكومة المالكي التي تم تجاهلها على
نحو كامل وهي (وان رغبت) لا تستطيع ان تفعل شيئاً، أما الاكثر خطورة في
تداعيات الخطوة التركية الاميركية المنسقة على أعلى مستوى، هو حدوث تصدع
في حكومة اقليم كردستان وانخراط مسعود برزاني في المواجهة مع القوات
التركية كاشارة على احتمال حدوث تفاقم (حتى لا نقول تواطؤ) بين انقرة
والاتحاد الوطني الكردستاني بزعامة جلال طالباني الذي لا يشارك برزاني
رأيه في حزب العمال، ولا أيضاً في خطورة الخطوة التركية الراهنة على نحو
يبدو انه اقرب الى الرأي الاميركي القائل بأنها عملية محدودة العمق والمدة
منه الى رأي برزاني الذي يراها مقدمة لتخل اميركي عن الاكراد واقليمهم
واجهاض حلمهم في دولة مستقلة او قريباً من صيغتها.
14 شباط, 2008
يحدث فـي لبنان اليوم.. ماذا سيحدث؟
ربما لم يكن توقيت اغتيال القائد البارز في حزب الله، والمطلوب اسرائيلياً
وخصوصاً اميركياً، عماد مغنية، مقصوداً لذاته ليتزامن مع ذكرى الرابع عشر
من شباط، التي ستضع لبنان اعتباراً من اليوم الخميس، أمام مفترق حقيقي،
بعد ان تلقى حزب الله ضربة موجعة وقاسية، بل ومهينة، وبعد أن تحقق
الاختراق الأمني، الذي كان يفاخر به عن حق، والذي سيكون موضع تندر وشماتة
من قبل معارضيه في لبنان، الذين سيرون في ما حصل في رسالة واضحة، بأن
امكانية توجيه ''صفعات'' للحزب باتت واردة، وستكون تعليقاتهم الساخرة أشد
وطأة على دمشق، التي حصل فيه الانفجار وبالقرب من مركز استخباري سوري
كبير، وسيعيدون التذكير بالغارة الاسرائيلية على ما وصف بالموقع
''النووي'' بالقرب من دير الزور في 6 ايلول الماضي، اضافة الى سلسلة
الاغتيالات والغارات، كتلك التي تمت في عين الصاحب.
ليست مهمة صعبة او مستحيلة، الرد على مثل هذه المواقف التي تستدعي اولاً
طبيعة الحروب الاستخبارية المحتدمة، على اكثر من ساحة وعبر اكثر من قارة
وفي داخل اكثر من بلد على سطح المعمورة، ما بالك اذا كانت منطقة كمنطقتنا
ودولة مثل لبنان، لم تتوقف حروب اجهزة الاستخبارات الاقليمية والدولية
لحظة واحدة على ارضها؟.
سجل اولمرت نقطة ثمينة لصالحها، في صراع البقاء السياسي، الذي يخوضه منذ
ان وضعت حرب تموز 2006 اوزارها، وخصوصاً بعد تقرير فينوجراد النهائي،
والنقطة ''الثمينة'' ذاتها، شاركه فيها ايهود باراك وزير دفاعه والباحث عن
أي انجاز، ليصد الانتقادات اللاذعة والمتواصلة التي توجهها احزاب
المعارضة، كما في داخل حزب العمل الذي يرأسه، والاوساط الصحفية والاعلامية
على قراره البقاء في الحكومة وعدم الاستقالة، كما كان وعد في خطابه
الشهير، الذي تصفه الصحف الاسرائيلية بخطاب ''سدوت-يم''، والذي قال فيه
(وقتذاك) انه اذا جاء تقرير فينوجراد النهائي قاسيا بحق اولمرت، فانه
سيسارع الى سحب وزراء حزب العمل من الائتلاف الحكومي، اذا لم يقم اولمرت
بالاستقالة، أو اذا لم يبادر حزب كاديما باستبدال اولمرت وانتخاب رئيس
جديد له (كان يفضل تسيبي ليفني).
تَبَجّح آخر سيضاف اعتبارا من اليوم الى قاموس الثنائي اولمرت - باراك
(مستر أمن)، وهو تصفية الحاج رضوان (عماد مغنية)، وستلوذ اسرائيل بالصمت
وتضفي على عملية ''كفرسوسة'' غموضا واثارة، على الطريقة التي سارت عليها
منذ عملية دير الزور (6 ايلول 2007)، والتي لا تستطيع الصحافة الاسرائيلية
(حتى الآن) الاشارة اليها، إلاّ اذا اضافت اليها عبارة (وفق مصادر
اجنبية)، دون ان تسمح لها بالخوض في التفاصيل.
وقائع التاريخ اللبناني الحديث وعلى وجه الدقة الذي بدأ في العام 1982،
وهو عام الاجتياح الاسرائيلي الاكبر وعام احتلال بيروت وترحيل منظمة
التحرير الفلسطينية الى المنافي، وايضا عام قيام حزب الله وبروزه كرقم صعب
في المعادلة اللبنانية والاقليمية، تقول ان اسرائيل بتصفيتها لقائد في
الصف الاول او الثاني، تحصل على من هو اكثر تشددا وشعبية منه، حدث هذا مع
عباس الموسوي امين عام الحزب، والذي لم يكن خطيبا مفوهاً او شخصية
كاريزمية، فجاء حسن نصرالله ليتصدر المشهد، كذلك الحال مع راغب حرب وبعض
الكوادر القيادية، التي نجحت اسرائيل مباشرة او عبر عملائها الكثر في
لبنان في تصفيتهم.
ما يعنينا هنا هو محاولة قراءة ما بعد تصفية عماد مغنية، الذي غدا شخصية
اسطورية، بعد كل الاموال والجوائز التي رصدت لاعتقاله واغتياله، وبعد كل
ما اثير حول قدراته التنظيمية والعسكرية وعقله الاستراتيجي، الذي يصل بين
جنوب لبنان وبيروت والعاصمة التركية انقرة، الى بيونس ايرس في الارجنتين
والتخطيط لخطف الطائرات والاختفاء في طهران، ثم ترحيل الاخيرة له خوفاً من
الانتقام، ثم الكشف عن انه كان حارساً لياسر عرفات، الى الاقرار مؤخراً
بأنه كان مهندس حرب تموز 2006، ومديراً لعمليات حزب الله ضد الجيش
الاسرائيلي، والمخطط الكفؤ لحماية زعماء حزب الله وتوفير الامن لهم..
تصفية شخصية كهذه تدفع حزب الله الى اعادة قراءة المشهد اللبناني
والاقليمي، وفق المعطيات التي افرزتها عملية كفرسوسة، وايضا في ظل ردود
فعل ''الاكثرية'' على الضربة الموجعة التي تلقاها الحزب، والتي يمكن رصدها
في التظاهرة الشعبية التي دعت اليها الموالاة ''اليوم'' في مناسبة الذكرى
الثالثة لاغتيال رفيق الحريري، والتي هدفت الاكثرية من ورائها استعادة بعض
الزخم الجماهيري، الذي فقدته عبر لجوئها الى التصعيد وتَقَصُّد اختيار لغة
التهديد بالحرب والاستعداد لحرق الاخضر واليابس..
ذكرى الرابع عشر من شباط، رأى فيها وليد جنبلاط ''موعداً مع التجديد
والتحدي''، وأعلن في غير مواربة، ان التعايش مع حزب الله لم يعد وارداً،
واتهمه صراحة بأنه يريد اقامة دولة ''شيعية'' في المنطقة الواقعة الى جنوب
طريق الشام.. فيما لوّح سمير جعجع وسعدالدين الحريري، براية المحكمة
الدولية وقصاصها القريب..
قد تكون هذه التصريحات باتت جزءاً من ''الماضي''، رغم طزاجتها واصدائها
التي كانت ما تزال تتردد الى ما قبل الكشف عن اغتيال عماد مغنية صباح يوم
امس.
ما قد يحدث اليوم في ساحة الشهداء (حيث تتجمع الموالاة)، وقريباً من
السراي الحكومي القريب (حيث تعتصم المعارضة منذ عام ونيف)، سيكون المؤشر
على الطريق الذي سيذهب اليه لبنان، وخصوصاً انه اليوم الذي سيشيع فيه
جثمان عماد مغنية أو الحاج رضوان.. ايضاً.
05 شباط, 2008
المركز الفضائي الايراني.. رسائل في عصر (السماوات) العربية المستباحة!
لن يقع العرب في ترف المفاجأة التي جاءت هذه المرة من ايران، بعد ان
ادمنوا التثاؤب والانتظار، وبعد ان استقالوا من كتابة التاريخ (أي تاريخ؟)
وراحوا يعدّون الايام، ويرفعون الاكف الى السماء ضارعين الى المولى عز
وجل، أن يهزم الاعداء ويغيّر اوضاعهم الى ما هو افضل، متناسين عن عمد
وسابق اصرار الآية الكريمة التي تقول: ان الله لا يغيّر ما بقوم حتى
يغيّروا ما بأنفسهم ..
لا يريدون صناعة التغيير بأيديهم لأنهم عاجزون ومستبدون، ولا يستطيعون
إحداث أي نقلة نوعية في حياة شعوبهم، لأنهم رفعوا الاسوار وشيدوا السجون
والمعتقلات وكمموا الافواه ومنعوا البحث العلمي، ولم يرصدوا شيئاً يذكر
للتأسيس له، بل هم اسهموا بجدارة تُحْسبُ لهم ، في تهجير العقول العربية
وتدجين الجامعات وتفريغ المناهج الدراسية، الجامعية والمدرسية، على حد
سواء، من أي معايير وحوافز على البحث والقراءة النقدية وطرح الاسئلة،
وزجوهم في غياهب التلقين والاساطير والخزعبلات والغيبيات والروايات
التاريخية المزورة، اضافة الى انتهاك حقوق الانسان ومصادرة الحريات
وازدراء كل ما يمت بصلة للقانون والدستور والدولة المدنية..
ماذا عن المفاجأة الايرانية؟.
يوم امس، وفي توقيت مقصود يتزامن مع بدء الاحتفالات بالذكرى 29 للثورة
الاسلامية، دشنت ايران اول مركز فضائي، سينطلق منه القمر الصناعي الايراني
الثاني الذي يحمل اسم أوميد أي الامل، ومحطة تحت ارضية للمراقبة ومنصة
اطلاق .
ما من شك بأن للاعلان هذا، جانبه الدعائي والنفسي وبخاصة في ظل اقتراب
صدور قرار جديد لمجلس الأمن بفرض عقوبات اقتصادية جديدة على ايران، وأيضاً
بعد صدور تقرير فينوغراد الاسرائيلي والذي يضع المسؤولية كاملة على
المؤسسة العسكرية في الفشل الذريع الذي لحق بعدوان اسرائيل على لبنان تموز
2006 والذي لم يخف مسؤولوه وعلى رأسهم رئيس الاركان غابي اشكنازي ووزير
الدفاع ايهود باراك، ان جزءاً من عملية الترميم لقدرة الردع الاسرائيلية
واعادة الاعتبار للجيش الرابع الاقوى في العالم (وفق تقرير فينوغراد)
سيكون في لجم تهديدات البرنامج النووي الايراني، وأن تل ابيب ستعمل
بمفردها ، اذا لم تستطع اقناع الادارة الاميركية بالخطأ الذي وقع فيه
تقرير وكالة الأمن القومي الاميركي (تضم 16 وكالة استخبارات متخصصة) عندما
قال التقرير ان ايران أوقفت نشاطاتها النووية في ايار عام 2003، فضلاً عن
الملخص الذي استمع اليه بوش خلال زيارته التاريخية الاخيرة لاسرائيل في
لقاء منفرد مع اولمرت.
ليس جديداً اذاً، ان يبقى العرب في وضع من يُرى ولا يَرى بعد ان غدا
التنافس في مجال الاقمار الفضائية التجسسية (في المنطقة) مقتصراً على تل
ابيب وطهران، فالأولى اطلقت سلسلة اقمار اوفيك (الافق) منذ اكثر من عقد
ونيف من السنين، بل هي وقبل ثلاثة أسابيع اطلقت أكثر اقمارها التجسسية
تطوراً من احد المراكز الهندية (جارة ايران) ولم يخف قادتها ومسؤولوها ان
ايران هي الساحة التي تتركز عليها كاميرات (افق 7).
ايران من جهتها كانت تعد مفاجأة ربما لا تكون من العيار الثقيل في المجال
العلمي الذي تتوفر عليه سلسلة اقمار افق الاسرائيلية الا انها مفاجأة بكل
المعايير، بما تثيره من قلق في الاوساط الاسرائيلية وخصوصاً لجهة التطور
الذي سيكون قد أكد على صناعة الصواريخ الباليستية الايرانية كون اطلاق
القمر الصناعي يحتاج الى صاروخ باليستي متطور، يستطيع وضع القمر الصناعي
في مداره المطلوب، وما يعني ذلك من قدرة هذا الصاروخ على الوصول الى
مسافات بعيدة، سيكون كل اسرائيل في مرماها، ما يفرض على المراقب استدعاء
الضجيج الاعلامي الاسرائيلي (والغربي) عالي النبرة والايحاءات، عن التجربة
الناجحة التي اجرتها اسرائيل قبل اسبوعين على صاروخ باليستي بعيد المدى،
قال محللون عسكريون انه قادر على حمل رؤوس نووية في رسالة واضحة لطهران،
أنها لن تكون بمأمن إذا ما فكرت في مهاجمة اسرائيل او استهدافها.
الجديد في المفاجأة الايرانية (دع عنك المفاجآت الاسرائيلية المتلاحقة
صواريخ باليستية وأقمار تجسس وصناعات عسكرية وترسانة نووية) هو أنها تأتي
في سياق دبلوماسية، ترفض تقديم أي تنازل او الاستجابة لأي نوع من الضغوط
الدولية، بل والاغراءات بحوار واسع وعريض وغير مشروط بين واشنطن وطهران
كما قالت كونداليزا رايس في الاسبوع الماضي، اذا ما وافقت ايران على وقف
(وليس تفكيك على غرار النموذج الكوري الشمالي) برنامجها النووي وخصوصاً
عملية تخصيب اليورانيوم.
العرب كعادتهم وقد رفعوا عقيرتهم برفض الوقوع في الابتزاز النووي الاقليمي
وأعادوا إنتاج تصريحاتهم واقتراحاتهم التي لم يأخذ احد بها في تحويل الشرق
الاوسط منطقة خالية من الاسلحة النووية وباقي اسلحة الدمار الشامل، هددوا
(يا للهول) باعادة الاعتبار لبرامجهم النووية السابقة (أين هي؟) وثم
اوضحوا (حتى لا يخاف أحد) أنهم سيكرسونها للاغراض السلمية ولم تخف واشنطن
ولا باريس (وخصوصاً تل ابيب) بل إن الرئيسين بوش وساركوزي خلال جولات
المبيعات التي قاما بها لدول المنطقة (ساركوزي زار دول المغرب العربي
ايضا) عرضا تزويد العرب بالمفاعلات النووية اللازمة وبأي حجم من الميغاواط
يريدون.. فلا احد يخاف العرب ولا احد يحزن لحالهم.
المباراة إذاً ثنائية بين اسرائيل وايران والساحات التي تلعب عليها
الدولتان لاحراز الفوز وقصب السبق والنفوذ، هي المنطقة العربية المفككة
والمهزومة والخارجة من التاريخ دولها والشعوب على حد سواء، والمعارك
المندلعة الان بينهما تتجاوز جدول الاعمال الذي يظهر على السطح، لان ثمة
قوى دولية عديدة ذات مصلحة في تغليب هذا الطرف او ذاك، اضافة الى ان
استمرار مثل هذا الاحتقان يخدم مصالح معظم عواصم القرار الدولي في مراكمة
وتعظيم مصالحها وخصوصا الوجود العسكري في بلاد العرب.
هل يفعل العرب شيئا؟.
ليس للتفاؤل مكان فيما نحسب.
03 شباط, 2008
هل يفوز اردوغان في معركة الحجاب ؟
تركيا على ابواب مرحلة جديدة، من يحرز الفوز فيها، سيكون صاحب اليد الطولى في تقرير مستقبلها عقد من الآن.. على الأقل..
طرفا المواجهة الآخذة في السخونة هما كالعادة، الاسلاميون المعتدلون الذين
ينضوون تحت راية حزب العدالة والتنمية الحاكم بزعامة رجب طيب اردوغان،
والعلمانيون الذين يتوزعون بين المؤسسة العسكرية وهي الاقوى ومجموعة
الاحزاب القومية واليسارية واساتذة الجامعات والنخب المثقفة التي تبدي
تخوفاً من الهيمنة المتزايدة للاسلاميين المعتدلين والذين يطبقون بمهارة،
وصبر و تكتيكات فاعلة في التعامل مع ردود فعل المؤسسة العسكرية وحلفائها
من العلمانيين، في التزام معلن بقواعد اللعبة الديمقراطية وفي غير انفعال
او ارتباك بل وفي وقت من الاوقات لم يترددوا في ابداء الحزم الممزوج
بالمرونة، ازاء تهديدات الجيش بالتدخل في مسار الاحداث والسيناريوهات التي
بدأ حزب العدالة والتنمية تطبيقها، لا سيما بعد ان توفر على الاغلبية
وحاول ايصال عبدالله غل لموقع الرئاسة خلفاً لأحمد نجدت سيزر المنتهية
ولايته في نيسان الماضي، وحيث رضخ حزب العدالة والتنمية لقرار المحكمة
العليا بضرورة توفر نصاب الثلثين لجلسات مجلس النواب الثلاث وليس الاولى
فحسب، فان الثنائي اردوغان وغل لم يترددا في حسم الامور، والدعوة الى
انتخابات مبكرة وظّفا فيها كل ما توفرا عليه من خبرة طوال السنوات الخمس
الاولى التي حكموا فيها تركيا منفردين، وجاء فوزهم في تموز الماضي كاسحاً
وصادماً لكل من المؤسسة العسكرية والاحزاب القومية الذين سلّموا بالنتيجة،
وإن كانوا أبقوا ايديهم على الزناد في انتظار ظروف داخلية او اقليمية
ملائمة اخرى، قد تمنحهم فرصة لاستعادة نفوذهم المتآكل والمتراجع امام
الزحف البطيء ولكن الكاسح والواثق من نفسه الذي يقوم بها العدالة والتنمية
.
كانت هجمات حزب العمال الكردستاني التركي ""PKK التي تصاعدت ضد الجيش
التركي والحراس الاكراد في منطقة ديار بكر الصيف الماضي فرصة حاولت
المؤسسة العسكرية استثمارها لاجتياح شمال العراق (جبال قنديل في اقليم
كردستان) وربما الوصول الى كركوك لفرض أمر واقع جديد، قد تتورط فيه حكومة
اردوغان وبالتالي تدفيعها الثمن السياسي والشعبي إذا ما وقعت خسائر فادحة
في صفوف الجيش في حال اعتبرت حكومة اقليم كردستان العراق ان الاجتياح يشكل
اعتداء عليها وبالتالي قامت بشن عمليات ضد الجيش التركي، الذي وفي سعي
واضح من قيادته لتوريط اردوغان، قال رئيس اركانه الجنرال بيوكانيت انه
يحتاج لقرار من المستوى السياسي.
دخلت واشنطن كما هو معروف على الخط وعقد بوش صفقة مع اردوغان خلال زيارة
الاخير لواشنطن قبل اشهر تراجعت فيه حظوظ الاجتياح الشامل، لصالح قيام
انقرة بغارات جوية على منطقة جبال قنديل مقابل معلومات وصور حديثة وفرتها
الاستخبارات الاميركية للجيش التركي.
هدأت المواجهة بين الحزب الحاكم الذي نجح في ايصال غل الى القصر الرئاسي
كأول اسلامي يجلس على مقعد كمال اتاتورك مؤسس تركيا الحديثة، بعد ان
استطاع تأمين النصاب المطلوب (الثلثين) ولم يكن يحتاج سوى الى عشر اصوات
بعد فوزه العظيم الذي مكّنه من رفع حصته في البرلمان من 32% الى 44%
تقريبا.. ثم جاءت الآن مسألة الحجاب لتعيد السخونة الى الساحة السياسية
والحزبية والتي تتمثل في اندلاع مظاهرات في اكثر من عشرين مدينة تركية ضد
مشروع القانون الذي ينوي حزب العدالة والتنمية طرحه قريباً للتصويت في
البرلمان التركي يسمح لكل الفتيات التركيات بالدراسة في الجامعات بصرف
النظر عن لباسهن (القانون الحالي لا يسمح بمن تضع الحجاب على رأسها
بالدراسة في الجامعات).
العلمانيون وعلى رأسهم المؤسسة العسكرية التي ترى نفسها حارسة لإرث
اتاتورك رأوا في مشروع القرار تهديداً للعلمانية، بل ان الجيش ما يزال يرى
في الحجاب رمزاً سياسياً وليس مجرد لباس رأس او حرية شخصية..
المعركة الراهنة ستكون حاسمة ويبدو ان الطرفين يستعدان لذلك، ويدركان ان
الهزيمة فيها تعني الاستسلام، وتراجع الدور والنفوذ، ولهذا يجب عدم
التقليل من اهمية التوقيت الذي اختاره اردوغان لطرح مشروعه الاشكالي والذي
اذا ما نجح في اقراره (وهو قادر على ذلك لامتلاكه الاغلبية البرلمانية
المطلوبة) فانه سيحجّم الجيش ويبقيه داخل ثكناته، ويكرس تقليداً جديداً في
المشهد التركي، وهو تبعية المؤسسة العسكرية الى المستوى السياسي المنتخب
وليس العكس، كما كان يحدث طوال العقود الستة الاخيرة منذ اعدام عدنان
مندريس بعد انقلاب العام 1960 حتى نهاية القرن الماضي وكيف تحولت النخب
السياسية والحزبية وخصوصاً المنتخبة منها الى موظفين لدى جنرالات المؤسسة
العسكرية..
اردوغان يدرك مخاطر السماح بالحجاب في الجامعات وخصوصاً على مستقبل
مفاوضاته حول عضوية تركيا في الاتحاد الاوروبي، وبما قد تلجأ اليه مفوضية
الاتحاد في هذا الشأن او ما قد يقره البرلمان الاوروبي في شأن المفاوضات
كذلك، في ما قد يُقدم عليه الكونغرس الاميركي حول مذابح الارمن وان كانت
المسألة الاخيرة تهم حزب العدالة تماماً كما المؤسسة العسكرية وانصارها من
القوميين والعلمانيين.
الا ان مضي اردوغان في طرح مشروعه على البرلمان، يعني انه مستعد للمجازفة
ودفع الثمن السياسي، رغم ان احتمالات نجاحه اكثر من احتمالات فشله وبذلك
يكون حزب العدالة والتنمية قد بسط هيمنته على مفاصل وتفاصيل المشهد التركي
البرلمان والحكومة والرئاسة ومعقل العلمانيين الاخير والاخطر وهو
الجامعات..
- هل ينجح؟.
- دعونا ننتظر....
29 كانون ثاني, 2008
سوهارتو وبينوشيت.. حكم الشعوب قبل حكم التاريخ
بين توسلات كريمته الكبرى التي ذرفت دموعاً غزيرة وهي تطلب من الشعب
الاندونيسي المغفرة لما كان والدها الراحل الجنرال محمد سوهارتو قد قارفه
بحق شعبه طوال ثلاثة عقود، وبين كلمات التأبين اللافتة والمثيرة التي
قالها الرئيس الاندونيسي الحالي يوديونو عن سوهارتو بأنه افضل ابناء
اندونيسيا، تكمن المفارقة التي يمكن تحميلها على البون الشاسع الذي يفصل
بين المشاعر الانسانية في لحظة صدق مع الذات ومع اهداف السياسي الذي يراعي
المعادلات والتحالفات وموازين القوى الحزبية ويرنو دائماً وخصوصاً اولئك
الذين ما زالوا في السلطة، الى توسل الدعم من قبل ايتام الزعيم الراحل
وانصاره وحزبه يستوي في ذلك الجنرال يوديونو كما أي حاكم في العالم، يأتي
بعد حقبة من الاضطهاد، والفساد، والقمع، والديكتاتورية التي جسدها طوال 32
عاماً، الجنرال سوهارتو، ما بالك وانه ترك حزباً يدعى جولكار ما تزال له
شعبيته وحضوره وبخاصة في المناطق الريفية، التي اراد سوهارتو التغطية على
فساده، ونهب اسرته للمال العام (والخاص ايضاً)، فذهب اليها (المناطق
الريفية)، مُدخِلاً عليها بعض التحسينات ومُقيماً بعض البنى التحتية
المتواضعة، والخدمات البسيطة، ومنتزعاً او فارضاً او خالعاً على نفسه لقب
ابو التنمية ، فيما اطلق ايدي وأرجُل وألْسِنَة عائلته وخصوصاً عقيلته،
التي كانت توصف علناً من قبل الاندونيسيين بأنها السيدة عشرة بالمائة (مسز
تن بيرسنت)، كعمولة كانت تتقاضى على أية صفقة تجارية لأي شيء كان.
رحل سوهارتو بكل ما له وما عليه، بعد ان حكم رابع اكبر دولة في العالم من
حيث عدد السكان واكبر دولة اسلامية، لسنوات طوال، منذ ان قفز الى السلطة
في 1967 بعد ان ازاح ابو الاستقلال احمد سوكارنو بحجة ان الاخير لم يعد
قادراً على الحكم بسبب مرضه وبعد أن غدا نجماً لامعاً في البلاد (17500)
جزيرة، اثر قيامه بذبح نصف مليون اندونيسي قيل (وقتذاك) انهم ينتمون الى
الحزب الشيوعي الاندونيسي الذي كان مقرباً من الصين (والذي كان أصلاً -
وهذا الذي يتم اغفاله دائماً - حليفاً للرئيس الذي كان ما يزال رئيساً
للبلاد وهو احمد سوكارنو).
اللافت في سيرة الديكتاتوريين، انهم لا يذهبون غالباً الى دائرة النسيان
او الدار الاخرة، الا بهبات شعبية تطيحهم وتحيل ما تبقى من حيواتهم الى
جحيم لا يطاق من الاذلال والعزلة على النحو الذي شهدناه مع ديكتاتور تشيلي
(بينوشيت) ومع ديكتاتور اندونيسيا الذي رحل عن دنيانا الفانية قبل يومين.
كلاهما، اسقطته هبات شعبية رفضت تزويره للانتخابات واستمراره المؤيد في
الحكم كحالة سوهارتو الذي اعيد انتخابه (من دون منافس) لولاية سابعة من
خمس سنوات في اذار من العام 1998، الى ان خرج الاندونيسيون الى الشوارع،
بعد اقل من شهرين، ليطالبوه بالتنحي عن السلطة ولم يجد امامه من مفر سوى
الاستقالة لان الجنرالات خذلوه بعد ان رأوا من خلال مناظيرهم العسكرية ومن
على ابراج دباباتهم التي انزلها سوهارتو الى الشوارع لقمع المتظاهرين، ان
فقاعة المعجزة الاقتصادية التي حققتها اندونيسيا، كما معظم دول شرق اسيا
قد انفجرت، واوشكت البلاد على السقوط في هاوية الفوضى والكساد والانهيار
الاقتصادي وخصوصاً ان تقارير منظمة الشفافية الدولية ذكرت ان عائلة
سوهارتو نهبت ثروة تكاد تصل الى 30 مليار دولار.
سوهارتو الاندونيسي وبينوشيت التشيلي (على سبيل المثال) جُلبا الى
العدالة، لمحاكمتهما على الانتهاكات الفظيعة لحقوق الانسان في بلديهما
ولدفع ثمن الفساد وعمليات النهب المنظم لثروات البلاد وخيراتها - وكلاهما
- من اسف - بقيا حتى اللحظة الاخيرة من حياتهما يتهربان من المثول امام
المحاكم بحجة المرض ودائما كان مرضا سياسيا بنصائح من محاميهم الفاسدين،
وغدت الجلسات رهينة التأجيل بحجة عدم وقدرة احدهم على المشي (بينو شيت)
وعدم القدرة على الكلام (سوهارتو) الى ان استرد الخالق وديعته.
وكلاهما دائماً، كانت واشنطن (ديمقراطيا كان ساكن البيت الابيض ام
جمهوريا) داعمة له وموفرة له الاكسجين السياسي والاعلامي والدبلوماسي
والمزودة الحصرية له بالسلاح وادوات القمع وخبراء التجسس (على الشعب
طبعاً) والتصفيات الجسدية او الاغتيالات المعنوية للمعارضة او الذين
يحاولون الانشقاق او التفكير بابداء فعل الندم.
بينوشيت اقام حكمه على جماجم سيلفادور اليندي الرئيس المنتخب وعشرات
الالاف من اليساريين التشيليين الذين ذبحهم في استادات الملاعب وغيّب
المئات منهم على نحو لا يعرف احد حتى اللحظة مصيرهم، كذلك فعل سوهارتو
بنصف مليون من الاندونيسيين في مجزرة لم يعرف القرن العشرون مثيلا لها.
كلاهما أجرت له واشنطن غسيلا سياسيا، كما تغسل المافيات المختلفة اموالها
عبر العالم وهما ايضا قدّما اوراق اعتمادهما لدى البيت الابيض باظهارهما
العداء المطلق، لكل ما هو يساري او اشتراكي او شيوعي، لكن سوهارتو تفوق
بنقطة او اكثر على بينوشيت في ان الاول لفت نظر الادارة الاميركية والغرب
الاوروبي (في وقت مبكر) الى الخطر الذي تمثله الاصولية الاسلامية في بلاده
(بما هي اكبر دولة اسلامية في العالم).
..للتاريخ ان يحكم على جنراليين، لم يخرجا على الادوار المرسومة لكل
منهما، لكن حكم الشعب يسبق دائما حكم التاريخ، ولهذا لم يكن عبثا ان تعرض
بينوشيت كما سوهارتو لملاحقة وجلب للمحاكم وسمعا بأذنيهما لعنات الشعب
الذي نكّلا به وسَفَكَا دماءه وانتهكا حقوقه الاساسية بفظاظة وسادية
ووحشية.
22 كانون ثاني, 2008
بين يديّ وزير التعليم العالي
لفتني تصريح معاليكم بأن لا رفع للرسوم الجامعية في العام الدراسي الجاري
2007/2008، وظناً مني انكم تقصدون الجامعات الرسمية فقد زدتم على ذلك
التأكيد بأن عدم الرفع ينسحب على الجامعات الخاصة كما الجامعات الرسمية.
عندها شعرت ان ثمة ما يجري في دوائر التعليم الجامعي الخاص لا تعلمه
وزارتكم او انه يجري تزويدكم بمعلومات مضللة او في احسن الاحوال تكون
معلومات قديمة، لا تقوم كوادر الوزارة بالتدقيق فيها او التحقق من صحتها.
مناسبة هذا الكلام هو الاشارة الى ان احدى الجامعات (وقد تكون اكثر من
جامعة) قامت برفع الرسوم الجامعية في الفصل الثاني 2007/2008 الذي لم يبدأ
بعد بنسبة 50% فيما يتعلق بتخصصين (اعرفهما على الاقل) الاول آداب اللغة
الانجليزية والثاني اللغة الانجليزية / الترجمة، فقد كان رسم الساعة
الجامعية في الفصل الاول (الدراسة المسائية) 40 ديناراً وحيث لم تسمح
الاعباء المادية بانخراط احدى بناتي في الدراسة، فقدأجّلت تسجيلها للفصل
الثاني الذي سيبدأ قريباً، وقبل ثلاثة اسابيع (من الآن) ذهبت شخصياً الى
الجامعة اياها، فكانت المفاجأة في انتظاري عندما تم تسليمي برشور تفصيلي،
يتحدث عن التخصصات والرسوم والوثائق المطلوبة وغيرها الكثير مما تحفل به
منشورات الجامعات الخاصة (وكذا المدارس الخاصة ايضا) والتي تذهب تفصيلات
الدفع والرسوم المطلوبة حدودا تشبه الاحاجي، شبيهة بتلك التي تزدحم بها
بوالص التأمين كافة، سواء كانت للسيارات ام الحياة ام التأمينات الصحية
وضد الحريق وضد الغير، يصاب المرء بالملل من صغر بنط الحرف المطبوعة بها،
ومن غموض الصياغة والتعقيد المقصود الذي تكتب به (ومن أجله) النصوص، فلا
يملك المرء غير طي النسخة الخاصة به، بعد ان يكون قد وقّع (او أُوقع به)
على النسخة الاصلية، التي تبقى وحدها المرجعية والحَكَم.
ما علينا..
عندما سألت الموظف في قسم التسجيل، عن سبب هذه الزيادة المهولة التي طرأت
على الرسوم (خلال اقل من فصل واحد) وهي كما ذكرت سابقاً بنسبة 50% (من 40
ديناراً للساعة الواحدة الى 60 ديناراً) وأن الأصل والطبيعي هو ان تقوم
الجامعات عند بداية العام الجامعي الجديد، برفع الرسوم، إن كان ثمة من
مبررات لهذا الرفع الذي يجري فيما أحسب بلا ضوابط او رقابة او معايير
منطقية (دع عنك الاخلاقية) رد عليّ بالجواب التقليدي الذي لم يعد يقنع
احداً من ابناء هذا البلد الذين يدفعون من عرقهم وقوت ابنائهم اليومي كي
يوفروا لهم مستوى تعليمياً مناسباً سواء في المدارس الثانوية وهنا نتحدث
عن المدارس الحكومية أم في الجامعات الرسمية ومن لم يسعفه الحظ، فهو مضطر
للذهاب الى الجامعات الخاصة والخضوع لشروطها والتي في معظمها تتمحور حول
الرسوم التي تتقاضاها تلك الجامعات وما ادراك في الاساليب والعناوين التي
يتم اختراعها لجباية المزيد من الاموال التي تفوق كل ما يمكن تصوره عن
ارتفاع كلفة التعليم الجامعي في بعض الدول العربية والاوروبية.
المهم.
كان الجواب التقليدي لموظف أعلم ان القرار ليس بيده وأنه ينفذ تعليمات مكتوبة لا يستطيع الخروج عليها.
انت تعلم ان كل شيء ارتفع ..
لم يكن امامي سوى الصمت الوذ به وانسحب بهدوء، محاولا اقناع نفسي بأن ما
يجري في الجامعات الخاصة، يندرج في اطار سلوك جماعي أصرّ كثيرون ممن
استثمروا في هذه التجارة المربحة ان تكون وحدها طريقهم لمزيد من الثراء
والتمدد الافقي والعامودي عبر الاستثمار في التعليم الذي لم اجد احدا ولج
مساراته، إلاّ وغدا من اصحاب الثروات ذات الاصفار الخمسة او الستة لا فرق،
ولانني احرص على ان اكون موضوعيا رغم ما يستبد بي من غضب وما يعتريني من
قلق على كثير من الأسر التي لن يجد ابناؤها طريقا الى نيل الدرجة الاولى
الجامعية، بسبب من ضيق الحال والعسر، فانني لا اذهب الى التعميم ووضع الكل
(الجامعات والمدارس الخاصة) في سلة واحدة، بل انني اعرف مدارس خاصة
وجامعات خاصة ايضا تقدم الكثير من المنح والحسومات لاعداد لا بأس بها من
الطلبة، ويقوم مديروها ورؤساء جامعاتها، بمتابعتهم في شكل شخصي وتقديم ما
هو اكثر دون منّة او ضجيج او اعلانات مدفوعة الاجر في الصحف المحلية.
كل ما انشده هنا، هو قيام وزارة التعليم العالي بالتأكد من صحة تصريحاتها
التي تجزم بان لا زيادة ستطرأ (او طرأت) على الرسوم الجامعية للعام
الجامعي الحالي 2007/.2008. واذا ما تبين لها ان جامعة ما (او اكثر) قد
قامت بالفعل بزيادة الرسوم خلافا لما اعلن معالي الوزير.. فهل ستقوم
بدفعها للتراجع عن هذه الزيادة، أم سيخرج علينا أحد ما في الوزارة ليقول
لنا كما تقول وزارة التربية والتعليم في شأن المدارس الخاصة.
ان دورنا اشرافي وتنظيمي ولا نتدخل في مسألة الرسوم! مجرد سؤال... والله من وراء القصد.
21 كانون ثاني, 2008
سقط الحل العربي.. هل يُؤخَذ لبنان الى التدويل؟
يقترب موعد القمة العربية، فيما يبتعد الحل عن لبنان وأزمته المتفاقمة
التي تأخذ بعداً أكثر خطورة، بعد ان تداخلت الملفات والقضايا والحسابات
وخرجت أو توشك عن الضوابط، التي حرص معظم اللاعبين على التمسك بها حتى لا
تفلت الامور ويذهب لبنان الى الفوضى والتقسيم..
ليس غريباً ان يطرح موضوع التقسيم أو ''الفدرلة'' في ظل استعصاء الازمة
وبروز مؤشرات على ان لبنان سيكون - كما كان سابقاً - مختبراً للسياسات
الاقليمية وربطاً بالمصالح الاستراتيجية لهذه الدولة العظمى او تلك الكبرى
اقليمياً، ولم يكن صدفة الكشف عن الوثيقة رقم 7262 المحفوظة في ارشيف
الأمن العام اللبناني منذ 17 كانون الثاني عام 2000 تحت عبارة ''سري
جداً''، اكثر ما فيها اثارة هو قول الرئيس الوزراء اللبناني الراحل رفيق
الحريري، (بوجود شهود) ''أنه لا يرى إمكان الهروب من التوطين، وان مصلحة
لبنان هي في مزيد من الاستدانة، لأن كل الديون ستمحى عندما سيفرض واقع
التوطين الفلسطيني في لبنان''..
ان يشير الجنرال ميشال عون (المفوض من قبل المعارضة للحوار مع فريق 14
أذار)، الى هذه الوثيقة وعبر الفضائية الايرانية الناطقة بالانجليزية،
وبعد ''نجاح'' عمرو موسى في ترتيب لقاء بينه وبين سعد الدين الحريري زعيم
الاغلبية البرلمانية، وأمين الجميل ''الماروني'' الرئيس الاعلى لحزب
الكتائب، يعني ان ثمة قضايا جديدة ستدخل ساحة الجدل والتجاذبات السياسية
المحتدمة الان، والتي تنذر باحتمالات باتت ماثلة للجميع بامكانية انزلاق
لبنان الى دائرة العنف بعد الشلل الذي اصاب كافة المؤسسات في البلاد،
والذي يصعب على احد تصور خروج هذا البلد من دوامة الازمة الا بمعجزة، نحسب
عمرو موسى بكل ما يتوفر عليه من دهاء سياسي ومهارة دبلوماسية غير قادرة
على اجتراحه، لأنها اكبر من امكاناته الشخصية وصلاحياته في القدرة على
''تدوير'' الزوايا الحادة، التي ما إن يتم البدء بتدوير بعضها حتى تبرز
زوايا أكثر حدة وكلفة على الصعيدين السياسي والطائفي وخصوصاً الصعيد
الاقليمي الذي لا يلوح في الافق أن ثمة فرصة للتجسير على المواقف
المتباينة للعاصمتين الاكثر انخراطاً في الازمة اللبنانية وهما دمشق
والرياض.
من هنا يمكن وصف العبارة التي اطلقها موسى في بيروت مباشرة بُعيد وصوله من
العاصمة السورية، وعند ابلاغه بأن الجنرال عون غير قادر على استقباله بسبب
وعكة صحية المت به (حصوة في احدى كليتيه كما قيل) بمثابة نعي ثان للمبادرة
العربية التي باتت في حكم المنتهية وغير القابلة للبحث بعد الان، اثر
التفسيرات والقراءات المتباينة لمضمونها وخصوصاً ازاء توزيع مقاعد حكومة
الوحدة الوطنية المقترحة، التي تخضع لمساومات عديدة بين الاكثرية
والمعارضة الاولى نقول 15 وزيراً لها وعشرة للمعارضة وخمس حقائب لرئيس
الجمهورية، فيما المعارضة تصر على المثالثة (10+10+10) وإذ عاودت الاكثرية
طرح صيغة جديدة تقوم على توزيعة كالتالي 14 لها + 10 للمعارضة + 6 لرئيس
الجمهورية فإن عمرو موسى اقترح 13 للاكثرية 10 للمعارضة و7 لرئيس
الجمهورية، ويبدو ان مثل هذا الاقتراح قد لاقى الرفض بعد ان حسم نبيه بري
المسألة بالقول: تفسيرنا للمبادرة العربية هو ''المثالثة'' أما اذا كان
لدى وزراء الخارجية العرب تفسير آخر فليجتمعوا ويقولوه لنا بلغة واضحة.
وصلت oالمبادرةa اذا الى طريق مسدود وعمرو موسى غادر بيروت ''لان هناك
قضايا عربية عدة تتطلب الاعتناء بها'' واذ تبدو العبارة بمثابة تهديد وحث
للاطراف اللبنانية المتصارعة على عدم اضاعة الفرصة الراهنة التي وفرتها
المبادرة العربية (من وجهة نظره بالطبع) فإن تأجيلاً يحمل الرقم 14 سيكون
قد اتخذ يوم امس الاحد، لجلسة مجلس النواب الذي كان سيعقد اليوم الاثنين
لانتخاب رئيس جديد للجمهورية.
الربط بين اقتراب موعد القمة العربية في دمشق نهاية اذار المقبل وابتعاد
حل الازمة اللبنانية التي تزداد تعقيداً وخطورة بعد استمرار عملية خلط
الاوراق، يؤشر الى ان اطرافا في الداخل اللبناني وفي خارج لبنان، تراهن
على ''مفاجأة ما'' قد تأتي بالحل او قد تشعل حريقاً كبيراً، بعد ان راحت
''الادخنة'' تنبعث في اكثر من مكان في بلاد الارز، سواء في ما خص الانقسام
في الصفوف المسيحية وتحديدا في الطائفة المارونية، صاحبة الشأن في ملء
الفراغ الممتد في سدة الرئاسة، والذي تبدى في الهجوم اللاذع الذي شنه
الوزير السابق زعيم تيار المردة سليمان فرنجية على الكاردينال مار نصر
الله صفير متهما اياه بتنفيذ الاجندة الاميركية والفرنسية، في اصطفاف واضح
الى جانب الجنرال ميشال عون الذي انكر على ''سيد بكركي'' مرجعيته السياسية
وان كان اعترف بمرجعيته الروحية فقط، وهو رأي يشاركه اياه موارنة كثيرون
بعد ان بات صفير طرفا في الازمة واقترب بوضوح من طروحات فريق 14 اذار،
كالذي رأيناه (سابقاً)، في رعايته لملتقي ''قرنة شهوان'' بل وتنصيب
''مطران'' على رأسه رغم انه تجمع بأجندة سياسية واضحة سواء ضد الوجود
السوري في لبنان ام ضد حق المقاومة اللبنانية في امتلاك السلاح قبل حرب
تموز 2006 بكثير.
الازمة اللبنانية متواصلة ومرشحة لمزيد من التصعيد، وخطاب امين عام حزب
الله السيد حسن نصر الله في يوم عاشوراء، كشف بوضوح عن عمق الازمة والمدى
الذي بات عليه ''الاهتراء'' الافقي والعامودي في الوضع اللبناني، والتباعد
بين ما يصفه نبيه بري اختصارا ''س س'' أي السعودية وسورية، آخذ في الاتساع
بعد التصريحات الغاضبة لكليهما عبر وسائل الاعلام والتي لا تبدو مصر بعيدة
عنها، من خلال التفسير الذي خرج به رئيس الدبلوماسية المصرية احمد ابو
الغيط عندما قال في حسم: ان المبادرة العربية لا تعني ''المثالثة'' في
مقاعد الحكومة العتيدة.
اين من هنا؟.
سقط الحل العربي او هو في طريقه الى السقوط والتلويح بالتدويل لن يعجل في
دفع فريقي 8 و14 آذار الى الالتقاء في وسط الطريق ودور العواصم الاقليمية
وكل من واشنطن وباريس واضح على نحو لا يمكن انكاره.. لكن الجميع - ومن
وقائع المسألة اللبنانية الاكثر تعقيدا - يدرك ان التدويل مصيره الفشل،
لأسباب تتعلق بموازين القوى وقبل كل شيء عدم نضوج ''المواعيد'' الاميركية
والاسرائيلية والايرانية ايضا..
ماذا إذاً؟.
لا احد يدري ومطحنة ''الكلام'' اللبنانية وخصوصا العربية، ستواصل العمل بلا انقطاع أو كلل ولكن - من اسف - دون جدوى ايضاً.
20 كانون ثاني, 2008
بدأ مؤتمر هرتسليا.. تابعوا واقرأوا
ستكون اسرائيل هذا الاسبوع - كما هي دوماً - محط انظار وسائل الاعلام
الغربية وخصوصاً اليهودية منها والمتصهينة، بمناسبة انعقاد مؤتمر هرتسليا
الذي ينظمه المركز المتعدد المجالات في هرتسليا كل عام، وسيرصد المراقبون
كل ما سيصدر عن المشاركين في هذا المؤتمر وهم بالمناسبة - صفوة الخبراء
والباحثين وجمهور واسع من السياسيين والعسكريين والضالعين في عالم
الجاسوسية والاستخبارات والاكاديميين والدبلوماسيين.
واذ دأب قادة اسرائيل على كشف خططهم او اطلاق بالونات الاختبار في اكثر من
تجاه داخلي وخارجي وبخاصة تجاه العرب والفلسطينيين، فان كلمة ايهود اولمرت
ستكون هي المؤشر على المدى الذي سيذهب اليه في تحديد خطواته السياسية
والحزبية المقبلة، في ضوء اقتراب موعد نشر التقرير الثاني (والاخير) للجنة
فينوجراد في الثلاثين من الشهر الجاري، والذي يتوقع مراقبون اسرائيليون ان
يكون كارثياً على اولمرت ويضع حداً لحياته السياسية، بعد ان نجح في اطالة
عمره السياسي لأكثر من عام ونيف، إثر رفضه الاستقالة على غرار ما فعله
رئيس الاركان السابق، دان حالوتس وعمير بيرتس وزير الدفاع عن حزب العمل
الذي اطاحه من رئاسته، فيما كان التقرير الاول للجنة فينوجراد صارماً
وواضحاً في تحميل المستوى السياسي مسؤولية الاخفاقات التي حدثت في عدوان
تموز 2006 الذي شنه الثلاثي اولمرت، بيرتس وحالوتس، ولم يحصد سوى الفشل
الذريع..
اولمرت سينتهز فرصة انعقاد مؤتمر هرتسليا لمحاولة انقاذ ما تبقى من حياته
السياسية، بعد ان تصاعدت الحملات عليه، وبعد ان ضاقت هوامش مناورته، وبدأ
يظهر في الافق تمرد داخل حزبه كاديما ، قد يكون هو السيناريو الاخير الذي
سيلجأ اليه خصومه او قل منافسيه، لمنع انهيار الحزب، وشطبه من الخريطة
الحزبية، وهو ما اشارت اليه الصحافة الاسرائيلية كخيار سيلجأ اليه ايهود
باراك زعيم حزب العمل، وزير الدفاع، في الائتلاف الحكومي الهش القائم
الآن، والذي قد يضطره (باراك) الى تحمل مسؤولية كبيرة، اذا ما حنث بوعده
ورفض الانسحاب من الحكومة، في حال جاء تقرير فينوجراد قاسياً في حق
اولمرت، ولم يقم الاخير بالاستقالة، ولهذا تطالب اوساط (باراك) أقطاب
كاديما الذين لا يتفقون مع سياسة اولمرت، وينتقدون تفرده وغطرسته، ان
يقوموا باطاحته، وانتخاب رئيس وزراء جديد، كي يقود الحكومة بدل انهيار
الاتئلاف، والذهاب الى انتخابات مبكرة، قد يكون من المستحيل على كاديما ان
يعود الى الكنيست لأن مصيره الاضمحلال والتلاشي، ولأن نتنياهو الليكود
سيكون هو الفائز الأول فيه..
نعود الى مؤتمر هرتسليا..
استطاع المؤتمر رغم سنواته القليلة، ان يستقطب اهتماماً اسرائيلياً
وخصوصاً دولياً لافتاً، نظراً لجدية الموضوعات التي تطرح في اروقته
والمستوى الرفيع للمشاركين فيه، حيث تتم دعوتهم وفقاً لمعايير واضحة،
محددة وصارمة ايضاً، وليس على غرار المنتديات والمؤتمرات العربية التي
تبدو فقيرة في مستوى ابحاثها ونقاشاتها وجمهور المشاركين فيها وتفشي
البيروقراطية في اروقتها وانعدام المنهج العلمي في تقييم اوراقها المقدمة
ولجوء الكثير من المشاركين الى الارتجال واطلاق الاحكام الجاهزة وتسجيل
المواقف المسبقة والاستسهال ما اضفى عليها - المؤتمرات العربية - صفة
العادية وابعد عنها المتابعة والجدية، بدليل تناقص اعداد المشاركين من
الاجانب والذين لا يبدون حماسة لحضور كل ما هو عربي ليس لأسباب ايديولوجية
دائماً، وانما لأنهم لا يشعرون ان ما يقدمونه - اختلفت معه او اتفقت -
يحظى باهتمام ومتابعة.
المهم.
مؤتمر هرتسليا هو في بعض ما يعكسه، مؤتمر للسياسات الاسرائيلية العامة في
مختلف المجالات، ولهذا ترى كل اصاحب القرار (كما قادة المعارضة) في
اسرائيل يتجولون في قاعاته ويعرضون بضاعتهم (اوراقهم ومواقفهم)، يحاورون
ويناقشون، على نحو مثير ولافت، وتقع كل حركة او ايماءة او كلمة او تعقيب،
تحت الضوء والرصد وتستدعي ردود الفعل في الاوساط ذات العلاقة، ولهذا يبرز
دائما رئيس الحكومة ووزير الدفاع ورؤساء الاجهزة الاستخبارية، دون ان ننسى
ان قادة المؤسسات والاحزاب الدينية والحاخامات يشكلون جزءا من الحضور في
هذا المشهد السنوي، الذي سيشارك فيه هذا العام (بعض رجالات الاستخبارات في
الولايات المتحدة ممن كانوا ضالعين في صياغة التقرير الذي قضى بان ايران
جمدت برنامجها السنوي العسكري منذ العام 2003، وسيشاركون في مداولات مغلقة
فيه)، على ما ذكرت صحيفة هاآرتس الاسرائيلية يوم اول من امس الجمعة،
وسيكون هناك ايضاً جون بولتون احد ابرز رموز المحافظين الجدد ومندوب
واشنطن السابق في الامم المتحدة.
ثمة ورقة مثيرة وغير مسبوقة ستعرض في مناقشات المؤتمر وصفتها صحيفة معاريف
الاسرائيلية يوم الخميس الماضي بانها مبادرة ابداعية يقف خلفها
البروفيسوران عوزي أراد وجدعون بيغر (وهما باحثان في المركز متعدد
المجالات الذي ينظم مؤتمر هرتسليا السنوي).
البروفيسوران يقترحان صفقة تضم اسرائيل، الفلسطينيين، لبنان سوريا الاردن
ومصر ستسمح بجولة من التبادل الاقليمي تضمن مصالح حيوية لكل المشاركين
وهما يشددان على ان خطوط الحدود الحالية في المنطقة، رسمتها القوتان
الاستعماريتان فرنسا وبريطانيا، دون مراعاة احتياجات سكان المنطقة.
ماذا يقول الاقتراح؟.
ستبقى اسرائيل مع 200كم مربع من الضفة الغربية (3% من المساحة) تضم الكتل
الاستيطانية واراضي في غور الاردن وصحراء يهودا بالمقابل سيحصل
الفلسطينيون على اراضي على طول الخط الاخضر (مع او بدون سكانها) من عرب
اسرائيل، اضافة الى ذلك تحتفظ اسرائيل ب12% من هضبة الجولان تضم معظم
المستوطنات وخط الهوات المسيطرة على بحيرة طبريا وسهل الحولة من جبل
الشيخ، أما سوريا فستحصل بالمقابل على اراضي من لبنان، الذي سيحصل من
اسرائيل كتعويض على 50كم مربع على طول الحدود الشمالية.
ثم..
مقابل نقل اراض اسرائيلية الى مصر في منطقة فران ومنطقة تسمح بالعبور الحر
بين مصر والاردن، ينقل المصريون للفلسطينيين منطقة في محور رفح - العريش
كتواصل لقطاع غزة شمالاً، اسرائيل تنقل الى الاردن ارضاً صغيرة في العربا
كي تسمح لذلك المعبر الى مصر والاردن ينقل لسوريا ارضاً قرب حدودهما
المشتركة.
انتهى الاقتراح الذي سيقدم في مؤتمر هرتسليا.
ببساطة يريدان الطمس على خرائط سايكس - بيكو المقدسة لدى العرب، كي تحل محلها خرائط جديدة باسم أراد - بيغر.
اين هم العرب أصلاً؟.
13 كانون ثاني, 2008
بوش ان حكى.. العرب اذ يصمتون!
لم يأت الرئيس الاميركي جورج بوش، بجديد في المواقف التي اعلنها خلال
زيارته للأراضي المقدسة التي جاءها حاجاً وواعظاً وتبشيرياً ولكن ليس
للوداع.. لأن لاسرائيل في رقبته دَيْن يجب ان يسدده، ليس فقط في التأكيد
على يهوديتها وليس في اعتبار قرارات الأمم المتحدة، غير ذي صلة، بعد ان
تقادمت وبعد ان فشلت في ايجاد حل للصراع (وكأن احداً عرقل تنفيذ قراراتها
وحال دون زجر اسرائيل وايقاع عقوبات بحقها غير الفيتو الاميركي)، وان على
الفلسطينيين والعرب ان ينسوا شيئاً اسمه قرارات الشرعية الدولية وخصوصا حق
العودة او القانون الدولي او اتفاقية جنيف، وانما ايضاً في المشاركة
باحتفالاتها بعيد استقلالها الستيني ، الذي سيكون مناسبة وداعية يتجسد
فيها الوعد الذي قطعه جورج بوش لاسرائيل بأن تكون دولة الشعب اليهودي (وهل
اغلى من مناسبة ماسية كهذه ليكون عزيز اسرائيل) وبأن يكون الواقع على
الارض، هو الذي يحدد الوقائع ويرسم خطوط الحدود السياسية، بعيداً عن
الصياغات الجامدة والمنحازة وتلك التي لم تلحظ حق اسرائيل في ان تكون لها
حدود يمكن الدفاع عنها وتلبي حاجاتها الامنية، وتعبر في شكل من الاشكال عن
الوعد الذي قطعه الرب لابراهيم بأن تكون هذه الارض له ولنسله من بعده وكأن
نسل ابراهيم واحفاده هم اليهود فقط؟.
ستيفن هادلي مستشار الأمن القومي الاميركي قال للصحافيين ان هذه الزيارة
لرئيسه لن تكون الاخيرة، وأعدكم ان زيارة ثانية ستكون له في ايار المقبل،
وان لم ينسّ تذكير الجميع بأن دولة فلسطينية لن تقوم في عهد ولاية بوش.
العرب كعادتهم ابتلعوا الطعم، وراحوا ينقلون في قنواتهم الفضائية وصحفهم
ان بوش سيعود الى المنطقة لمتابعة ملف السلام ومعاينة ما تم التوصل اليه
بين عباس واولمرت، بعد أن اعلن الاثنان، وقبيل 24 ساعة على هبوط الطائرة
الرئاسية في مطار اللد، انهما اتفقا على البدء ببحث قضايا الوضع النهائي
مباشرة بعد انتهاء زيارة بوش.
سلفة مجانية قدمها الرئيس الفلسطيني لايهود اولمرت، رغم ان عباس يعلم
تماماً أن مجرد وضع مسائل اللباب كما تصفها اسرائيل على جدول الاعمال
ستعني تفكك الائتلاف الحكومي القائم بانسحاب كل من افيغدور ليبرمان (كتلة
اسرائيل بيتنا) وايلي يشاي (حزب شاس الديني المتطرف) وهو أمر، ليس على
اجندة اولمرت راهناً او على الأقل بعد أن يرتب اوضاعه وينتظر موقف ايهود
باراك زعيم حزب العمل بعد صدور تقرير فينوغراد الثاني (والنهائي) يوم 30
كانون الثاني الجاري، الأمر الذي قد يشكل نهاية حياته السياسية، ويضع حداً
للمناورات الناجحة التي قام بها لتفادي الدعوات الى استقالته بعد حرب تموز
2006 الفاشلة التي شنها ضد لبنان، وخصوصاً بعد الاستقالات التي تمت في
المؤسسة العسكرية وعلى رأسها دان حالوتس، ثم إطاحة وزير الدفاع السابق
عمير بيرتس بعد وصول ايهود باراك لرئاسة حزب العمل.
قد لا تختلف كثيراً اجندة جورج بوش اذا ما أطيح صديقه اولمرت الذي امتدحه،
وقال انه قوي، يصدقه ويثق به، لان مصالح اسرائيل هي صاحبة الاولوية على
جدول أعماله، ووفق اعتقاداته الدينية المتطرفة، لكن المشهد كله سيتغير اذا
ما سقط اولمرت، وجاءت تسيبي ليفني على رأس حزب كاديما او انهار الحزب
الاخير وذهبت ليفني الى تحالف مع ايهود باراك في حزب جديد، قد يصدّ
الارتفاع المتواصل لشعبية بنيامين نتنياهو وحزبه الليكود .
كل الاحتمالات واردة في المشهد الاسرائيلي، بما فيها بقاء اولمرت على رأس
حكومة، قد ينضم اليها حزب ميرتس اليساري الذي يدبّج قادته وفي مقدمتهم
يوسي بيلين، التصريحات والمقالات في مديح رجل السلام ايهود اولمرت، وأيضاً
قد يعيد الاخير (اولمرت) خلط الاوراق كلها لتفادي فقدان مستقبله السياسي،
عبر حث المفاوضات الجارية الان بين اسرائيل وحركة حماس (بوساطة مصرية)
لاتمام صفقة اطلاق الجندي الاسير جلعاد شليط، والتي تقول الصحف
الاسرائيلية أنها وصلت الى نقطة حاسمة ولم تعد هناك سوى بعض التفاصيل حول
اعداد الاسرى الفلسطينيين الذين ستطلقهم اسرائيل، بعد أن ادخلت لجنة
وزارية بعض التعديلات على المعايير التي اعتمدتها المؤسسة الامنية
الاسرائيلية في مفهوم دم على الأيدي بناء على طلب من اولمرت نفسه.
وربما أيضاً - وهنا يجب الانتباه جيداً - يذهب اولمرت الى مغامرة عسكرية
اخرى مضمون نجاحها هذه المرة، رغم كلفتها العالية، ولكن في اتجاه قطاع غزة
بعد أن حظي بتفهم اميركي (اقرأ موافقة) خلال مباحثاته مع بوش والتي ستكون
عملية واسعة وكبيرة، ما يمنح إئتلافه المتصدع فرصة اخرى للبقاء وخصوصاً أن
ليبرمان وايلي يشاي من ابرز الداعمين لمنع حماس من التحول الى جيش نظامي
على الشكل الذي جسده حزب الله في جنوب لبنان.
غادر بوش فلسطين التاريخية وفتحت زيارته التاريخية سجالاً غير مرشح
للانتهاء في المدى القريب، وخصوصاً في الساحة الفلسطينية (لان اسرائيل
حققت كل ما تريده من وراء هذه الزيارة واكثر).
العرب صامتون في معظمهم، وتصريحات الرئيس الفلسطيني بحاجة الى توضيح وبخاصة عندما يقول ان مباحثاته مع بوش كانت جيدة جداً !!.
ما الجيد في كل ما أعلنه بوش حول قرارات الامم المتحدة ويهودية اسرائيل
وضرورة تغيير خطوط الهدنة عام 1949، ولم يقل شيئا حول مسألة القدس
(المعقدة) ودفن بصلف حق العودة وأهال التراب على مبادرة السلام العربية
التي باتت خلف الجميع، وكان حديثه عن دولة فلسطينية لا تشبه الجبنة
السويسرية عمومياً، بلا مضمون او معنى او تحديد لسيادتها وسيطرتها على
حدودها واجوائها ومعابرها؟
08 كانون ثاني, 2008
يحدث في فلسطين .. الآن!
والعنوان تحوير لاسم رواية الاديب المصري يوسف القعيد الشهيرة يحدث في مصر
الآن ، التي صدرت في العام 1976 ودارت حول زيارة الرئيس الاميركي الاسبق
بطل فضيحة ووترجيت ريتشارد نيكسون لمصر في العام .1974.
الاجواء التي تمت فيها زيارة نيكسون لا تبدو مختلفة عن الاجواء التي تصاحب
الزيارة التي يبدأها الرئيس الاميركي جورج بوش يوم غد الاربعاء..
فالزيارتان اولاً توصفان بالتاريخية بهدف اضفاء الاثارة عليهما، وخصوصاً
من قبل بعض الانظمة العربية التي تسعى لتسويق صداقاتها مع اكبر واقوى
واغنى دولة في العالم وكرسالة واضحة للجماهير العربية، ان مشروعيتها نقصد
الانظمة قد تحققت، وان من تسانده اميركا لا يخشى شيئاً..
حسناً..
جاء نيكسون الى المنطقة بعد حرب اكتوبر بأقل من عام تقريباً وكان العزيز
هنري كيسنجر قد استطاع انجاز اتفاقيتي الفصل عن الجبهتين المصرية والسورية
بعد صدور القرار 338 التي سبقتها مفاوضات الكيلو 101، وغدت الارض والاجواء
ممهدة كي يصل نيكسون المطارد والملاحق بعار ووترجيت بحثاً عن مجد زائف او
انجاز يحول دون عزله او تأخير استحقاق الاستقالة التي بدأ الاميركيون
يطالبونه بتقديمها..
بوش يأتي الى اسرائيل لأول مرة كرئيس للولايات المتحدة بعد ثلاثة عقود
ونيف على زيارة نيكسون، رغم ان كارتر زارها كذلك فعل بيل كلينتون اكثر من
مرة، لكن زيارته التاريخية هذه تستوقف المراقب وتدعوه الى المقارنة بين
وضع الرئيسيين.
نيكسون كان جثة سياسية بعد الفضيحة، ولم تغفر له انجازاته السياسية
الحقيقية سواء في ما افضت اليه دبلوماسية البينغ بونغ مع الصين ونجاحه في
اقامة علاقات دبلوماسية معها حداً اقترب من قيام تحالف بين بكين وواشنطن
في وجه العدو المشترك الاتحاد السوفياتي، كذلك في الاتفاقات العديدة التي
وقعها مع موسكو بهدف تقليص ترسانة الاسلحة النووية دون إهمال الانجاز
الاكبر في الشرق الاوسط وهو المشاركة الفعلية في حرب اكتوبر 73 وارسال
الدبابات والطائرات الاميركية من اوروبا مباشرة الى ساحة المعركة في سيناء
لمنع هزيمة اسرائيل والحاق الهزيمة بمصر، بعد ان تمت محاصرة الجيش الثاني
(والثالث) اثر نجاح شارون في توسيع ثغرة الدفرسوار ومنع الماء والغذاء
عنهما، ما دفع موسكو الى التهديد بالتدخل إذا لم توقف اطلاق النار وكان
لها ما ارادت وصدر القرار 338.
جورج بوش لم يصبح بعد جثة سياسية لكن لا أحد في الولايات المتحدة او في
خارجها (باستثناء معظم الانظمة العربية) يشكك بأن الرجل بطة عرجاء وأنه لا
يعني ما يقول في شأن قيام دولة فلسطينية مستقلة قبل مغادرته البيت الابيض
بعد عام من الان.
النهج التبشيري الذي تنهض عليه سياسة بوش الخارجية والمستندة في الاساس
على تقسيم العالم الى أخيار واشرار، والتي اخذت تطبيقاتها في نظرية
الضربات الاستباقية والحروب الوقائية، أسهم في جلب المزيد من الكراهية
للولايات المتحدة ورفض سياسات الغطرسة والانتهاكات الفظة لحقوق الانسان
والفضائح المتلاحقة التي ارتكبتها ادارته طوال سبع سنوات وما تزال ليس
غوانتانامو وسجن ابو غريب وحرق تسجيلات التحقيقات التي اجرتها وكالة
الاستخبارات المركزية (CIA) مع معتقلي غوانتانامو والسجون الطائرة سوى بعض
تجلياتها، وهي تأخذ طابعاً فضائحياً اكثر خطورة وازدراء للشرعية الدولية
والقانون الدولي، عندما يتعلق الامر بما يحدث في فلسطين، والدعم غير
المحدود الذي يقدمه بوش شخصياً للاحتلال الاسرائيلي وقمع الشعب الفلسطيني،
والانتهاكات الفظة وجرائم الحرب والعقوبات الجماعية التي ترتكب بحقه، دون
احترام او محاولة للانسجام مع الشعارات البراقة التي تعظ واشنطن بها
العالم اجمع، حول الديمقراطية واحترام حقوق الانسان والمساواة والعدل
وغيرها من المفردات، التي افقدتها ادارته صدقيتها وحولتها الى نقيض اكثر
بؤساً وفظاظة..
ليس غريباً والحال هذه ان يشكك المحللون الاسرائيليون، ووسائل الاعلام في
الزيارة ولا يرون في الرئيس الاميركي سوى شخص ترك من ورائه الموت والدمار
والكراهية العالية، وان الولايات المتحدة لم تكن مكروهة بالدرجة التي وصلت
اليها خلال سنوات رئاسة بوش السبع، الذي اعاد بلاده دفعة واحدة الى حقبة
فيتنام سيئة الصيت، كما ان الشرق الاوسط ابتعد فقط عن السلام، في عهد بوش،
ومحاولاته الانبطاحية لتغيير هذه الحقيقة لن تتمخض عن شيء، السلام لن يسود
هنا، الى ان يظهر في واشنطن رئيس حازم يعمل بجدية لوضع حد للاحتلال، كان
بامكان بوش ان يفعل ذلك ولكنه خان الامانة، ولم يقم بدوره (جدعون ليفي في
صحيفة هآرتس 6/1/2008).
اما البروفيسور إيتان جلبوع، الخبير في الشؤون الاميركية والمحاضر في
العلوم السياسية والاعلام في جامعة بارايلان الاسرائيلية يقول: ان تعزيز
اولمرت وابو مازن الضعيفين كي يتمكنا من التقدم في المفاوضات واظهار ان
مؤتمر انابوليس لم يكن حلماً فارغاً من المحتوى هما احد من بين اهداف
اربعة ذكرها الكاتب لزيارة بوش .. المسيحي المتشدد الذي لزيارته الى الارض
المقدسة يوجد جانب شخصي ولا سيما عندما يحتاج الى رحمة السماء كي يصل الى
انجازات ذات معنى لارثه. اذا ما نجح فإنه يريد أن ينال الحظوة والاّ يسمح
لأحد اخر بنيل المجد واذا لم ينجح فإن بوسعه دوماً ان يعلن بأنه قام بالحد
الاقصى لتحقيق السلام وتصميم شرق اوسط افضل (يديعوت احرونوت 6/1/2008).
اين من هنا؟.
بوش ليس آت للسياحة او تزجية للوقت، لكنه بالتأكيد غير جاد في البحث عن
سلام او وضع حد للاحتلال او تمكين الفلسطينيين من اقامة دولة مستقلة في
حدود الرابع من حزيران، بل ان همه هو منح المزيد من الارض لاسرائيل وكتابة
جدول اعمال جديد للمنطقة، لا يلحظ الاحتلال وجرائمه بل لتركيب احلاف
ومعادلات امنية جديدة.
هل يصيب نجاحا؟..
.. ربما!.
07 كانون ثاني, 2008
فـي تمجيد الفوضى.. اليوم كينيا وغداً جورجيا!
لأن الحاضر هو ابن الماضي، ولأن الماضي ما يزال ''طرياً'' وماثلاً في
الذاكرة، في ما يشهده العالم ''الثالث'' من اضرابات وفوضى ومجاعة وهزائم
وفساد وأوبئة تفتك بشعوبه، وعمليات نهب منظم لثرواته، تقوم بها الشركات
متعددة الجنسية وتجار الحروب والاسلحة، كذلك الانظمة الاستبدادية، التي
تتحكم في مصائر شعوبه، وتكاد تتدخل في كل خصوصياته وتحاصره في المأكل
والملبس والعمل، بل انها في محاولتها تجميل ديكتاتوريتها الفظة، تأخذ اقل
معايير الديمقراطية كلفة وتمثيلاً حقيقياً للارادة الشعبية والقانون،
ونقصد الانتخابات، لكنها بحكم ثقافة الاستبداد والتسلط والخوف المقيم من
أي حراك جماهيري، تقوم بتزوير تلك الانتخابات بشكل مكشوف ومتخلف، ما
يفضحها ويكشف هشاشتها، الامر الذي تقابله بمزيد من القمع والقتل والتنكيل
والافراط في استخدام قوانين الطوارئ والتعسف والمكابرة، فتخرج ''الازمة''
الى العلن، وهي ازمة ''مثلثة'' ازمة النظام كما ازمة القوى السياسية
المعارضة وكذلك مؤسسات المجتمع المدني..
ليست كينيا، احدى اكثر الدول الافريقية استقراراً (وفساداً) حتى يوم 27/12
الماضي، سوى بعض تجليات هذه الازمة التي لم تكن وليدة الانتخابات
الرئاسية، موضوع الخلاف والجدل والسجالات الراهنة، بكل ما رافقها من قتل
وخراب وتدخل اجنبي (دبلوماسي حتى الان)، تقف الولايات المتحدة الاميركية
على رأس الوفود العديدة التي بدأت تتقاطر على نيروبي، بذريعة جمع الحكم
والمعارضة على طاولة مفاوضات، تنتهي بحل يحمل شعار ''صنع في كينيا''.. وفق
وصف جينداي فريزر، مساعد وزيرة الخارجية الاميركية المكلفة الشؤون
الافريقية..
يصعب تصديق السيدة فريزر فسجل الوساطات الاميركية عبر العالم كله لا يمنح
واشنطن درجة ''مقبول'' في المعايير السياسية والدبلوماسية، اضافة الى ان
نظام الرئيس الكيني مواي كيباكي هو الاكثر ولاء وتبعية (تسميه ادارة بوش
تحالفا) للولايات المتحدة، ولم تكن برقية التهنئة التي سارع الرئيس بوش
بارسالها الى كيباكي بعد ساعة من اعلان فوزه، سوى الدليل القاطع على ان
واشنطن قد ارتاحت لبقائه في الحكم، ليس فقط لانه احد ابرز تابعيها حماسة
في ما يسمى الحرب على الارهاب، وانما ايضا لانها ارادت بذلك ان تضع
المعارضة الكينية الموصوفة بالحركة البرتقالية الديمقراطية، امام الامر
الواقع وقطع الطريق عليها لرفض النتائج وعدم اعتراف ''رايلا اودينغا''
مرشح المعارضة الرئاسية بهزيمته.
ولان المقارنة لا تستقيم هنا لان واشنطن هي زعيمة الثورات الملونة من
برتقالية وبنفسجية ووردية (لكن الحركة البرتقالية الكينية لم تكن على جدول
اعمالها حتى يوم الانتخابات).. ولان برتقاليا اخر هو ميخائيل سكاشفلي،
يواجه اعتبارا من اليوم ازمة مماثلة للازمة الكينية، رغم اختلاف الظروف
والمناخات وطبيعة القوى المنخرطة في الازمة، حيث الانقسام في جورجيا يأخذ
طابعاً سياسياً بين مؤيدي روسيا واولئك الذين ''ييممون'' وجوههم نحو
واشنطن وحلف شمال الاطلسي فيما الصراع القبلي هو المهيمن على المشهد
الكيني.
نقول عدم دقة المقارنة، لا يعني ان واشنطن غير منسجمة مع نفسها ومع
مصالحها الاستراتيجية، والتي يقف في مقدمتها تاريخها الطويل والمعروف في
التخلي عن اصدقائها، وليس شاه ايران او ماركوس الفلبيني وساموزا نيكاراغوا
والطغم الحاكمة في هاييتي وغواتيمالا وباناما، سوى بعض الامثلة الناصعة
على مثل هذا السلوك الاميركي الانتهازي (يصفونه بالبراغماتية) ولن يكون
مصير مواي كيباكي افضل من هؤلاء، اذا ما قررت واشنطن ''تبديل الحرس'' في
نيروبي، والاتيان برايلا اودينغا بديلا، ولهذا لم يكن مفاجئا او مثيرا
للدهشة قيام الرئيس الاميركي بسحب برقية التهنئة التي كان ارسلها لكيباكي
بعيد ساعة من اعلان فوزه، وخصوصاً بعد ان خرج علينا الاميركيون كما
الاوروبيون، بمقولة ان الانتخابات أن شابها الكثير من التزوير والمخالفات،
ولم يقولوا ذلك فور اعلان النتائج وقيام كيباكي بعد ساعة واحدة فقط من
''تفويزه'' نفسه، باداء اليمين القانونية اشارة الى بقائه في القصر
الجمهوري لفترة رئاسية ثانية.
الفوضى عمت كينيا وهي البلد الهادئ والمستقر، بل يشار الى انه اكثر بلدان
افريقيا أمناً واستقراراً رغم التفجيرات التي كانت استهدفت السفارة
الاميركية في نيروبي ''ودار السلام'' قبل عشر سنوات تقريباً، والدليل على
ذلك الهدوء والامن المميز لكينيا قيام الولايات المتحدة الاميركية بفتح
مكتب للقيادة العسكرية الاميركية الجديدة في افريقيا المعروفة اختصارا
بـ(افريكون) بعد ان رفضت الجزائر ان تكون مقراً لهذه القيادة التي تم
استحداثها وفصلها عن المركز في اوروبا الذي كانت افريقيا من اختصاصه.
سيرضخ كيباكي للاوامر الاميركية في النهاية وليس مهما ما يقوله هو
وانصاره، من انه لن يقبل بأي وساطة ''اجنبية'' اللهم إلاّ اذا اعتبر
اميركا من ''اهل البيت'' وهو الذي تفعله السيدة فريزر هناك، حيث لا تخفي
الخارجية الاميركية هدف وجودها في نيروبي وهو ''مناقشة اقتراحات بينها
اجراء انتخابات جديدة''.
سيبلع كيباكي لسانه، وسيقبل ما تمليه عليه جيناداي فريزر، وخصوصاً أن
''برتقاليي'' كينيا الذين طرحوا برنامجا اكثر وطنية وجماهيرية من برنامج
كيباكي، لا يبدون معارضة جذرية للولايات المتحدة وهم في اسوأ الحال
سيكونون نسخة عنه، ولكن تمثيلاً لقبائل منافسة مثل قبيلة لويا ولوو
وكالنجين فيما ستكون قبيلة ''كيكويوس'' خارج الامتيازات والوظائف التي
احتكرتها فقط بسبب وجود رئيس ينتمي اليها في القصر الجمهوري.
لن تقبل كيكويوس بما هي قبيلة كبيرة فقدت امتيازاتها بذلك، ولن ترتضي
اقتسام الكعكة مع قبائل منافسة وستدخل البلد (المستقرة والهادئة والفاسدة)
الى دائرة الفوضى والمذابح والتمزق وستغدو دول فاشلة كما هي الكونغو
وراوندا ''والحبل'' الاميركي على الجرار، افريقياً وشرق اوسطياً.
ماذا عن جورجيا؟.
زعيم البرتقاليين ميخائيل سكاشفيلي حامل الجنسية الاميركية، سيواجه وضعا
صعبا وحرجا نظرا لرفض المعارضة الاعتراف بالنتائج ولن تستطيع واشنطن التي
اوصلته الى الحكم حمايته لانه لم يتقن قواعد اللعبة وتحول الى ديكتاتور
متغطرس..
لتحيا الفوضى إذاً!.
30 كانون اول, 2007
دم السيدة الذي توزع على القبائل!
يومان فقط، بل أقل، وراحت قبائل باكستان السياسية تتبادل الاتهامات، ليس
فقط حول الكيفية التي تم فيها تغييب بناظير بوتو عن المشهد السياسي، في
عملية قتل بشعة و متقنة التحضير والاخراج، ووضوح الخبرة في طمس الحقائق في
مسرح الجريمة ذاته وانما ايضا في التأشير على من يتحمل مسؤولية هذا
الاغتيال السياسي والجسدي، لسيدة لم تكن بريئة من عملية خلط الاوراق وقلب
خريطة التحالفات والاشتراك في سيناريوهات لمرحلة ما بعد برويز مشرف،
وخصوصاً بعد ان تم اجباره اميركياً، على خلع بزته العسكرية والتراجع عن
فرض حال الطوارئ، وتحديد موعد للانتخابات التشريعية (البرلمان) والمحلية
(الاقاليم والبلديات)، في الثالث من الشهر المقبل (هذا اذا لم يتم تأجيله
في حال اعلن حزب الشعب، الذي كانت تتزعمه بوتو اليوم الاحد عن عدم مشاركته
في الانتخابات، وبذلك يكون قد انضم الى حزب نواز شريف الرابطة الاسلامية
في مقاطعة المعارضة لها).
من الحكمة عدم التقليل من شأن التسريبات أو الشائعات او المعلومات التي
بدأت تطفو على السطح اثر اغتيال السيدة بوتو، سواء فيما خص الاتفاقات
السرية التي قيل انها وقعتها مع نواز شريف، بعد ان حسمت رئيسة حزب الشعب
خياراتها السياسية عبر القطيعة التي اعلنتها مع الديكتاتور مشرف (وفق
وصفها)، وبعد ان سحبت منافسها في المعارضة نواز شريف الى مربع المشاركة في
الانتخابات، رغم منع المحكمة شريف من الترشح لأسباب تتعلق بتهم الفساد
التي وجهت اليها، ما يزيد من احتمالات حدوث اتفاق كهذا بينهما (بموافقة
اميركية بالتأكيد)، وخصوصاً ان التسريبات قالت ان شريف وافق على ان يكون
رئيساً للجمهورية (وهو منصب رمزي في كل حال)، فيما تتولى بوتو رئاسة
الوزراء، كطريق اقصر وأسلم واسرع للتخلص من ارث الجنرال الرئيس والانخراط
بجدية في الحرب على الارهاب، ولضبط علاقة المستوى السياسي بالمؤسسة
العسكرية الباكستانية صاحبة النفوذ الاكبر والطاغي في المشهد الباكستاني،
والتي واصلت اطاحة السياسيين المنتخبين والتنكيل بهم والاستحواذ على
النصيب الاكبر من موازنة الدولة، ورعاية وتمويل المنظمات والحركات
الجهادية بدءاً من تنظيم وتسهيل مرور الاسلحة الى المجاهدين الافغان،
الذين انتدبتهم ودربتهم الولايات المتحدة والاستخبارات الباكستانية
المعروفة اختصاراً (آي.إس.آي) في عز الحرب الباردة لمحاربة الاتحاد
السوفياتي، الذي ارتكب حماقة الاجتياح العسكري لافغانستان، وليس انتهاء
بالطبع بصناعة حركة طلاب الدين طالبان المتشددة لمناوأة تنظيمات المجاهدين
والاستيلاء على الحكم، رغم تحالفها مع تنظيم القاعدة الذي ورث الجهاد ووضع
نفسه تحت تصرف إمارة طالبان، التي كانت تحكم من قبل الاستخبارات
الباكستانية..
تغيرت قواعد اللعبة وانهارت معادلة التحالفات القديمة بعد الحادي عشر من
ايلول، لكن شيئاً لم يتغير في دور مراكز القوى الباكستانية،وبقيت المؤسسة
العسكرية في المقدمة استمراراً للقاعدة التي دشنها الجنرالات في وقت مبكر
من عمر الاستقلال ، الذي انجزه القائد محمد علي جناح، تحت شعارات ودوافع
دينية ، ولم يكن حكم المدنيين الا استثناء وكان - من أسف - استثناء
مأساوياً، حيث اقتيد ذو الفقار علي بوتو الى المقصلة بتهم مفتعلة، ولكن في
الاساس عقاباً على مشروعه النووي، الذي كان بدأه وأصر عليه، واذ نابذته
الولايات المتحدة العداء ودعته للتخلي عن طموحه (المرفوض اميركيا
واسرائيليا وتذكرون كيف راجت في ذلك الحين حكاية القنبلة النووية
الاسلامية وكأن للقنابل دين) فوضع الرجل العنيد الخيار السوفياتي بديلا
ميمما نظره صوب موسكو زائراً، جن جنون البيت الابيض ووكالة المخابرات
المركزية لان باكستان هي درة التحالفات الاميركية الاستراتيجية في تلك
المنطقة وخروجها سيكون بداية النهاية لتلك السلسلة من السد المنيع الذي
اقامته واشنطن لمحاصرة الاتحاد السوفياتي (تركيا وايران وباكستان والصين
نسبيا بعد نجاح دبلوماسية البينغ بونغ التي انتهجها نيكسون وكيسينجر
ازاءها)، فتم اشعال الضوء الاخضر للمؤسسة العسكرية فقفز الجنرال محمد ضياء
الحق (الذي عينه بوتو متجاوزا جنرالات أرفع منه رتبة وخبرة) الى السلطة،
وقام بقطع رأس رئيس الوزراء المنتخب رغم ان الرئيس الاميركي وقتذاك جيمي
كارتر ناشده عدم تنفيذ الحكم.
لم يكن القصد الاطالة في شرح ملابسات اعدام والد بناظير، بل التأكيد على
تضاؤل حظوظ السياسيين في البقاء في السلطة كمنتخبين، لان المؤسسة العسكرية
امسكت بكل الخيوط تحت ادعاءات واضاليل عديدة ولم يكن افتعال الحروب مع
الهند والتحالف مع الصين ثم اعتبار افغانستان بمثابة حديقة خلفية لباكستان
سوى بعض تجليات هذا الدور الذي تعاظم بعد دخول اسلام اباد النادي النووي
في العام 1999 واعلان بوش الحرب العالمية على الارهاب واعادة تأهيل
الجنرال مشرف (الذي انقلب على نواز شريف المنتخب) للعب دور الحليف الاول
في هذه الحرب الفاشلة أو التي من غير الممكن القول بانها حققت نجاحات تذكر
وخصوصا في افغانستان (دع عنك العراق).
القبائل السياسية الباكستانية (بما في ذلك المؤسسة العسكرية واجهزة
الاستخبارات) تتبادل الاتهامات، وكل يدلي برواية من عندياته عن الاسباب
التي اودت بحياة السيدة بوتو، ومع رفض حركة طالبان باكستان (احد اذرعة
تنظيم القاعدة) اتهامات الحكومة كذلك تنصل طالبان افغانستان من المسؤولية
واصرار قادة حزب السيدة بوتو على القول بان الرصاص هو السبب في مصرعها
وليس اصطدام رأسها بسقف سيارتها، فإن نظام مشرف والمؤسسة العسكرية باتا
تحت النار ويبدو انهما سيدفعان الثمن، رغم كل محاولات توزيع دمها على
القبائل لتضليل التحقيق (الذي لم يبدأ اصلا) وتبديد الادلة في سيل
السجالات والجدل والحرائق المشتعلة في انحاء باكستان.
26 كانون اول, 2007
(التحالف الثلاثي) اذ يخلط الاوراق..هل (يتصالح) المالكي مع البعثيين؟
قلبت مذكرة التفاهم التي وقعها قادة الاتحاد الوطني الكردستاني (جلال
طالباني) والحزب الاسلامي (طارق الهاشمي) والديمقراطي الكردستاني (مسعود
برزاني)، يوم اول من امس الاثنين، الخريطة السياسية والحزبية العراقية
وفرضت معادلة جديدة في غمرة الصراعات والمواجهات والسجالات والجدل المندلع
منذ ما يقرب من خمس سنوات، بين ما كانوا يوصفون بالمعارضة العراقية التي
تسنى لها الامساك بزمام الامور (ولو شكلياً)، بعد الحرب الاميركية
البريطانية على العراق، وسقوط بغداد في التاسع من نيسان .2003.
ليس لاقوال طارق الهاشمي، ما يسندها على ارض الواقع، من ان التحالف
الثلاثي هذا الذي هو في حقيقته تحالف سُنيّ كردي (رغم ان غالبية الاكراد
من السُنّة)، ليس بديلا عن التحالف الرباعي الذي كان الهاشمي قد نأى بنفسه
عنه، عندما تم التوقيع عليه ليغدو تحالفا شيعياً كردياً باطرافه الاربعة
(المجلس الاسلامي الاعلى بزعامة عبدالعزيز الحكيم وحزب الدعوة برئاسة نوري
المالكي، الاتحاد الوطني بزعامة جلال طالباني والديمقراطي الكردستاني
برئاسة مسعود برزاني)..
من يدقق في بنود ونصوص وما بين سطور مقدمة مذكرة التفاهم الاخيرة (نشر
موقع ايلاف نصها يوم امس الثلاثاء)، يرى حرص الذين قاموا بصياغتها على
ايراد العناوين والقضايا والملفات التي تلقى شبه اجماع عراقي، وخصوصاً
انها انطلقت من الاخوة العربية - الكردية.. وانتقاد الانظمة السابقة..
التي اساءت بسياستها الرعناء الى العلاقة التاريخية التي تربط الشعبين
المتآخيين الكردي والعربي ثم انها وصفت الاوضاع الصعبة التي يمر بها
العراق من جرائم الارهاب والطائفية التي ترتكب بحق ابنائه وتطال الرجال
والنساء وكل الطوائف والقوميات.
ما يعني ان لا ثمة حاجة الى مثل هذه المذكرة لو ان التحالف الرباعي ما
يزال قائما وقادرة اطرافه الاربعة (دع عنك الحزب الاسلامي الديكوري)، على
ادارة حوار ناجع وعقلاني والتوصل الى هوامش مشتركة وحلول للازمات التي
تعصف به وما تزال، مثل مسألة كركوك (المادة 140 من الدستور) وحصة اقليم
كردستان من الموازنة العامة للدولة والاخطر هو قانون النفط حيث يرفض
المالكي والحكيم العقود الثنائية التي وثقتها حكومة اربيل مع شركات غربية
وآسيوية للتنقيب عن النفط في الاقليم.
نوري المالكي، كما خصمه اللدود في الائتلاف الشيعي المتصدع (عبدالعزيز
الحكيم) في وضع لا يحسد عليه بعد ان وصلت الامور أو اوشكت الى نقطة
اللاعودة بينه وبين اغلب المكونات والقوى السياسية العراقية المشاركة في
العملية السياسية المأزومة، فهو في خلاف مع الحزبين الكرديين وعلاقته
متوترة مع الرئيس جلال طالباني بصفته رئيسا وليس فقط كزعيم للاتحاد الوطني
الكردستاني وجاء ملف الصحوة العشائرية (السُنّية بالطبع) التي تحظى برعاية
واهتمام اميركي، واضحاً ليزيد من خطورة الحال التي بات عليها المالكي
شخصيا وخصوصا في ظل الدعوات العلنية الى دمج 20 الف عنصر من قوات الصحوة
الى الجيش العراقي ما دفع بالمالكي والحكيم الى التصريح علنا بان
موافقتهما مرهونة بدمج عدد مماثل من الميليشيات الشيعية التابعة لهما
ليغدو المشهد مكشوفا وعاريا وهي ان احدا منهما لم ينس شيئا ولم يتعلم
شيئا، وأن الحكاية العراقية التراجيدية قائمة لدى الجميع على فكر وثقافة
وتقاليد طائفية ومذهبية وان لا مكان في العراق الجديد للحداثة
والديمقراطية وحقوق الانسان وسيادة القانون والحكم الرشيد واستقلال القضاء
وتطبيق قوانين المحاسبة والمساءلة والشفافية وهي العناوين البراقة التي
صدعت ادارة بوش رؤوسنا بها منذ ان جهزت الجيوش وجردت حملاتها العسكرية
لنشر الديمقراطية في بلاد العرب والمسلمين وخصوصا الشرق الاوسط الكبير
وتخليص الشعوب العربية وخصوصا الشعب العراقي من نظامه المستبد والدموي.
عودة الى معادلة التحالفات؟.
لم ينضم طارق الهاشمي (الحزب الاسلامي السُني) الى التحالف الشيعي الكردي فبقي التحالف ناقصاً وغير مكتمل التمثيل..
تتكرر الحكاية ولكن في خلل اشد خطورة لأن الحزب الاسلامي لا يمثل ثقلاً
كبيراً في المشهد السُنّي بل ان جبهة التوافق (الذي كان عضواً فيه) هي
التي تمنح الثقل لمواقفه السياسية المنسجمة مع قراءتها للتطورات، لكن
الحال الآن مختلفة بعد استبعاد الحزبين الشيعيين الكبيرين والاوسعين
تمثيلاً في الوسط الشيعي، وخصوصاً انهما يتكئان على ميليشيات مسلحة قد
توازي في عديدها وتسليحها قوة الجيش العراقي الجديد، ما بالك اذا ما اصطف
الى جانبهما خصمها المعلن التيار الصدري وذراعه العسكرية جيش المهدي؟.
نحن اذاً امام خطوة لا بد ان الموقعين عليها قد درسوا كل اثارها الايجابية
والسلبية واتخذوا من الاحتياطات ما يحفظ لهذا التحالف حضوره وتأثيره،
اللهم الا اذا كان اطرافها قد لجأوا اليها لاسباب تكتيكية ولتحسين شروط
تفاوضهما وتوجيه رسائل الى كل من يعنيهم الامر في الائتلاف الشيعي ام
للادارة الاميركية ام للقوة الصاعدة الجديدة في الوسط السني والمشهد
العراقي وهي مجالس الصحوة العشائرية..
هذه الخطوة لا بد ان يقابلها رد ما من نوري المالكي وعبدالعزيز الحكيم
والتيار الصدري وجبهة التوافق بما هي القوى الرئيسية المؤثرة ناهيك عن تلك
القوى الاخرى الصغيرة ولكن الموجودة في المعادلات القائمة..
خيارات المالكي تبدو محدودة وهوامش مناورته آخذة في التقلص بعد ان عادت
الى الاجواء شائعات عن قرب استبداله بقرار اميركي بعد ان اثبت الرجل تواضع
قدراته وانعدام خياله السياسي واصراره على ابقاء نظام المحاصصة الطائفية
كأسس لحل الازمات المتفاقمة في البلاد وعدم احراز أي تقدم في ملف المصالحة
الوطنية.
فهل يقلب المالكي الطاولة على التحالف الثلاثي الجديد وايضاً كرسالة
لادارة بوش، عبر اصدار قانون العفو العام عن المعتقلين ثم المصالحة مع
المعارضة التي تضم بعثيين وفصائل مسلحة في المؤتمر الثالث (بعد مؤتمري
بيروت والبحر الميت)، الذي سيعقد في القاهرة الشهر المقبل برعاية جامعة
الدول العربية؟.
ربما..
18 كانون اول, 2007
الغارات التركية على شمال العراق: من يقول الحقيقة.. ومن يراوغ؟
ثمة من يتعمد المراوغة (اقرأ الكذب)، وهناك ما يشبه التواطؤ في لغز عمليات القصف الجوي التركي للمناطق التي يتواجد فيها مقاتلو حزب العمال الكردستاني الكردي ..PKK
الغارات الجوية الاميركية اذاً مجرد بداية عمليات عسكرية متواصلة ولم تكن الاسئلة التي طرحت منذ اشهر قليلة ماضية تدور حول هل تمضي انقرة قدماً في تنفيذ تهديداتها باجتياح واسع لشمال العراق، وانما متى يبدأ هذا الاجتياح، ولأن الامور ليست على هذه الدرجة من البساطة والسهولة ايضاً، ولأن اكلافها السياسية والبشرية قد تكون باهظة ولا يستطيع حزب العدالة والتنمية ان يدفعها وبخاصة اذا ما قويت شوكة المؤسسة العسكرية واستعاد الجيش دوره ونفوذه السابق، الذي تراجع قليلاً بعد ان تم حسم مسألة الرئاسة وصعد عبدالله غل الى الموقع الرمز ، الذي ظل حكراً على العلمانيين والمخلصين لفكر وتعاليم مصطفى كمال اتاتورك، فإن رجب طيب اردوغان واركان حكومته يبدون حذراً شديداً، ازاء خطوة كهذه ناهيك عن اثارها على مستقبل العلاقات بين انقرة وواشنطن وبين انقرة واربيل (عاصمة اقليم كردستان)، وامتداداً مع حكومة نوري المالكي (حتى لا نقول حكومة بغداد)، رغم انها حكومة لا وزن لها ولا أهمية، وما حدث في البصرة قبل يومين يؤكد ان لا وجود لمثل هذه الحكومة حيث اقتسمت السيطرة على عاصمة الجنوب العراقي بعد انسحاب قوات الاحتلال البريطاني منها ثلاثة فصائل ميلشياوية بوساطة ايرانية.
عودة الى الغارات الجوية
انقرة تقول ان الولايات المتحدة الاميركية وافقت على قيام سلاحها الجوي بمثل هذه الغارات ما آثار على الفور جملة من الاسئلة والتساؤلات حول امكانية حدوث تحول في الموقف الاميركي الامر الذي سيؤدي الى انهيار معادلات واصطفافات وتحالفات راهنة قائمة وبروز اخرى بديلة منها.. بكل ما يحمل هذا التحول (إن حدث) من اشارات ووسائل ترسلها ادارة بوش الى اكثر من جهة وخصوصا لحكومة اقليم كردستان (وهي الحليف الاقوى والاول وحصان الرهان الاميركي في العراق المشتعل).
المثير للسخرية هو مسارعة الادارة الاميركية الى نفي الخبر التركي بالكامل ثم الذهاب في اتجاه تبرير لا يقنع احداً عندما قيل أن الولايات المتحدة لم توافق على مثل هذه الغارات لكنها أخذت علماً بها.
وإذا ما اخضعنا التصريح التركي ثم النفي الاميركي المرتبك الى المنطق والتحليل الموضوعي والمحايد فان الرواية التركية تبدو اقرب الى الصحة منها الى هذه المراوغة الاميركية الواضحة التي تسعى الى تسجيل اكثر من هدف فهي وإن اخذت علماً بهذه الغارات فانها لم تقم بادانتها او العمل على منعها بل إن صمتها هو اقرب الى الموافقة منه الى أي شيء آخر ما فهمته انقرة على انه ضوء اخضر او ان واشنطن لا تعارضه تماماً ولن تقف في مواجهته (تذكرون كلمات السفيرة الاميركية في بغداد ابريل غلاسبي عندما قالت للرئيس العراقي السابق عندما أعلمها انه قد يغزو الكويت، بأن بلادها لا تتدخل في العلاقات بين البلاد العربية، فوقع او اوقع نفسه وبلاده في الفخ وكان الغزو كارثة ما يزال الجميع يدفع أكلاف هذه الحماقة).
تريد واشنطن ان ترصد ردود الفعل على ما يمكن وصفه ببدايات الاجتياح التركي (الذي طال انتظاره) كي تقرر خطوتها التالية وهي تريد ان تقول لاكراد العراق ان ليس بمقدورها لجم انقرة تماما ما لم يقدموا بعض التنازلات لها وهي كذلك توحي لحكومة اردوغان ان مثل هذا الضوء الاخضر الاميركي (ولو المرتبك) يجب ان تقابله انقرة بامتنان وان تبدي تجاوبا اكبر مع الاستراتيجية الاميركية الجديدة في المنطقة او تساعد في بلورة مواقف اقليمية تسمح لواشنطن بالخروج من العراق ولكن ليس على شكل هزيمة عسكرية كاملة على غرار ما حدث في فيتنام قبل ثلاثة عقود ونيف.
الحال ان اكثر من ما يثير الشفقة والسخرية في الان ذاته هو مسارعة حكومة نوري المالكي الى اعلان احتجاجها الشديد على الغارات التركية فيما يدرك الجميع ان احدا لا يحفل بمثل هذا الاحتجاجات لان حكومة تمارس كل هذه المقارفات من الطائفية والمذهبية وتصرف النظر ان لم نقل انها تشجع عمليات القتل على الهوية ولا تتخذ أي اجراءات عملية وجادة وصادقة لتسريع المصالحة الوطنية انما ينظر اليها على انها حكومة دمى او مجرد ديكور تجميلي لاحتلال بغيض دمر العراق وشعبه وارجعه الى مائة سنة الى الوراء.
اين من هنا؟.
اغلب الظن ان اردوغان لن يذهب بعيدا في اعتماد الخيار العسكري وان سيبقى ملوحا به لتحسين شروط تفاوضه ومجاراة المؤسسة العسكرية وان كان لن يسمح لها بان تستعيد زمام المبادرة قبل ان يكبلها نهائيا عندما يتم اقرار الدستور الجديد الذي سيضع العسكر في ثكناتهم ويبقيهم تحت امرة الوسط السياسي المنتخب. وتلك مسألة أخرى.
فالغارات التركية تمت بالفعل ولأن انقرة كانت قد اتخذت قراراً بمنح الجيش ضوءاً اخضر لتنفيذ عمليات اجتياح وقصف لتلك المناطق حتى لو أدت الى عملية واسعة النطاق، بصرف النظر عن ردود فعل حكومة اقليم كردستان، وحتى حكومة نوري المالكي حيث كان الاخير وقع اتفاق تعاون أمني مشترك مع رجب طيب اردوغان لمحاربة حزب العمال، ما لبث ان تراجع عنه بعد عاصفة انتقادات حادة ولاذعة وجهها له حزب العمال وايضا حكومة اقليم كردستان..
17 كانون اول, 2007
عادت البصرة بعد خرابها.. ولكن لمن عادت؟
في عملية التفاف ومراوغة بريطانية واضحة سلّمت القوات البريطانية المحتلة صلاحياتها الأمنية في عاصمة الجنوب العراقي (مدينة البصرة) إلى القوات الأمنية العراقية في آخر عملية تسليم للمدن الكبرى في محافظة الجنوب بعد ان تم تسليم ثلاث محافظات سابقة هي ميسان وذي قار والمثنى.
الأمر في ظاهره يبدو طبيعياً وكأنه انسجام بين موقف رئيس الحكومة البريطانية الجديد غوردون براون (كان في البصرة قبل أسبوع وزارها كما غادرها سراً) الذي أعلن عن سحب نصف القوات البريطانية الموجودة في العراق منذ الغزو الأميركي البريطاني في العام 2003 والتي وصل عددها 5000 جندي (يعتزم براون إبقاء 2500 جندي فقط).
لكن الأمور ليست كذلك بالتأكيد لأن براون الذي يريد أن ينأى بنفسه عن المغامرة الفاشلة التي قام بها سلفه توني بلير في تبعية واضحة لجورج بوش والإيحاء للناخب البريطاني انه في سبيله لاخراج قواته من المستنقع العراقي، ثم يسلم البصرة التي الحق بها البريطانيون الخراب والدمار وارجعوها إلى ما كانت عليه قبل ثمانين عاماً عندما كانوا يحتلونها وقبل أن تنطلق ثورة العشرين المجيدة، نقول لم يسلمها إلى قوات حكومة عراقية مركزية وديمقراطية وتمثل أطياف الشعب العراقي كافة، بل هو يعلم كما يعلم أصحاب القرار في قيادة قوات الحلفاء (إقرأ القوات الأميركية) أن لا حكومة عراقية موجودة بهذه المواصفات في بغداد وأن لا وجود لها أصلاً في البصرة وان مدينة النخيل والنفط والشعراء والأهوار هي في قبضة الميليشيات، وأن خروجهم من البصرة انما يعني فتح الطريق على حرب ضروس بين الميليشيات المتصارعة والتي هي في معظمها شيعية تتقدم قوات بدر الذراع العسكري للمجلس الاسلامي الاعلى العراقي بزعامة عبدالعزيز الحكيم وجيش المهدي بزعامة مقتدى الصدر وحزب الفضيلة، الذي انشق عن الائتلاف الشيعي الرباعي (الحكيم، المالكي، الصدر والفضيلة)، بعد ان كانوا تقدموا لانتخابات العام الماضي بقائمة موحدة أمنت لهم اغلبية مريحة رسمت ملامح عراق ما بعد اقرار الدستور (الدائم)، وكشفت عن عمق التحالف الشيعي الكردي، الذي يعني في جملة ما يعني، تمرير الصفقات الثنائية الخاصة بمهفوم الفيدرالية، حيث يؤيد الحكيم والمالكي تحديداً، وجود اقليم كردستان بما في ذلك المادة (140) من الدستور الخاص بمدينة كركوك، والتي يجب ان يتم الاستفتاء حولها قبل نهاية هذا العام (لا يبدو ان مثل هذا الامر سيحدث بعد ان تم استهلاك الوقت وبعد ان طرأت تغييرات ملموسة على المعادلات التي كانت قائمة عند اقرار الدستور الدائم، ما يعني ان الامور قد تأخذ ابعاداً اكثر خطورة مما يبدو)..
في مقابل دعم المالكي والحكيم لتطبيق المادة (140) فانهما يأملان ان يجدا دعماً من التحالف الكردستاني لاقامة كونفدرالية في الجنوب، بما هي في النهاية واياً كانت التبريرات كونفدرالية تنهض على أسس طائفية ومذهبية، ما يعني في النهاية القضاء على صيغة العراق الموحد، التي دامت ثمانية عقود والتي نجحت في المحافظة على حماية العراق من التقسيم، رغم ما ألحقه حكّام العراق المتعاقبون من اضرار ومظالم بل وجرائم ضد كثير من شرائح الشعب العراقي الطائفية والمذهبية، وخصوصاً العرقية، حتى لاقى الاكراد اسوأ انواع الالغاء والتهميش والقتل والاقصاء والحرمان من ابسط حقوق الانسان، واحترام خصوصيتهم الثقافية فيما كان القمع السياسي يطال الجميع بلا استثناء.
ان تعود البصرة الى العراقيين، لا يعني انها تعود لسلطة مركزية تحكم بالقانون وتلتزم حقوق الانسان والتعددية وتطبق معايير المساواة والعدالة، بعيداً عن التصنيف الطائفي او المحاصصة.
ولأن البصرة تعود ''مقسّمة'' الى الميليشيات وفق معادلة قيل ان ايران قد ''توسطت'' للقبول بها، فإننا نكون امام حال من الفانتازيا السياسية الاقرب الى الفوضى ليس فقط مما تحمله الوساطة الايرانية من دلالات وتأكيد على ما بات معروفاً كحقيقة يصعب دحضها وهو ان ايران هي القوة الاولى في الجنوب العراقي نفوذا وحضورا ودوراً وتأثيراً، وهذا لا يحسب ضد ايران لأن نظرية ملء الفراغ معروفة في علم الطبيعة كما في علم السياسة وأي فراغ يستدعي من يملأه وهكذا فعلت ايران وهي لا تلام.. بل يجب ان يوجه اللوم الى العراقيين اولاً ثم الى العرب ثانيا (هذا اذا ما افترضنا انهم معنيون بملء الفراغ او مهتمون بالحال العراقية بعد ان استقالوا من مهمتهم القومية والوطنية وباتوا اسرى هاجس المحافظة على انظمتهم)..
نقول ليس فقط دلالات الوساطة الايرانية وانما ايضا غياب ما يسمى حكومة بغداد المركزية بقيادة نوري المالكي الذي يملأ الدنيا ضجيجاً وصراخاً وعنتريات، ويتحدث عن السيادة والوطنية والقبضة الحديدية ويجرد الحملات الأمنية لتطهير احياء بغداد من سكانها السنّة، ويقيم الجدران العازلة بين احيائها ويهدد جبهة التوافق وحركة الوفاق بالويل والثبور وعظائم الامور اذا لم يعودوا الى حكومته بلا شرط او قيد..
فشلت حكومة المالكي في اختبارها الاخير ولم تجد كل محاولاتها للايحاء بامتلاكها القرار عندما وقع نوري المالكي على معاهدة استراتيجية بعيدة المدى قيل انها لتنظيم الوجود العسكري الاميركي في العراق، وهي في واقع الحال ''قوننة'' الاحتلال الاميركي ووضع العراقيين في مواجهة بعضهم البعض، فيما المحتلون يقبعون في قواعدهم الضخمة والمحصنة ويؤمنون النفوذ وامدادات النفط والعقود الضخمة ومصالح الشركات الاميركية..
الحال لن يختلف مع البريطانيين، والمعاهدة المماثلة ستكون في القريب الوشيك، اذ لا يعقل ان يغادر البريطانيون العراق بدون جزء من كعكة بلاد الرافدين ''الدسمة''..
خرج البريطانيون من البصرة بعد خرابها وتستلمها الميليشيات الشيعية الثلاث الرئيسية ولا يعقل ان تستمر مثل هذه الصيغة فلا بد من الحسم ولا بد لفصيل واحد ان يبسط سيطرته على عاصمة الجنوب العراقي..
استعدوا للاسوأ فالمجازر قادمة..