مدونة د. محمد الحسيني

ورود في قائمة الانتخابات.

ورود في قائمة الإنتخابات....                                                                        د. محمد مسلم الحسيني             بروكسل   حملت باقة من الورود في سلّة عمري وكانت فيها الألوان زاهية....متباهية....جلست أتمعن في تلك الورود بعدما أتعبتني الحياة بهمومها ومقالبها، بأحداثها وتحدياتها، بألغازها وفلسفتها....وعلى حين غرّة بدأت تلك الورود تتكلم.... تفصح عن نفسها! صاحت وردة  حمراء بصوت عنجهيّ آمر كاد ان يفزعني : أنا السياسة فسايرني....ثم تلتها  وردة صفراء كانت  تتباهى بوريقاتها وهي تقول : أنا التجارة فأتبعني....وبعصبية وثقة عالية بالنفس، تدافعت من الخلف وردة  خضراء لتعلن بحماس مشهود عن نفسها : أنا العقيدة فقدسني.....ثم برزت وردة  زرقاء يافعة  تتمايل عن اليمين وعن الشمال وبذبذبات راقصة وصوت شجي بدأت تشدو وتغني : أنا الفن فعاشرني.....إلاّ أن وردة بيضاء كانت متخفية بين تلك الورود لم تفصح عن نفسها ولم تنبس ببنت شفه ! إستغربت كثيرا منها وتساءلت مع نفسي ، لماذا لم تعرّف بنفسها....لماذا لم  تتكلم؟.ربما تزاحم باقي الورود على المناصب يضايقها.... أو ربما الكنوز لا تفصح عن نفسها، بل تجعل الناس يبحثون عنها.....أو هي زاهدة بنفسها عن هذا وذاك.... عن المادة والماديات، تعيش بروحها وليس بجسدها.....راجعتها ...سألتها عن شأنها.... لكنها  وبصوت خافت ضعيف أجابتني : أنا الفلسفة،  إبتعد عنّي.....! بقيت في حيرة من أمري فأي من الورود سأنتخب!؟ السياسة لباقة ومرونة، نعومة وخشونة، أقوال بلا أفعال، وإنقلاب من حال الى حال.....لكنني كالصخر الجامد لا أنقلب من طور الى طور.... ولا أكترث للأقوال دون الأفعال، فلا تؤثر بي الألقاب ولا تستهويني الأشكال....رفعت الوردة الحمراء من سلتي الهشّة لأنها ليست زادي ولا مرادي ووهبتها دون تحفظ  للآخرين، فراحوا بشغف كبير يتلاقفونها ! نظرت الى الوردة الصفراء....فتبسمت في وجهي وإستغوتني....إلاّ أن تجاربي مع التجارة غير موفقة، فالتجارة حظ وفن .... ولكني لا أحظى بأيّ منهما... كنت أشتري بأغلى مما أبيع....وأبيع في الوقت الذي لا ينبغي... حتى هرب راس المال وإنقلبت الأحوال...عرفت في نهاية المطاف بأن التجارة ليست دربي، لأنها تكرهني وتعشق غيري....قررت أن أبيع وردتي الصفراء في المزاد العلني كي يهدأ خاطري وتستقر نفسي، وحالما بعتها قفزت أسعار الورود في حارتي! توجهت بعدها نحو الوردة الخضراء، فوجدت العقائد قد تكالبت والأفكار قد تشابكت، كلّ يدعي إمتلاك مفتاح الصدق وناصية الحقيقة، وكل يدعي مناصرة الصلاح ومعرفة الصواب.... تشتت أفكاري  في بحر العقائد المتلاطمة أمواجه. فموجة من الشمال وأخرى من الجنوب وأنا حائر بينهما....لا أدرك أين الساحل!توقفت عن الإبحار وفضلت البقاء في مسقط رأسي..... إعتذرت للوردة الخضراء وحنيت لها هامتي.... أما الوردة الزرقاء فقد عشقتها منذ الطفولة....عشقت الفن حين كنت يافعا وتمنيت لو أكون أحد جنوده. لكن الفن هبة الخالق للبشر، وهبة الله لا تباع ولا تشترى ومن لا يملكها لا يستطيع أن يدعيها.لم تكن في جينات أمي وأبي شحنات فنيّة كي أستورثها، فكيف أصبح فنانا وألبس جلد غيري.... !؟غادرت الوردة الزرقاء سلة عمري لوحدها وقبل ان أدعوها للرحيل، لأنها تعرف الى أين تذهب وعند من تستقر... لم يبق في تلك السلّة المهمّشة إلاّ وردة واحدة فقط، إنها الوردة البيضاء التي نصحتني بألاّ أنتخبها....إلاّ أنني عقدت العزم على إنتخابها رغم النصيحة، فربما هي الوحيدة التي قد تفقه أمري وتعرف  سرّي....فعندها سأبحث عن سرّ وجود الورود....وعن أسباب الفروض والقيود.... ومنها سأدرك كيف تأفل تلك الورود... ثم لماذا مرة أخرى تعود....؟ ومن خلالها سأمسك بدواعي محنتي وأسرار وحدتي....وأعرف معاني أحاسيسي ودوافع ثورتي وتمردي....  وبعد تأمل وتفكير عميقين إنتخبت الوردة البيضاء .... بدأت رحلة البحث عن الحقيقة....فكان الطريق مضنيا وخطيرا....وبعد مشوار طويل من البحث والتقصي....عدت من رحلتي المتعبة كما ذهبت وكأنني لم أتحرك ... ! حرت بعدها بنفسي التائهة.... كيف سأوجهها....والى من سأوّلي شأنها وبيد من أسلّم أمرها!؟. فإن كانت ورود الحياة لا تستهويني فكيف بأشواكها.... !؟.

السياسيون وعقد الشخصية

السياسيون وعقد الشخصيّة     د. محمد مسلم الحسيني               بروكسل   الإخلاص في المهنة عرف أدركه الناس ودعوا اليه منذ أن وعى الإنسان على نفسه وتعايش مع بعضه، وذلك من أجل مصلحة عامة وفائدة أكيدة تعود على المجتمع. الإخلاص في الواجب وحسن أداء الخدمة لا يقتصرا على مهنة دون أخرى أو عمل دون غيره، إلاّ أن التركيز على التفاني والإخلاص قد يكون مطلوبا بإلحاح في مهنة قبل غيرها. فالطبابة مثلا تعتبر من المهن الإنسانية الحساسة لأنها تتعامل مع حال الإنسان وتهتم بسلامة أعضائه، وهذا ما دعى المشرّع الى وضع قيم وأصول يجب أن يتحلى بها الطبيب ويتبعها. فعلى الطبيب، مثلا، أن يتعامل مع مرضاه برفق وشفقة ويعالج عدوه كما يعالج صديقه ويسعى بكل معرفته وقدرته على إنقاذ مريضه ولا يمس زملاءه وأقرانه بإنتقاد أو تجريح أمام الملأ وغير ذلك من سنن عامة على الطبيب أن ينصاع لها ويلتزم فيها، وعلى عكس ذلك فالعقوبات المترتبة عليه تتراوح بين التوبيخ والإقصاء عن مزاولة المهنة.  ومهما كانت ممارسة مهنة الطب مهمة في المجتمع فأن حجم أهمية العمل السياسي وتأثيراته على الناس أكبر وأعم وأشمل. فخطأ الطبيب لا يتجاوز مريضه وإن حصل هذا الخطأ فهو في أغلب الأحيان ناتج عن السهو أو الإشتباه، أما أخطاء السياسيين فانها تنال المجتمع برمته ولا تنحصر في شخص أو شخصين أو عدة أشخاص. ورغم هذه الحقيقة وحساسية وخطورة العمل السياسي وتأثيراته على المجتمع فنحن لم نسمع بوجود ضوابط ومستلزمات للعمل السياسي أو شروط ومميزات تحدد صلاحية شخصيّة السياسي لممارسة عمله. الضابط في الجيش، على سبيل المثال لا الحصر، قبل أن يلتحق بالكلية العسكرية عليه أن يجتاز إختبار صلاحية ممارسة الخدمة، وكذلك الحال بالنسبة للطبيب أو الحاكم أو غير ذلك من المهن الحساسة في المجتمع كلّها تتطلب فحص صلاحية ممارسة المهنة. السياسيون فقط يمارسون مهنتهم في الهواء الطلق بلا رقابة وبلا ضوابط ! وهكذا نرى من هبّ ودبّ قد إمتطى جواد السياسة وطارد في ثناياها! رغم خطورة المهنة ومضاعفات أخطائها. فحص شخصية السياسي ودراسة حالته النفسية والتربوية والإجتماعية والعلمية، أمور ضرورية وهامة لأن من خلالها تتحدد صلاحية السياسي في ممارسة العمل والإستمرار فيه. فتصرفات السياسي ومفاهيمه وأفعاله تنعكس في تأثيراتها على المصلحة الوطنية العامة بشكل مباشر أو غير مباشر، وعلى أفراد المجتمع ومصالحهم بشكل عام. من العناصر الهامة في مركب الشخصية عند الإنسان هو ثالوثها المتمثل بالإدراك والإحساس والإستجابة، وفحص هذه الجوانب الهامة عند السياسيين أمر لابد منه لما له من فائدة تشخيصية هامة لطبيعة شخصية السياسي ومعرفة حقيقة تصرفاته. الإنسان السوي هو من يتسم بصحة الإدراك وسلامة الإحساس وحسن الإستجابة، والإنسان المعتل هو من يشكو من ضبابية الإدراك وإضطراب الإحساس وتلكؤ الإستجابة. فالذي لا يستطيع إدراك نسب الحقيقة وتحليل أبعادها سوف لن يستطع تحسّس نوع الحاجة أو الإستجابة اليها.  أسباب إضطرابات مركب الشخصية عند الإنسان كثيرة ومتعددة، فقد تعود هذه الأسباب لدواعي تربوية أو إجتماعية أو إقتصادية أو عقائدية أو نفسية أو جينية أو عقلية أو غيرها. الحرمان من متطلبات الحياة ولوازمها، المعاناة المستمرة والحياة الصعبة، العوز والفاقة، إنخفاض مستوى الوعي، غياب الثقافة التربوية الصحيحة، الوسط الإجتماعي المعتل، الإضطهاد السياسي والنفسي، الأمراض الجسدية والنفسية المستشرية، التخلف العلمي والحضاري وغيرها من الأمور تجعل الإصابة بفايروسات خلل الشخصية سهلة ومتفشية في بلدان العالم الثالث بشكل عام. رغم أن للخلل الفسلجي والجيني دورا في صنع علل الشخصيّة، إلاّ ان الأمراض الإجتماعية والنفسيّة وتدني الحالة التربوية والوعي الحضاري لها القدح المعلّى في مجتمعاتنا في صناعة خلل الشخصيّة وعقدها. أمراض الشخصيّة وإضطراباتها  قد تصيب السياسيين كما قد تصيب غيرهم، وتشخيص ميكانيكية هذه الأمراض عند السياسيين من خلال علاماتها وأعراضها تعتبر عملية مهمة وضرورية.  الخلل الحاصل في مركب الشخصية قد يكون في مستوى الإدراك أو على مستوى الإحساس أو قد ينحصر بمستوى الإستجابة فقط. عندما يكون الخلل في مستوى الإدراك فهذا يعني بأن المرء لايدرك كنه الحقيقة  أو أنه غير قادر على حلّ ألغازها وخباياها وهكذا ستكون تحليلاته ومفاهيمه على هامش الحقيقة وليس في صلبها، فهو لا يميّز بين القشر والجوهر وبين الصالح والطالح ولا يشعر بمتطلبات الحاجة الحقيقية ولا يستجيب اليها. قد يتفاوت الخلل الحاصل في الإدراك في الدرجة والشدة بين شخص وآخر، فمن الناس من يعاني من ضبابية في الإدراك والمفهوم ومنهم من يشكو من عتمة شديدة فيه قد تصل الى درجة الوهم والضلالة، أي قد لا يدرك المرء ما قد يدركه الناس أو قد يعتقد بأمور ليس لها وجود أو حقيقة على الإطلاق. أما الخلل الحاصل في منطقة الإحساس في مركب الشخصيّة فقد يكون نتيجة حتميّة لخلل الإدراك أو حالة مستقلة بذاتها. وأعنى بخلل الإحساس هو فقدان روح التفاعل أو هبوطها، حيث لا تتناسب مشاعر الإنسان مع طبيعة الحدث، ويكون هذا نتيجة لشلل في الإحساس أو ضعف فيه، ودرجة هذا الخلل قد تتفاوت من شخص الى آخر وذلك حسب طبيعة الحالة ومسبباتها. فقد تتراوح في شدتها بين ضعف في مراكز الإحساس عند الإنسان أو إرتباك فيه وبين أن تصل الحالة الى درجة الوهم الحسي والضلالة كما هو الحال في وهم الإدراك، فيحس المرء ويتحسس بأمور لا حقيقة لها أو قد لا يحس ولا يشعر بواقع الحال وطبيعة الحدث الحقيقيّة. أما ما يخص خلل الإستجابة، فهذا يعني بأن المرء لا يستجيب لمتطلبات الحاجة على ضوء الموجودات أو قد يستجيب لها بشكل جزئي أو غير مناسب فلا ترتقي إستجابته أو عمله لمستوى الحاجة ومتطلبات الطموح أو قد تكون الإستجابة بعكس المطلوب تماما.  العلاقة بين عناصر مركب الشخصيّة هي علاقة ترابط وإعتماد، أي أن خلل الإدراك يصيب منطقة الإحساس وخلل الإحساس يسبب إرباك في الإستجابة، بمعنى آخر هو إن أختل الإدراك عند الإنسان فسيختل معه إحساسه وتختل أيضا إستجابته. ورغم هذا الترابط بين هذه العناصر فقد يكون مكان العلّة مقتصرا على منطقة دون غيرها، حيث قد يكون الإدراك صحيحا لكنه لا يتصاحب مع الإحساس المناسب أو قد يكون الإدراك صحيحا والإحساس سليما لكن الإستجابة متعثرة أو مرتبكة، أي قد لا تحفز بواعث الإدراك والإحساس عند الإنسان محرّك الإستجابة فيه. وهكذا فسوف نرى بين الناس من لا يدرك الحقيقة ولا يدرك العلّة وبواعثها وحيثياتها أو قد يدركها ويفهمها جيّدا لكنه لا يتحسس لها أو يتفاعل معها أو قد يدركها ويتحسس اليها إلاّ أنه غير قادر على الإستجابة الصحيحة لها. إذن مرحلة الإستجابة هي آخر وأهم عتبات سلّم التصرّف، فالإستجابة الحسنة تتطلب صحة الإدراك وسلامة الإحساس وسواء الشخصيّة، من أجل أن تنطلق وتتبلور. وعلى أي حال من الأحوال فأن الخلل الحاصل في مختلف مستويات مركب الشخصية ينعكس سلبا على المجتمع من خلال التصرفات غير المناسبة وغير الطبيعية التي قد تحصل عند الشخص المعتل. مهما كان مستوى الخلل ومكانه فأنه سيؤول الى تلكؤ وإرباك في طبيعة الإستجابة، والإستجابة المعتلة قد تكون مخالفة لإرادات الناس أو قد لا ترتقي الى مستوى تحقيق الحاجة. فالسياسي الذي يعاني من إرباك في مركب الشخصية سوف لن يستجيب بشكل صحيح لمطاليب شعبه وللمتطلبات الحقيقية التي ينتظرها المجتمع ويسعى لتحقيقها. درجة الإرباك والشلل الذي قد يحدثه السياسي في مجتمعه تتناسب طرديا مع المركز الذي يشغله هذا السياسي ومع درجة ومكان الخلل الذي يعاني منه. إنطلاقا من هذه الحقيقة نستطيع أن نحكم على أهمية فحص شخصيّة السياسي والإطلاع على طبيعة حياته وتفاصيل حالته، من قبل لجنة علمية متخصصة في الأمراض النفسية والعقلية والإجتماعية، قبل أن ينطلق في الساحة السياسية التي إن دخل فيها سوف لن يخرج منها. فعلى ضوء هذه الحقيقة وهذا الواقع فأن مجتمعاتنا بحاجة ماسة الى سياسيين وقادة يتمتعون بصحة الإدراك وسلامة الإحساس وحسن الإستجابة، كي تكون تصرفاتهم متناسبة مع حاجة بلدهم ومتناسقة مع تطورات المرحلة وضرورياتها.

نظرة تحليلية جديدة في ازدواج الشخصية

نظرة تحليليّة جديدة في إزدواج الشخصيّة              د. محمد مسلم الحسيني                      بروكسل    يصف الناس بعضهم البعض بصفة إزدواج الشخصيّة حتى صار هذا المصطلح تعبيرا شائعا خصوصا في مجتمعاتنا. يقصد بهذا التعبير عادة كلّ التصرفات المتناقضة والأفعال المزدوجة المتباينة التي تصدر من شخص معيّن  نحو هدف معيّن أو أهداف مختلفة. ورغم شيوع هذا المصطلح وتردده على ألسنة الناس، بقي الغموض يكتنف المعنى الحقيقي والعلمي له، إذ ليس هناك تعريف واضح يوصّف هذه الظاهرة. كما تنقصنا الدراسات الإجتماعية والنفسيّة التي تبحث عن أسباب الإزدواج ودواعيه، أو تلك التي تحدد مواقع الخلل في تركيبة الشخصيّة وتدرس ميكانيكيّة هذا التصرّف. كان الباحث العراقي الدكتور علي الوردي الرائد الأول في وصف هذه الحالة الإجتماعيّة والتأشير على حيثياتها وعناصر وجودها، لكن الدراسات في هذا المضمار تكاد تكون متوقفة عند حدود الوردي حيث لم يحصل تجديد أو تعمّق أو إستمرارية في البحث والتنقيب في هذا المجال رغم أهمية هذا الموضوع من الناحية النفسيّة والإجتماعيّة. إنطلاقا من هذه الحقيقة وجدت بأن " التحرّش" بأهل الإختصاص من خلال هذه المقالة ربما يؤدي الى تحريك ساكن أو يلفت النظر الى أهميّة هذا الموضوع والى ضرورة السعي من أجل البحث في ماهيّة  ظاهرة الإزدواج والخوض في تفاصيلها. من أجل فهم المعنى الحقيقي وراء ظاهرة إزدواج الشخصيّة وتحديد مكانها في شخصيّة  الإنسان ومعرفة ميكانيكيتها علينا، سابقا ذي سبق، أن ندرك  ما هي عناصر الشخصيّة التي تشترك في بناء مركب الشخصيّة وأين هو مكان الإزدواج فيها . شخصيّة الإنسان تتركب من ثلاثة عناصر رئيسيّة وهي : المظهر والجوهر والإستجابة (التصرف). فعنصر المظهر يعني بشكل الإنسان وهندامه ومميزاته العامة الأخرى كالمميزات الماديّة والسلطويّة. أما عنصر الجوهر فينشأ من عاملين أساسيين وهما الإدراك " العقل" والإحساس أو ما نسميه بالعاطفة  أو " النفس". هذان العاملان يتأثران في نشأتهما بفعلين رئيسيين وهما فعل الوراثة " الجينات" وفعل المحيط  الخارجي الذي يتلخص بالبرمجة الفكريّة الحاصلة من بواعث التربية والثقافة والمجتمع والمعتقدات والتقاليد والعلم والخبرة الشخصيّة وغيرها. أما العنصر الثالث في مركب الشخصيّة فهو عنصر الإستجابة أو التصرف وهو عبارة عن المحصلة النهائية في توافق العقل مع النفس تترجم بتصرفات المرء وأفعاله وأعماله. أي أن كلّ تصرف يصدر عن الإنسان هو عبارة عن قرار نهائي إشترك في صنعه إدراك المرء وإحساسه. وهكذا فان موقع إزدواج الشخصيّة في مركب شخصيّة الإنسان، من وجهة نظري، يجب أن يكون في منطقة الجوهر، أي منطقة الإدراك والإحساس لأنهما العنصران الحقيقيان في تركيب الشخصيّة. على هذا الأساس أستطيع تصنيف أنواع  إزدواج الشخصيّة  طبقا لمكان الخلل أو أساس نشوء التصرف الى الصنوف والأقسام التالية : 1- إزدواج الشخصيّة عقليّ المنشأ : وهو إزدواج في التصرف ينشأ نتيجة لإزدواج في الإدراك أو في العقلية. هذا التصرّف المتناقض يصدر عن شخص معيّن نتيجة لوجود مفهومين متناقضين كحالة تكيفيّة لظرفين متباينين تقتضيهما الحالة الإجتماعيّة. الأمثلة على ذلك كثيرة منها : تعايش الفرد في مجتمعين مختلفين في السلوك والعادات والثقافة، كمجتمع الحضر ومجتمع البادية، حيث قد تنشأ عند نفس الشخص مفاهيم متباينة طبقا للمكان الذي يتواجد فيه، يتصرف على أساسها بتصرفين متناقضين. فيسلك بعقليّة أهل البادية حينما يكون في البادية ويسلك بعقليّة أهل الحضر حينما يكون في المدينة. هذا الإنتقال من شخصيّة الى أخرى يحصل من دون جهد أو تكلّف وكأن المسألة تسير بشكل ميكانيكي وتلقائي، حتى راح الدكتور الوردي بعيدا في وصف هذه الحالة، حينما شخص هذا التصرف بالتصرف " اللاشعوري"!.  لا يمكن أن نعتبر هذا النوع من الإزدواج مرضا إجتماعيّا أو خللا في جوهر الشخصيّة، بل على العكس من ذلك، فهو تصرّف إيجابي وصحي يجاري ضرورة الحالة الإجتماعية التي يتعايش معها الفرد ويشير الى مدى المطاطيّة في طبيعة الشخصيّة وخصوصيّة تكيّفها طبقا للظرف والحالة. لا يشعر المرء الذي يتصرف بهذا السلوك المزدوج بتأنيب ضمير أو بأحاسيس سلبية نتيجة لهذه الممارسة، بل على العكس حينما نطلب من الشخص ذو المفهوم المزدوج أن يسلك بعلقية أهل البادية في المدينة أو بعقلية أهل المدينة في البادية فإن هذا  قد يسبب له إحراجا ومضايقة لأنه خارج  نطاق مفهومه الخاص بضرورة المرحلة. الأمثلة كثيرة عن إزدواجيّة التصرف نتيجة لإزدواجيّة المفهوم، فمن الأمثلة الشائعة الأخرى التي نراها اليوم هو  تصرفات بعض المغتربين الذين يعيشون في المجتمعات الغربية ويندمجون فيها وتتكون لديهم مفاهيم جديدة. فهم يتصرفون بالسلوك الغربي حينما يكونوا هناك، بينما ينتهجون سلوك البلد الأم حينما يزورون أوطانهم. لا أقصد هنا من يعيش في الغرب ولا يندمج في مجتمعاته، فهؤلاء يبقون محافظين على مفاهيمهم السابقة وتصرفاتهم تبقى كما هي سواء كانوا في بلدان الغرب أو في بلدانهم. فمن لم يتكون لديه مفهوم جديد لا يتصرف بتصرف جديد.   2- إزدواج الشخصيّة نفسيّ المنشأ : هو إزدواج في التصرّف ينشأ في منطقة الإحساس في مركب الشخصيّة نتيجة لتناقضات أو إختلافات إحساسيّة.  التناقض في التصرف هنا  ينطلق من تناقض الأحاسيس المتضادّة إتجاه هدف  معين واحد، مثل المحبة والكراهية أو الرقة والعنف، أو بين الأحاسيس المتباينة المنطلقة نحو نفس الهدف، كالغيرة والمحبة أو الخوف والكراهية. حالات تناقض التصرف بسبب تناقض الأحاسيس أمر غير نادر والجميع شهد أو شاهد أو سمع عن حالات كهذه، فكم من مرّة يتساءل المرء مع نفسه عن تصرفات شخص ما: هل هذا الشخص يحبني أم يكرهني؟، وهذا التساؤل ينطلق بسبب التصرفات المتناقضة الصادرة عن ذلك الشخص التي تشير بأنه يتصرف بشكل متناقض وبسبب شعور متناقض مثل (الحب والكراهية). هذه الظاهرة ترجع في أسبابها، في الغالب، الى أمور تتعلق بوضع الشخص النفسي وحالته النفسيّة التي تتناقض فيها الأحاسيس.  كما أن بعض تصرفات المرء قد  تشير الى محبته لذات ما بسبب الخوف منها ثم ما يلبث أن يناقض ذلك بتصرفات تبيّن الكراهية والحقد لنفس الذات حينما يكون في مأمن منها أي أن تناقض التصرف هنا يحصل بسبب إختلاف الأحاسيس( الخوف والكراهية) . في مرات عديدة يأتي الحبيب بباقة ورد الى حبيبته تعبيرا عن الود والمحبة وما يلبث بعد برهة حتى ينقلب هذا الود الى نزاع وتخاصم ينبعان عن عوامل الغيرة، وهو مثال آخر عن تناقض التصرف بسبب إختلاف الأحاسيس(الحب والغيرة). الأمثلة كثيرة على  تناقض الأحاسيس أو إختلافها التي يتبعها تناقض في التصرف. على القارىء الكريم أن يدرك بأن وجود أحاسيس متناقضة أو مختلفة ينتج عنها تصرّف واحد في نهاية المطاف لا يعتبر " إزدواجا" في الشخصيّة  لأن من شروط الإزدواج هو وجود تصرفات متناقضة وليس تصرّف واحد رغم تناقض الأحاسيس أو إختلافها. كما أن من شروط الإزدواج نفسيّ المنشأ هو أن تكون التصرفات المتناقضة: متوالية، غير متباعدة بالزمن، متكررة، وبإتجاه هدف واحد.   3- إزدواج الشخصيّة التناقضي أو "تناقض الإدراك مع الإحساس":  هنا يكون التصرف المتناقض ناشىء عن تناقض بين إدراك المرء وإحساسه، فمفاهيمه ومعرفته وإدراكه تحتم عليه سلوكيات محددة يستجيب لها ويتصرف على أساسها، لكن أحاسيسه تدفعه الى تصرفات تناقض القيم والمفاهيم التي يمليها الإدراك فيتصرف طبقا لذلك بمكيالين مختلفين يناقض أحدهما الآخر. هذا يفسر السلوك المتناقض لدى من يصوم في النهار ويحتسي الخمر بالليل أو من يصلي ويسرق أو من يمارس الطقوس الدينية في المسجد أو الكنيسة ويقترف مؤاخذات جنسيّة قد تصل الى حد الجريمة. أي أن الموازنة الإجتماعية بين المحضور والممكن تختل عند هؤلاء لسبب أو لآخر مما تجعل المرء غير قادر على كبح  جمام أحاسيسه الغريزية أو الفسلجيّة، فيقوم بتلبية أو إشباع أو تفريغ هذه الأحاسيس بالصورة التي تخالف متطلبات الإدراك، وهذا ما يؤدي الى تناقض في التصرف الإجتماعي. خلافا لحالة إزدواج الإدراك فأن التناقض بين الإدراك والأحساس قد يؤدي الى  حالة تأنيب الضمير أو ربما يمتد صراع النفس مع النفس الى درجة الإصابة بأمراض نفسية أو عصبية. هنا مرة أخرى يجب أن نقول بأن تناقض الإدراك مع الإحساس لا يمكن إعتباره إزدواجا في الشخصيّة مالم يتمخض عن  تصرفين متناقضين أحدهما بوازع الإدراك والآخر بوازع الإحساس. الكثير منا يحصل عنده تناقض بين إدراكه وإحساسه في مواقف معينة، لكنه في النتيجة يتصرف بتصرف واحد تبعا  لإدراكه أو تبعا لإحساسه وهذه حالة طبيعية وليست إزدواجا.  على هذا الأساس نستطيع القول بأن إزدواج الشخصيّة الناشىء عن إزدواج الإحساس أو تناقض الإدراك مع الإحساس قد يشكل مرضا إجتماعيّا إن إستشرى في المجتمع بسبب المضاعفات والتأثيرات السلبية التي ستقع على الفرد أو على المجتمع برمته نتيجة لذلك. على العكس من ذلك فأن إزدواج الشخصيّة الناشىء عن إزدواج الإدراك لا يمكن إعتباره بأكثر الأحوال مرضا إجتماعيّا بل يمكن إعتباره حالة إجتماعيّة صحيّة تبرز الشخصيّة فيها قابليتها على التكيّف والموازنة، فتبدي المطاطية والمرونه اللازمة في الظرف الخاص كي لا يحصل النشاز في التصرف ضمن الدائرة الإجتماعيّة الواقعة في ذلك المحيط.  هناك بعض التصرفات المتناقضة التي قد تنشأ عند بعض الأفراد نتيجة لأمراض نفسيّة أو عقليّة أو إجتماعيّة، أسترعي إنتباه القارىء الكريم لها كي لا يتم الخلط بينها وبين إزدواج الشخصيّة الإجتماعي الذي هو محور حديثنا ومنها:  1- إضطراب الهويّة الإنشقاقي أو الإنشطاري :  وهو مرض نفسي نادر يتميّز بإنتهاج المريض لسلوكين متعاكسين تماما في الطبيعة والمنهج مما يخلق شخصيتين متباينتين بأغلب الصفات وقد لا تعرف كلّ شخصيّة عمّا تصنعه الشخصية الأخرى . هذا المرض النفسي كان يسمّى سابقا بمرض " إزدواج الشخصيّة " وقد غيّر إسمه لاحقا، وقد أثار هذا المرض حفيظة الكتّاب وأهل السينما حيث عرض الكثير من الأفلام  الأجنبية والعربية في هذا المضمار. علينا ألآ نخلط بين هذا المرض النفسي النادر والذي قد لا يمر حتى على أهل الإختصاص وبين حالة "إزدواج الشخصيّة الإجتماعي" الشائع الذي نتحدث عنه في مقالنا. 2- فصام الشخصيّة " الشيزوفرينيا" : إزدواج الشخصيّة هو ليس إنفصام الشخصيّة، فالفارق كبير بينهما بل لا توجد صلة بين الحالتين، فالفصام مرض عقلي ونوع من أنواع الجنون يتميّز بوجود هلاوس وأوهام وضلالات. المريض عادة يبدي أوهام حسيّة فيسمع أصواتا لا وجود لها أو يرى أشياءا أو أحداثا لا أساس لها فيتكلم مع الهواء ويتصارع مع الماء!. أو يظهر ضلالات ووهم في الإعتقاد فيتصور الناس تتآمر عليه أو تريد الإطاحة به أو أن يعتقد بأن له شخصيّة متميزة وشأن عظيم بين الناس، فيرى نفسه سياسيّا بارزا أو أديبا لامعا أو شخصيّة دينية أو إجتماعيّة متميّزة أو غير ذلك، وهذا ما نطلق عليه عادة بمصطلح "  جنون العظمة". من خلال هذا الوصف الموجز يتبين لنا بأن فصام الشخصيّة هو ليس إزدواجها ويجب ألا يتم الخلط بين المصطلحين.  3- النفاق الإجتماعي والدبلوماسيّة : أي سلوكيات متناقضة لا يصاحبها إزدواج في الإدراك أو إزدواج في الإحساس أو تناقض بينهما لا تعتبر إزدواجا في الشخصيّة بل قد تدخل في خانة الدبلوماسيّة أو خانة الخداع أو النفاق الإجتماعي وذلك حسب الحالة وحسب طبيعة الموقف ومقتضيات الحدث. لأن مثل هذه التناقضات لا تكون نابعة من إنشطار مفهومي أو إحساسي ولا من حالة تناقض بينهما، إنما يتصرف المرء تصرفات تناقض إحساسه أو مفهومه من أجل تحقيق غاية معينة أو من أجل الوصول الى هدف معيّن، ولا يمكن إدراجها ضمن مفهوم إزدواج الشخصيّة الذي ينبع من جوهر الشخصيّة وليس من خارجها. 4- التصرف التناقضي المرحلي:  التغيّرات الحاصلة في مفاهيم الإنسان وأحاسيسه ثم تصرفاته وممارساته في مراحل زمنيّة متفاوتة من حياته لا تعتبر إزدواجا في الشخصيّة لأن هذه التصرفات المتناقضة لم تحصل في نفس المرحلة الزمنيّة، إنما تعتبر حالة  تطوريّة طبيعية. فمن كان في شبابه  مبتذلا وماجنا وتبدل في مراحل أخرى من حياته وأصبح عابدا زاهدا، لا نعتبره أبدا مزدوج الشخصيّة، كون التناقض قد حصل في مراحل مختلفة من العمر وليس آنيّا  أي في نفس الوقت والمرحلة. 5- إزدواجية الجوهر مع ثبوت الإستجابة : أي إزدواجيّة في الإدراك أو في الإحساس أو تناقض بينهما لا تتصاحب مع إزدواجيّة في الإستجابة لا تعتبر إزدواجا في الشخصيّة. فلو تضاربت الأفكار والمفاهيم أو تحفزت الأحاسيس الثنوية المتضادّة نحو هدف معيّن أو حصل نزاع عاطفي عقلي  عند الإنسان ونتج عن ذلك تصرّف واحد ثابت ملتزم بمفهوم ثابت أو بإحساس ثابت، فإن ذلك  لا يعتبر إزدواجا لأن الناتج النهائي هو فعل أو تصرف واحد ثابت. أي أن المعادلة في منطقة جوهر الشخصيّة قد حسمت لمفهوم معيّن أو لإحساس معيّن وأنبعث تصرّف ثابت عنهما. بتلخيص ما ورد ذكره نستطيع أن نعرّف إزدواج الشخصيّة الإجتماعي وحسب التصنيف الجديد وضمن فهمي الشخصي للحالة بأنها: حالة تناقض آني في التصرف بإتجاه هدف واحد أو عدة أهداف، يشترط  فيها التكرار والإستمراريّة في الفعل وتنشأ في منطقة جوهر الشخصيّة أي منطقة الإدراك والإحساس وتقع على ثلاثة أنواع : إزدواج إدراكي أو عقلي، إزدواج إحساسي أو نفسي، وإزدواج تناقضي ناشىء عن تناقض الإدراك مع الإحساس. الأول لا يعتبر مرضا إجتماعيا إنما هو حالة تكيّف للشخصيّة في ظروف إجتماعية متباينة، والثاني والثالث قد يشكلا معضلة إجتماعية إن تزايد زخمهما في المجتمع. أي إزدواج في جوهر الشخصيّة لا يتصاحب مع إزدواج في الإستجابة لا يعتبر إزدواجا في الشخصيّة، كما أن أي تناقض متوالي في التصرف لا يصحبه تناقض في مكونات جوهر الشخصية لا يمكن إدراجه في قائمة إزدواج الشخصيّة الإجتماعي بل يدرج ضمن مصطلحات إجتماعيّة أخرى. بمعنى آخر، أن إزدواج الشخصيّة يشترط إزدواج الجوهر وإزدواج الإستجابة (التصرف) في آن واحد.   

الوعي والديمقراطية

الوعي والديمقراطية...                                                                                                                     د.محمد مسلم الحسيني                                                                                                               بروكسل                                                                                                                                                   

مقدار الوعي العام  في أي مجتمع من المجتمعات يمكن قياسه بميزان صراع الأضداد والمتناقضات المطلق. هذا الصراع  يحصل عادة بين خصائص المجتمع الإيجابية والسلبية ويشمل صراع العلم مع الجهل، التقدم مع التخلف، النشاط مع الكسل، النظام والإنتظام مع الفوضى والبعثرة، الحب مع الكراهية، الإنفتاح  مع التقوقع....الخ ذلك من قائمة المتناقضات المطلقة الطويلة .                                            

المجتمع الذي يسود فيه العلم على الجهل والتقدم على التخلف والإنسانية على الهمجية ، على سبيل المثال وليس الحصر، فانه دون شك سيكون مجتمعا واعيا على أساس تعريف الوعي الشامل الذي يتلخص بالإدراك العقلي لمتطلبات العمل الناجح الصحيح. أما إذا كان الفساد يطغي على النزاهة والتسيّب على الإلتزام والقساوة على الرحمة فأن ميزان الوعي العام  سيشير الى  تدن هائل في نسبة الوعي في هذا المجتمع . إذن درجة الوعي في أي مجتمع من المجتمعات  تتناسب  طرديا مع الخصائص الإيجابية الموجودة في  ذلك المجتمع  وعكسيا مع خصائصه السلبية، أي  كلما  زادت خصائص المجتمع الإيجابية زادت درجة الوعي العام فيه والعكس صحيح .                                                                             

ميزان الوعي قد لا يتحدد فقط بالمتناقضات المطلقة في المجتمع إنما يتعداها ليشمل أضداد ومتناقضات أخرى لها صفة النسبية والتي قد تتسم بمنعطفاتها السياسية أو الدينية في ذلك المجتمع. فميزان الوعي قد يتأثر بطبيعة النظام السياسي المتبع في مجتمع من المجتمعات ويؤثر فيه أيضا. الأضداد السياسية والعقائدية التي تؤثر وتتأثر بدرجة الوعي في المجتمعات كثيرة أذكر منها : ديالكتيك الأضداد في النظرية الماركسية مثل صراع الإشتراكية مع الرأسمالية والبروليتاريا مع البرجوازية،  والثنوية الضدية في مبادىء المعرفة الدينية كصراع المثالية مع المادية والخير مع الشر والإيمان مع الكفر، وصراع الأضداد في النظرية القومية العربية كصراع الوطنية مع العمالة والتقدمية مع الرجعية ....الخ ذلك من قائمة المتناقضات النسبية والتي تجرنا الى صلب الموضوع حينما ندرج مع هذه القائمة صراع الديمقراطية مع الدكتاتورية.                                                                                                                       

فكلما كان المجتمع واعيا كلما احتاج نظاما سياسيا ديمقراطيا متحضرا يتناسب مع درجة وعيه ليحقق الرؤى والآمال التي يطمح لها ذلك المجتمع المتطور. الوعي يصنع الديمقراطية ويحتاجها والديمقراطية لبنة الوعي ومصدر من مصادره، فالعلاقة جدلية بين الأثنين وهذه حقيقة مسلّم بها. إلاّ أن السائل قد يسأل ويقول: أيهما أولا الديمقراطية أم الوعي ، فمن هو الأب ومن هو الإبن ومن يخلق من؟. يرى  بعض المفكرين بأن الوعي هو الأساس لأن المجتمع غير الواعي لا يمكن أن ينجح ديمقراطيّا فذلك يشبه من يعطي جوزا لمن لا أسنان له! ومنهم من يقول بأن الديمقراطية هي التي تخلق الوعي والتقدم والرفاه في المجتمع لو طبقت فيه، ودون الديمقراطية لا يمكن للمجتمع أن يتطور وينهض وتتحسن ظروفه العامة كي تطغي الكفة الموجبة في ميزان الوعي على الكفة السالبة فيه.                                                                                                                هذا النقاش ربما يقودنا الى نفس  النقاش الفلسفي المعروف بين أولوية المادة والوعي، حيث ترى الفلسفة المادية أولوية المادة على الوعي بينما يناقضه رأي الفلسفة المثالية التي ترى أولوية الوعي على المادة. رغم هذا التناقض حول مسألة السبق بين الوعي والديمقراطية إلاّ أن هنالك من يرى بأن الوعي والديمقراطية توأمان متماثلان متكاملان متلازمان لا يمكن الفصل بينهما ولا يصمد أي منهما بغياب الآخر.الديمقراطية تؤثر على الوعي وتتأثر فيه والوعي مادة الديمقراطية ونتاجها، فهما ينشآن وينموان ويتطوران كف بكف وكتف بكتف  والعلاقة بينهما أشبه ما تكون بعلاقة الحركة مع الزمن،  فلا حركة من دون زمن ولا زمن من غير حركة.                                                                                       سؤال قد  يطرح نفسه بإلحاح ملخصه هو : طالما كانت الصلة بين الوعي والديمقراطية هي صلة تكافل وتكامل وموازاة ، فما الذي سيحصل لو أجرينا تغييرا تجريبيا في ميزان المعادلة بين الوعي والديمقراطية فرجحنا كفة الواحدة على الأخرى ؟ أي ماذا سيحصل لو نزل الوعي بقدرة قادر على مجتمع يحكمه دكتاتور أو أرسينا الديمقراطية وجئنا بها من وراء البحار وزرعناها في مجتمع ينقصه الوعي؟.                                                                               هنا دون شك ستحصل ردود أفعال لحدث غير طبيعي تتباين في درجتها وطبيعتها، وذلك طبقا لحالة المجتمع وطبيعته. لا أعتقد بأن مشكلة ستحصل في المجتمع الذي ينزل عليه الوعي بشكل مفاجىء وسريع وهو في ظل الدكتاتورية. لأن المجتمع الواعي يستطيع أن يتعامل مع كل الظروف حتى مع دكتاتوره. الدكتاتور في المجتمع الواعي لا يجد مكانا له، فسيرى بأن أقرب الناس اليه  يتخلون عنه، حتى حمايته الخاصة (الواعية) تسلط الضغط عليه كي يسير بطريق الحضارة والمدنية ويتخلي عن الحكم الشمولي خدمة للشعب وللديمقراطية. الدكتاتور في المجتمع الواعي سيشعر بعقدة النقص وسيصيبه الهلع بسبب ثقافة مجتمعه المتزايدة ووعيه الكامل.  فيتبدل عنده شعور جنون العظمة بشعور الدونية ونهم السلطة بالتوجس منها وهكذا  يتهاوى نفسيا وسلطويا وهو في حالة الوقوف. طبقا لهذا ربما لا يرى المحلل السياسي إرباكا أو إرتباكا ممكن الحصول لو غيرنا إصطناعيا  معادلة الوعي مع الديمقراطية فزدنا مقدار الوعي في المجتمع وأبقيناه على حالته السياسية.                                                                                                         الطامة الكبرى ستحصل دون شك في الفرضية الثانية ألا وهي حالة ورود الديمقراطية الى مجتمع ينقصه الوعي وغير محضر للإرتقاء الديمقراطي. هنا سيحصل تفاعل يشبه تفاعل الحوامض مع القلويات غبر المتجانسة. سنلبس مجتمعا عاريا من الوعي ثوب الديمقراطية ، إلاّ أن هذا الثوب لم ينتج محليا وحسب مقاييس وعي المجتمع انما يلبسه المجتمع دون قياس ودون مواصفات  مما  قد يؤدي الى أن يكون هذا الثوب إما طويلا جدا فيعثر المجتمع فيه أثناء السير ويسقط على وجهه وربما لا يستطيع بعد ذلك النهوض، وإما أن يكون الثوب شديد القصر فتبان عورات ذلك المجتمع وخباياه.                                                                                               الديمقراطية الواردة الى مجتمع دون حساب ودون توازن مع درجة الوعي والثقافة سوف تحوّل الأمراض الحادة في ذلك المجتمع الى أمراض مزمنة، وتمنح جراثيم الأفكار المتخلفة قابلية التوطن والنمو والإزدهار. في بعض مجتمعات العالم الثالث قد تكون عصا الدكتاتور حدّا فاصلا بين الممارسات والأعراف البالية ومظاهر الأمراض الإجتماعية الكامنة  وبين خروج أعراضها وصورها مكشوفة  نحو السطح. في ظل الديمقراطية تتحرر هذه الأمراض وتتشرعن هذه  الممارسات والعادات وتنتشر دون مانع أو رادع، وهذا ما سيؤدي الى سير ذلك المجتمع نحو الهاوية سواء كان عاجلا أم آجلا!                        الديمقراطية المسلوبة من الوعي ستثير النعرات الدينية والطائفية والأثنية والعشائرية في نفوس أبناء المجتمع وتؤدي الى تفتته وإنقسامه على المدى المنظور. سيموت المشروع الوطني في ذلك المجتمع  ويصبح العرق قبل التراث والطائفة قبل الوطن. كما ان هكذا ديمقراطية ستبث الفوضى والبعثرة وتزيد من  نسبة الجريمة  بكل انواعها خصوصا السرقة والإختطاف بسبب مطاطية القانون أو تساهله في مجتمع معتاد على اساليب القوة والإضطهاد في تعاملاته مع أبنائه. سوف تنطلق ظاهرة شبق السلطة بكل زخمها لتعبّر عن الحرمان والعوز الذي عانى منه المجتمع وهذا ما سيجعل الساحة منطلقا لصراع المصالح التي تتفاوت بين المصالح الفئوية الى المصالح الفردية الذاتية.                                                     الأسماك الكبيرة في عالمنا الثالث لا تملك إلاّ عينا واحدة ضيقة الأفق لا ترى الأمور إلاّ بمنظار واحد محصور ومشوش، بينما الأسماك الصغيرة هي التي تتميز بسعة النظر وبعده وبقوة الحركة وحيويتها. إلاّ أن الأسماك الكبيرة تأكل عادة الأسماك الصغيرة في هذا العالم  ولا تدع لها إمكانية الحركة والنمو أو حتى الوجود! وهكذا تصبح الساحة في ظل الديمقراطية المجردة عن الوعي ملكا للأقوى دون الأجدر وحكرا للأشقى دون الأنبل!                                                                                                                     الناخب غير الواعي في ظل  الديمقراطية  سوف لا ينتخب ممثلا واعيا في أكثر الحالات ، عندها  نكون في نهاية المطاف قد إستبدلنا دكتاتورا متعجرف  بديمقراطي متخلف وسيكون هذا المجتمع خال من الكفاءة والقدرة ويسير الى الوراء بدلا من أن يتقدم ، مما يجعل المجتمع المظلوم والمتعب يتباكى على أيام الدكتاتورية المرّة يوم كانت عيونه رمداء ، فالرمد أهون عليه من العمى وما أقسى معاناة المجتمع  حينما لا يرى  النور في وضح النهار!                                                                                                                             

مصاعب في الديمقراطية

مصاعب في الديمقراطية....                                                                                          د. محمد مسلم الحسيني                                                                                                  بروكسل                                                                                                                                                         الديمقراطية سمة حضارية ينشدها الإنسان ويتطلع اليها من أجل حفظ حقوقه وتأمين مستقبله ومستقبل أجياله، ولكي لا يصبح أداة طيّعة بيد دكتاتور قد لا يشفق عليه ولا يرحمه. الديمقراطية ليست ظاهرة حضارية جديدة تعرفها وتمارسها أجيال القرن الواحد والعشرين، إنما هي ضرورة اكتشفها فلاسفة السياسة منذ القدم. أهمية الديمقراطية في حياة الإنسان المعاصر وإرتباطها بحضارته ومقومات نشوئه، جعلتها ضرورة حياتية يستوجب ممارستها عاجلا أم آجلا وفي كل المجتمعات. إلاّ أن ممارسة هذه الخبرة بالشكل الصحيح يتطلب حضور عناصرها، فللديمقراطية أصول واسس رئيسية ومحكمة لا يمكن لمن يريد إنجاح تطبيقها أن يتنصل منها أو يغض الطرف عنها. الديمقراطية ليست بضاعة تشتريها الشعوب من أسواق الديمقراطيات، إنما هي علم وذوق وأخلاق ونظام وإنسانية. رغم فوائد الديمقراطية وضرورتها لدى الشعوب فأن ممارستها بالشكل الخاطىء وزجها في بيئة غير صالحة  لها قد تعود بالكوارث والآلام بدلا من تحقيق الأماني والأحلام!                                                                                                               المحاذير التي قد تصاحب عملية تطبيق الديمقراطية في وسط غير مهيّأ لتطبيقها كثيرة ومعقدة أدرج في هذا المقال شيئا منها:                                                                                                          1- طبيعة المجتمع ونسيجه التكويني:  ممارسة الديمقراطية في المجتمعات المتباينة في تركيبتها التكوينية والتي تضم في نسيجها  كتل تتباين في لغاتها أو أعراقها  أو أديانها وطوائفها، تكون ديمقراطية حساسة وربما خطيرة قد  تؤثر على بنية ووحدة ذلك المجتمع وسلامة نسيجه. فحينما شع نور الديمقراطية على ربوع المعسكر الإشتراكي أصبح الإتحاد السوفيتي السابق دولا وأقاليم إنشطرت على أسس لغوية وعرقية ودينية. وتحولت يوغسلافيا السابقة الى جمهوريات ودول وصارت جيكوسلفاكيا السابقة دولتين هما جمهورية التشيك والسلوفاك.                                                                                               هذا التفتت الجغرافي للدول قد حصل مباشرة حال إعلان الديمقراطية، بل لن يقتصر الحال على تلك الدول فحسب ،إنما إمتدت أيادي الديمقراطية لتحل أواصر وحدة التراب في مجتمعات أوربا الغربية نفسها. فبلجيكا مثلا تمر بأزمة سياسية حادة قد تفضي الى تقسيم هذا البلد الى ثلاث دويلات قائمة على أسس التباين اللغوي في المستقبل. كما أن أقليم الباسك الأسباني يسعى للإنفصال عن أسبانيا تحت ذرائع عرقية ولغوية. وكندا الفرنسيّة (كيبيك) تنوي الإنفصال عن كندا الإنكليزية ، وجيش إيرلندا السري كان يستعمل العنف من أجل التأثير على حكومة بريطانيا المركزية بأن تقبل بانفصال إيرلندا الشمالية عن بريطانيا  بسبب الإختلافات الطائفية.                                                                                                      أمثلة أخرى  كثيرة في بلدان العالم وخصوصا  في بلدان عالمنا العربي، حيث يلاحظ المتابع بأن الدول العربية  التي تنتهج المنهج الديمقراطي والتي تتباين تركيبتها الإجتماعية، هي في حالة من الهوس السياسي وعدم الإستقرار مما  ينذر بحصول مطاحنات مسلحة أو تفتت داخلي على أسس طائفية أو عرقية!  فلبنان مثلا خاض حربا داخلية على أسس دينية وطائفية ثم  بقي في  وضع سياسي حرج لفترة طويلة، وقطاع غزة في فلسطين المحتلة منفصل إداريّا عن الضفة الغربية والجزائر ينخر فيها الإرهاب منذ إجرائها إنتخابات ديمقراطية والعراقيون منشغلون في بناء المتاريس تأهبا  لحرب أهلية! وهكذا فإن الأمور تشير الى أن الشعوب المتباينة في العرق أو اللغة أو الطائفة قد  تسعى للإنفصال عن بعضها وبشتى الطرق في ظل الديمقراطية مما يجعل المرء يتساءل مع نفسه : أيهما أفضل ديمقراطية التقسيم أم وحدة الدكتاتورية!؟.                                                                                                                    2- ثقافة الديمقراطية : الوعي والعلم والأخلاق  أسس هامة في ثقافة المرء العامة والتي تعتبر المرحلة التحضيرية الأولى لتقبل الفرد ثقافة متخصصة إسمها ثقافة الديمقراطية. الناخب غير الواعي لا يعطي صوته الى من يستحق، والمرشح غير الواعي لا يقود ناخبيه الى برّ السعادة والأمان!. في ظل هكذا ديمقراطية  ستتدافع أصوات الناخبين في إتجاهات ضيّقة وخانقة كالإتجاهات العرقية أو الدينية أو الطائفية حال فتح صناديق الإقتراع وهذا ما سيولّد تقوقع على الذات ويكون مرحلة أولية للإنفصال والتشرذم أو لنزاعات وحروب أهلية.                                                                                                   الكثير من الظواهر الإجتماعية السلبية والتقاليد والأعراف البالية التي تسود في بعض المجتمعات المتخلفة والتي كان الدكتاتور يكتمها ويمنعها بحكم القوة ، سوف تجد الطريق لها مفتوحا حينما تعلن الديمقراطية. فمن الذي يستطيع أن يقف أمام إرادة  شعب "غير واعي" في ظل الديمقراطية!؟                                الوعي والديمقراطية توأمان متلازمان لا ينفصلان عن بعضهما، فلا ديمقراطية من دون وعي ولا وعي بلا ديمقراطية. الوعي للديمقراطية هو عملية متواصلة متكاملة تبدأ في البيت وتنضج في المدرسة وتمارس في الحياة العملية. يشارك في بناء هذا الوعي الآباء والمعلمون ووسائل الإعلام وقادة الأمة ورواد حضارتها بكل صنوفهم ووجهاتهم. فبناء هذا الوعي يعتمد كليّا على طبيعة مراحل نضوج الإنسان السياسي والثقافي والإجتماعي والفكري.                                                                                 3- المرحلة الإنتقالية: الديمقراطية المباغتة الواردة مع قعقعة  السلاح أو على ظهر دبابة، سواء كان بطريقة الإنقلابات العسكرية أو بالتدخلات الخارجية ، ستكون ديمقراطية عليلة هزيلة غير قادرة على الصمود والتحدي. التحوّل السريع من حالة سياسية متوطنة الى حالة مناقضة دون المرور بمرحلة تحضيرية إنتقالية سيكون مصحوبا بالمشاكل والعلل.                                                                                                                          لقد نجحت دولة جنوب أفريقيا بإرساء دعائم الديمقراطية حينما حصل إنتقال إنسيابي مدروس من مرحلة الدكتاتورية الى مرحلة الديمقراطية وضمن مرحلة إنتقالية طويلة تم خلالها تحضير الشعب وتهيأته لممارسة خبرة الديمقراطية. عرف المواطن هناك بأن لا سبيل له في العيش الهادىء غير قبول الآخر وأحترام وجهة نظره واعطائه حقوقه الإنسانية بغض النظر عن اللون أو العرق. غياب المرحلة الإنتقالية هذه سيولد فراغا أو فضاءا واسعا بين مرحلة الدكتاتورية ومرحلة الديمقراطية يستطيع أعداء الديمقراطية الولوج من خلاله من أجل إجهاض التجربة الديمقراطية وتخريبها.                                                                                                      غياب المرحلة الإنتقالية يعني غياب ثقافة الديمقراطية ويعني بقاء المفهوم الدكتاتوري في ممارسات الأحزاب السياسية، حيث ستسلك نفس سلوك النظام الدكتاتوري من خلال رفض الآخر والتقوقع على الذات والإبتعاد عن مبدأ المشاركة، وهذا ما قد يقود الى تكوين دكتاتوريات متعددة في ظل الديمقراطية قد تتضارب مع بعضها فتكون أشد وباءا على المجتمع من الدكتاتورية المركزية!                                                                                    4- قادة الديمقراطية:  تصاب في أغلب الأحيان الأحزاب المعارضة للدكتاتورية بجرثومة " شبق السلطة" حيث نرى تهافت وإندفاع شديد نحو كراسي السلطة والمراكز الحساسة في الدولة.  قد تضيع مقاييس الضرورة في فوضى الديمقراطية حال سقوط الدكتاتورية، فلا يصبح الرجل المناسب في مكانه المناسب. وهكذا يحتكر السياسي، الذي يرى بأن الفرصة قد حانت، مراكز الدولة الحساسة له  فلا مكان للكفاءة ولا سبيل للخبرة!                                                                                                                 السياسي المعارض للدكتاتورية وخصوصا في بلداننا العربية يكون مطاردا من قبل السلطة وهذا ما يفضي الى حرمانه من فرص الدراسة والتحصيل العلمي التخصصي. إدارة أمثال هؤلاء السياسيين غير المتخصصين لشؤون الدولة ومؤسساتها ستكون إدارة سيئة ورديئة تنعكس آثارها على المجتمع عاجلا أم آجلا ويتراجع عندها ذلك المجتمع الى الوراء بدلا من أن يتقدم الى الأمام في ظل الديمقراطية!                                                                     5- الأطراف الخارجية : يستطيع العالم الخارجي أن يلعب دورين متضادين في شأن نشوء الديمقراطية في بلد ما.  فقد يقوم بدور إيجابي وفعّال في صنع الديمقراطية ونشوئها وذلك عن طريق الضغوط السياسية المستمرة على حكّام الدكتاتورية  من أجل ترويضهم وجعلهم يرضخون للأمر الواقع في إحترام متطلبات العصر. وهذا ما حصل فعلا في دولة جنوب أفريقيا وفي دول المعسكر الإشتراكي السابقة، حيث أفضت الضغوطات العالمية وخاصة الغربية الى تحول إنسيابي سلس من مرحلة الدكتاتورية الى مرحلة الديمقراطية في تلك البلدان.                                                                                                أما الدور السلبي الذي يمكن أن تنتهجه بعض الدول في تخريب الديمقراطية في بلد ما  فيكمن في تدخلاتها  في شؤون تلك الدولة التي تمارس عملية الديمقراطية. هذا التدخل قد يكون مباشرا عن طريق  فرض الإرادة بإستعمال قوة السلاح أو بطريقة غير مباشرة وذلك بالتأثير على قادة التحوّل الديمقراطي وإملاء أجندة خارجية عليهم . هذا التدخل الصريح في شؤون البلد الداخلية قد يؤدي الى أن يصبح هذا البلد ساحة لتصفية الحسابات  بين الدول صاحبة الشأن والى إستقطابات وتباينات ونزاعات داخلية وحرب بالنيابة قد يكون لها أول ولكن  ليس لها تالي وقد يصعب التكهن  بنتائجها ومخلفاتها.                                                              من هنا نستطيع الإستنتاج  والقول بأن بذور الديمقراطية المزروعة في تربة قاحلة غير مهيّأة وغير صالحة لنمو أزهار الديمقراطية وأقحواناتها قد  تنبت أشواكا سامة  تؤلم  أهل الديمقراطية وعشاقها....                              

غياب المشروع الوطني

غياب المشروع الوطني: العرق قبل العراق والطائفة قبل الوطن !                                       د. محمد مسلم الحسيني                                                                             بروكسل                                                                                        من ينظر مليّا الى ماهيّة الأحزاب السياسية في العراق وطبيعة نهجها، خصوصا تلك التي تتدافع بحماس من أجل الوثوب الى ناصية السلطة، فأنه يجد بأن ثمة خصوصيات قد ميّزت هذه الأحزاب وأعطت كلّ حزب منها صبغة خاصة بها .هذه الخصوصيات تتعارض مع  سير هذه الأحزاب باتجاه ممارسة سياسية مثالية صحيحة تقود الى مشروع وطني وحدوي  وتحقق آمال الشعب العراقي  في العيش وسط عراق حر،متطور، مستقل وموحّد.                                                                                                     العوامل الرئيسية التي تقودنا الى هذه الحقيقة قد لا تخفى على أحد ولكن نستطيع إيجازها بما يلي :           1- العراق مركب غير متجانس بقومياته واصوله واديانه وطوائفه. إعلان الديمقراطية غير المدروسة في بلد كهذا أمر خطير وصعب ، إذ أن مصائب التفكيك والتشتت والحرب الداخلية أمور محتملة وواردة. حتى في البلدان التي لديها تأريخ ديمقراطي طويل وتتحلى بوعي وأصالة ديمقراطية،  فأن تباينات عرقية أو لغوية أو دينية أو طائفية كفيلة بتقسيم تلك البلدان وتفتيتها. كيف إذن الحال في بلد غير محضر ديمقراطيّا يمارس ديمقراطية مستوردة في ظل تناقضات سياسية مبنية على أسس عرقية وطائفية!؟.        الأحزاب المتحركة على ساحة السياسة العراقية تصطبغ بنفس صبغات النسيج العراقي المتباينة. فهي  أحزاب ذات منطلق عرقي أو طائفي أو ديني،  فالعرق قبل العراق والطائفة قبل الوطن! التوجه الحزبي بهذا المنظار يعتبر أساسا متينا لبناء أسوار الفصل والتقسيم بين مكونات الشعب العراقي الواحد. الحزبان الكرديان الرئيسيان، وهما حزب الإتحاد الوطني الكردستاني والحزب الديمقراطي الكردستاني، لهما تأريخ طويل ومعروف في السعي من أجل إستقلال إقليم كردستان العراق عن العراق. وما مسميات الحكم الذاتي وغيرها، سواء كان سابقا أو لاحقا، إلاّ خطوة حثيثة نحو الأمام من أجل الوثوب النهائي نحو الإستقلال الكامل عندما تحين الفرصة. فإن كانت الظروف الحالية غير مؤاتية لإعلان الإنفصال بسبب التهديدات التركية وكثرة النصائح الأمريكية، فإن السياسة الكردية صابرة على إعلان الإنفصال  ولكن الى أجل مسمّى!                                                                                                                                                                                                                               الأحزاب الإسلامية العربية، شيعية كانت أم سنيّة، هي إما داعية للإنفصال الطائفي عن بعضها  أو أنها تريد الإستحواذ الكامل على السلطة مستخدمة إسلوب تهميش الآخرين وإقصائهم. في كلتي الحالتين لا يتوقع المراقب السياسي من ذلك غير الشرذمة والتفكك والإحتراب، ليس فقط بين الطوائف المتباينة  وإنما بين أبناء الطائفة الواحدة نفسها!                                                                                              أما القائمة العراقية فما هي إلاّ تجمع من أحزاب مختلفة في طبيعتها متباينة في رؤاها وستراتيجياتها والشيء الوحيد الذي يجمعها هو علمانيتها. هذه القائمة لا بد لها أن تنفرط بعد أن ينقطع خيط العنكبوت الذي يربط  خرزها.                                                                                                     التوجه العام لهذه الأحزاب المتحركة يفتقد الى المشروع الوطني الموّحد الذي يلمّ الشتات ويجمع الفرقاء وهذا ما ينذر بإحتمالية حصول الإنفجار الكبير الذي يحذره ويخافه الكثير من المحللين السياسيين والذي يشكل خطرا محدقا لمستقبل العراق وصيرورة  وجوده!                                                              2- الخلل الحاصل من غياب المشروع الوطني عند الأحزاب وشبح الإنفجار الكبير الذي يهدد أركان العراق من شماله الى جنوبه ، جعلا هذه الأحزاب تتشبث بالمحتل وتسعى الى بقائه. لا وجود لحزب قوّي في العراق يستطيع بسطوته وسلطته أن يبسط نفوذه وسيطرته على ربوع العراق بعد رحيل المحتل. بل لا يوجد تحالف جدّي وثابت بين الأحزاب يستطيع أن يوفر الدرع المانع للمشاكل والمحن ويحظى بقبول أكثرية الشعب العراقي. حتى الحزبان الكرديّان المتحالفان مع بعضهما  قد يتناحران  حال رحيل الأمريكان وزوالهم  والتأريخ خير شاهد على ذلك. كما أن الإئتلاف العراقي الموحد سرعان ما تغيّر ومنذ بداية الطريق! فالإئتلاف إنقلب الى إختلاف والموحد اصبح  مبدد ،بل صارت مكوناته تتحارب مع بعضها بالسلاح الثقيل!                                                                                                     هذا الجو المشحون بالتناقضات وهذه الهواجس المريبة صارت تقضّ مضاجع بعض السياسيين  وتجعلهم يلتصقون بالمحتل الأجنبي خشية فقدان السلطة!                                                                       هذا التشبث الشديد بالوجود الأجنبي من قبل هؤلاء والذي يعطي المحتل شرعية البقاء،  يعتبر بحد ذاته  تناقض حاد مع خصوصيات الشعب العراقي وتطلعاته الرافضة للإحتلال. كره الوصاية الأجنبية التي تتنافر مع المشروع الوطني العراقي جعلت العراقيين ينفرون من قادتهم ويتطلعون الى الخلاص .                                                                                                                  3- الأحزاب العراقية المتحركة في الساحة هي أحزاب أحادية الرؤيا بشكل عام ،  فهي لم تتناغم وتتفاهم مع بعضها في مشروع وطني موحد حتى في زمن النضال السلبي.  أن من أهم أدبيات وثقافات هذه الأحزاب هو تغيير الحكم والإستيلاء على السلطة مستخدمة في الغالب أسلوب الكفاح المسلح، حيث كانت هذه الأحزاب تتفاعل بمعزل عن بعضها وليس لديها مشروعا وطنيا ثابتا تتفق عليه. لولا المظلة الأمريكية التي أجبرت كلّ الفصائل على الإتفاق ولو على شيء واحد فقط وهو إزالة النظام السابق ،لبقيت هذه الأحزاب تلعب لعبة جرّ الحبل الى ما لا نهاية!                                                                                                                              عدم التغيير في ستراتيجيات هذه الأحزاب ورؤاها وأساليبها حتى بعد إستلام الحكم، جعلها تشترك في  صراعات ونزاعات محتدمة على السلطة يشهدها القاصي والداني والتي جعلت المواطن العراقي يشك في مصداقية هكذا أحزاب بلمّ شمل العراقيين وجلب الرفاه والآمان لهم.                                                                                                                                                                           4- بعد مرور الحوادث والأحداث تبيّن أن الكثير من المنتمين الى هذه الأحزاب هم من ذوي المصالح الشخصية والفئوية والذين يسعون الى منافع ذاتية مشروعة وغير مشروعة. إعتلاء المناصب في دولة العراق الجديد صارت حكرا للحزبيين دون غيرهم! ورغم أن المنصب يتطلب عادة  المعرفة والكفاءة ، إلاّ أن كلاهما مغيّب عند الغالبية من الحزبيين بسبب ظروف حياتهم التي مرّوا بها. التمسك بالمناصب الإدارية والفنية الحساسة في الدولة من دون توفر التجربة والكفاءة يقود الى تدهور البنية التحتية والفوقية للبلد . هذا الإنحدار الإداري الحاد قد بات واضحا للعيان وصار المواطن العراقي يعاني كثيرا منه.                                                                                                 لم تتوقف الشراهة بالإستحواذ، دون إستحقاق،  على المراكز الحساسة في الدولة فحسب إنما تجاوزت حدود ذلك ، حيث حدث التزوير والنهب وتكاثرت السرقة حتى أصبح للعراق القدح المعلىّ بين دول العالم في الفساد الإداري والمالي! وهكذا تحوّلت الثقة التي أولاها المواطن العراقي لهذه الأحزاب الى رفض وإشمئزاز بعد ان فقدت مصداقيتها عنده !                                                                                                                 5- الكثير من الأحزاب المتحركة على الساحة العراقية لها ولاءات خارجيّة واضحة وخفيّة! تصل في بعض الأحيان أن تسيّر هذه الأحزاب ضمن خطط وستراتيجيات تمليها أجندات خارجية. هذا النهج الخطير والحساس يمس بمستقبل العراق ومصيره. المصالح الأجنبية لا تنظر إلاّ الى نفسها حتى ولو كان ذلك على حساب سحق الآخرين، فانتقال زمام الأمور بأيدي الأجانب يعني تحقيق مصالحهم ومآربهم على حساب مصالح  الشعب العراقي. هذا من جانب ومن جانب آخر فأن الأطراف الخارجية التي تتدخل بالشأن العراقي والتي لها مصالح خاصة فيه هي أطراف متناقضة ومتحاربة فيما بينها. فمجاراة هذه الأطراف يعني إنقسامات في النسيج السياسي العراقي المعقد أصلا. التناقضات المحتدمة في السياسات بين الدول الخارجية المؤثرة في العراق سوف تتبلور في  الساحة العراقية وتصبح  فتيل نار إن إشتعلت سوف لن تخمد!  إنجرار الأحزاب وراء أجندات خارجية متضاربة يعني الدخول في حرب الوكالة التي قد تندلع بأرض العراق ولا تحصد غير أرواح العراقيين وأملاكهم!                                                   تقوقع بعض الأحزاب تحت قشرات أجنبية يفقدها لونها وطعمها ورائحتها. الشعب العراقي يتطلع الى أن يرى لون الديمقراطية الزاهي وهو ينبعث من الداخل لا أن يفرض عليه من الخارج، كما يريد أن يذوق طعم الحرية الخالص فلا يستبدل سجن الدكتاتور بثكنات المحتل ويريد أن يشم رائحة الوطنية العابق الصادر من رياض صدق النفوس وروابي حسن النيّة وجنان القيم والأخلاق.                                     

ثقوب سوداء تبتلع اموال العالم

ثقوب المال السوداء تبتلع بنوك العالم....!                                                                                                         د. محمد مسلم الحسيني                                                                                           أكاديمي                                                                                                 بروكسل                                                                                                                                                                    حينما دقت أجراس العولمة في المجالات المالية والإقتصادية في العالم معلنة التزاوج والإندماج بين مؤسسات العالم الكبرى في تلك المجالات، تفائل البعض وتشائم البعض الآخر...حيث رأى بعض المحللين الإقتصاديين بأن الإندماج بين المؤسسات المتخصصة  يخفف من تأثير الهزات والخسائر الإقتصادية والمالية غير المتوقعة عليها، كما أنه يزيد من زخمها التجاري والمالي  ويخفض من أعداد الأيدي العاملة المشتغلة في معيتها والتي ترهق كاهلها المالي. إتساع حجم هذه المؤسسات يعني كبر في مركز ثقلها والكبير لا يسقط بسهولة عادة... أما الطرف الآخر من المحللين فقد إرتأوا العكس، حيث أبدوا مخاوفهم من الهزات والحرائق التي قد  تلحق  في مؤسسة ما  والتي ربما  تصيب بنارها مؤسسات أخرى مرتبطة بها، وهكذا تنتقل الحرائق من مؤسسة الى أخرى بسهولة وبسرعة لشدة تقاربها مع بعضها وإرتباطها وإندماجها فيما بينها.                                                                                                                 أثبتت الوقائع والأحداث الساخنة في الأيام الأخيرة هشاشة الأنظمة المالية العالمية وأكدت بأن الحريق أن شب، في ظل العولمة، في مؤسسة ما سرعان ما ينتشر ويتصاعد ليضرب مؤسسات ومراكز مالية أخرى وبسرعة البرق! ان ما حصل في بعض المؤسسات المالية الأمريكية مؤخرا وخصوصا شركات الإستثمار العقاري والبنوك العقارية التي بدأت تتهاوى الواحدة تلو الأخرى، يدل على وهن النظام المالي في ظل أبراج العولمة. لم تقتصر  تداعيات الحرائق المالية على البنوك الأمريكية صاحبة الشأن وحدها فحسب بل أنتشرت النار الى البنوك العالمية الأخرى وفي كافة بقع العالم. حينما هوى بنك "ليمان براذرز"    الأمريكي جر معه الكثير من البنوك العالمية بشكل أو بآخر وأنتقلت الأزمة المصرفية الأمريكية الى الكثير من الدول في العالم. تهاوي البنوك بعضها مع البعض يثبت وجود خلل ستراتيجي في ماهية صيرورتها وتكوينها ، وما هذه الظاهرة إلاّ إفراز من إفرازات تطبيق سياسات العولمة .                                                                                                أزمة البنوك التي ضربت أمريكا ضربت أوربا كما ضربت غيرها، فقد أوشك بنك التأمين البلجيكي الهولندي " فورتيس" على الإفلاس لولا تدخل الحكومات في كل من بلجيكا وهولندا ولوكسنبورغ لإنقاذه بعدما أممت نصف حصصه ومنعته من الإنهيار الأكيد، وأخيرا أشترى غالبية حصصه البنك  الوطني الفرنسي المعروف " باري با ". كذلك الحال بالنسبة للبنك البلجيكي- الفرنسي " داكسيا " الذي أنقذته الحكومة الفرنسية والبلجيكية من خلال زيادة رأس ماله ونشر السيولة المالية فيه. كما أن بريطانيا قد أنقذت بنكها " برادفورد و بينكلي " من خلال تأميمه  وألمانيا ضخت المليارات لدعم بنكها " هايبو ريل ستيت " لتخرجه من براثن الإفلاس المؤكد، وحذت إيرلندا وإيطاليا حذو الآخرين في ضخ الأموال ودعم السيولة لبعض مصارفها. الدول الآسيوية وروسيا لم تكن في مأمن من الحرائق المالية، وهكذا فقد ضخت المليارات أيضا لدعم بنوكها ومنعها من التهاوي والإنهيار. كل هذه التداعيات كانت بسبب إرتباطات المؤسسات المالية العالمية بعضها ببعض، وهذا يعني بأن الأخطبوط المالي العالمي الذي صنعته العولمة إن إنزلق الى الهاوية تنزلق معه معظم المؤسسات المالية الأخرى المرتبطة به!                                                                                                                    سياسات العولمة الإقتصادية والمالية أفرزت ظواهر غير صحية تضر في الكيان الإقتصادي وتهدد مستقبل النظام المالي العالمي جملة وتفصيلا. ان تمحور إقتصاديات العالم ونفوذه المالي بمحاور ضيقة وإنحسار رؤوس الأموال بأيادي محددة تستطيع أن تتلاعب بمصير الإقتصاد العالمي وحسبما تهوى وتحب هو ظاهرة خطيرة تهدد المسيرة الإقتصادية العالمية. ففي إحصائيات عام 1996 تبين بأن 95 الف مستثمر في العالم يملكون أكثر من ربع الناتج المحلي الإجمالي في الإقتصاد العالمي. أي يملكون حوالي 13.1 ترليون دولار! هذه الحيتان المالية التي تجني الأرباح وتراكم رؤوس أموالها تشترك في صناعة المآزق الإقتصادية والمالية وتزيد من الذعر والهواجس التي تضرب في عقول المستثمرين الصغار أثناء المحن الإقتصادية والمالية. يلاحظ المتابع للأحداث والأمور بأن هذه الحيتان تكون متواجدة عند جني الأرباح والمنافع  ولكنها تغيب عند المحن وأثناء المطبات الإقتصادية حيث تختفي عن الأنظار كإختفاء الخفافيش في وضح النهار!                                                                                                  يبدو أن السياسيين الأوربيين أكثر حكمة وتعقل وبعد نظر من نظائرهم الأمريكيين، حيث تدخلت الحكومات الأوربية وبشكل عاجل وحاسم في دعم وإنقاذ بنوكها المحترقة بشرارات النار الأمريكية. عمل الحكومات هذا هو عمل مدروس ومسؤول وفعال وذلك للأسباب التالية: إنهيار البنوك الأوربية يعني إنهيار النظام المالي الأوربي، ويعني إنجراف الإقتصاد الأوربي نحو هاوية الكساد ، ويعني أيضا بلبلة إجتماعية عارمة قد تؤدي الى حالات من الذعر والإضطرابات التي إن إندلعت لا يعرف أحد كيف يتم السيطرة عليها. هذه البلبلة مصدرها فقدان الناس لمدخراتهم من جهة وفقدان الآلاف من العاملين في المؤسسات المفلسة لوظائفهم من جهة أخرى. فوق كل هذا وذاك فأن الحكومات الأوربية ستكون وبحكم القانون مسؤولة عن تسديد تعويضات مالية للمتضررين أي مودعي الأموال في البنوك المفلسة.  هنا تبرز مرة أخرى المفارقة حيث أن الحكومات والمواطنين يدفعون ثمن أخطاء العولمة بينما يجني ثمارها عمالقة المال المتحصنون!                                                                                                           أسباب الإنهيارات المالية الحاصلة في العالم لا يمكن حصرها فقط بالصعوبات التي تعرضت لها بنوك العقارات الأمريكية نتيجة لهبوط  الأسعار في  سوق العقارات الأمريكية فحسب ، إنما هناك أسباب كامنة أخرى لا يمكن غض النظر عنها أو تناسيها ومنها : ضعف الإقتصاد الأمريكي، الذي ترتبط به الكثير من إقتصاديات العالم، نتيجة لأسباب عديدة أهمها تورط الأمريكيين بحروب إستنزافية طويلة الأمد في كل من أفغانستان والعراق وهذا ما أضر بالميزانية المالية الأمريكية بشكل مباشر وغير مباشر. كما أن الغلاء في موارد الطاقة لعب دورا هاما  في جر الإقتصاد العالمي الى التباطؤ وربما الى الكساد مستقبلا وقد برزت إمارات هذا التباطؤ الإقتصادي في الولايات المتحدة الأمريكية قبل غيرها. فوق كل هذا وذاك فأن إمبراطوريات إقتصادية جديدة برزت على الساحة التجارية العالمية وأهمها الإمبراطورية الإقتصادية الصينية التي نزلت الى سوق المنافسة الإقتصادية المحتدمة، إضافة الى الإقتصاد الهندي المتصاعد .                                                                                                                    علينا أن لا ننسى أيضا الأيادي الخفية التي تضرب في الخفاء من أجل جر الفريسة الجريحة الى جحرها والإنقضاض عليها وإبتلاعها ، هذه الأيادي الخفية تتمثل بعمالقة المستثمرين الذين يتربصون الفرص من أجل التصيد والإنقضاض والذين يلعبون دورا كبيرا في تسقيط المراكز المالية من خلال مضارباتهم وتلاعبهم بأسعار الأسهم في البورصات العالمية! ترهل الرقابات الحكومية للمؤسسات المالية والأفراد يدفع الى ممارسات متهورة وغير ناضجة ترتكبها تلك المؤسسات ويمارسها أصحاب رؤوس الأموال من أجل إرباك السوق المالي وجني الأرباح. كل هذه الأسباب تلعب أدوارا  هامة في هشاشة النظام المالي العالمي وتخلخله أمام المحن الإقتصادية والأزمات.                                                                                                                        العواصف الكاسحة والحرائق المالية التي ضربت العالم والتي لا يذكر التأريخ مثيلا لها منذ الحرب العالمية الثانية يجب أن لا  تمر دون تمحص وتمعن السياسيين والإقتصاديين في العالم ، كما أنها ستعطي دروس وعبر لا يمكن التغاضي عنها أو عدم الإلتزام بها في التعاملات المستقبلية. أنتقد بعض السياسيين الأوربيين والآسيويين أمريكا وحملّوها مسؤولية النتائج البائسة في أسواق المال والبنوك العالمية. فقد وصف وزير مالية ألمانيا "بير شتاينبروك" ما حصل من أزمات مالية بأنها مصدرة من أمريكا وناتجة عن تهور في النظام المصرفي الأمريكي. كما أنتقد رئيس وزراء روسيا " فلاديمير بوتين" الولايات المتحدة وقال أن أمريكا تدعي قيادة العالم  إقتصاديا وهي غير قادرة على السيطرة في مؤسساتها المالية المتهاوية. كل هذا يشير الى أن المؤسسات المالية العالمية يجب أن تتعامل بحيطة وحذر مع المؤسسات المالية الأمريكية وأن لا تطلق عنان الثقة فيها.                                                                           الأمور الأخرى التي يجب متابعتها وتسليط الضوء عليها هو برامج خطط المتابعة، ففي ظل قوانين العولمة ترهلت المراقبة الحكومية على المؤسسات المالية والإقتصادية الحيوية بسبب توسع دوائر تعاملاتها وكبر مساحات إرتباطاتها. بعد هذه الهزات المالية ستشدد خطط المراقبة الحكومية على البنوك من أجل ضمان حدود دنيا من السيولة تؤمن مدخرات الناس وتحميها من الضياع من جهة وتجعل البنوك سهلة الحركة والتصرف أمام الأزمات من جهة أخرى. هذه المراقبة ربما لا تقتصر على المؤسسات المالية فقط وإنما تتعدى ذلك لتشمل مراقبة الأفراد الذين يستخدمون وسائل المضاربة الجشعة التي تغرقهم بأموال الغير حيث تصبح مصائب الناس فوائد لهم في كثير من الأحيان. كما أنه من المستحسن أن توفر الدول والحكومات ميزانيات خاصة تستخدم من أجل دعم البنوك في الأوقات الحرجة، وهذا ما أوصى به رئيس المفوضية الأوربية " خوسيه مانويل باروسو" ودعى اليه الكثير من القادة والسياسيين الأوربيين.                                    يمكن ان نستنتج من خلال الأحداث والأزمات المالية التي تعصف في مؤسسات العالم المالية في الوقت الحاضر ، بأن النظام المالي العالمي يحتاج الى مراجعة ومراقبة وإعادة دراسة وتغيير، وأن نظام العولمة الذي يقوم على أساس إدماج رؤوس الأموال من أجل بناء هيكل كبير ومستقر لا يسقط ، قد يؤدي الى بناء هيكل ثقيل غير ثابت وغير مستقر قد يسقط  بسهولة في ثقوب المال السوداء التي تبتلع وتقول هل من مزيد !                                                                                                                                                                       

الإزدواجية عند الشباب العراقي والسياسة المعاصرة

تأثيرات السياسة المعاصرة على إزدواجية الشخصية عند الشباب العراقي                                                         د.محمد مسلم الحسيني                                                                         بروكسل                                                                                    منذ قدم التأريخ والعراقيون يعيشون حالة تناقض محسوس بين ما يخفون وما يظهرون ، بين أحاسيسهم ومفاهيمهم الخاصة بهم  وبين إرادات المجتمع ومتطلباته، بين ما يصبون اليه وبين الواقع المفروض. الصراع المرير بين المرغوب والممنوع هو صراع طويل قد يكون عقائدي سياسي في الكثير من الأحيان  وتمتد جذوره عميقة في التأريخ. هذا الصراع الممتد قد تجلى بوضوح في الزمن الحاضر  وعلى الأخص في الفترة الممتدة بين إستلام صدام حسين للسلطة والى حد يومنا هذا. تأثيرات التناقض الإجتماعي والنفسي على سلوكيات العراقيين وتصرفاتهم لم تكن خافية ومجهولة أمام تحليلات المهتمين بالوضع العراقي، بل تحدث عنها الكثيرون من الباحثين والإجتماعيين.                                                                                                                كان المفكر العراقي القدير الدكتور علي الوردي من بين المهتمين بسلوكيات العراقيين والباحثين عن أسباب العلل الإجتماعية المستشرية عندهم. من أهم تلك العلل الإجتماعية التي تناولها الوردي في بحوثة هو إزدواجية الشخصية ، حيث بحث عن أسبابها ودواعيها في ظل الواقع المعاصر للمجتمع العراقي.  من خلال البحوث والدراسات التي أجراها إستنتج بأن اهم أسباب الإزدواجية في الشخصية العراقية  هو التناقض القيمي بين البداوة والحضارة وكذلك التباين الجغرافي الذي يميز الطبيعة الجغرافية للعراق. لم تسمح لهذا العالم الظروف السياسية في ظل النظام السابق بأن يفصح ويبين وبشكل صريح  أثر السياسة المعاصرة على شخصية العراقي وطبيعة سلوكه، كما أنه لم يشهد المستجدات السياسية الحالية التي دون شك لعبت وتلعب دورا هاما في سلوك وتصرف العراقيين. إن كان للجغرافية وللبداوة والتحضر أثرا في إزدواجية الشخصية ، فأنه من المرجح أن يكون للأوضاع السياسية المتناقضة والملتهبة التي مرّ بها العراق في عهد صدام حسين والعهد الحالي أثرا كبيرا  أيضا في خلق أو تعزيز الإزدواجية عند العراقيين.                                                                    الإزدواجية في الشخصية لها مفهومان متباينان ، المفهوم الطبي النفسي حيث أن الإزدواجية هنا هي حالة مرضية نفسية نادرة جدا  يسلك المريض فيها سلوكين متناقضين فيكون شخصيتين مختلفتين في السلوك لا تتذكر أي شخصية منهما ما قامت به الشخصية الأخرى، و ليس هذا هو المقصود في هذا الموضوع. المفهوم الثاني هو المفهوم الإجتماعي للإزدواج وهو موضوع البحث، حيث أن هذا الإزدواج في الشخصية هو إزدواج في سلوك متناقض عند الأفراد يعبّر عن ظاهرة شائعة تنتشر في كل المجتمعات وتزداد  في مجتمع ما عن مجتمع آخرلأسباب معروفة ومدروسة. الإزدواجية الإجتماعية بحد ذاتها يمكن تصنيفها الى صنفين رئيسيين: الإزدواجية الإجتماعية (الواعية) أي أن الفرد واعي ومنتبه على ما يقوم به من تناقض سلوكي، فيظهر خلاف ما يبطن وذلك لغاية في نفسه يروم تحقيقها. أما النوع الآخر من الإزدواجية فهو الإزدواجية الإجتماعية (غير الواعية) وفيها يسلك المرء سلوكين متناقضين بطريقة الإندفاع الذاتي أو اللاوعي متأثرا برواسب إجتماعية متناقضة مخزونة في منطقة اللاشعور.                                                                                                           الإزدواجية الإجتماعية الواعية نالت النصيب الأكبر في عهد صدام حسين، فالكاتب البليغ  هو من يبلغ الذروة في تبجيل الرئيس، والشاعر الألمعي هو من يقول : لولاك يا صدام ما خلق البشر.... ! والمطرب المبدع هو الذي يكثر الغناء باسم الرئيس والرسام البارع هو الذي يجيد رسم صور الرئيس والنحات الماهر هو الذي ينحت بدقة هامة الرئيس. أما التاجر الذي يريد الحفاظ على روحه وماله فهو ذلك الذي يعطي  حصة الأسد من أرباح  تجارته لصالح صندوق ضريبة دخل الرئيس.                                                                                                                   العراق كان كلّه يهتف باسم الرئيس ، حتى أطفال الروضة يحملون صور الرئيس. العراقيون يضحكون بوجوههم ويبكون في قلوبهم....يبجلون في ظاهرهم ويشتمون في باطنهم...  كانوا نماذج حيّة وصور صريحة للإزدواج الواعي في  الشخصية المنبعث في أكثر الأحيان من الخوف أو التزلّف.                                                                                                                 لم يسلم  حتى الأطفال من السلوك الإزدواجي هذا، فقد كانوا في عهد  صدام  يسمعون في المدرسة التبجيل والتقديس للرئيس من معلميهم، كانت أناشيدهم تتغزل في  حب الرئيس وقصصهم  تصف  مغامرات الرئيس واللعب التي يلعبون بها ويستأنسون هدية من الرئيس. أما في عقر دارهم فأنهم  يسمعون من آبائهم اللعنات والشتائم على الرئيس!. كان الآباء يحذرون أبناءهم من كشف أو إباحة أسرار العائلة التي تبين كره الأهل للرئيس ويشرحون لأطفالهم عظم الكارثة لو تفوّه الأبناء بذلك فالذي يقال في البيت لا يخرج الى الشارع، حتى صار الأطفال يتعلمون السلوك المزدوج وممارسة الإزدواجية الواعية وهم في عمر الورود!                                                                                                                        الإزدواج الواعي المزمن في الشخصية عند الأطفال وعمليات مسح الدماغ المتناقضة في الإتجاه والهدف التي يلمسها الأطفال في محيطهم خصوصا المدرسة والبيت، كفيل بخلق حالة الإزدواج اللاواعي في الشخصية عندهم والذي تظهر علاماته  في وقت المراهقة والشباب.                                                                             الأسباب التي تحفز نشوء الإزدواج الواعي في الشخصية عند البالغين كثيرة ومنها : الخوف من السلطة، التزلف والتملق من أجل تحقيق المصالح الشخصية ، الشعور بالنقص،  الفقر، الحرمان ، الجهل ، الحروب ، طبيعة التربية الإجتماعية، الإضطهاد وسوء تصرف السلطة.                                                                                             في زمن الإحتلال الأمريكي للعراق ربما تطور إزدواج الشخصية الإجتماعية لينتقل من نوع الى آخر في ظل متناقضات الواقع السياسية، فربما أنتقل من صنف الإزدواجية الواعية الى صنف الإزدواجية غير الواعية. أي أن تناقض القيم والمبادىء والأعراف التي عايشها ويعيشها الشاب العراقي في العهدين المتناقضين (عهد صدام وعهد الإحتلال) كفيل بزرع بذور الإزدواجية الإجتماعية غير الواعية.  تناقض هذه القيم يجعلهم يسلكون سلوكين إجتماعيين متباينين وحسب الضرورة وبشكل تلقائي غير محسوس.                                                          التناقض الحاد في المفاهيم السياسية بين نظام صدام حسين والنظام الحالي والإنتقال السريع والمفاجىء بين تلك المفاهيم، كفيل أن يخلق إرباكات نفسية وإجتماعية قد تؤدي الى إرساء ركائز الإزدواجية خصوصا عند المراهقين والشباب. أمثلة التناقض والتباين في هذه المفاهيم كثيرة ومتشعبة ، فمن بينها أن تربى العراقيون لعقود  على مبدأ التوجس والكره إزاء الأمريكيين وسياساتهم  واليوم يتعايشون معهم في شارع واحد ويشعرون جيّدا بأن هؤلاء يملكون زمام أمورهم.                                                                    حينما سقط الرئيس، تنفس العراقيون الصعداء وساحوا  بأفكارهم وآمالهم رغم صعوبة الموقف وحساسية الحدث. المحتل هو الذي حررهم  من الدكتاتور!  وهذه البقعة السوداء في تأريخ العراق والعراقيين قد زادت من حدّة إضطراب السلوك وإزدواج الشخصية.  العراقي الذي عاش جلّ عمره لا يسمع إلاّ اللعنة على  الأمريكيين وسياساتهم في المذياع وفي التلفاز وفي الجريدة وفي الشارع وفي العمل وفي البيت، تراه اليوم في حالة تعايش مفروض ومحبة مصطنعة مع عدوه اللدود في يوم أمس! كان العراقي يخشى التحدث الى الأجنبي كي لا يتهم بالجاسوسية واليوم من لا يحابي الأجنبي يعتبر مشبوها في الساحة السياسية!  على العراقي أن يطوي صفحة "المبادىء الثورية" ومعاداة الإستعمار ويفتح صفحة العمالة الشرعية ومحاباة المحتل. هذا الإنتقال الحاد في الثقافة السياسية بحد ذاته يعد إرباكا للشخصية ومشجعا على إزدواجيتها.                                                                                                                  أمثلة أخرى نذكرها للقارىء تبين التناقض في الأعراف والقيم بين العهدين نذكر منها:  أن شبابنا في العهد السابق يدرك بأن الذي يدخل المساجد يخشى على نفسه من المراقبة والملاحقة والإضطهاد، بينما اليوم تحصل الزيارات المليونية لأضرحة الأئمة في العراق دون مراقب أو منازع. كان إعتناق الإسلام السياسي يعني الموت والهلاك لمن يعتنقه، فالذي تريد أن تخيفه وترعبه أو ترمي به الى التهلكة إلصق به تهمة الإنتماء الى حزب إسلامي، بينما اليوم الأحزاب الإسلامية بيدها الحل والعقد .  كانت شفاعة العراقي في حصوله على مقعد دراسي أو مركز مرموق في مؤسسات الدولة هي أن يكون بعثيا ويزكى من قبل الرفاق.  اليوم مبادىء التزكية مقلوبة رأسا على عقب فالمزكى هو من ينتمي الى الأحزاب الإسلامية المحضورة سابقا. كل هذه التناقضات تخلف دون شك آثار  بصماتها على نفسية العراقيين وسلوكهم، وخاصة الشباب منهم .                                                                                                           تناقض القيم والمبادىء في المجتمع العراقي المعاصر كفيل بأن يولد ظاهرة الإزدواج غير الواعي في الشخصية عند الكثير من الناس ولكن الشباب أكثر عرضة للإصابة بهذه العلّة الإجتماعية من غيرهم، بسبب سهولة خزن رواسب القيم الإجتماعية المتناقضة في منطقة اللاشعورعندهم. التناقض في طبيعة القيم  والأعراف الإجتماعية المخزونة عند الشباب يولد حتما تناقضا سلوكيا لا شعوريا  يعتمد في شدته وملامحه على طبيعة التناقض القيمي في المجتمع ودرجة تباينه.                                                                                             التخلص من ظاهرة الإزدواج غير الواعي في الشخصية في مجتمع ما مسألة معقدة وغير سهلة، إذ أن هذا النوع من الإزدواجية متأصل  داخل منطقة اللاشعور عند الأفراد ويعتبر مكونا ذاتيا لشخصياتهم. على عكس الإزدواج الواعي في الشخصية، حيث يمكن معالجة هذا السلوك بمعرفة السبب وإزالة آثاره. رغم كل هذا وذاك فالعلل الإجتماعية عند الشباب العراقي تتطلب الكثير من التمحص والبحث من قبل المهتمين في علم الإجتماع والباحثين في علم النفس. عليهم ألاّ يتغاضوا ويسدلوا ستار النسيان عن هذه الأمراض الإجتماعية كي لا تتطور وتحصل المضاعفات. دون متابعة الحالة  ومراقبتها ستتطور هذه الأمراض السلوكية من إطار محدود لبعض الأفراد في المجتمع الى السواد الأعظم من المجتمع فتصبح  نهج وسليقة لكل المجتمع. على الباحثين الإجتماعيين أن ينبهوا وينصحوا ولا يهملوا أمراض المجتمع كما أهمل الأطباء والباحثون في الطب الأمراض العضال التي تنهش في اجساد العراقيين!.                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                              

اوباما والإرث الثقيل

أوباما والإرث الثقيل                                                                                       

 د.محمد مسلم الحسيني                                                                                                     بروكسل                                                                                                                 فاز المرشح الديمقراطي في الإنتخابات الأمريكية باراك أوباما على نظيره الجمهوري جون ماكين وهي سابقة إنتخابية لم يشهد لها تأريخ أمريكا الإنتخابي مثيلا من قبل، حيث يصبح ولأول مرة من له جذور أفريقية وإسلامية على رأس السلطة في أكبر إمبراطورية في العالم !. رغم هذا الحدث الإستثنائي المميّز ورغم كل ما قيل عن صفات الرئيس الأمريكي الجديد من حدة ذكاء وقوة شخصية وكارزماتية وحيويه متوقدة، فأنه لا يخفى على المحلل السياسي أن هذا الرئيس سوف يكون أمام محن كبرى معقدة يصعب حلّها والتعامل معها. سيستلم أوباما مفاتيح الحكم من سلفه جورج دبليو بوش ومعها ملفاته المحروقة  التي يصعب معالجتها والنظر فيها.                                                                                                                               هذه الملفات الصعبة تنطوي على مشاكل سياسية وعسكرية ومالية وإقتصادية كبرى، من أهمها ،وخصوصا تلك التي تهم عالمنا العربي والإسلامي، هو ملف "الحرب على الإرهاب"، ملف "الدول المارقة"، مشروع الشرق الأوسط الكبير، وملف الصراع العربي- الإسرائيلي المجمّد، إضافة الى ملف الأزمة المالية والإقتصادية العالمية، وغيرها من الأمور والقضايا التي تهم الشعب الأمريكي بالدرجة الأولى والتي لا يسمح المكان بسردها. البحث في هذه الملفات يتطلب عدة مقالات ولكنني سأقتصر في مقالي هذا على تناول الملف الساخن المتعلق بملف الحرب على الإرهاب والذي تنظوي تحت عنوانه كل من الحرب في إفغانستان والعراق والملف النووي الإيراني.                                                                                            لقد وعد الرئيس الأمريكي المنتخب باراك أوباما شعبه إبان حملته الإنتخابية بأنه سيسحب قواته من العراق وبالسرعة الممكنة ويعزز فيها القوات الأمريكية المتواجدة في أفغانستان، أي أنه سيركز على المحطة الكبرى للإرهاب من أجل حسم الموقف وإعلان النصر النهائي بدلا من تشتيت قواته هنا وهناك فيكون كما يقول الحديث الشريف "إن المنبّت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى".  علما بأن أوباما لم يكن في يوم من الأيام متحمسا لإجتياح العراق بل كان دائما مع فكرة التركيز على مواقع الخطر الرئيسية وعدم زج القوات الأمريكية في متاهات لا تعرف عقباها.                                                                                 رغم وعود أوباما بالإنسحاب من العراق إلاّ أن المحلل السياسي الحذر يتساءل كثيرا مع نفسه عن مصداقية هذا الإنسحاب مما له من آثار وخيمة على المصالح الأمريكية ليس في العراق فحسب وإنما في المنطقة بأسرها. إنسحاب القوات الأمريكية بشكل حقيقي من العراق وبسرعة يعني حصول أمور لاتروق للأمريكيين جملة وتفصيلا. ففي اليوم الأول من إنسحاب القوات الأمريكية من العراق سينهار الهرم الثلجي الذي صنعته أمريكا في العراق تحت تأثير النار المستعرة في نفوس المعارضين للسياسات الأمريكية. ستسيطر المعارضة  العراقية على دفة الحكم وينهار مشروع الديمقراطية  الممسوك من قبل الأمريكان، أو ستحصل نزاعات داخلية تفتت النسيج العراقي  وربما تؤدي الى حرب أهلية تجعل جيران العراق على أهبة الإستعداد للتدخل المباشر وغير المباشر في الشأن العراقي.                                                     إن كان تعداد القوات الأمريكية في الوقت الحالي لا يزيد عن 150 ألف جندي فإن تعداد القوات الإيرانية المتواجدة على التراب العراقي يزيد كثيرا على ضعف هذا العدد! وإن كانت القوات الأمريكية مرئية ومحسوسة فالقوات الإيرانية غير مرئية وربما غير محسوسة .  هنا يتساءل المحلل السياسي : هل ستترك أمريكا زمام أمور العراق للإيرانيين بعد أن فقدت الأموال والأنفس في حرب إستنزاف دامت أكثر من خمس سنوات!؟...هل ستعطي أمريكا العراق هدية سخية للذين تخشى سطوتهم وتحسب لهم ألف حساب؟ هل توافق أمريكا على إعطاء إيران قوة إقتصادية إضافية بضم آبار نفط جنوب العراق لها  وإعطائها عمقا عسكريا ستراتيجيا واسعا بضم الجنوب العراقي لها طوعا أو كرها !؟ هل توافق أمريكا أن يكون جنوب العراق بيد متشددين  موالين لإيران قد يشكلون تهديدا مباشرا او غير مباشر لمصالحها الستراتيجية في الخليج !؟ وهل سيروق لها أن تسلّم زمام الأمور في مناطق كثيرة من وسط  وغرب العراق الى  قوات من القاعدة أو ما يشابهها؟. كل هذه الأسئلة يجب ان يجيب عليها كل من يؤمن بالإنسحاب الأمريكي الكامل والسريع من العراق وبالطريقة "الأوباميّة".                                                                                                                             إذن من الصعوبة بمكان أن يصدق المرء النية الأمريكية في ظل حكم أوباما في إنسحاب حقيقي وسريع من العراق، بل يتوقع المحلل العسكري بأن يقوم أوباما بعملية إعادة إنتشار لقواته العسكرية ، أي أنه سيسحب بعض القوات من العراق ويرحلها صوب إفغانستان من أجل إرجاع كفة الموازنة العسكرية المختلة بسبب تصاعد شدة عمليات طالبان والقاعدة في إفغانستان. إلاّ إنه سيبقي ثقل عسكري أمريكي واضح في الساحة العراقية لمنع حصول مضاعفات أو إرباكات في ميزان القوى هناك. هذا على المستوى المنظور أما على هوامش المدى البعيد فربما يسعى أوباما الى سحب قواته المتواجدة داخل المدن العراقية الى ثكناتها وقواعدها خارج تلك المدن وبهذا سيكسب الفوائد التالية/  أولا: سيجنب قواته الخسائر من جراء عمليات المقاومة العراقية حيث  ستكون في مأمن وهي في جحورها. ثانيا : سوف يستطيع سحب جزءا لا بأس به من هذه القوات والإستفادة منها إمّا في إفغانستان أو في  قواعد أمريكية أخرى أو حتى إرجاعها الى داخل أمريكا إن إقتضى الأمر ذلك. ثالثا:  ستمنع القواعد الأمريكية المتواجدة على التراب العراقي  حصول ما تخشاه الإدارة الأمريكية وهو سيطرة قوى المعارضة العراقية على دفة الحكم أو إعطاء الفرصة الذهبية للإيرانيين في التدخل المباشر في الشأن العراقي. على هذا الأساس فأنه من الضروري أن ينجح أوباما بتمرير الإتفاقية الأمنية مع الحكومة العراقية إن لم توقع في فترة حكم الرئيس المنتهية ولايته جورج بوش، كما عليه أن ينظم الساحة السياسية العراقية بطريقة تسمح له أن يطمئن للوضع  السياسي الداخلي في العراق والذي يجب أن يبقى مواليا الى أمريكا في حالة إنسحاب قواتها بشكل واسع من هذا البلد.                                                                                                                             أما الشأن الإفغاني فسوف لن يكون بأحسن من شأن أخيه، أي أن شعارات أوباما بالتركيز على محور الحرب في أفغانستان سيعجل من النصر ويكسر شوكة الإرهاب هو أيضا موضع تساءل وتمحيص، وربما هي آمال يصعب تحقيقها ولكن " ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل "! أمريكا فشلت في تحقيق النصر المأمول وهي تحارب منذ ما يزيد عن ست سنوات في إفغانستان ، بل أنها في الواقع في حالة تقهقر وتذمر وإنحدار . فقدت الكثير من المال والسلاح والأرواح ولكن من دون طائل! فما هي العصى السحرية التي سيضرب فيها أوباما على الأرض كي تنبسط له الأرض وتصبح ذلولا!؟. سحب بعض القوات من العراق الى أفغانستان سوف لا يعجل من حركة عربة النصر ، خصوصا أن قوات طالبان والقاعدة في حالة نشاط مستمر يقابلها تعب واضح في القوات المقابلة. إستمرار حرب الإستنزاف هذه  صاحبها إستمرار في تذمر الشعبين الإفغاني والباكستاني. لم تستطع أمريكا أن توفي بما وعدت به الشعب الأفغاني من رخاء إقتصادي ورفاهية إجتماعية وتحسين في الأوضاع المعاشية وديمقراطية حقيقية واضحة المعالم، بل بقى هذا الشعب يعيش في حالة حرب طيلة هذه السنوات العجاف التي لم تغيّر حالة الشعب أو تزيد رفاهيته  بل قد زاد الطين بلّة! هذا الواقع المر جعل الشعب الأفغاني يتساءل مع نفسه عن جدوى هذا التغيير وعن مستقبل الحياة في ظل هذه الظروف.                                                                             التذمر الشعبي لم يقتصر على شعب إفغانستان الملامس للخطوط الساخنة فحسب إنما أمتد الى عقر دار الباكستانيين. الباكستانيون غير مرتاحين من وضع هذه الحرب التي على حدودهم بل التي تصل نارها اليهم بين الفينة والأخرى. الطائرات الأمريكية تحوم طول الوقت داخل الأراضي الباكستانية وصواريخها لا تحترم حرمة وسلامة هذه الأراضي  بل كثيرا ما توجهت الى العمق الباكستاني وحصدت الكثير من أرواح الباكستانيين. هذه الحالة المتوترة سوف لن تعود بالخير والمحبة على المدى البعيد بين الباكستانيين والقوات الأمريكية بل أن النيران الداخلية في حالة تزايد مستمر!                                                                                                                            معالجة الملف النووي الإيراني سوف لن يكون أسهل من الملفات السابقة، حيث لا يستطيع أوباما عرض عضلاته الضامرة وإستعراضها من أجل تخويف الإيرانيين. إستعمال القوة بهذه الظروف أمر بعيد التصور لما لذلك من ملابسات ومضاعفات لا تقتصر على الجانب العسكري فحسب وإنما تؤثر تأثيرا كارثيا على أسعار موارد الطاقة وعلى الإقتصاد العالمي المتعب والمتهاوي أصلا.  كما أن الغزل الأمريكي الروسي في السابق  قد تبدل الى تشنج وخصام منذ الحرب الروسية- الجورجية ، وهذا يعني أن لم تقف روسيا الى جانب إيران في أي نزاع محتمل مع الأمريكان فإنها سوف لن تتخذ أي موقف مناوىء.                                            على هذا الأساس لم يبق أمام السيد أوباما إلاّ إستعمال الدبلوماسية الذكية وجعلها منطلق للحوار السياسي السلمي بدلا من حوار صلصلة السلاح الذي أثبتت الأيام بأنه  لا ينفع بل يضر  مصالح الجميع. كما عليه أن يدرك بأن معالجة الأمور الصعبة والمخاطر يجب أن يكون بمعالجة مسبباتها وأن التهور والغطرسة هي ليست من صفات الأذكياء ، فهل ستثبت الأيام صحة وصف المحللين السياسيين له؟.                     

لماذا الحرب على غزة

لماذا الحرب على غزة....!؟                                                                                     

 د.محمد مسلم الحسيني                                                                                                     بروكسل                                                                                                               في الناموس العسكري تندلع الحروب عادة بشعارات معلنة قد لا تنم عن الحقيقة ولا ترتبط مع الواقع  بصلة وقد لا تتطابق مع الأهداف الخفية التي تختبئ وراء تلك الحروب. الأسباب المعلنة  تكون أكثر تأثيرا على نفوس الناس لما لها من وقع عاطفي يضرب على الأوتار الحساسة وعلى مشاعر الذين يهمهم الأمر. الهجوم العسكري الإسرائيلي على قطاع غزة الأعزل كان بذريعة إطلاق بعض الصواريخ غير المؤثرة على الإسرائيليين من قبل حركة حماس، هذه الصواريخ لم تكن لترمى على إسرائيل لولا الحصار الخانق الذي تعرض له سكان غزة . فهي  تعبير دامغ على مدى المعاناة والضيق الذي يتعرض له شعب غزة بسبب عزلته وإنقطاعه عن العالم وفقدانه أدنى مقومات الحياة الطبيعية. فرضت إسرائيل هذا الحصار على فلسطينيي غزة وطلبت منهم أن يلتزموا بالهدوء والهدنة حتى حق قول الشاعر الذي قال :     ألقاه في اليم مكتوفا وقال له        إيّاك إيّاك أن تبتلّ بالماء                                                              كان الإسرائيليون ينتظرون ردة الفعل الفلسطينية في غزة كي يعلنوا عن مشروعهم الذي حضروا له منذ حين. فوجود كيان يتبرقع بوشاح إسلامي وينظر برؤى متطرفة على حدوده أمر مرفوض جملة وتفصيلا وإزالته من الواقع والوجود هو بديهية مسلّم بها ولا تثير العجب والإستغراب عند المراقبين. ليس فقط إسرائيل ترفض الكيانات الإسلامية السياسية على حدودها إنما ترفضها الحكومات العربية أيضا بل ترفضها دول العالم بأسره، وبقاء الحكم في غزة بيد حركة حماس ما هو إلاّ حالة طارئة تزول بمرور الزمن ومهما طالت هذه الحالة فعمرها قصير!.                                                                                             عزى الكثيرون من المحللين السياسيين هذا الهجوم على غزة لأسباب إنتخابية، حيث يسعى حزب العمل وحزب كاديما الى جر البساط من تحت أقدام حزب الليكود اليميني المتطرف الذي ينتظر أن يظهر نفسه بأنه اللاعب الوحيد في الساحة الإنتخابية الذي يستطيع أن يسدد أهدافه الى قلب المرمى ويعطي إشارة للناخب الإسرائيلي بأنه لن يتقاعس عن إزالة الأخطار المحيقة بإسرائيل ومهما كلّف الثمن. هذا التفسير قد يكون صحيحا من حيث التوقيت ولكن ليس من حيث الجوهر، أي أن فكرة الحرب على غزة والقضاء على حركة حماس أو شلها على أقل تقدير هي أمر ستراتيجي لا مناص منه ومناط بعاتق أي سلطة إسرائيلية في ناصية الحكم، فهي ليست خيار وإنما فرض وواجب يقوم به كل من يستلم زمام الحكم في إسرائيل ومهما كانت شعاراته. دون شك قد إختار الإسرائيليون التوقيت لهذه الحرب ضمن أجندة إنتخابية من أجل كسب عواطف الناخب الإسرائيلي الذي سينتخب من أعطوه نشوة النصر الذي تعذر في حرب إسرائيل مع ميليشيات حزب الله في لبنان.                                                                                                                        سمة العنف الإسرائيلي قد طغت على تفاصيل هذه الحرب مما يشير الى عمق الإستهتار بالقيم الإنسانية والى درجة الإستخفاف بالأعراف الدولية ونواميسها وعلى همجية هذا الكيان وحقده ، بل وعلى عدم توجسه وتخوفه من أي ردة فعل عربية أو إسلامية على أعماله المشينة. هذا الإستهتار لم يأت من اللاشيء بل إستند الى وقائع وحقائق لمسها هذا الكيان وأستفاد منها . من أهمها  تشرذم العرب وتفكك المسلمين من جهة وضمور العقل وغياب الفكر المتنور بالحكمة والفطنة وبعد النظر عند قادة المجتمعات العربية والإسلامية بشكل عام ومن جهة أخرى. لم يكترث الكيان الإسرائيلي بردود الأفعال العربية والإسلامية لأنها مهما كبرت فهي أصغر من أن تأخذ حيزا صغيرا في ساحة جبروته وسطوته.                                                                  الهجوم العسكري الإسرائيلي الشرس على هذا القطاع المعزول هو رسالة موجهة من هذا الكيان الى أهل فلسطين من جهة والى العالمين العربي والإسلامي من جهة أخرى بأن هذا الكيان لا يتوانى من إستخدام القوة بكل أشكالها وأبعادها وشراستها ضد أعدائه إذا ما تعرض وتعرضت مصالحه للخطر وأن من يرشقه بالورد يرشه بالرصاص والنار بل يسحق من عاداه حتى النهاية  طالما توفرت عنده عناصر القوة ومستلزمات التفوق العسكري الكبير. هذا المنطق يعني بوضوح أن من يريد نزال هذا الكيان وتحديه عليه أن يمتلك القوة الكافية والقدرة اللازمة لهذا النزال وألاّ يقبل الخسارة التي تفوق الربح بمئات المرات وألاّ يعتمد على رحمة الآخرين وعطفهم لأن في مثل هذا اليوم يندر من يرحم ، والذي ينازل يجب أن يكون أهلا للنزال ويعتمد على نفسه أكثر مما يعتمد على مساعدة الآخرين له وعطفهم عليه .                                                                                    الصمت العربي والإسلامي على هذه الجرائم صار أمرا معلوما وبديهية يدركها الجميع مهما كبر المأزق وأشتد الألم.  هذا الصمت هو تعبير مطلق عن تقوقع المجتمعات حول نفسها وإنشغالها في مشكلاتها الداخلية التي تميزت بصراع الذات مع الذات وتراشق النفس مع النفس لأسباب مصطنعة ومبرمجة من قبل جهات أجنبية تستغل التخبط الفكري والإجتماعي والسياسي الذي يسود في مجتمعاتنا. نزاعاتنا الذاتية المكسوة بقشرات أثنية وفئوية وطائفية ودينية هي دلالات دامغة على عمق التخلف والإنحدار في أفكارنا وسلوكياتنا. النزاعات والتشرذم لم يترك بابا من أبوابنا إلاّ وطرقها ، حتى الفلسطينيون الذين هم  في خط المواجهة مع عدو مشترك إنقسموا على أنفسهم وتشرذموا  حتى أصبح أحدهم يتشفى في مصيبة الآخر ويرمي اللوم عليه وهو في قلب المصيبة مما سهّل عملية الإنقضاض عليه.                                                                                                         غياب عنصر القوة عند العرب كان سببا محسوسا وهاما في التعنت الإسرائيلي وعدم الإكتراث. علاج إسرائيل هو القوة ، لأن هذا الكيان لايفهم غير هذا المنطق ولا يهاب غير هذا السلاح. لكن من أين نأتي بهذه القوة لمجتمع منقسم على نفسه أصلا!  الإتحاد هو أولى إمارات القوة  والعقل والحكمة وبعد النظر هي من لوازم الإتحاد ولوازم الإتحاد لا تتوفر إلاّ عند حكماء الأمة ورواد فكرها...لكن من يتولى شؤوننا الستراتيجية لا يرتشد بنصائح الحكماء ولا يهتدي بإشارات العارفين ولا يتنور برؤى أهل الكفاءة والقدرة. من يبحث عن أسباب القوة عليه أن يجعل المرء المناسب في المكان المناسب وأن يطبق حكمة أفلاطون القائلة : لا يمكن أن نصلح أحوال الدولة ، مالم يحكمنا الفلاسفة أو يتفلسف فينا الحكام... لكن مع شديد الأسف ليس في أوطاننا مكانا للفلاسفة ولا حكامنا أهلا للتفلسف!                                                              أكثر ما يحتاج اليه العالم العربي والإسلامي هو العقل المدبر والستراتيجية الحكيمة كي يخرج هذا العالم من الوحل الذي هو طامس فيه... نحن بحاجة الى المفكرين الذين يستطيعون بناء القوة بقوة أفكارهم وبعمق رؤاهم ... كفانا ضياع وبعثرة وتخبط وتطرف وتفكك. لقد آن الأوان الى الفكر العربي أن يستيقض من سباته الطويل، فأما الفكر وأما الموت ، ومن لم يفكر في هذا العالم فإنه ميت حتى وأن بقى جسده حيّا. الفكر والعقل والتدبر هم نواة بناء الأمة ، فالأمة لا يمكن أن تبني نفسها على أسس ومثابات واهية مستندة على عناصر التخلف والأنانية وضيق الأفق.                                                                                     الصمت العالمي أمام أعمال إسرائيل المشينة ضد الأنسانية أصبح سجية من سجايا المجتمع الدولي، وإنتقاد الإسرائليين على بشاعة أعمالهم صار خطا أحمرا لا يتجاوزه أحد. فرغم معرفة العالم وخصوصا دول الغرب بأن أعمال الإضطهاد والظلم التي تمارسها إسرائيل ضد الشعب الفلسطيني وعلى طول الخط هي أساس هام لحصول ظواهر إجتماعية وسياسية مرضية تؤثر على أمن العالم وإستقراره ومن بين هذه الظواهر المرضية هو ظاهرة "الإرهاب" فإن هذا العالم لم ينتبه جيدا على أساليب معالجة أسباب هذا المرض الذي إستشرى وعانت منه ولا تزال تعاني  أكثرية شعوب العالم. لقد بثت وسائل الدعاية الغربية كل ما في جعبتها من أخبار وتفاصيل عن الإرهاب الذي يتبناه أفراد أو مجاميع دونما تقدم في المقابل نفس الزخم الإعلامي حول إرهاب الدولة الذي مارسته وتمارسه إسرائيل ضد الفلسطينيين العزل. هذا التصعيد الإعلامي حول هذه الظاهرة قد أجج نار الحقد والكراهية في نفوس الشعوب نحو العرب والمسلمين مما جعلهم يتغاضون عن إرهاب الدولة الذي تمارسه إسرائيل ضد الشعب الفلسطيني، حتى أصبح العالم لا يرى ولا يسمع ولا يحس بالإرهاب الذي تقوده إسرائيل بل تثور ثائرته أمام إرهاب الأفراد الذين أصبحوا يؤذون أنفسهم أكثر مما يؤذون الأعداء. وهذا ما شجع إسرائيل الى أن تمضي قدما في تمرير مشروعها وتحقيق أهدافها بإستخدام القسوة والعنف دون أن تخاف أحدا .                                                             مأساة فلسطين هي مأساة العالم، كل فرد من أفراد العالم يعاني بشكل مباشر أو غير مباشر من المأساة الفلسطينية دون أن يشعر. العالم يتغاضى عن ملاحظة المشهد ويتجنب الغور في خضم الحقيقة ويتناسى جذور وأسباب المصيبة. تعثر الأمن والأمان والإستقرار عند شعوب العالم....شعور بعض شعوب العالم وخصوصا شعوبنا العربية والمسلمة بالإحباط والقنوط بسبب الظلم والتعسف وضياع القسط والإنصاف مما يدفع الى نشوء حركات سياسية متطرفة قد تسيء لقضايا شعوبهم ولشعوب العالم أكثر مما تنفع.... الكساد الإقتصادي الذي يضرب بلدان العالم والهزات المالية التي أقضت مضاجع المؤسسات المالية والبنوك العالمية.... التشنج الديني والطائفي الذي يدغدغ أعماق الكثيرين من أبناء المعمورة مما أدى الى الخوف والريبة والتنائي بين البشر وبين الحضارات....كل هذه الأمور لها جذور وأصول في فلسطين وبشكل أو بآخر. فأن قال الناس في مضرب الأمثال : "كل الطرق تؤدي الى روما"  فربما يصلح القول هنا : بأن مصائب العالم تخرج من أرض فلسطين!. ربما بدأ العالم  ينتبه الى هذه الحقيقة ويرى ضرورة إيجاد الحلول المناسبة والعادلة والدائمة لها كي تستقر البشرية وتنعم في حياتها. هذه الحقيقة قد بدأت تدركها إسرائيل وتدرك بأن عليها ان تتحرك بما تمليه الظروف الخارجية حفاظا على مصالحها الستراتيجية وعلى مصالح الآخرين وما عليها إلاّ أن تعطي بعض التنازلات للمعتدلين الفلسطينيين بعد تنظيف الساحة من المتشددين .                                                                                                                                                                                                                             العالم في خضم التناقضات لابد له أن يتغير وهذا التغيير قد بدت بوادره ملموسة الى حد ما من خلال الأحداث والمستجدات التي تجلت في الإنتخابات الأمريكية الأخيرة التي أظهرت تذمر الشعوب الأمريكية من سياسات قادتها ورغبتها الحقيقية في الثورة وفي التجديد. تحركات الرئيس الفرنسي ساركوزي السرية والمعلنة في إطار إيجاد حل جوهري للقضية الفلسطينية وضمن عمل أوربي مشترك هو أيضا بداية محسوسة لحاجة أوربا الى شرق أوسط مستقر وهادىء. كما أن الأوضاع  السياسية غير المستقرة في عالمنا العربي والإسلامي والتورط الأمريكي في حروبه في كل من إفغانستان والعراق والتشنج الأمريكي الروسي جراء الحرب الروسية الجورجية والملف النووي الإيراني وإنبثاق حركات مقاومة عسكرية عربية موجهة ضد إسرائيل وأمريكا في المنطقة وغيرها من الأمور المعقدة والشائكة  تتطلب وبشكل ملح مراجعة جدية ومعالجة حاسمة للمشكلات الأصلية ومن جذورها ، وهل ينكر أحد ماهية هذه الجذور!؟.                                                                                                                                     هذا التوجه العالمي نحو ضرورة إستقرار المنطقة لا يعني بأي حال من الأحوال إجبار إسرائيل على قبول مالاترضاه .فلإسرائيل أيضا أجندتها وخطوطها الحمراء التي لاتسمح بأن يتجاوزها أحد مهما كانت مبرراته. هذه حقيقة تدركها أوربا وتعرفها جيدا ولا تريد أن تتفاوض مع اسرائيل بأمور محسومة أصلا، فأوربا لا تستطيع عمل المستحيل ،إنما ستعمل دور الوسيط والملطف والمحضر لمشاريع قبلت بها إسرائيل من حيث المبدأ. كما عليها أيضا أن تتقبل شراسة سبل إسرائيل التحضيرية لأي مشروع قيد المناقشة أو التنفيذ ، وربما مرحلة  إنهاء حركة حماس وإزالتها عن خارطة الوجود هي بداية المطاف ....  

القضاء على حماس هدف اسرائيلي لم يتحقق

 القضاء على" حماس" هدف إسرائيلي لم يتحقق... !                                                                                           د.محمد مسلم الحسيني                                                                                         بروكسل                                                                                          رغم إدعاء الإسرائيليين بأن هجومهم على غزة هو ردة فعل على إطلاق حركة حماس للصواريخ على أراضيها، ورغم ذهاب بعض المحللين السياسيين الى أن لهذا الهجوم أغراض وأهداف إنتخابية ، إلاّ أن المتابع للأحداث يجد الأمور خلاف ذلك. فكما هو ديدن الحروب في رفع شعارات مضللة وإعلان أسباب غير حقيقية لها خاصية التأثير على عواطف الناس وعقولهم فأن الإسرائيليين قد أعلنوا خلافا لما أخفوا عن الأسباب الحقيقية التي تقف وراء هذه الحرب القاسية التي شنوها على هذا القطاع الأعزل.                    لا يمكن للمحلل السياسي أن يقتنع بأن تقوم إسرائيل بحرب خطيرة كهذه لمجرد دوافع إنتخابية، بل أن هذه الحرب هي هدف ستراتيجي رسمته إسرائيل وأعدت له منذ زمن ليس بالقصير. ربما توقيت هذا الهجوم كان بأجندة إنتخابية ، حيث يستعد الإسرائيليون للتوجه الى صناديق الإقتراع في العاشر من شهر شباط(فبراير) القادم، فتفاءلت الأحزاب الإسرائيلية الحاكمة التي تريد أن تقدم رأس "حماس" هدية الى الناخب الإسرائيلي الذي سيدلي بصوته لهم وهو في نشوة الإنتصار بعدما ذاق ألم الإخفاق  إبان الحرب في جنوب لبنان!. هذا من جانب ومن جانب آخر أراد الإسرائيليون أن يتم هجومهم قبل أن يتولى الرئيس الأمريكي الجديد " باراك أوباما " مقاليد الحكم في أمريكا تجنبا لإحراجه وتحسبا لردود أفعاله...                                                                                                              السبب الرئيس وراء هذه الحرب هو دون شك  التخلص النهائي من حركة حماس التي تتربع على ناصية الحكم في هذا القطاع. وجود كيان إسلامي ذو رؤى" متطرفة" على حدود إسرائيل هو ظاهرة غريبة وغير مقبولة لدى الإسرائيليين وخط أحمر لا تقبل به إسرائيل ولا تصبر على مضاعفاته. بقاء قطاع غزة بيد أطراف "متطرفة" في نظرتها وستراتيجيتها أمر لا يتحمله هذا الكيان ويتناقض تماما مع مصالحه العامة ومع مستقبله وصيرورته. إستخدم الكيان الإسرائيلي كافة السبل والأساليب من أجل إضعاف سلطة حماس وشلها وعلى مدى عام ونصف، حيث كان الحصار الشديد الذي فرضته إسرائيل على هذا القطاع ومن كل الإتجاهات كفيلا بإسقاط حماس وجعل الناس تتذمر منها. إلاّ انه "تجري الرياح بما لا تشتهي السفن"! فقد فشلت تلك الإجراءات في إتيان أوكلها ولم يبق أمام الإسرائيليين إلاّ حسم الموقف عسكريا ومحاولة إزالة هذا الكيان الإسلامي من جذوره عن طريق إعلان حرب شرسة غير متكافئة بين الأطراف من حيث العدة والتحضير وكثافة النيران وعدم التردد في إستخدام كافة الوسائل التي تخالف الأخلاق والإنسانية والنظم الدولية.                                                                                                                                                                                                                               بقاء حركة حماس على رأس السلطة في قطاع غزة هو حجر عثرة ليس فقط أمام إسرائيل فحسب ، إنما هو عائق يصعب تجاوزه أمام كل من يريد أن يعود الى طاولة المفاوضات مع إسرائيل سواء كان ذلك على صعيد الأطراف السياسية الفلسطينية أو حكومات "دول الإعتدال" العربية أو حتى الدول الغربية التي تسعى لإعادة عملية السلام الى مسارها المغلق. اللقاءات المتعاقبة بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل والمساعي التي تتبناها "دول الإعتدال" العربية والمفاوضات السورية الإسرائيلية تحت المظلة التركية والتحرك الأوربي في إعادة الروح لعملية السلام والمساعي السرية والعلنية التي يقودها الرئيس الفرنسي ساركوزي بهذا الإتجاه،وتصريحات الرئيس الأمريكي المنتخب باراك أوباما بشأن قضايا الشرق الأوسط ، كلّها تشير الى وجود مشروع  لتحريك عملية السلام المقعدة منذ زمن طويل!                                     رغم أن المستفيد الأول من أي عملية سلام بين العرب وإسرائيل هم الإسرائيليون أنفسهم إلاّ أن إسرائيل هي دائما آخر من يقنع ويقتنع وآخر من يوافق، فمع شدة الضغوط الداخلية والخارجية التي تتعرض لها  من أجل إقامة السلام فإنها لا تخطو الى الأمام إلاّ من خلال أجندة خاصة وتحضيرات تحت العناية المركزة. مشروع السلام الذي تحضر إسرائيل نفسها من أجله يتطلب منها تعبيد مسارها وجعله خالي من الموانع والمطبات، وربما إزالة حركة حماس أو أي سلطة تتبرقع بوشاح إسلامي متطرف  من أمامها هو أولى الخطوات التي تخطوها قبل الدخول في ساحة المفاوضات الموعودة.                                                                                                                                                                        حل القضية الفلسطينية وإحتواء النزاع العربي - الإسرائيلي قد أصبح ضرورة عالمية لا تقتصر في حدودها على شعب فلسطين أو الشعب العربي والإسلامي فحسب بل تشمل معظم شعوب العالم. أصبح الغرب يدرك أهمية السلم في الشرق الأوسط وبدأ يفهم المخاطر والإنعكاسات السلبية التي عانى منها بشكل مباشر أو غير مباشر جراء هذا الصراع الطويل. إنتفض الأمريكيون على أنفسهم حينما أنتخبوا باراك أوباما ، فكانت رسالتهم للعالم واضحة وملفتة للنظر، كانوا يريدون أن يقولوا كفانا إستهتارا أيها السياسيون إنتبهوا الى  أنفسكم وقودونا الى برّ الأمان!. فالحرب على إفغانستان والعراق لم تحسم بعد رغم فداحة الخسائر البشرية والمادية ، حيث دخل الأمريكيون في مأزق لا يعرفون كيفية الخروج منه. هذا المأزق جذوره تمتد الى أرض فلسطين فلولا الكراهية المتراكمة في نفوس العرب والمسلمين بسبب المواقف الأمريكية المساندة لإسرائيل لما أصبح العراق وإفغانستان ساحتان لتصفية الحسابات القديمة المتراكمة.                                                                                                                         كما هي حاجة أمريكا للسلام بين العرب وإسرائيل فأن الأوربيين هم  بحاجة أيضا لهذا السلام ، فقد تأثرت أوربا كما تأثرت سائر دول العالم بالوضع المتفجر في الشرق الأوسط. عدم الشعور بالأمان والتوجس والخيفة من ظاهرة "الإرهاب" ، بروز حركات عنصرية ودينية متطرفة في بلدانهم  تعمل على زيادة عمق الهوة بين الأديان والحضارات وهذا ما ينذر بإحتدام الصراع بين  الشرائح المتباينة في مجتمعاتهم ، المصالح الإقتصادية والمالية التي يمكن أن تتأثر  بسبب حالة عدم الإستقرار  أو في حال نشوب نزاع عسكري بين الأطراف في منطقة الشرق الأوسط . كل هذه الأمور وغيرها يمكن أن  تؤثر على المكاسب والفوائد الأوربية التي تحتم على أوربا أن ترى منطقة شرق أوسطية  يعمها الأمن والإستقرار والسلام.                                                                                     أكثر مشكلات العالم تؤثر وتتأثر في الوضع الفلسطيني، فقد تمتد جذور المشكلات العالمية هذه الى أرض فلسطين بشكل مباشر أو غير مباشر. بروز حركات تحررية في مختلف دول العالم تحمل لواء العداء لأمريكا وإسرائيل خصوصا في جنوب لبنان وفي العراق وأفغانستان وباكستان وغيرها ، تطوير السلاح الإيراني وملفات إيران النووية التي تبقى تشكل تهديدا لسلام إسرائيل،  الأزمة المالية والإقتصادية العالمية التي ضربت دول العالم والتي لعبت فيها الخسائر المادية المزمنة من جراء الحروب دورا لا يمكن غض النظر عنه، إرتفاع أسعار مصادر الطاقة، التخوف العالمي من ظاهرة " الإرهاب ".... كل هذه الأمور وغيرها الكثير توحي بأن منطقة شرق أوسط مستقرة وهادئة أصبحت هدفا ستراتيجيا غربيا وعالميا. حتى التشنج الروسي- الأمريكي والخلاف الروسي - الأوربي  جراء الحرب الروسية-الجورجية إذا ما تطور قد تصاحبه إنعكاسات واضحة على منطقة الشرق الأوسط مما سيوحي برجوع العالم الى دائرة الإستقطابات الدولية !. فإن عمّ الهدوء والإستقرار في هذه المنطقة فسينعكس ذلك على مناطق ملتهبة أخرى من العالم مما يقلص  حجم المشكلات والأزمات المختلفة التي يتعرض لها الغرب والعالم على وجه العموم.  كل هذه الأمور توحي  بأن عملية السلام في الشرق الأوسط  ضرورة عالمية لا مناص منها ولا يستقر العالم بدونها .                                                                                                                 بعد فشل إسرائيل في القضاء على "حركة حماس" وبعد تلطخ أيديها بدماء الأبرياء والعزل وظهورها أمام العالم كدولة مارقة مستهترة ومريضة،  فما عليها إلاّ أن تدرك بأن عالم  اليوم قد تغيّر والإنسان قد تطور والساعة قد حانت ويوم الحساب قادم لا محالة!  فإن صمت السياسيون الغربيون  على الظلم والرذيلة عقودا من الزمن فإنهم هذا اليوم لن يصمتوا خوفا وتوجسا من شعوبهم التي لا ترضى بشريعة الغاب أن تطغي وتسود في عالم الأخلاق والإنسانية...                                                                                                                  

اوربا من القيادة القوية الى القيادة الفتية في ظل الظروف الصعبة

أوربا من القيادة القوية الى القيادة الفتية في ظل الظروف الصعبة...                                                                                       

 د. محمد مسلم الحسيني                                                                                                       بروكسل                                                                                                                 إنتهت قيادة الفرنسيين للإتحاد الأوربي في نهاية شهر كانون أول (ديسمبر) الماضي واستلمت جمهورية التشيك هذه القيادة وأصبح رئيس وزرائها السيد (ميريك توبولانيك ) رئيسا لدول الإتحاد الأوربي لفترة ستة شهور تبدأ من الأول من شهر كانون ثاني(يناير ) الجاري وحتى نهاية شهر حزيران(يونيو) القادم. لقد أدرك الكثير من المحللين والمراقبين السياسيين وجود مفارقة كبيرة بين القيادتين حيث تنتقل القيادة من بلد أوربي غربي كبير، له وزنه وثقله السياسي والستراتيجي والتأريخي في أوربا وفي العالم وله جذوره الممتدة في الديمقراطية وحقوق الإنسان وكونه من المؤسسين الأوائل للإتحاد الأوربي،  الى بلد صغير من دول أوربا الشرقية التي كانت منضوية تحت مظلة المعسكر الإشتراكي، جديد على الديمقراطية وحديث الإنتماء الى عضوية دول الإتحاد الأوربي ،قليل الخبرة في المعترك السياسي وسياسيوه في صراع  مع أنفسهم!.                                                                                                                        الرئيس الفرنسي ساركوزي الذي قاد أوربا للفترة الماضية  أبلى بلاءا حسنا في معالجته للأزمات التي مرت بها أوربا إبتداءا من إرتفاع  أسعار الطاقة الى الـ ( لا) الإيرلندية للدستور الأوربي المنقح ، الى الحرب الروسية الجورجية ثم الخلاف الأوربي الروسي جراء هذه الحرب، حتى الأزمة المالية والإقتصادية التي ضربت أوربا في الأشهر الأخيرة من العام المنصرم. نجاح ساركوزي في التعامل مع هذه الأزمات بحزم وحنكة لا يستطيع أن ينكره أحد، حيث جعل بعض الصحفيين الغربيين يصفونه  بسيّد أوربا  بل وصفه آخرون بسيّد العالم خصوصا بعد أن أفل نجم الرئيس الأمريكي المنتهية ولايته جورج دبليو بوش.                                                                                                                             نجاحات ساركوزي لم تقتصر على الوقوف بحزم أمام الأزمات فحسب بل إمتدت الى جوانب وتفاصيل أخرى، فقد نجح في إرساء أسس ما يسمى بـ (إتحاد من أجل المتوسط) وهو مشروع شراكة بين دول شمال حوض المتوسط وجنوبه. كما نجح أيضا في التوصل الى معادلة وموازنة بين متطلبات الطبيعة (المناخ والبيئة) ومتطلبات الإقتصاد (إستهلاك الطاقة)، إذ وعد العالم بأنه في عام 2020م ستكون نسبة الإنبعاثات الغازية الناتجة عن الحرق الحراري  في أوربا  20 في المائة أقل من معدلاتها لعام 1990م . هذا الوعد  يعتبر نصر هام للبيئة ولسلامة الأرض من التلوثات الغازية التي أدت الى ظاهرة الإحتباس الحراري، ويعتبر رسالة مفتوحة الى العالم الصناعي فحواها بأن " أوربا قد أعطت شيئا ما للطبيعة فماذا أنتم معطون ؟".                                                                                                                             يشك الكثير من المراقبين السياسيين بوجود نفس الصفات القيادية التي كان يتحلى بها ساركوزي من حيوية ودبلوماسية وحكمة وبعد نظر وتأثير على الآخرين، عند الرئيس الجديد للإتحاد الأوربي. هذا الأمر جعل بعض السياسيين الأوربيين يتساءل حول إمكانية تمديد فترة رئاسة فرنسا لدول الإتحاد لفترة إضافية خصوصا وأن أوربا تمر بمراحل صعبة وأزمات خانقة تستدعي قيادة حكيمة ومتمرسة وديناميكية. إلاّ أن الأوربيين بشكل عام  لا ينظرون الى الخلف وعقارب الساعة عندهم لا ترجع الى الوراء ومهما كلف الثمن! عليهم أن يحترموا دستورهم ولا يفعلوا ما يخالف بنوده التي نصت على وجوب القيادة الدورية لأوربا دون أن  تشير الى مسألة تمديد القيادة في  ظل ظروف طارئة.                                                                                                دون شك القيادة الأوربية  ليست قيادة متفردة في السلطة تعمل وتصنع ما تشاء وحسبما تهوى وتريد.... إنما لها برنامج تلتزم به وتعمل على تحقيقه بالوجه الصائب والصحيح. أوربا أشبه ما تكون بقطار يسير بإتجاه معين وسائقه مكلف في إحترام هذا المسار فلا يستطيع تغيير مساره أو عكس إتجاه حركته... كل ما يستطيع عمله قائد هذا القطار هو أن يريح الركاب أثناء هذه الرحلة أو أن يزعجهم من خلال ميكانيكية قيادته. نفس الأمر ينطبق على القيادة الأوربية التي تلتزم ببرنامج عمل ومهام يجب تحقيقها بالشكل الصحيح والمريح وهنا تبرز خصائص القيادة المتمرسة عن غيرها.                                                أمام القيادة الأوربية الجديدة برنامج عمل وأجندة  يمكن حصرها  بثلاث نقاط رئيسية : توفير الطاقة، مكافحة الفاقة وتطوير العلاقة... على القيادة الجديدة أن توفر الطاقة لدول الإتحاد الأوربي وذلك من خلال إيجاد أسواق متعددة لتزويد الطاقة وعدم حصرها بيد طرف ممول واحد كي لا يتكرر المأزق الذي تعرضت له دول أوربا الشرقية ودول أوربا الوسطى حينما إنقطع عنها الغاز الروسي إبان الأزمة الروسية الأوكرانية في شان تزويد الطاقة. الكثير من هذه الدول كان يعتمد إعتمادا كليّا أو شبه كلّي على الغاز الروسي ، فقد كانت البوسنة وسلوفينيا تعتمد مائة في المائة على هذا الغاز بينما كان إعتماد بلغاريا على 96 في المائة منه. ليس فقط تنويع مصادر تزويد الطاقة يكفي لتجنب الأزمات بل على أوربا أيضا أن تحسن شبكات نقل الطاقة بين بلدانها حتى إذا ما تعرض بلد من بلدانها الى شحة أو نقص في الطاقة تستطيع البلدان المجاورة إسعافه بالشكل السريع والوافي.  إنشاء مراكز جمع وتخزين لمواد الطاقة وإستخدام التكنلوجيا الحديثة في توليد الطاقة النظيفة وإلإقلاع عن مصادر الطاقة الملوثة للطبيعة كالفحم الذي تنبعث عنه غازات كثيرة من شأنها  تلويث الجو كغاز ثاني أوكسيد الكاربون والميثان والنتروز، هي أمور على القيادة الجديدة السعي من اجلها وتحقيق ما يمكن تحقيقه.                                                                                                     على القيادة الجديدة أن تشرع أيضا في إحتواء آثار الأزمة المالية التي تعرضت لها مصارفها ومؤسساتها المالية والتي أدت الى دخول بلدانها في كساد  إقتصادي وأزمة حادة نتيجة لفقدان الثقة عند المستثمرين وأصحاب رؤوس المال. أن تتجه نحو تشجيع الإستثمار وأن تفتح أبواب العمل وتشجع الأيادي العاملة من أجل القضاء على البطالة أو إحتوائها. عليها أن تتفاوض وتتبادل في  وجهات النظر مع الدول الصاعدة إقتصاديا مثل الصين وألا تتدخل بالشؤون الداخلية لهذا البلد خصوصا في الظروف الحالية الصعبة. كما عليها أن ترسي أصول الموازنة بين ما تتطلبه الطبيعة من خفض نسبة الغازات المنبعثة من إحتراق مصادر الطاقة وبين متطلبات الإقتصاد المتعب.                                                                        على القيادة الجديدة أن تضع أوربا في مكانها المرموق بين دول العالم وأن تستلم دول الإتحاد دورها المغيّب في بعض الحالات وتطورعلاقاتها مع سائر الدول خصوصا تلك التي ترتبط معها بمصالح حيوية. عليها أن تحسن التصرف في علاقاتها مع روسيا وأن تتدبر مسألة الشراكة الروسية الأوربية بالشكل الذي يعود بالنتائج الطيبة على الطرفين. أن تضّيق مساحة الخلاف معها وأن تعيد العلاقات الطيبة الى مجاريها كما كانت عليها  قبل الحرب الروسية - الجورجية. فتح صفحة جديدة للتعامل مع الأمريكيين في ظل قيادة باراك أوباما لأمريكا ربما ستكون ضرورية وممكنة لما يتميز به الرئيس الجديد لأمريكا من رؤى وأفكار ربما تتطابق مع رؤى وأفكار الساسة الحكماء في أوربا. وهكذا قد  يحصل تطابق في السياسات العامة بين الأمريكيين والأوربيين إزاء قضايا ساخنة وخطيرة تتماثل أمام العالم، خصوصا إحتواء المأزق المالي والإقتصادي الذي يضرب دول الغرب وسائر بلدان العالم . إضافة الى كيفية التعامل مع الملف النووي الإيراني والتواجد العسكري الأمريكي في العراق وتحريك عملية السلام "النائمة منذ  زمن طويل" في منطقة الشرق الأوسط . كما على أوربا أن تتدارس مع الإدارة الأمريكية الجديدة  سبل مكافحة الإحتباس الحراري والتمحص بمتطلبات الطبيعة، وأخيرا وليس آخرا الموقف إزاء روسيا وكيفية التعامل معها على  ضوء الملفات الشائكة .                                                                                                                             

إذن الحقيبة الأوربية التي يحملها رئيس دول الإتحاد الأوربي الحالي ستكون ممتلئة بالقضايا المعقدة والملفات الصعبة إضافة الى المستجدات والأحداث الساخنة الجديدة التي لم يتوقعها المنظرون وأصحاب الفكر الأوربي حينما رسموا خارطة السياسة الجديدة للرئاسة الجديدة. فقد كان إنقطاع الغاز الروسي  عن دول أوربا أمر مفاجىء لم يكن في الحسبان ولم يدرج ضمن البرنامج الرئاسي ، كذلك كان الهجوم العسكري الإسرائيلي الشرس على قطاع غزة المعزول. فهل ستتفاعل القيادة التشيكية الفتية مع حرارة الأحداث بشكل مشوش وأرعن كما تفاعلت مع  قضية هجوم إسرائيل على غزة  حين أعتبرته دفاعا عن النفس!؟  أم أن العصا الأوربية ستبقى مرفوعة عليها وعلى طول الخط  كي لا تخرج عن مسارها المرسوم لها وأن تتعلم كيف  تتصرف و تتكلم بلسان حال أوربا وليس بلسان حالها !؟.  فإن إعتذرت أوربا مرّة عن خلل طفولي كانت القيادة الفتية قد إرتكبته وتقبل المعنيون إعتذارها فلربما لن يقبل مثل هذا الإعتذار في المرات القادمة.....                                                                                                        

 

مذكرات رئيس فاشل

 مذكرات رئيس فاشل....                                                                                    د. محمد مسلم الحسيني                                                                                                            بروكسل                                                                                                                                  الرؤساء ثلاثة : رئيس يمجّده التأريخ ورئيس يلعنه التأريخ ورئيس لا يذكره التأريخ ... قد عرف العالم نظرة التأريخ عن الرئيس الأمريكي المنتهية ولايته جورج دبليو بوش وكيف تم تصنيفه. الذي لم يعرف ذلك عليه أن يقرأ ما نشره مركز البحوث " بي أي دبليو" الأمريكي حيث إستطلع أراء الأمريكيين عن رئيسهم وعن أدائه وتصرفه خلال عمله كرئيس للولايات المتحدة الأمريكية. فقد أجاب أكثر من ثلثي من تم إستطلاعهم بأنهم سيبقون يتذكرون إخفاقات رئيسهم على مرّ الزمن، وهذا ما يشير الى درجة التذمر والإمتعاض التي وصل اليها الأمريكيون جراء سوء إدارة حاكمهم!                                                 غادر  بوش البيت الأبيض في يوم 20 كانون ثاني( يناير) وفي جعبته صفحات من المذكرات التي تشير الى أنه أسوأ رئيس  أمريكي  منذ أن تأسست هذه الدولة، لما  حصل بعهده من قضايا عويصة قوبلت بفشل إداري وتخبط معرفي وإضطراب رؤى وإبتعاد عن صلب الواقع وتهوّر في إتخاذ القرارات الصعبة. التصرفات الإرتجالية المتطرفة غير المدروسة للرئيس السابق بوش أدت الى نقصان كبير في الوزن الكمي والنوعي للولايات المتحدة والى تراجع مضطرد في سمعتها وهيبتها أمام دول العالم. لقد ظهرت بوادر الكبر والشيخوخة على ملامح الحضارة الأمريكية وكأنها في طريقها الى التحلل والإندثار، بعدما كانت تخيف العالم في سطوتها وشدة مراسها.                                                                                                                                ثمان سنوات عجاف وأمريكا تعاني الأمريين....تترنح من شدة الأزمات ومن المحن المتوالية... تتألم من  أمراض مزمنة مستشرية أقضت مضجعها وغيرت طابعها وفتت قواها، حتى بدت للداني والقاصي وكأنها أمبراطورية في طور الضمور...فقد أضحت مقعدة منكسرة أمام محن صعاب لا حول ولا قوة لها  في التملص منها  أو السيطرة عليها.                                                                                           أجج بوش حربا شعواء في كل من إفغانستان والعراق بعد إنهيار برجي التجارة العالمية عام 2001م سميت بإسم " الحرب على الإرهاب"، لقد  بدأ بوش هذه الحرب ولكنه لم يعرف  كيف ينهيها !. لم تفلح أمريكا بما توهمت به.... فهذه الحرب لم تكن نزهة ، بل إستمر النزف البشري والمادي طوال ما ينيف على الست سنوات عرف العالم خلالها بأن أمريكا قد تورطت في مأزق صعب لا تدرك كيف تخرج منه، فقد أضحت محصورة بين كفي كماشة ذراعيها إفغانستان والعراق. خروج أمريكا من هذين البلدين وإنسحاب قواتها منهما يعني إيقاف هذا النزف المستمر في الدم والمال، لكن هذا يعني في نفس الوقت فشلها في مشروعها ومهمتها وإنتصار لأعدائها وهو حل لا يمكن تصوره أو تحمله. الحل الآخر هو أن تبقى قواتها طامسة بالوحل التي هي فيه وهذا يعني إستمرار الخسائر والموت البطيء والى مدى غير منظور!. لا يوجد حل سحري آخر وكلا الحلين مرّ كالعلقم لا يمكن تجرعه!                                                                                                                         الحرب على الإرهاب كانت تحمل في طياتها مشروعا جبارا إسمه " مشروع الشرق الأوسط الكبير" . هذا المشروع تتأبطه أجندة ضخمة يتم من خلالها تنظيف منطقة الشرق الأوسط  من الأنظمة المعادية للنهج الأمريكي وبإستخدام شتى الأساليب وبضمنها التدخل العسكري المباشر وتحت يافطة الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان. إلاّ أن الرياح جرت بما لا تشتهيه السفن الحربية الأمريكية، فقد فشلت المرحلة الأولى من هذه الحملة على أبواب العراق وأفغانستان وتوقف المشروع برمته ومات قبل أن يولد.                                                                                                                     تورط الأمريكيين في هذه الحروب  فوّت على الإدارة الأمريكية فرصة الإلتفاف على إيران أو ضربها أو إسقاط نظامها. الإيرانيون مصدر قلق وتهديد قادم من بعيد  للمصالح الأمريكية ولمصالح أصدقائها في المنطقة ،خصوصا مصالح إسرائيل ومستقبلها. تعامل الإيرانيين مع الذرة هو خط أحمر لا تقبل به أمريكا على الإطلاق، لما يشكله ذلك من إمكانية الحصول على السلاح النووي والذي يعني إختلال واضح في ميزان القوى في المنطقة وتهديد مباشر لأمن إسرائيل. التخلص الأكيد من هذا الخطر يتم  بضرب المنشآت النووية الإيرانية وإزالتها عن بكرة أبيها. إلاّ أن  وجود القوات الأمريكية في العراق وبكثافة مما قد يعرضها لعمليات عسكرية واسعة ضدها من قبل الموالين لإيران، والإرتفاع المضطرد في أسعار البترول العالمية التي قد تصل الى مستويات خيالية إذا ما حصل نقص حاد في مصادر التمويل، إضافة الى الرفض الأوربي المتكرر لإستعمال القوة  كانت  أسباب قوية لمنع أو تأجيل الهجوم العسكري على إيران خلال الفترة الماضية. خصوصا أن الأمريكيين كانوا يخشون التصدي للمضاعفات الخطيرة  التي قد تنتج جراء هذا الهجوم وهم في ظروف إستثنائية صعبة وحالة ضعف مادي ومعنوي بسبب عدم نجاحهم في حربهم على العراق وأفغانستان.   هذا التباطؤ كان كفيلا بأن يجعل إيران تفلت من عنق الزجاجة وتطور نفسها عسكريا وماديا في ظل إرتفاع أسعار البترول وحرية الحركة!                                                                                                                  

                                                                                                                              

 نتيجة للحروب الإستنزافية الطويلة التي تخوضها أمريكا في أفغانستان والعراق تدهور الإقتصاد الأمريكي ووصل الى مرحلة الكساد والركود. أكثر من 11 مليون أمريكي عاطل عن العمل، والبطالة وصلت الى أكثر معدلاتها منذ 16 عاما . واحد من مجموع عشرة أشخاص يملكون عقارا  أصبح مهددا بفقدان بيته لعدم قدرته على تسديد الديون المتعلقة بذمته. أسواق البورصات تشهد إنحدارات في الأسعار لم يشهد لها التأريخ مثيلا إلاّ في عام 1931م حيث فقد مؤشر "داو جونز الصناعي" على سبيل المثال أكثر من 33 في المائة من قيمه خلال عام 2008م . ملايين الأمريكيين فقدوا مساكنهم وأموالهم وأحلامهم....الحكومة تصرف ما لا تملك والعجز في الميزانية يصل الى 455 مليار دولار.                                                                                                                      إنهارت أسواق العقارات الأمريكية  وتهدد  الكثير من المؤسسات المالية والإقتصادية  حتى أصبحت قاب قوسين أو أدنى من الإفلاس والسقوط  لولا الإسعافات الأولية المضنية والجرعات المنشطة التي وهبتها الحكومة. إلاّ أن تأثيرات هذه الإسعافات ستبقى مؤقتة  وربما تعود الأزمة من جديد طالما بقيت أسبابها. معالجة الأعراض لا تنفع لأنها ستبقى حلول سطحية  لا تعالج  خفايا العلة ومسبباتها ، معالجة الجذور  هو الطريق الأنجع للوصول الى مكامن الخلل.                                                                                                           هذا الإنهيار الإقتصادي الحاد في مظهره والمزمن في أسبابه أدى الى خسائر مالية كبيرة ليس فقط في المؤسسات المالية الأمريكية فحسب بل راح ضحيته الكثير من المؤسسات المالية العالمية وخسر الكثيرون رؤوس أموالهم! وقد صاحب هذه الأزمة المالية كساد إقتصادي عالمي لم ولن  يسلم من تأثيراته أحد!                                                                                                                                       أما على صعيد العلاقات الخارجية فقد تأزمت العلاقات الأمريكية الروسية إبان فترة حكم بوش الى درجة أن شبهها البعض بأيام الحرب الباردة. فقد شجعت أمريكا إنضمام أوكرانيا وجورجيا الى حلف شمال الأطلسي " الناتو" خلال القمة الأخيرة لهذا الحلف في بوخارست في شهر نيسان " أبريل" من العام المنصرم،  مما أغاض روسيا وجعلها تهدد بإتخاذ إجراءات إنتقامية. كما دعمت الجورجيين إبان الحرب الروسية الجورجية التي إندلعت في شهر آب "أغسطس" في العام الماضي وأنتقدت بشدة التوغل العسكري الروسي في الأراضي الجورجية. ثم وقعت أمريكا مباشرة مع بولندا معاهدة ستراتيجية تتضمن نشر منظومة صواريخ إعتراضية في قاعدة قرب السواحل البولونية على بحر البلطيك وهذا ما أعتبرته روسيا تهديدا صريحا لأمنها ولإستقرارها مما شنج علاقاتها مع أمريكا  وأنهى مرحلة المرح والغزل بينهما.                                                                                                                          

لم تكن العلاقات الأمريكية جيدة مع الكثير من دول العالم  إبان حكم بوش بل حصل برود وإمتعاض حتى مع بعض حلفاء أمريكا الستراتيجيين وأصدقائها.  فقد توترت العلاقات مع فرنسا إبان حكم الرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك، نتيجة للهجوم العسكري الأمريكي على العراق الذي أدى الى فقدان فرنسا لمصالحها الستراتيجية في هذا البلد وبقيت هذه العلاقات متشنجة حتى إنتخاب ساركوزي رئيسا لفرنسا. التذمر من السياسات الأمريكية لم يقتصر على فرنسا فقط وإنما شمل دولا أوربية أخرى  ودولا غير أوربية تعتبر صديقة حميمة لأمريكا وعلى طول الخط .                                                                                                           

كانت القضية الفلسطينية نسيا منسيا إبان فترة حكم بوش ، فإنه لم يحرك ساكنا في هذا الملف الذي ظهر   وكأنه غير معني فيه بإستثناء  مبادرته  المتعلقة بمؤتمر " أنابوليس" للسلام والذي لم يثمر شيئا. لكنه كان حاضرا أثناء الهجوم العسكري الإسرائيلي الشرس على قطاع غزة المعزول  ليصفه بأنه دفاع عن النفس! فإسرائيل، في نظره، تدافع عن نفسها من بطش الفلسطينيين.....!!!                                                                             

نظرية الفوضى والنظام : هل العراق نموذجا!؟

الفوضى الخلاّقة : هل العراق نموذجا!؟                                                                 د. محمد مسلم الحسيني                                                                                  

بروكسل                                                                                            

 

 

برهن العالم البلجيكي الحائز على جائزة نوبل في الكيمياء، إيليا بريغوجين، بأن  كل فوضى أو بعثرة تحصل في محيط ما يحصل بعدها  نظام وإستقرار في ذلك المحيط.  وقد إستخدم هذا العالم الفيزيوكيميائي  طرقا كيمياوية لإثبات ذلك!  كانت تجاربه مركزة حول خلط محاليل كيمياوية  متباينة في صفاتها وتراكيبها مع بعضها ووضعها بعد ذلك في حالة إستقرار تام. لقد لاحظ هذا العالم بأن هذه المحاليل  المختلط حابلها بنابلها  سوف ترجع الى حالتها الطبيعية قبل الخلط ويسترجع كل محلول صفاته وهويته الخاصة به. كما نظّر بأن هذا القانون الطبيعي  ينطبق على شؤون الحياة الأخرى بل وعلى  ظواهر طبيعية اخرى كانت قد حصلت في الماضي  أو ستحصل في المستقبل. إستشهد بظواهر وحقائق كونية تؤيد نظريته وأهم ما تطرق اليه هو كيف تكون الكون بعد حدث الكون الأول أي  الإنفجار الكبير، حيث كانت السماوات والأرض قطعة واحدة ثم أنفلقت ونشأت عنها الكواكب والأجرام والشموس المختلفة التي بدأت تسير بنظام ثابت ومستقر بعد هول الإنفجار واضطراب الكون وبعثرته وكما ورد ذلك في القرآن الكريم " أو لم ير الذين كفروا أن السموات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما...".                                                                                       

أشار بعض المحللين السياسيين  الى هذه النظرية في تحليلاتهم السياسية وتوقعوا بأن هدوءا واستقرارا سياسيا وعسكريا  سيسود في  مناطق ساخنة ومضطربة من العالم، مستشهدين بحالة الإستقرار العسكري في أوربا الغربية بعد الحرب العالمية الثانية وحالة الديمقراطية المستتبة في دولة جنوب أفريقيا بعد حالة التخبط السياسي والتمييز العنصري.  أطلق بعض السياسيين مصطلح "الفوضى الخلاّقة" على حالة الفوضى وعدم الإستقرار التي تعم بعض المناطق الساخنة في العالم، متوقعين أن يسود السلم والأمن فيها مستقبلا تيمنا بنظرية البعثرة والإنتظام! وقد نظر الى الوضع في العراق من هذا المنظار وحسب هذا التوجّه.                                                                                                                             

إلاّ أن المتابع للأحداث الذي يتجرد عن تشاؤمه وتفاؤله وينظر للأمور بنظرة علمية بحتة تستند على الوقائع وتستشهد بالمعطيات لا يرى ما يدلل على توفر المقومات المطلوبة لحالة الإستقرار وولادة النظام بعد الفوضى. أن نظرية الفوضى والنظام لها مقوماتها وشروطها ، فهي ليست حدثا إعتباطيّا تمليه الطبيعة أو تحدده نواميس الصدف. الكون لم يستقر بعد الإنفجار الكبير إلاّ بتوفر عامل الجاذبية وعامل الحركة ، حيث تدور الأجرام حول نفسها وحول بعضها وتخضع لقوانين "العمركزية". المحاليل التي أخذت مستقرها واستعادت طبيعتها في تجربة بريغوجين  كانت بفعل كثافات مركباتها. كما ان رجوع حالة السلم والأمان في أوربا بعد الحرب العالمية الثانية لم تكن  الاّ بعدما  وعت الأجيال وتفتحت عيونها على معنى السلم والحرية والحضارة والمدنية!                                                                                                           السؤال الذي يطرح نفسه هو ما هي مقومات الإستقرار المنظورة في العراق كي نتحدث عن فوضى خلاّقة أو نظام ما بعد الفوضى ؟   ثم كيف ستتحول الفوضى وتصبح خلاّقة للأمن والإستقرار وأسبابها باقية  ومزمنة؟ وما الذي سيجمع العراقيين بعد أن فقدوا وزنهم الكمي والنوعي  في ظل إرتباك مفتعل ومحيط غريب على تأريخ العراقيين ومسار طريقهم؟ وكيف سيحصل التنظيم الداخلي  أو الحث الذاتي وهو شرط اساسي في عمليّة النظام  بعد البعثرة إذا صار المحتل الأجنبي شرّ لا بد منه!؟ . هذه الأسئلة الحيوية وغيرها حريّ بها أن تطرح على المتفائلين الذين ينتظرون النظام بعد الفوضى وكأنه هدية السماء تنزل على  أهل الأرض!                                                                                                                                                                                                                        الأزمة في العراق هي أزمة سياسية بالدرجة الأولى ناتجة عن صراعات سياسيّة ظاهرة وخفيّة ، ترفع شعارات طائفية وعرقية وتبتغي الوصول الى قمم  السلطة . فقد أثبت الزمن صعوبة الإنسجام والتوافق بين الأطراف السياسية المتنازعة بسبب إفتقار النضج السياسي وسطحيّة المفاهيم الثقافية وعدم وجود رغبة حقيقية لإقامة هيكل راسخ لمشروع وطني مشترك. الإنفجار الكبير الذي أحدثته الديمقراطية المصدرة من الخارج في وحدة نسيج العراق قد أدى الى تبلور جزيئات ذات شحن متباينة تدور حول نفسها بمدارات عرقية طائفية ضيقة من جهة وتدور حول نواة الإحتلال بتأثير عامل الجاذبية القسري من جهة أخرى. أي إنفصام في عرى هذه الجاذبية سيؤدي إما الى تحرر هذه الجزيئات عن مداراتها وضياعها في الفضاء المجهول لتكون طعما سهلا للمجرات الحائمة القريبة منها ، وأما أن تتصادم مع بعضها مخلفة اللهيب والنار!                                                                                                 الحل المثالي الناجع، الذي ترفضه قطعا الجزيئات المشحونة بحب السلطة وحب الأنا ، والذي يمكن أن يخرج العراق من محنته يكمن في تولي حكومة مؤقتة من التكنوقراط زمام الأمور في العراق.  يتميّز أعضاء هذه الحكومة بإستقلاليتهم في أفكارهم ورؤاهم وعدم إنتمائهم  للأحزاب أو محاباتهم لأطراف خارجية مهما كانت  ومعروفين بوطنيتهم وإخلاصهم ونزاهتهم وعدم تعصبهم الديني أو الطائفي أو العرقي. تشرع هذه الحكومة فورا  بتنفيذ ما يلي :                                                                                                  1- دعوة القوات الأجنبية المتواجدة على التراب العراقي للرحيل ضمن جدول زمني معروف ومثبت وسريع التنفيذ. كما تدعو هذه الحكومة المجتمع الدولي بإمداد العراق بقوات دولية تعمل على ترسيخ الأمن لحين إستعادة الجيش العراقي  عافيته وكيانه.                                                                                                                                                   2- إلغاء قوانين بريمر خصوصا تلك المتعلقة بالمحاصصة السياسية وقانون حل الجيش العراقي  وغيرها الكثير من  قوانين التهميش والإقصاء لأبناء الشعب العراقي الواحد. كما تدعو الى إقامة إنتخابات ديمقراطية تحت إشراف دولي لا تحددها قوانين بريمر وإملاءاته، وتشرع بإقامة برنامج  حيوي يتضمن خطة لنشر الوعي الديمقراطي بين أبناء الشعب كي يحسنوا إختيار ممثليهم.                                       3- تحسين الأوضاع المعاشية للمواطن العراقي وذلك من خلال إيجاد  فرص العمل وتوفير المواد الضرورية والخدمات المعيشية الأساسية وإصلاح  البنية التحتية المدمرة وبأسرع وقت. كما عليها أن تلغي الرواتب العالية التي يتمتع بها المسؤولون وجعلها متساوية مع رواتب الموظفين الآخرين من أجل غلق الأبواب أمام الراكضين وراء المنافع المادية وفسح المجال للكفاءات الوطنية أن تتبوّء أماكنها ويصبح الرجل المناسب في مكانه المناسب.                                                                                                  4- تفعيل القضاء العراقي المستقل وتنشيط وتوسيع مهام لجان النزاهة من أجل متابعة وملاحقة السرّاق والمزورين ومعالجة الفساد الإداري المستشري في داخل هذا البلد  وخارجه، حتى أصبح العراق ثالث بلد في العالم في فساده الإداري!                                                                                              على القضاء العراقي أن يلاحق قانونيا كل من يحاول تهميش العراقيين ببث الدعايات المغرضة دون توفر الأدلة  من أجل التسقيط والإقصاء وألاّ يكون هناك مقياس للتفاضل بين أبناء هذا الشعب غير مقياس الكفاءة والقدرة والإخلاص للوطن.                                                                                           5- تجميد أعمال البرلمان العراقي الحالي وتطبيق الأحكام العرفية بشكل مؤقت لحين إستتباب الأمن وسيطرة الدولة على شؤون البلاد ومؤسساتها. إضافة الى  تأجيل النظر بكل قضية شائكة وحساسة من شأنها تهديد كيان العراق وتمزيق نسيجه الواحد لحين إستتباب الحالة الأمنية والسياسية إستتبابا كاملا.  كما تدعو الى حل كافة المليشيات المسلحة بكل أنواعها وولاءاتها وتمنع أي مظاهر مسلحة داخل البلاد خارج نطاق القوات المسلحة العراقية.                                                                                                   6- إقامة علاقات حسن جوار متوازنة مع جميع دول الجوار دون إستثناء، على أن تتعهد هذه الدول بعدم التدخل بشؤون العراق الداخلية.  كما تمتنع الحكومة الجديدة عن توقيع إي إتفاقات أمنية كانت أو ستراتيجية مع أي قوة أو جهة أو دولة  لحين إنقشاع جنود الإحتلال بشكل كامل عن التراب العراقي.                                                                                           هذه الإجراءات الناجعة ستوقف عملية جر الحبل بين السياسيين وتنهي دائرة  السجال السياسي بينهم،  ستعالج مواقع الخلل في العملية السياسية العراقية وتمكن العراق من الوقوف على قدميه. العراق يحتاج الى علاج لأسباب الفوضى وليس الى المسكنات أو المهدئات.... معالجة الأسباب بالشكل الجذري والجاد من شأنه أن يحوّل الفوضى السائدة  الى إستقرار وتصح عندها نظرية النظام بعد الفوضى أو " الفوضى الخلاّقة" التي من دون ذلك ستبقى  خنّاقة  والى الأبد!                                                                                                                                                                                                                                                                                                                            

اوباما والدرب الطويل

أوباما والدرب الطويل...                                                                                         د.محمد مسلم الحسيني                                                                                                             بروكسل                                                                                                                                     حينما حصلت أحداث الحادي عشر من أيلول(سيبتمبر) عام 2001م ، إنبرى أهل الحكمة وبعض السياسيين في أمريكا وخارجها الى تقديم النصيحة والحكمة للمسؤولين السياسيين في أمريكا وطلبوا منهم أن يهتموا بمعالجة  جذور المصيبة التي حلّت بهم ولا يكتفوا بمعالجة الظواهر فقط. لأن معالجة الظاهرة أو العارض لا يصل تأثيره لجذور المشكلة وإنما هو تسكين وقتي سرعان ما يزول وتعود  المشكلة الى الساحة من جديد وربما معها مضاعفاتها. لكن ومع شديد الأسف ، لم يستمع أصحاب الشأن في أمريكا أنذاك لهذه النصيحة الذهبية  بل ركبوا رؤوسهم وهبوا هبة الرجل الواحد رافعين شعارات الإنتقام والتهديد والوعيد وبثوا إشارات الحقد والكراهية ووضعوا برنامجا عسكريا بحتا لحل مشكلاتهم وكأن إستعمال القوة هو السبيل الوحيد والأمثل والذي لا مناص منه!                                                                            صرخت القيادة الأمريكية في حينها كما صرخ " أرخميدس" في حمّامه وقال "وجدتها" حينما أكتشف  القاعدة الفيزياوية التي تحدد وزن السائل المزاح ومقدار ما تفقده الأجسام من أوزانها حينما تغمر في الماء! إلاّ أن هذه القيادة لم تكتشف قانونا فيزياويا أو كيمياويا حينما صرخت وجدناها، إنها في الحقيقة وجدت الأعذار والشعارات التي بواسطتها سوف تمرر مشاريعها التي تنتظر ساعة التنفيذ.... كان "مشروع الشرق الأوسط الكبير" من أهم المشاريع  في جعبتها وكانت فكرة تنظيف منطقة الشرق الأوسط من أعداء أمريكا وإسرائيل هي أبرز الأفكار التي تشع في أجندتها. لم تتردد إدارة الرئيس الأمريكي المنتهية ولايته جورج دبليو بوش في إعلان الحرب التي سميت بـ " الحرب على الإرهاب" وكانت حربا مفتوحة، قد يدرك المراقب للأحداث من أين ستبدأ  هذه الحرب لكنه يعجز أن يعرف كيف وأين ستنتهي!.                                                                                                                                  إعتقدت الإدارة الأمريكية بقيادة بوش بأن القوة العسكرية الأمريكية الهائلة التي تمتلكها ستكون كفيلة في القضاء على كل من يقف بوجهها أو يتحداها. لم تدرك بأن دخولها في حرب في كل من إفغانستان والعراق كفيل بأن يدخلها في مأزق لا تعرف كيف تخرج منه!؟  فقد خسرت الكثير من المال والسلاح والأرواح نتيجة لهذه الحرب الإستنزافية الطويلة التي أضعفت مناعتها وبددت قواها وجعلتها هشة أمام المصائب والمحن. فقد تردى إقتصادها وتهاوت مؤسساتها المالية وازدادت البطالة وعم الفقر وفقد الناس مصادر رزقهم وأموالهم وتشرد الملايين خارج بيوتهم.... حتى أضحى الأمريكيون كالمنبت الذي لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى!. لقد خسرت أمريكا المال والرجال لكنها لم تفلح بشيء! قواتها طامسة في وحل العراق وإفغانستان، وأعداؤها يسرحون ويمرحون في أرجاء إفغانستان والعراق، ومشروع الشرق الأوسط الكبير مات قبل ان يولد.  إيران تفلت من عنق الزجاجة وتسلح نفسها وتبيع البترول بأغلى الأثمان، بينما تبدو الإمبراطورية الأكبر في العالم ضعيفة واهية  منكسرة مقعدة أمام الأزمات المحيطة بها وشعبها يبقى  ينتظر رحمة من ينقذه من ورطته ومعاناته....                                                              لا سبيل للأمريكيين إلاّ طريق الخلاص، الخلاص ممّن ورطّهم في محن طويلة ومن دوامة ثقيلة أقضت مضاجعهم ونغصت عليهم عيشهم. فقد حق التغيير وحقت الإنتفاضة، الإنتفاضة على إدارة شرسة متعجرفة لا تؤمن بالحكمة والعقلانية بل تتعامل مع القرارات الصعبة والخطيرة بارتجالية وتهور. إنتفض الأمريكيون على أنفسهم وتمخضت إنتفاضتهم عن ولادة جديدة، لحقبة جديدة، لخبرة جديدة، لوجه جديد إسمه باراك أوباما.... هذا الوجه الأسمر الجديد الذي يحمل في طياته جينات أفريقية واسلامية لابد أن يعني شيئا... فماذا يعني إذن أوباما؟.                                                                                                           أوباما دون شك يعني التغيير .. تغيير الستراتيجية الأمريكية....تغيير السياسات الأمريكية....تغييرالرؤى والأفكار....تغيير المسالك والوسائل....كما يعني أيضا الإصلاح... إصلاح الأخطاء الأمريكية .... إصلاح السلوك الأمريكي....إصلاح المبادىء والقيم..... أوباما يعني لون جديد لأمريكا ويعني هوية مختلفة لأمريكا. أوباما يحمل على كتفه اليوم مسؤولية كبرى أمام شعبه وأمام شعوب العالم ، يحمل أجندة من المهام والواجبات إن أفلح في تطبيقها وأحسن في تأديتها فسيجلب الخير والصلاح لشعبه بل لشعوب العالم أجمع .على أوباما  أن يدرك معنى إنتخاب الأمريكيين له ومعنى فرحة العالم فيه، أن يحسن التصرف ويسلك الطريق السوي كي لا يخيب أمل شعبه وأمل شعوب العالم التي تنتظر منه التغيير وتتطلع الى وجه جديد لأمريكا، وجه يواكب الحضارة ولا يتناقض مع المدنية والعدالة وحقوق الإنسان .قد أدرك أوباما  قطعا ذلك والدليل هو قوله في خطابه يوم التنصيب أمام الأمريكيين والعالم " إعلموا أن أمريكا صديقة لكل امّة، ولكل رجل وإمرأة وطفل يبحث عن مستقبل فيه الأمن والكرامة".                                                                                   الكرامة والأمن  اللذان نادى بهما أوباما في خطابه مسلوبتان عند الكثير من الشعوب والأمم وقد شاركت أمريكا وبعض أصدقائها، خصوصا إسرائيل، بهدر الكرامة وتبديد الأمن عند هذه الشعوب، فهل يدرك أوباما ما يقول، وهل يعني حقا ما يقول... ؟ . هل هو رسول القسط والعدالة والإنصاف في عالم لا يعرف إلاّ القسوة والسطوة والقوة؟ وهل يقدر، وهو رجل قانون متمرس، أن يقف مدافعا عن حقوق المظلومين في هذا العالم كما دافع عن حقوق المظلومين من أبناء شعبه أمام المحاكم الأمريكية؟. هل سيبدي إنسانيته والطيبه المعروفة عنه إزاء المغضوب عليهم من شعوب هذا العالم خصوصا أبناء شعبنا العربي الفلسطيني الذين يئنون تحت وطاة ظلم الإسرائيليين وشراستهم؟. امتحان قاس وعسير ينتظر هذا الرجل الذي يجب أن يجيب عن أسئلة خارقة الحساسية والدقة والخطورة... أسئلة تتناسب مع ما وعد به وتتضارب مع لوازم التطبيق، فهل سيفلح أوباما بتطبيق ما وعد فيه رغم وعورة الطريق وصعوبة الرحلة؟. أسئلة كثيرة تراود فكر المراقب للأحداث تتطلب تدخل الوقت والزمن لمعرفة الإجابة عليها.                                                                                      جذور مصائب العرب والمسلمين بل مصائب كافة شعوب العالم تمتد بشكل أو بآخر الى أرض فلسطين. فمن يريد أن يصلح الدمار عليه أن يتفحص أسبابه ومن يريد أن يعالج العلل عليه أن يفهم دواعيها. أوباما رجل أكاديمي  يحترف السياسة، ولكي يكون ناجحا  في عمله عليه الإستفادة من المعرفة الأكاديمية  وإستخدامها في ساحته السياسية. الأكاديميون عادة  لا يؤمنون بمعالجة الأعراض دون الغور في معرفة المسببات، لأن علاج الأعراض لا ينفع دون معالجة الأسباب. أوباما يدرك بأن أمراض العرب والمسلمين سببها جسم غريب شاءت الأقدار أن ينغرز فيهم ويقض مضاجعهم، كما أنه يدرك أيضا بأن إخراج هذا الجسم الغريب من جسد العرب والمسلمين يحتاج الى تداخل جراحي  عظيم لا يستطيع أي جراح في هذا  العالم أن يجريه أو يجرأ على إجرائه ! لكنه يدرك أيضا بأن إحتواء هذا الجسم الغريب وتطبيع الجسد عليه وتقبله رغم آلامه ووخزاته القاسية  أمر ممكن  على شرط أن يعرف هذا الجسم حجمه ويبقى في مكانه  ولا يتطاول على الأعضاء السليمة الأخرى ويخدشها ويدمرها. على أوباما أن يجعل إسرائيل تعرف حدودها وتعرف حجمها وترجع لكل ذي حق حقه طبقا للنواميس الدولية ولقرارات الشرعية . فهل سيشرع أوباما في الدفاع عن المظلومين الفلسطينيين كما دافع عن مظلومية أبناء شعبه وكما وعد في خطابه؟.                                                                                                                         ورطة الأمريكيين في إفغانستان والعراق سوف تخف في وطأتها وشدتها إذا ما سعى أوباما الى إيجاد أسس جدية وعادلة  لحل النزاع العربي - الإسرائيلي  وتسوية القضية الفلسطينية. المأزق الأمريكي مرتبط  بأسبابه مع الصراع العربي - الإسرائيلي  بشكل مباشر وغير مباشر، تسوية النزاعات العربية - الإسرائيلية  سوف تسهل عملية تخلص الأمريكيين من مأزق الحرب التي تورطوا فيها من جهة وسوف تخفف من الإضطرابات المالية والإقتصادية التي تعصف في البنية المالية والإقتصادية الأمريكية. أوباما يفهم ميكانيكية سلسلة الحوادث ويدرك أن كل الطرق تخرج من أرض فلسطين، لكنه أمام جدار مانع إسمه إسرائيل ، فهل هو قادر على إجتيازه وعبوره كي يبقى الطريق سالكا أمامه...كي يستطيع أن يخلّص ويتخلص، أن ينقذ نفسه وينقذ غيره ، أن ينتشل شعبه وشعوب العالم معه من الإنحدار الحاد نحو الهاوية التي أن سقطوا فيها لا يعلم إلاّ الله كيفية الخروج منها  والخلاص منها !؟.                                                            دون شك الإرث الثقيل الذي تسلمه أوباما من سلفه بوش سينهك كتفه ويتعب قلبه، فالمصائب كبيرة والأزمات حادة والطريق وعر منذ البدايه! سيجد أوباما إقتصادا منخورا وشعبا مألوما وميزانية خاوية وأفواه آكلة وعيون شاخصة ودموع تنتظر من يمسحها ونفوس تتشوق الى من يواسيها ... سيستمع الى نداءات تنطلق نحوه من شعبه ومن شعوب العالم. شعبه يطلب الرفاهية والعيش الكريم ، يطلب الأمان والعمل والشعور بالطمأنينة بكل معانيها....وشعوب أوربا تريد منه أن ينظر الى مشكلات البيئة ومتطلباتها.... الى إيجاد حلول جذرية لأمراض الإقتصاد والمال التي  أثرت  تأثيرا حادا على مؤسسات أوربا المالية والإقتصادية. أوربا تتطلع الى تفاهم سياسي وتطابق في الرؤى أمام أمور ومشاكل معلقة  منها : إيجاد حل سلمي ودائم في منطقة الشرق الأوسط ، كيفية التعامل مع الملف النووي الإيراني، الإنسحاب المدروس من العراق، كيفية التعامل بنضوج مع ملف الحرب على الإرهاب، الموقف إزاء روسيا وتسوية الخلافات بينهم برؤى متطابقة  دون الرجوع الى عهد الحرب الباردة، إنشاء أسس الدفاع الأوربي المشترك برؤى متبادلة دون إثارة حساسية الأمريكيين وغيرها من الأمور التي تهم المصالح المشتركة والتي تتطلب رؤى متطابقة وسياسة موحدة.                                                                 وعود أوباما بالإشارات للعالم العربي والإسلامي من خلال خطاب التنصيب والذي قال فيه : "إننا نتطلع الى علاقات طيبة مع العالم الإسلامي تستند على مبادىء المصالح المشتركة والإحترام المتبادل"، " سنترك العراق لأهله"، " أمننا يعتمد على عدالة قضيتنا"،" أمريكا صديقة لكل الأمم"، " العالم قد تغير وعلينا أن نتغير معه"....الى آخر ذلك من الإشارات التي تبشر بالخير واليقظة والتي تتطابق مع متطلبات المنطق ودواعي الحاجة.  ما علينا إلاّ ان ننتظر بعيون شاخصة الى ما سيحصل، فعسى أن تترجم الأقوال  الى  أفعال ....                                                                                                                   كي تنجح أمريكا في الخلاص من مشكلاتها وتبعث الرخاء والأمن والإستقرار في أرجاء المعمورة، عليها إذن أن تقوي علاقاتها مع محيطها الخارجي ، تعالج القضايا الساخنة بطرق الدبلوماسية الذكية وليس بطرق التهديد والعنجهية والتلويح بالقوة. تفطم إسرائيل "البنت المدللة" وتبعدها قليلا عن صدرها وتخفف دعمها لها كي ترعوي وتحترم المواثيق والقيم طبقا لما تتطلبه المرحلة وما يتطلبه العالم الجديد عالم التغيير الموعود! تترك أسلوب الكيل بمكيالين وتتخذ العدالة نبراسا لها فتكسب قلوب العرب والمسلمين وكل أرباب الحق والإنسانية في العالم،  تخفف من تشنجاتها تجاه روسيا والصين وتتعامل معهما بالحسنى.... بهذه الأمور سيثبت أوباما للعالم  بأنه رجل التغيير الموعود وأنه  حقا وجها جديدا لأمريكا، بل هو  صفحة جديدة من تأريخ العالم... دون شك أن قابل الأحداث سيخبرنا عن وجه الحقيقة  وهل صحيح أن  باراك حسين أوباما سيغيّر أمريكا وينتشل العالم من محنه أم انه هو الذي سيتغيّر عبر مسيرة الأيام  والزمن...!؟.                                                                                                                       
 
A service provided by Al Bawaba