مدونة د. محمد الحسيني

ورود في قائمة الانتخابات.

ورود في قائمة الإنتخابات....                                                                        د. محمد مسلم الحسيني             بروكسل   حملت باقة من الورود في سلّة عمري وكانت فيها الألوان زاهية....متباهية....جلست أتمعن في تلك الورود بعدما أتعبتني الحياة بهمومها ومقالبها، بأحداثها وتحدياتها، بألغازها وفلسفتها....وعلى حين غرّة بدأت تلك الورود تتكلم.... تفصح عن نفسها! صاحت وردة  حمراء بصوت عنجهيّ آمر كاد ان يفزعني : أنا السياسة فسايرني....ثم تلتها  وردة صفراء كانت  تتباهى بوريقاتها وهي تقول : أنا التجارة فأتبعني....وبعصبية وثقة عالية بالنفس، تدافعت من الخلف وردة  خضراء لتعلن بحماس مشهود عن نفسها : أنا العقيدة فقدسني.....ثم برزت وردة  زرقاء يافعة  تتمايل عن اليمين وعن الشمال وبذبذبات راقصة وصوت شجي بدأت تشدو وتغني : أنا الفن فعاشرني.....إلاّ أن وردة بيضاء كانت متخفية بين تلك الورود لم تفصح عن نفسها ولم تنبس ببنت شفه ! إستغربت كثيرا منها وتساءلت مع نفسي ، لماذا لم تعرّف بنفسها....لماذا لم  تتكلم؟.ربما تزاحم باقي الورود على المناصب يضايقها.... أو ربما الكنوز لا تفصح عن نفسها، بل تجعل الناس يبحثون عنها.....أو هي زاهدة بنفسها عن هذا وذاك.... عن المادة والماديات، تعيش بروحها وليس بجسدها.....راجعتها ...سألتها عن شأنها.... لكنها  وبصوت خافت ضعيف أجابتني : أنا الفلسفة،  إبتعد عنّي.....! بقيت في حيرة من أمري فأي من الورود سأنتخب!؟ السياسة لباقة ومرونة، نعومة وخشونة، أقوال بلا أفعال، وإنقلاب من حال الى حال.....لكنني كالصخر الجامد لا أنقلب من طور الى طور.... ولا أكترث للأقوال دون الأفعال، فلا تؤثر بي الألقاب ولا تستهويني الأشكال....رفعت الوردة الحمراء من سلتي الهشّة لأنها ليست زادي ولا مرادي ووهبتها دون تحفظ  للآخرين، فراحوا بشغف كبير يتلاقفونها ! نظرت الى الوردة الصفراء....فتبسمت في وجهي وإستغوتني....إلاّ أن تجاربي مع التجارة غير موفقة، فالتجارة حظ وفن .... ولكني لا أحظى بأيّ منهما... كنت أشتري بأغلى مما أبيع....وأبيع في الوقت الذي لا ينبغي... حتى هرب راس المال وإنقلبت الأحوال...عرفت في نهاية المطاف بأن التجارة ليست دربي، لأنها تكرهني وتعشق غيري....قررت أن أبيع وردتي الصفراء في المزاد العلني كي يهدأ خاطري وتستقر نفسي، وحالما بعتها قفزت أسعار الورود في حارتي! توجهت بعدها نحو الوردة الخضراء، فوجدت العقائد قد تكالبت والأفكار قد تشابكت، كلّ يدعي إمتلاك مفتاح الصدق وناصية الحقيقة، وكل يدعي مناصرة الصلاح ومعرفة الصواب.... تشتت أفكاري  في بحر العقائد المتلاطمة أمواجه. فموجة من الشمال وأخرى من الجنوب وأنا حائر بينهما....لا أدرك أين الساحل!توقفت عن الإبحار وفضلت البقاء في مسقط رأسي..... إعتذرت للوردة الخضراء وحنيت لها هامتي.... أما الوردة الزرقاء فقد عشقتها منذ الطفولة....عشقت الفن حين كنت يافعا وتمنيت لو أكون أحد جنوده. لكن الفن هبة الخالق للبشر، وهبة الله لا تباع ولا تشترى ومن لا يملكها لا يستطيع أن يدعيها.لم تكن في جينات أمي وأبي شحنات فنيّة كي أستورثها، فكيف أصبح فنانا وألبس جلد غيري.... !؟غادرت الوردة الزرقاء سلة عمري لوحدها وقبل ان أدعوها للرحيل، لأنها تعرف الى أين تذهب وعند من تستقر... لم يبق في تلك السلّة المهمّشة إلاّ وردة واحدة فقط، إنها الوردة البيضاء التي نصحتني بألاّ أنتخبها....إلاّ أنني عقدت العزم على إنتخابها رغم النصيحة، فربما هي الوحيدة التي قد تفقه أمري وتعرف  سرّي....فعندها سأبحث عن سرّ وجود الورود....وعن أسباب الفروض والقيود.... ومنها سأدرك كيف تأفل تلك الورود... ثم لماذا مرة أخرى تعود....؟ ومن خلالها سأمسك بدواعي محنتي وأسرار وحدتي....وأعرف معاني أحاسيسي ودوافع ثورتي وتمردي....  وبعد تأمل وتفكير عميقين إنتخبت الوردة البيضاء .... بدأت رحلة البحث عن الحقيقة....فكان الطريق مضنيا وخطيرا....وبعد مشوار طويل من البحث والتقصي....عدت من رحلتي المتعبة كما ذهبت وكأنني لم أتحرك ... ! حرت بعدها بنفسي التائهة.... كيف سأوجهها....والى من سأوّلي شأنها وبيد من أسلّم أمرها!؟. فإن كانت ورود الحياة لا تستهويني فكيف بأشواكها.... !؟.

السياسيون وعقد الشخصية

السياسيون وعقد الشخصيّة     د. محمد مسلم الحسيني               بروكسل   الإخلاص في المهنة عرف أدركه الناس ودعوا اليه منذ أن وعى الإنسان على نفسه وتعايش مع بعضه، وذلك من أجل مصلحة عامة وفائدة أكيدة تعود على المجتمع. الإخلاص في الواجب وحسن أداء الخدمة لا يقتصرا على مهنة دون أخرى أو عمل دون غيره، إلاّ أن التركيز على التفاني والإخلاص قد يكون مطلوبا بإلحاح في مهنة قبل غيرها. فالطبابة مثلا تعتبر من المهن الإنسانية الحساسة لأنها تتعامل مع حال الإنسان وتهتم بسلامة أعضائه، وهذا ما دعى المشرّع الى وضع قيم وأصول يجب أن يتحلى بها الطبيب ويتبعها. فعلى الطبيب، مثلا، أن يتعامل مع مرضاه برفق وشفقة ويعالج عدوه كما يعالج صديقه ويسعى بكل معرفته وقدرته على إنقاذ مريضه ولا يمس زملاءه وأقرانه بإنتقاد أو تجريح أمام الملأ وغير ذلك من سنن عامة على الطبيب أن ينصاع لها ويلتزم فيها، وعلى عكس ذلك فالعقوبات المترتبة عليه تتراوح بين التوبيخ والإقصاء عن مزاولة المهنة.  ومهما كانت ممارسة مهنة الطب مهمة في المجتمع فأن حجم أهمية العمل السياسي وتأثيراته على الناس أكبر وأعم وأشمل. فخطأ الطبيب لا يتجاوز مريضه وإن حصل هذا الخطأ فهو في أغلب الأحيان ناتج عن السهو أو الإشتباه، أما أخطاء السياسيين فانها تنال المجتمع برمته ولا تنحصر في شخص أو شخصين أو عدة أشخاص. ورغم هذه الحقيقة وحساسية وخطورة العمل السياسي وتأثيراته على المجتمع فنحن لم نسمع بوجود ضوابط ومستلزمات للعمل السياسي أو شروط ومميزات تحدد صلاحية شخصيّة السياسي لممارسة عمله. الضابط في الجيش، على سبيل المثال لا الحصر، قبل أن يلتحق بالكلية العسكرية عليه أن يجتاز إختبار صلاحية ممارسة الخدمة، وكذلك الحال بالنسبة للطبيب أو الحاكم أو غير ذلك من المهن الحساسة في المجتمع كلّها تتطلب فحص صلاحية ممارسة المهنة. السياسيون فقط يمارسون مهنتهم في الهواء الطلق بلا رقابة وبلا ضوابط ! وهكذا نرى من هبّ ودبّ قد إمتطى جواد السياسة وطارد في ثناياها! رغم خطورة المهنة ومضاعفات أخطائها. فحص شخصية السياسي ودراسة حالته النفسية والتربوية والإجتماعية والعلمية، أمور ضرورية وهامة لأن من خلالها تتحدد صلاحية السياسي في ممارسة العمل والإستمرار فيه. فتصرفات السياسي ومفاهيمه وأفعاله تنعكس في تأثيراتها على المصلحة الوطنية العامة بشكل مباشر أو غير مباشر، وعلى أفراد المجتمع ومصالحهم بشكل عام. من العناصر الهامة في مركب الشخصية عند الإنسان هو ثالوثها المتمثل بالإدراك والإحساس والإستجابة، وفحص هذه الجوانب الهامة عند السياسيين أمر لابد منه لما له من فائدة تشخيصية هامة لطبيعة شخصية السياسي ومعرفة حقيقة تصرفاته. الإنسان السوي هو من يتسم بصحة الإدراك وسلامة الإحساس وحسن الإستجابة، والإنسان المعتل هو من يشكو من ضبابية الإدراك وإضطراب الإحساس وتلكؤ الإستجابة. فالذي لا يستطيع إدراك نسب الحقيقة وتحليل أبعادها سوف لن يستطع تحسّس نوع الحاجة أو الإستجابة اليها.  أسباب إضطرابات مركب الشخصية عند الإنسان كثيرة ومتعددة، فقد تعود هذه الأسباب لدواعي تربوية أو إجتماعية أو إقتصادية أو عقائدية أو نفسية أو جينية أو عقلية أو غيرها. الحرمان من متطلبات الحياة ولوازمها، المعاناة المستمرة والحياة الصعبة، العوز والفاقة، إنخفاض مستوى الوعي، غياب الثقافة التربوية الصحيحة، الوسط الإجتماعي المعتل، الإضطهاد السياسي والنفسي، الأمراض الجسدية والنفسية المستشرية، التخلف العلمي والحضاري وغيرها من الأمور تجعل الإصابة بفايروسات خلل الشخصية سهلة ومتفشية في بلدان العالم الثالث بشكل عام. رغم أن للخلل الفسلجي والجيني دورا في صنع علل الشخصيّة، إلاّ ان الأمراض الإجتماعية والنفسيّة وتدني الحالة التربوية والوعي الحضاري لها القدح المعلّى في مجتمعاتنا في صناعة خلل الشخصيّة وعقدها. أمراض الشخصيّة وإضطراباتها  قد تصيب السياسيين كما قد تصيب غيرهم، وتشخيص ميكانيكية هذه الأمراض عند السياسيين من خلال علاماتها وأعراضها تعتبر عملية مهمة وضرورية.  الخلل الحاصل في مركب الشخصية قد يكون في مستوى الإدراك أو على مستوى الإحساس أو قد ينحصر بمستوى الإستجابة فقط. عندما يكون الخلل في مستوى الإدراك فهذا يعني بأن المرء لايدرك كنه الحقيقة  أو أنه غير قادر على حلّ ألغازها وخباياها وهكذا ستكون تحليلاته ومفاهيمه على هامش الحقيقة وليس في صلبها، فهو لا يميّز بين القشر والجوهر وبين الصالح والطالح ولا يشعر بمتطلبات الحاجة الحقيقية ولا يستجيب اليها. قد يتفاوت الخلل الحاصل في الإدراك في الدرجة والشدة بين شخص وآخر، فمن الناس من يعاني من ضبابية في الإدراك والمفهوم ومنهم من يشكو من عتمة شديدة فيه قد تصل الى درجة الوهم والضلالة، أي قد لا يدرك المرء ما قد يدركه الناس أو قد يعتقد بأمور ليس لها وجود أو حقيقة على الإطلاق. أما الخلل الحاصل في منطقة الإحساس في مركب الشخصيّة فقد يكون نتيجة حتميّة لخلل الإدراك أو حالة مستقلة بذاتها. وأعنى بخلل الإحساس هو فقدان روح التفاعل أو هبوطها، حيث لا تتناسب مشاعر الإنسان مع طبيعة الحدث، ويكون هذا نتيجة لشلل في الإحساس أو ضعف فيه، ودرجة هذا الخلل قد تتفاوت من شخص الى آخر وذلك حسب طبيعة الحالة ومسبباتها. فقد تتراوح في شدتها بين ضعف في مراكز الإحساس عند الإنسان أو إرتباك فيه وبين أن تصل الحالة الى درجة الوهم الحسي والضلالة كما هو الحال في وهم الإدراك، فيحس المرء ويتحسس بأمور لا حقيقة لها أو قد لا يحس ولا يشعر بواقع الحال وطبيعة الحدث الحقيقيّة. أما ما يخص خلل الإستجابة، فهذا يعني بأن المرء لا يستجيب لمتطلبات الحاجة على ضوء الموجودات أو قد يستجيب لها بشكل جزئي أو غير مناسب فلا ترتقي إستجابته أو عمله لمستوى الحاجة ومتطلبات الطموح أو قد تكون الإستجابة بعكس المطلوب تماما.  العلاقة بين عناصر مركب الشخصيّة هي علاقة ترابط وإعتماد، أي أن خلل الإدراك يصيب منطقة الإحساس وخلل الإحساس يسبب إرباك في الإستجابة، بمعنى آخر هو إن أختل الإدراك عند الإنسان فسيختل معه إحساسه وتختل أيضا إستجابته. ورغم هذا الترابط بين هذه العناصر فقد يكون مكان العلّة مقتصرا على منطقة دون غيرها، حيث قد يكون الإدراك صحيحا لكنه لا يتصاحب مع الإحساس المناسب أو قد يكون الإدراك صحيحا والإحساس سليما لكن الإستجابة متعثرة أو مرتبكة، أي قد لا تحفز بواعث الإدراك والإحساس عند الإنسان محرّك الإستجابة فيه. وهكذا فسوف نرى بين الناس من لا يدرك الحقيقة ولا يدرك العلّة وبواعثها وحيثياتها أو قد يدركها ويفهمها جيّدا لكنه لا يتحسس لها أو يتفاعل معها أو قد يدركها ويتحسس اليها إلاّ أنه غير قادر على الإستجابة الصحيحة لها. إذن مرحلة الإستجابة هي آخر وأهم عتبات سلّم التصرّف، فالإستجابة الحسنة تتطلب صحة الإدراك وسلامة الإحساس وسواء الشخصيّة، من أجل أن تنطلق وتتبلور. وعلى أي حال من الأحوال فأن الخلل الحاصل في مختلف مستويات مركب الشخصية ينعكس سلبا على المجتمع من خلال التصرفات غير المناسبة وغير الطبيعية التي قد تحصل عند الشخص المعتل. مهما كان مستوى الخلل ومكانه فأنه سيؤول الى تلكؤ وإرباك في طبيعة الإستجابة، والإستجابة المعتلة قد تكون مخالفة لإرادات الناس أو قد لا ترتقي الى مستوى تحقيق الحاجة. فالسياسي الذي يعاني من إرباك في مركب الشخصية سوف لن يستجيب بشكل صحيح لمطاليب شعبه وللمتطلبات الحقيقية التي ينتظرها المجتمع ويسعى لتحقيقها. درجة الإرباك والشلل الذي قد يحدثه السياسي في مجتمعه تتناسب طرديا مع المركز الذي يشغله هذا السياسي ومع درجة ومكان الخلل الذي يعاني منه. إنطلاقا من هذه الحقيقة نستطيع أن نحكم على أهمية فحص شخصيّة السياسي والإطلاع على طبيعة حياته وتفاصيل حالته، من قبل لجنة علمية متخصصة في الأمراض النفسية والعقلية والإجتماعية، قبل أن ينطلق في الساحة السياسية التي إن دخل فيها سوف لن يخرج منها. فعلى ضوء هذه الحقيقة وهذا الواقع فأن مجتمعاتنا بحاجة ماسة الى سياسيين وقادة يتمتعون بصحة الإدراك وسلامة الإحساس وحسن الإستجابة، كي تكون تصرفاتهم متناسبة مع حاجة بلدهم ومتناسقة مع تطورات المرحلة وضرورياتها.

نظرة تحليلية جديدة في ازدواج الشخصية

نظرة تحليليّة جديدة في إزدواج الشخصيّة              د. محمد مسلم الحسيني                      بروكسل    يصف الناس بعضهم البعض بصفة إزدواج الشخصيّة حتى صار هذا المصطلح تعبيرا شائعا خصوصا في مجتمعاتنا. يقصد بهذا التعبير عادة كلّ التصرفات المتناقضة والأفعال المزدوجة المتباينة التي تصدر من شخص معيّن  نحو هدف معيّن أو أهداف مختلفة. ورغم شيوع هذا المصطلح وتردده على ألسنة الناس، بقي الغموض يكتنف المعنى الحقيقي والعلمي له، إذ ليس هناك تعريف واضح يوصّف هذه الظاهرة. كما تنقصنا الدراسات الإجتماعية والنفسيّة التي تبحث عن أسباب الإزدواج ودواعيه، أو تلك التي تحدد مواقع الخلل في تركيبة الشخصيّة وتدرس ميكانيكيّة هذا التصرّف. كان الباحث العراقي الدكتور علي الوردي الرائد الأول في وصف هذه الحالة الإجتماعيّة والتأشير على حيثياتها وعناصر وجودها، لكن الدراسات في هذا المضمار تكاد تكون متوقفة عند حدود الوردي حيث لم يحصل تجديد أو تعمّق أو إستمرارية في البحث والتنقيب في هذا المجال رغم أهمية هذا الموضوع من الناحية النفسيّة والإجتماعيّة. إنطلاقا من هذه الحقيقة وجدت بأن " التحرّش" بأهل الإختصاص من خلال هذه المقالة ربما يؤدي الى تحريك ساكن أو يلفت النظر الى أهميّة هذا الموضوع والى ضرورة السعي من أجل البحث في ماهيّة  ظاهرة الإزدواج والخوض في تفاصيلها. من أجل فهم المعنى الحقيقي وراء ظاهرة إزدواج الشخصيّة وتحديد مكانها في شخصيّة  الإنسان ومعرفة ميكانيكيتها علينا، سابقا ذي سبق، أن ندرك  ما هي عناصر الشخصيّة التي تشترك في بناء مركب الشخصيّة وأين هو مكان الإزدواج فيها . شخصيّة الإنسان تتركب من ثلاثة عناصر رئيسيّة وهي : المظهر والجوهر والإستجابة (التصرف). فعنصر المظهر يعني بشكل الإنسان وهندامه ومميزاته العامة الأخرى كالمميزات الماديّة والسلطويّة. أما عنصر الجوهر فينشأ من عاملين أساسيين وهما الإدراك " العقل" والإحساس أو ما نسميه بالعاطفة  أو " النفس". هذان العاملان يتأثران في نشأتهما بفعلين رئيسيين وهما فعل الوراثة " الجينات" وفعل المحيط  الخارجي الذي يتلخص بالبرمجة الفكريّة الحاصلة من بواعث التربية والثقافة والمجتمع والمعتقدات والتقاليد والعلم والخبرة الشخصيّة وغيرها. أما العنصر الثالث في مركب الشخصيّة فهو عنصر الإستجابة أو التصرف وهو عبارة عن المحصلة النهائية في توافق العقل مع النفس تترجم بتصرفات المرء وأفعاله وأعماله. أي أن كلّ تصرف يصدر عن الإنسان هو عبارة عن قرار نهائي إشترك في صنعه إدراك المرء وإحساسه. وهكذا فان موقع إزدواج الشخصيّة في مركب شخصيّة الإنسان، من وجهة نظري، يجب أن يكون في منطقة الجوهر، أي منطقة الإدراك والإحساس لأنهما العنصران الحقيقيان في تركيب الشخصيّة. على هذا الأساس أستطيع تصنيف أنواع  إزدواج الشخصيّة  طبقا لمكان الخلل أو أساس نشوء التصرف الى الصنوف والأقسام التالية : 1- إزدواج الشخصيّة عقليّ المنشأ : وهو إزدواج في التصرف ينشأ نتيجة لإزدواج في الإدراك أو في العقلية. هذا التصرّف المتناقض يصدر عن شخص معيّن نتيجة لوجود مفهومين متناقضين كحالة تكيفيّة لظرفين متباينين تقتضيهما الحالة الإجتماعيّة. الأمثلة على ذلك كثيرة منها : تعايش الفرد في مجتمعين مختلفين في السلوك والعادات والثقافة، كمجتمع الحضر ومجتمع البادية، حيث قد تنشأ عند نفس الشخص مفاهيم متباينة طبقا للمكان الذي يتواجد فيه، يتصرف على أساسها بتصرفين متناقضين. فيسلك بعقليّة أهل البادية حينما يكون في البادية ويسلك بعقليّة أهل الحضر حينما يكون في المدينة. هذا الإنتقال من شخصيّة الى أخرى يحصل من دون جهد أو تكلّف وكأن المسألة تسير بشكل ميكانيكي وتلقائي، حتى راح الدكتور الوردي بعيدا في وصف هذه الحالة، حينما شخص هذا التصرف بالتصرف " اللاشعوري"!.  لا يمكن أن نعتبر هذا النوع من الإزدواج مرضا إجتماعيّا أو خللا في جوهر الشخصيّة، بل على العكس من ذلك، فهو تصرّف إيجابي وصحي يجاري ضرورة الحالة الإجتماعية التي يتعايش معها الفرد ويشير الى مدى المطاطيّة في طبيعة الشخصيّة وخصوصيّة تكيّفها طبقا للظرف والحالة. لا يشعر المرء الذي يتصرف بهذا السلوك المزدوج بتأنيب ضمير أو بأحاسيس سلبية نتيجة لهذه الممارسة، بل على العكس حينما نطلب من الشخص ذو المفهوم المزدوج أن يسلك بعلقية أهل البادية في المدينة أو بعقلية أهل المدينة في البادية فإن هذا  قد يسبب له إحراجا ومضايقة لأنه خارج  نطاق مفهومه الخاص بضرورة المرحلة. الأمثلة كثيرة عن إزدواجيّة التصرف نتيجة لإزدواجيّة المفهوم، فمن الأمثلة الشائعة الأخرى التي نراها اليوم هو  تصرفات بعض المغتربين الذين يعيشون في المجتمعات الغربية ويندمجون فيها وتتكون لديهم مفاهيم جديدة. فهم يتصرفون بالسلوك الغربي حينما يكونوا هناك، بينما ينتهجون سلوك البلد الأم حينما يزورون أوطانهم. لا أقصد هنا من يعيش في الغرب ولا يندمج في مجتمعاته، فهؤلاء يبقون محافظين على مفاهيمهم السابقة وتصرفاتهم تبقى كما هي سواء كانوا في بلدان الغرب أو في بلدانهم. فمن لم يتكون لديه مفهوم جديد لا يتصرف بتصرف جديد.   2- إزدواج الشخصيّة نفسيّ المنشأ : هو إزدواج في التصرّف ينشأ في منطقة الإحساس في مركب الشخصيّة نتيجة لتناقضات أو إختلافات إحساسيّة.  التناقض في التصرف هنا  ينطلق من تناقض الأحاسيس المتضادّة إتجاه هدف  معين واحد، مثل المحبة والكراهية أو الرقة والعنف، أو بين الأحاسيس المتباينة المنطلقة نحو نفس الهدف، كالغيرة والمحبة أو الخوف والكراهية. حالات تناقض التصرف بسبب تناقض الأحاسيس أمر غير نادر والجميع شهد أو شاهد أو سمع عن حالات كهذه، فكم من مرّة يتساءل المرء مع نفسه عن تصرفات شخص ما: هل هذا الشخص يحبني أم يكرهني؟، وهذا التساؤل ينطلق بسبب التصرفات المتناقضة الصادرة عن ذلك الشخص التي تشير بأنه يتصرف بشكل متناقض وبسبب شعور متناقض مثل (الحب والكراهية). هذه الظاهرة ترجع في أسبابها، في الغالب، الى أمور تتعلق بوضع الشخص النفسي وحالته النفسيّة التي تتناقض فيها الأحاسيس.  كما أن بعض تصرفات المرء قد  تشير الى محبته لذات ما بسبب الخوف منها ثم ما يلبث أن يناقض ذلك بتصرفات تبيّن الكراهية والحقد لنفس الذات حينما يكون في مأمن منها أي أن تناقض التصرف هنا يحصل بسبب إختلاف الأحاسيس( الخوف والكراهية) . في مرات عديدة يأتي الحبيب بباقة ورد الى حبيبته تعبيرا عن الود والمحبة وما يلبث بعد برهة حتى ينقلب هذا الود الى نزاع وتخاصم ينبعان عن عوامل الغيرة، وهو مثال آخر عن تناقض التصرف بسبب إختلاف الأحاسيس(الحب والغيرة). الأمثلة كثيرة على  تناقض الأحاسيس أو إختلافها التي يتبعها تناقض في التصرف. على القارىء الكريم أن يدرك بأن وجود أحاسيس متناقضة أو مختلفة ينتج عنها تصرّف واحد في نهاية المطاف لا يعتبر " إزدواجا" في الشخصيّة  لأن من شروط الإزدواج هو وجود تصرفات متناقضة وليس تصرّف واحد رغم تناقض الأحاسيس أو إختلافها. كما أن من شروط الإزدواج نفسيّ المنشأ هو أن تكون التصرفات المتناقضة: متوالية، غير متباعدة بالزمن، متكررة، وبإتجاه هدف واحد.   3- إزدواج الشخصيّة التناقضي أو "تناقض الإدراك مع الإحساس":  هنا يكون التصرف المتناقض ناشىء عن تناقض بين إدراك المرء وإحساسه، فمفاهيمه ومعرفته وإدراكه تحتم عليه سلوكيات محددة يستجيب لها ويتصرف على أساسها، لكن أحاسيسه تدفعه الى تصرفات تناقض القيم والمفاهيم التي يمليها الإدراك فيتصرف طبقا لذلك بمكيالين مختلفين يناقض أحدهما الآخر. هذا يفسر السلوك المتناقض لدى من يصوم في النهار ويحتسي الخمر بالليل أو من يصلي ويسرق أو من يمارس الطقوس الدينية في المسجد أو الكنيسة ويقترف مؤاخذات جنسيّة قد تصل الى حد الجريمة. أي أن الموازنة الإجتماعية بين المحضور والممكن تختل عند هؤلاء لسبب أو لآخر مما تجعل المرء غير قادر على كبح  جمام أحاسيسه الغريزية أو الفسلجيّة، فيقوم بتلبية أو إشباع أو تفريغ هذه الأحاسيس بالصورة التي تخالف متطلبات الإدراك، وهذا ما يؤدي الى تناقض في التصرف الإجتماعي. خلافا لحالة إزدواج الإدراك فأن التناقض بين الإدراك والأحساس قد يؤدي الى  حالة تأنيب الضمير أو ربما يمتد صراع النفس مع النفس الى درجة الإصابة بأمراض نفسية أو عصبية. هنا مرة أخرى يجب أن نقول بأن تناقض الإدراك مع الإحساس لا يمكن إعتباره إزدواجا في الشخصيّة مالم يتمخض عن  تصرفين متناقضين أحدهما بوازع الإدراك والآخر بوازع الإحساس. الكثير منا يحصل عنده تناقض بين إدراكه وإحساسه في مواقف معينة، لكنه في النتيجة يتصرف بتصرف واحد تبعا  لإدراكه أو تبعا لإحساسه وهذه حالة طبيعية وليست إزدواجا.  على هذا الأساس نستطيع القول بأن إزدواج الشخصيّة الناشىء عن إزدواج الإحساس أو تناقض الإدراك مع الإحساس قد يشكل مرضا إجتماعيّا إن إستشرى في المجتمع بسبب المضاعفات والتأثيرات السلبية التي ستقع على الفرد أو على المجتمع برمته نتيجة لذلك. على العكس من ذلك فأن إزدواج الشخصيّة الناشىء عن إزدواج الإدراك لا يمكن إعتباره بأكثر الأحوال مرضا إجتماعيّا بل يمكن إعتباره حالة إجتماعيّة صحيّة تبرز الشخصيّة فيها قابليتها على التكيّف والموازنة، فتبدي المطاطية والمرونه اللازمة في الظرف الخاص كي لا يحصل النشاز في التصرف ضمن الدائرة الإجتماعيّة الواقعة في ذلك المحيط.  هناك بعض التصرفات المتناقضة التي قد تنشأ عند بعض الأفراد نتيجة لأمراض نفسيّة أو عقليّة أو إجتماعيّة، أسترعي إنتباه القارىء الكريم لها كي لا يتم الخلط بينها وبين إزدواج الشخصيّة الإجتماعي الذي هو محور حديثنا ومنها:  1- إضطراب الهويّة الإنشقاقي أو الإنشطاري :  وهو مرض نفسي نادر يتميّز بإنتهاج المريض لسلوكين متعاكسين تماما في الطبيعة والمنهج مما يخلق شخصيتين متباينتين بأغلب الصفات وقد لا تعرف كلّ شخصيّة عمّا تصنعه الشخصية الأخرى . هذا المرض النفسي كان يسمّى سابقا بمرض " إزدواج الشخصيّة " وقد غيّر إسمه لاحقا، وقد أثار هذا المرض حفيظة الكتّاب وأهل السينما حيث عرض الكثير من الأفلام  الأجنبية والعربية في هذا المضمار. علينا ألآ نخلط بين هذا المرض النفسي النادر والذي قد لا يمر حتى على أهل الإختصاص وبين حالة "إزدواج الشخصيّة الإجتماعي" الشائع الذي نتحدث عنه في مقالنا. 2- فصام الشخصيّة " الشيزوفرينيا" : إزدواج الشخصيّة هو ليس إنفصام الشخصيّة، فالفارق كبير بينهما بل لا توجد صلة بين الحالتين، فالفصام مرض عقلي ونوع من أنواع الجنون يتميّز بوجود هلاوس وأوهام وضلالات. المريض عادة يبدي أوهام حسيّة فيسمع أصواتا لا وجود لها أو يرى أشياءا أو أحداثا لا أساس لها فيتكلم مع الهواء ويتصارع مع الماء!. أو يظهر ضلالات ووهم في الإعتقاد فيتصور الناس تتآمر عليه أو تريد الإطاحة به أو أن يعتقد بأن له شخصيّة متميزة وشأن عظيم بين الناس، فيرى نفسه سياسيّا بارزا أو أديبا لامعا أو شخصيّة دينية أو إجتماعيّة متميّزة أو غير ذلك، وهذا ما نطلق عليه عادة بمصطلح "  جنون العظمة". من خلال هذا الوصف الموجز يتبين لنا بأن فصام الشخصيّة هو ليس إزدواجها ويجب ألا يتم الخلط بين المصطلحين.  3- النفاق الإجتماعي والدبلوماسيّة : أي سلوكيات متناقضة لا يصاحبها إزدواج في الإدراك أو إزدواج في الإحساس أو تناقض بينهما لا تعتبر إزدواجا في الشخصيّة بل قد تدخل في خانة الدبلوماسيّة أو خانة الخداع أو النفاق الإجتماعي وذلك حسب الحالة وحسب طبيعة الموقف ومقتضيات الحدث. لأن مثل هذه التناقضات لا تكون نابعة من إنشطار مفهومي أو إحساسي ولا من حالة تناقض بينهما، إنما يتصرف المرء تصرفات تناقض إحساسه أو مفهومه من أجل تحقيق غاية معينة أو من أجل الوصول الى هدف معيّن، ولا يمكن إدراجها ضمن مفهوم إزدواج الشخصيّة الذي ينبع من جوهر الشخصيّة وليس من خارجها. 4- التصرف التناقضي المرحلي:  التغيّرات الحاصلة في مفاهيم الإنسان وأحاسيسه ثم تصرفاته وممارساته في مراحل زمنيّة متفاوتة من حياته لا تعتبر إزدواجا في الشخصيّة لأن هذه التصرفات المتناقضة لم تحصل في نفس المرحلة الزمنيّة، إنما تعتبر حالة  تطوريّة طبيعية. فمن كان في شبابه  مبتذلا وماجنا وتبدل في مراحل أخرى من حياته وأصبح عابدا زاهدا، لا نعتبره أبدا مزدوج الشخصيّة، كون التناقض قد حصل في مراحل مختلفة من العمر وليس آنيّا  أي في نفس الوقت والمرحلة. 5- إزدواجية الجوهر مع ثبوت الإستجابة : أي إزدواجيّة في الإدراك أو في الإحساس أو تناقض بينهما لا تتصاحب مع إزدواجيّة في الإستجابة لا تعتبر إزدواجا في الشخصيّة. فلو تضاربت الأفكار والمفاهيم أو تحفزت الأحاسيس الثنوية المتضادّة نحو هدف معيّن أو حصل نزاع عاطفي عقلي  عند الإنسان ونتج عن ذلك تصرّف واحد ثابت ملتزم بمفهوم ثابت أو بإحساس ثابت، فإن ذلك  لا يعتبر إزدواجا لأن الناتج النهائي هو فعل أو تصرف واحد ثابت. أي أن المعادلة في منطقة جوهر الشخصيّة قد حسمت لمفهوم معيّن أو لإحساس معيّن وأنبعث تصرّف ثابت عنهما. بتلخيص ما ورد ذكره نستطيع أن نعرّف إزدواج الشخصيّة الإجتماعي وحسب التصنيف الجديد وضمن فهمي الشخصي للحالة بأنها: حالة تناقض آني في التصرف بإتجاه هدف واحد أو عدة أهداف، يشترط  فيها التكرار والإستمراريّة في الفعل وتنشأ في منطقة جوهر الشخصيّة أي منطقة الإدراك والإحساس وتقع على ثلاثة أنواع : إزدواج إدراكي أو عقلي، إزدواج إحساسي أو نفسي، وإزدواج تناقضي ناشىء عن تناقض الإدراك مع الإحساس. الأول لا يعتبر مرضا إجتماعيا إنما هو حالة تكيّف للشخصيّة في ظروف إجتماعية متباينة، والثاني والثالث قد يشكلا معضلة إجتماعية إن تزايد زخمهما في المجتمع. أي إزدواج في جوهر الشخصيّة لا يتصاحب مع إزدواج في الإستجابة لا يعتبر إزدواجا في الشخصيّة، كما أن أي تناقض متوالي في التصرف لا يصحبه تناقض في مكونات جوهر الشخصية لا يمكن إدراجه في قائمة إزدواج الشخصيّة الإجتماعي بل يدرج ضمن مصطلحات إجتماعيّة أخرى. بمعنى آخر، أن إزدواج الشخصيّة يشترط إزدواج الجوهر وإزدواج الإستجابة (التصرف) في آن واحد.   
 
A service provided by Al Bawaba