« |
»
29 نيسان, 2009
القضاء على حماس هدف اسرائيلي لم يتحقق
القضاء على" حماس" هدف إسرائيلي لم يتحقق... ! د.محمد مسلم الحسيني بروكسل رغم إدعاء الإسرائيليين بأن هجومهم على غزة هو ردة فعل على إطلاق حركة حماس للصواريخ على أراضيها، ورغم ذهاب بعض المحللين السياسيين الى أن لهذا الهجوم أغراض وأهداف إنتخابية ، إلاّ أن المتابع للأحداث يجد الأمور خلاف ذلك. فكما هو ديدن الحروب في رفع شعارات مضللة وإعلان أسباب غير حقيقية لها خاصية التأثير على عواطف الناس وعقولهم فأن الإسرائيليين قد أعلنوا خلافا لما أخفوا عن الأسباب الحقيقية التي تقف وراء هذه الحرب القاسية التي شنوها على هذا القطاع الأعزل. لا يمكن للمحلل السياسي أن يقتنع بأن تقوم إسرائيل بحرب خطيرة كهذه لمجرد دوافع إنتخابية، بل أن هذه الحرب هي هدف ستراتيجي رسمته إسرائيل وأعدت له منذ زمن ليس بالقصير. ربما توقيت هذا الهجوم كان بأجندة إنتخابية ، حيث يستعد الإسرائيليون للتوجه الى صناديق الإقتراع في العاشر من شهر شباط(فبراير) القادم، فتفاءلت الأحزاب الإسرائيلية الحاكمة التي تريد أن تقدم رأس "حماس" هدية الى الناخب الإسرائيلي الذي سيدلي بصوته لهم وهو في نشوة الإنتصار بعدما ذاق ألم الإخفاق إبان الحرب في جنوب لبنان!. هذا من جانب ومن جانب آخر أراد الإسرائيليون أن يتم هجومهم قبل أن يتولى الرئيس الأمريكي الجديد " باراك أوباما " مقاليد الحكم في أمريكا تجنبا لإحراجه وتحسبا لردود أفعاله... السبب الرئيس وراء هذه الحرب هو دون شك التخلص النهائي من حركة حماس التي تتربع على ناصية الحكم في هذا القطاع. وجود كيان إسلامي ذو رؤى" متطرفة" على حدود إسرائيل هو ظاهرة غريبة وغير مقبولة لدى الإسرائيليين وخط أحمر لا تقبل به إسرائيل ولا تصبر على مضاعفاته. بقاء قطاع غزة بيد أطراف "متطرفة" في نظرتها وستراتيجيتها أمر لا يتحمله هذا الكيان ويتناقض تماما مع مصالحه العامة ومع مستقبله وصيرورته. إستخدم الكيان الإسرائيلي كافة السبل والأساليب من أجل إضعاف سلطة حماس وشلها وعلى مدى عام ونصف، حيث كان الحصار الشديد الذي فرضته إسرائيل على هذا القطاع ومن كل الإتجاهات كفيلا بإسقاط حماس وجعل الناس تتذمر منها. إلاّ انه "تجري الرياح بما لا تشتهي السفن"! فقد فشلت تلك الإجراءات في إتيان أوكلها ولم يبق أمام الإسرائيليين إلاّ حسم الموقف عسكريا ومحاولة إزالة هذا الكيان الإسلامي من جذوره عن طريق إعلان حرب شرسة غير متكافئة بين الأطراف من حيث العدة والتحضير وكثافة النيران وعدم التردد في إستخدام كافة الوسائل التي تخالف الأخلاق والإنسانية والنظم الدولية. بقاء حركة حماس على رأس السلطة في قطاع غزة هو حجر عثرة ليس فقط أمام إسرائيل فحسب ، إنما هو عائق يصعب تجاوزه أمام كل من يريد أن يعود الى طاولة المفاوضات مع إسرائيل سواء كان ذلك على صعيد الأطراف السياسية الفلسطينية أو حكومات "دول الإعتدال" العربية أو حتى الدول الغربية التي تسعى لإعادة عملية السلام الى مسارها المغلق. اللقاءات المتعاقبة بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل والمساعي التي تتبناها "دول الإعتدال" العربية والمفاوضات السورية الإسرائيلية تحت المظلة التركية والتحرك الأوربي في إعادة الروح لعملية السلام والمساعي السرية والعلنية التي يقودها الرئيس الفرنسي ساركوزي بهذا الإتجاه،وتصريحات الرئيس الأمريكي المنتخب باراك أوباما بشأن قضايا الشرق الأوسط ، كلّها تشير الى وجود مشروع لتحريك عملية السلام المقعدة منذ زمن طويل! رغم أن المستفيد الأول من أي عملية سلام بين العرب وإسرائيل هم الإسرائيليون أنفسهم إلاّ أن إسرائيل هي دائما آخر من يقنع ويقتنع وآخر من يوافق، فمع شدة الضغوط الداخلية والخارجية التي تتعرض لها من أجل إقامة السلام فإنها لا تخطو الى الأمام إلاّ من خلال أجندة خاصة وتحضيرات تحت العناية المركزة. مشروع السلام الذي تحضر إسرائيل نفسها من أجله يتطلب منها تعبيد مسارها وجعله خالي من الموانع والمطبات، وربما إزالة حركة حماس أو أي سلطة تتبرقع بوشاح إسلامي متطرف من أمامها هو أولى الخطوات التي تخطوها قبل الدخول في ساحة المفاوضات الموعودة. حل القضية الفلسطينية وإحتواء النزاع العربي - الإسرائيلي قد أصبح ضرورة عالمية لا تقتصر في حدودها على شعب فلسطين أو الشعب العربي والإسلامي فحسب بل تشمل معظم شعوب العالم. أصبح الغرب يدرك أهمية السلم في الشرق الأوسط وبدأ يفهم المخاطر والإنعكاسات السلبية التي عانى منها بشكل مباشر أو غير مباشر جراء هذا الصراع الطويل. إنتفض الأمريكيون على أنفسهم حينما أنتخبوا باراك أوباما ، فكانت رسالتهم للعالم واضحة وملفتة للنظر، كانوا يريدون أن يقولوا كفانا إستهتارا أيها السياسيون إنتبهوا الى أنفسكم وقودونا الى برّ الأمان!. فالحرب على إفغانستان والعراق لم تحسم بعد رغم فداحة الخسائر البشرية والمادية ، حيث دخل الأمريكيون في مأزق لا يعرفون كيفية الخروج منه. هذا المأزق جذوره تمتد الى أرض فلسطين فلولا الكراهية المتراكمة في نفوس العرب والمسلمين بسبب المواقف الأمريكية المساندة لإسرائيل لما أصبح العراق وإفغانستان ساحتان لتصفية الحسابات القديمة المتراكمة. كما هي حاجة أمريكا للسلام بين العرب وإسرائيل فأن الأوربيين هم بحاجة أيضا لهذا السلام ، فقد تأثرت أوربا كما تأثرت سائر دول العالم بالوضع المتفجر في الشرق الأوسط. عدم الشعور بالأمان والتوجس والخيفة من ظاهرة "الإرهاب" ، بروز حركات عنصرية ودينية متطرفة في بلدانهم تعمل على زيادة عمق الهوة بين الأديان والحضارات وهذا ما ينذر بإحتدام الصراع بين الشرائح المتباينة في مجتمعاتهم ، المصالح الإقتصادية والمالية التي يمكن أن تتأثر بسبب حالة عدم الإستقرار أو في حال نشوب نزاع عسكري بين الأطراف في منطقة الشرق الأوسط . كل هذه الأمور وغيرها يمكن أن تؤثر على المكاسب والفوائد الأوربية التي تحتم على أوربا أن ترى منطقة شرق أوسطية يعمها الأمن والإستقرار والسلام. أكثر مشكلات العالم تؤثر وتتأثر في الوضع الفلسطيني، فقد تمتد جذور المشكلات العالمية هذه الى أرض فلسطين بشكل مباشر أو غير مباشر. بروز حركات تحررية في مختلف دول العالم تحمل لواء العداء لأمريكا وإسرائيل خصوصا في جنوب لبنان وفي العراق وأفغانستان وباكستان وغيرها ، تطوير السلاح الإيراني وملفات إيران النووية التي تبقى تشكل تهديدا لسلام إسرائيل، الأزمة المالية والإقتصادية العالمية التي ضربت دول العالم والتي لعبت فيها الخسائر المادية المزمنة من جراء الحروب دورا لا يمكن غض النظر عنه، إرتفاع أسعار مصادر الطاقة، التخوف العالمي من ظاهرة " الإرهاب ".... كل هذه الأمور وغيرها الكثير توحي بأن منطقة شرق أوسط مستقرة وهادئة أصبحت هدفا ستراتيجيا غربيا وعالميا. حتى التشنج الروسي- الأمريكي والخلاف الروسي - الأوربي جراء الحرب الروسية-الجورجية إذا ما تطور قد تصاحبه إنعكاسات واضحة على منطقة الشرق الأوسط مما سيوحي برجوع العالم الى دائرة الإستقطابات الدولية !. فإن عمّ الهدوء والإستقرار في هذه المنطقة فسينعكس ذلك على مناطق ملتهبة أخرى من العالم مما يقلص حجم المشكلات والأزمات المختلفة التي يتعرض لها الغرب والعالم على وجه العموم. كل هذه الأمور توحي بأن عملية السلام في الشرق الأوسط ضرورة عالمية لا مناص منها ولا يستقر العالم بدونها . بعد فشل إسرائيل في القضاء على "حركة حماس" وبعد تلطخ أيديها بدماء الأبرياء والعزل وظهورها أمام العالم كدولة مارقة مستهترة ومريضة، فما عليها إلاّ أن تدرك بأن عالم اليوم قد تغيّر والإنسان قد تطور والساعة قد حانت ويوم الحساب قادم لا محالة! فإن صمت السياسيون الغربيون على الظلم والرذيلة عقودا من الزمن فإنهم هذا اليوم لن يصمتوا خوفا وتوجسا من شعوبهم التي لا ترضى بشريعة الغاب أن تطغي وتسود في عالم الأخلاق والإنسانية...
تعليقات