14 نيسان, 2008
من المستفيد من قمة بوخارست؟
من المستفيد من قمة بوخارست؟ د. محمد مسلم الحسيني بروكسل قرارات مؤتمر حلف شمال الأطلسي(الناتو) المنعقد في العاصمة الرومانية بوخارست بين الثاني والرابع من هذا الشهر لم تكن بعيدة عن أذهان المحللين السياسيين ولم تخرج بمفاجآت لا يتوقعها المراقبون. لقد تم الإتفاق بين دول الحلف وضيوف المؤتمر على أنجع الحلول وأوسطها وذلك من أجل إرضاء الجميع أو على الأقل عدم إحداث مواجهات وخلافات عميقة تعقد الموقف وتسمم الأجواء بين أصحاب الشأن ، خصوصا بين روسيا الفيدرالية وأوربا. لقد خرج الجميع من هذا المؤتمر وعلامات الرضى مرتسمة على الوجوه بشكل عام ! إلاّ أن ثمة من كسب أكثر من غيره في زحمة نقاشات هذا المؤتمر وهناك من أعطى أكثر من غيره لدرء شرّ أعظم أو لمنع محنة سابحة في الأفق! ومن خلال عرضنا الموجز هذا يستطيع القارىء أن يستنتج قيم الربح والخسارة في هذه المباراة السياسيّة الدائرة بين أطراف هذه المعادلة . الولايات المتحدة الأمريكية : إستطاعت أمريكا أن تحقق نجاحا واضحا في هذا المؤتمر وذلك من خلال تمرير رغباتها ومطاليبها الملحة والتي تتلخص بما يلي : 1- ألتزم حلف الناتو بمد قواته المرابطة في إفغانستان وكذلك القوات الأفغانية الحكومية بالعون اللوجيستي اللازم وعلى المدى الطويل. كما وعد الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي بإرسال قوات إضافية قوامها حوالي 800 جندي فرنسي الى شرق إفغانستان. 2- حصل إتفاق بين الولايات المتحدة الأمريكية وجمهورية التشيك وبمباركة حلف الناتو على تفاصيل إقامة منظومة الرادار على الأراضي التشيكية ضمن برنامج الدرع الصاروخي الأوربي. كما خطط لنشر 10 صواريخ إعتراضية في بولندا في عامي 2011 و 2012 لمواجهة تهديدات صاروخية إيرانية وكورية شمالية. 3- تم الإتفاق بين حلف الناتو وروسيا على ترانزيت الشحنات غير الحربية الى إفغانستان عبر الأراضي الروسية. 4- رغم أن الحلف قد أجّل البت في الخطة الرامية الى وضع كل من جورجيا وأوكرانيا على قائمة الدول المرشحة للإنضمام الى الحلف ، وهذا خلاف لرغبة أمريكا. إلاّ أن أمريكا كانت تدرك جيّدا بأن مسألة إنضمام هذين البلدين الى الحلف في الوقت حاضر أمر صعب جدّا ولأسباب كثيرة. ولم تكن مبادرتها بتشجيع ضم هذين البلدين الى الحلف إلاّ ورقة ضغط سياسية على روسيا وأوربا لقبول أمور أخرى كانت أمريكا قد وضعتها في الحسبان ومن أهمها: تخفيف حدة معارضة روسيا على إقامة الدرع الصاروخي في أوربا ، ترويض روسيا على القبول أو على الأقل تخفيف حدة الرفض في مسألة إستقلال كوسوفو وأخيرا تشجيع وحث روسيا على تقديم المساعدات الممكنة في إفغانستان. كما إستطاعت أمريكا من خلال هذه المناورة أن تدفع أوربا الى المشاركة الفعّالة في دعم قوات الحلف المرابضة في إفغانستان. أوربا : نجحت أوربا في تأجيل البت بإنضمام جورجيا وأوكرانيا الى الحلف على الأقل في الوقت الحاضر، وبذلك فإنها تخطت مأزقا ممكنا مع روسيا وأعطت إشارة واضحة الى روسيا بأن توجهها هو نحو إقامة علاقات جيدة ومتوازنة معها . كما نجحت أيضا بتوسيع الحلف وذلك من خلال ضم كل من كرواتيا وألبانيا الى هذا الحلف. وحققت اليونان هدفها الستراتيجي بتأجيل إنضمام مقدونيا الى عضوية الحلف على الأقل في الوقت الحاضر. أن تصريح الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي أثناء هذه القمة بنيته في الرجوع الى أحضان حلف الناتو يعد تحولا هاما في تاريخ هذا الحلف. ومما تجدر الإشارة اليه هو أن فرنسا كانت قد تخلت عن عضويتها في هذا الحلف منذ زمن طويل يقارب الـ (41)عاما وذلك في عهد الرئيس الفرنسي الراحل شارل ديغول. الدول المرشحة لعضوية الناتو: وافق حلف الناتو على ضم كل من كرواتيا وألبانيا الى الحلف وأجل إنضمام مقدونيا لحين تسوية نزاعها مع اليونان حول مسألة إسمها الذي ترفضه اليونان بسبب وجود الإسم نفسه بمنطقة واقعة في أراضيها. يبدو أن إنضمام مقدونيا الى الحلف سيبت فيه حال تغيير إسم هذا البلد وما على المقدونيين إلاّ ان يبدلوا إسم بلدهم ليكونوا عضوا فاعلا في حلف الناتو! أما جورجيا وأوكرانيا فقد أجلت خطة البت على وضعهما في قائمة الدول المرشحة للإنضمام الى الحلف في الوقت الحاضر . رغم هذا الإخفاق فإن المحلل السياسي يرى بأن هذا التأجيل هو في صالح الجميع وفي صالح هذين البلدين أيضا وذلك للأسباب التالية: أن إنضمام هذين البلدين لحلف الناتو في الوقت الحاضر يعني إثارة موجه من الغضب في روسيا التي ربما ستتخذ ردود أفعال موازية تهدد فيها حالة الأمن والإستقرار في أوربا . فقد هددت روسيا صراحة بأنها ستنصب صواريخ تحمل رؤوس نووية على حدود أوكرانيا في حالة إنضمامها الى الحلف، وهذا ما سيعيد ذكريات الحرب الباردة الى أوربا! كما هددت روسيا أيضا بأن جورجيا ستخسر إقليمي أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية في حالة إنضمامها الى الحلف. مثلما تستطيع روسيا خلق أزمة إقتصادية خانقة لكل من أوكرانيا وجورجيا من خلال قطع إمدادت الطاقة عنهما، تستطيع ان تشهر هذا السلاح بوجه أوربا أيضا. كل هذا يعني نشوء أزمات سياسية، إقتصادية وربما عسكرية في مناطق حساسة وعلى خطوط التماس مع أوربا قد تؤدي الى خلق جو سياسي مضطرب يصل مداه الى العمق الأوربي. وسيبقى باب إنضمام هاتين الدولتين الى الحلف مفتوحا لحين إنفراج الموقف ووضوح الصورة ، كما ستبقى عضويتهما في الحلف وعدا تأريخيّا هاما لكلا البلدين ربما يتم تحقيقه في المستقبل. روسيا: حققت روسيا في هذه القمة إرادتها بإيقاف ترشيح إنضمام جورجيا وأوكرانيا الى حلف الناتو وبذلك فإنها درأت مخاوف الخطر على حدودها. لأن إنضمام هذين البلدين الى الحلف يعني نصب منظومة صواريخ تابعة للحلف على أراض متاخمة لحدودها ، تهدد أمنها وإستقرارها وستصبح روسيا، العدو الأول لحلف الناتو يوم أمس، على تماس مباشر مع حدود هذا الحلف الذي لا يزال تأريخه يقض مضجعها! لم تكن أمور هذا الخلاف هو المحور الوحيد الذي نوقش على طاولة المفاوضات في هذه القمة، إنما نوقشت قضايا وأمور تهم جميع المشاركين في هذا المؤتمر أيضا كان أهمها : التصدي الى مخاوف هذا القرن المتمثلة بالإحتباس الحراري ، الإرهاب، حماية الأمن الأوربي ، أمن الطاقة والتهديدات النووية والإلكترونية . كل هذه الإمور تجعل المراقب يدرك بأن توسع هذا الحلف مقرون بتوسع مهامه، فحينما أسس الحلف قبل حوالي 60 عاما كان هدفه الوحيد هو حماية أوربا من الإعتداءات الخارجية. أما اليوم فأن مهام هذا الحلف قد توسعت وأمتدت وذلك من خلال خوضه الحرب في إفغانستان وتدارس زجّه لحماية إمدادات الطاقة والتعامل مع ملف أمن الطاقة الحيوي وضم دول فقيرة نسبيا إليه من أجل الإستفادة من العنصر البشري فيها في حالة نشوب نزاع عسكري بين الحلف والبلدان "المارقة" أو لإحتلال منابع النفط وتأمين إمدادات الطاقة في حالة نشوب نزاعات عسكرية بين الدول المصدرة للطاقة أنفسها أو حصول نزاعات وحروب أهلية داخلية في تلك البلدان. في الوقت الذي يعتبر المحلل السياسي هذه القمة هي الأكبر في تأريخ حلف الناتو من ناحية عدد الأعضاء المشاركين فيها والذين بلغ عددهم (26) عضوا ، فإنه يلمس بأن هذا الحجم المتنامي يتناسب تماما مع حجم الأمور التي نوقشت والتي تم الإتفاق عليها من خلال هذه القمة. وهذا ما يوحي بنجاحها رغم كبر المشاكل التي في جعبتها!
01 نيسان, 2008
إنتصر لأمه وخذل أباه : إنه رئيس وزراء بلجيكا الجديد !
إنتصر لأمّه وخذل أباه: أنه رئيس وزراء بلجيكا الجديد! د. محمد مسلم الحسيني بروكسل بعد مخاض عسير وطويل دام أكثر من تسعة شهور! قسم الله تعالى بولادة حكومة بلجيكية جديدة يقودها رئيس وزراء جديد أسمه(إيف لوترم) . وكان رئيس الوزراء الجديد قد فشل في محاولات عدّة في تشكيل حكومة بلجيكية جديدة خلفا لحكومة رئيس وزراء بلجيكا السابق(غي فروهوفستاد) التي أنهت مهامها بعد الإنتخابات التشريعية العامة التي جرت في العاشر من شهر حزيران المنصرم. إلآ أن حكومة فروهوفستاد بقيت تدير دفة الحكم بصورة إنتقالية لفترة طويلة وذلك لتعذر تشكيل حكومة بلجيكية جديدة بسبب وجود خلافات حادة بين الأطراف السياسية!. إيف لوترم أب لثلاثة أطفال ويبلغ من العمر 47 عاما، وحائز على شهادة الليسانس في القانون والسياسة وقد مارس العمل السياسي من خلال إنتسابه الى الحزب الديمقراطي المسيحي الفلمنكي. في عام 1999م أصبح عضوا في البرلمان الإتحادي البلجيكي ومن ثم أصبح رئيسا للحزب الذي كان ينتمي اليه. وتقلد منصب رئيس للمنطقة الفلمنكية ووزيرا للزراعة والصيد عام 2004م. كلّفه ملك بلجيكا(البيرالثاني) بتشكيل وزارة بلجيكية جديدة في الخامس عشر من شهر تموز الماضي وذلك لصدارته في الحصول على نسبة الأصوات، إذ حصل رئيس وزراء بلجيكا الجديد على (800)الف صوت من أصوات الناخبين إبان تلك الإنتخابات ، مما جعل مسألة تكليفه بتشكيل حكومة بلجيكية جديدة أمرا مفروضا المملكة البلجيكية معقدة في تركيبتها الإجتماعية حيث أنها تتألف من ثلاث كتل إجتماعية متباينة ومصنفة على أساس اللغة. الفلمنكيون وهم الذين ينطقون باللغة الفلمنكية وهي لغة تشبه الى حد كبير اللغة الهولندية ويشكل هؤلاء نسبة تزيد قليلا على الـ (59) في المائة من المجموع السكاني. والوالونيون الذين يتكلمون اللغة الفرنسية ويشكلون نسبة تقل قليلا عن الـ (40) في المائة من السكان، والناطقون بالألمانية ويشكلون نسبة(1) في المائة من المجموع السكاني. هذا التباين الإجتماعي المبني على أساس أختلاف اللغة قد ولّد الكثير من الأحداث والأزمات السياسية بين السياسيين منذ نشوء الدولة البلجيكية عام 1831م والى يومنا هذا. فصراع الكتل السياسية الفلمنكية والوالونية قائم على قدم وساق وعلى مر الزمن وكل طرف من الأطراف يطمح ويسعى للحصول على فوائد ومكتسبات من الطرف الآخر وعلى مختلف الأصعدة السياسية والإقتصادية والإجتماعية والثقافية. طبقا لموضة الإنتخابات الأوربية الجديدة فمن يريد أن يكسب الأصوات الكثيرة في الإنتخابات العامة، ما عليه إلاّ ان يرفع شعارات عنصرية متطرفة تلهب حماس الشارع وتأخذ لبّه. وقد فهم السياسيون هذه اللعبة حينما أحرز الزعيم اليميني المتطرف (جان ماري لوبان) النصر في الإنتخابات الأولية التي جرت في فرنسا عام 2002م، حيث أصبح في المركز الثاني بعد حزب الرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك وتقدم على الحزب الإشتراكي الفرنسي الذي كان يحكم فرنسا أنذاك. والأمثلة الأخرى كثيرة تلك التي تشير الى تألق نجم الأحزاب المتطرفة في الإنتخابات الأوربية الحديثة، فمنها مثلا حصول الزعيم النمساوي المتطرف (جورج هايدر) على نسبة كبيرة من أصوات الناخبين النمساويين التي مكنته من الوثوب الى السلطة بعد أن تآلف مع حزب الشعب النمساوي عام 2000م. وفاز نيكولا ساركوزي بانتخابات الرئاسة في العام الماضي بعدما وعد في تنظيم الهجرة ومكافحة مشاكل المهاجرين وتمنطق ببعض الألفاظ الحادة تجاه بعض المهاجرين. ولولا إغتيال الزعيم الهولندي المتطرف (بيم فورتين )عام 2002 م لكانت نسبة الأصوات التي حصدها من بين أصوات الهولنديين كبيرة الى درجة أن توقع المحللون فوزه الساحق. من هذا المنطلق إنطلق إيف لوترم حيث رفع شعاراته المتمردة وأطلق صيحاته الإنتخابية الثائرة والهاتفة باسم المجتمع الفلمنكي دون غيره. فلم تخطا الموضة الإنتخابية من الإتيان بؤكلها حيث فاز لوترم بأكثرية الأصوات كما فاز من قبله المتشددون الآخرون. لكن شعارات التطرف والعنصرية المرفوعة من قبل الزعماء المتطرفين في دولهم كانت تنحصر على الأجانب والغرباء عادة وليس على أبناء جلدتهم. القصة هنا تختلف ، لأن إيف لوترم رفع شعارات ترجيحية للمجتمع الفلمنكي ضد المجتمع الوالوني وكلاهما مكوّن هام في المجتمع البلجيكي الأصلي. لقد طالب بتغيير بعض فقرات الدستور التي يرى فيها إجحافا في الحق الإنتخابي للفلمنكيين وأقترح إجراء إصلاحات إقتصادية وإجتماعية تؤدي الى رفع بعض الإلتزامات الفلمنكية تجاه الوالونيين وتقلل من المساعدات المالية التي يقدمها المجتمع الفلمنكي الى مؤسسات المجتمع الوالوني المتعثرة إقتصاديّا. هذه الإقتراحات لم تلق ردّا مقبولا من قبل الكتل السياسية الوالونية مما أوقف عملية تشكيل الوزارة وبقيت الأمور تراوح في مكانها لفترة طويلة. شخصية إيف لوترم شخصية غامضة ومدهشة في بعض الأحيان، فقد وصفه اعداؤه بانه رجل متعجرف عنيد وغير دبلوماسي، بينما وصفه محبوه بأنه انسان جدّي وحدّي في تصرفه ورؤاه. رغم أنه يتجنب الحوارات الصحفية وشاشات التلفاز عادة إلاّ أنه وفي القليل من المناسبات قد تحاور مع الصحفيين وصرح من خلال حديثه بامور أصبحت مثار دهشة وفكاهة وجدل!. ففي مناسبة العيد الوطني البلجيكي في الحادي والعشرين من شهر تموز المنصرم سأله أحد مراسلي التلفاز البلجيكي (ار تي بي أف) : ماذا يعني العيد الوطني البلجيكي؟ لم يستطع لوترم الإجابة! ففكرّ عندها المراسل بسؤاله الثاني وهو: هل تستطيع أن تنشد لنا النشيد الوطني البلجيكي؟ فأنشد رئيس الحكومة الجديد النشيد الوطني الفرنسي ظنا منه أنه النشيد الوطني البلجيكي! عندها بدأ البلجيكيون يتساءلون مع أنفسهم .... !! ينتقد لوترم الوالونيين الذين يقطنون في المناطق الفلمنكية والذين لا يتكلمون اللغة الفلمنكية ويصفهم مستهينا بانهم غير قادرين "فكريا" ان يتعلموا اللغة الفلمنكية! وكان تصريحه هذا من خلال حوار صحفي اجرته معه صحيفة التحرير الفرنسية! ولما سأله الصحفي عن أواصر الربط بين البلجيكيين أجاب: الملك...فريق كرة القدم... والبيرة! مما أدهش الناس وجعلهم يتساءلون ماالذي سيحصل إذن إذا ما مات الملك "لا سمح الله" وخسر فريق كرة القدم في تصفيات العالم وأستبدلت البيرة البلجيكية ببيرة أحسن منها ؟ هل ستزول بلجيكا....!؟ من الأمور المدهشة الأخرى في سيرة رئيس الوزراء الجديد أيضا هو أنه متطرف ومتشدد ومحارب سياسي عنيد من أجل حقوق المجموعة الفلمنكية ضد المجموعة الوالونية، علما بأنه هجين بين العرقين إذ أن أباه والونيّ وامه فلمنكيّة! فلماذا ينحاز للفلمنكيين ضد الوالونيين فيقود قوم أمه ضد قوم أبيه!؟ اليس من الأحرى أن يكون المثال الحي الذي يقتدى به من حيث الوسطية والإعتدال في التصرف والتوجه والتفكير أمام المصاعب المحيقة ببلد مركب اساسه مجموعتين متباينتين لغويا ومتداخلتين مع بعضهما!؟ سيما أنه منتسب عرقيا لكلاهما ويتكلم اللغة الفرنسية كلغة ام كما يتكلم اللغة الفلمنكيّة. أم أنه يريد الإنتقام من أبيه لصالح أمه؟! من يتمحص في الأمور مليّا يجد بأن المادة، في الغالب، هي الدافع الرئيس للصراعات بين السياسيين! إذ أن في كثير من الأحوال يتبرقع السياسيون في مسيرتهم السياسية بشعارات ثانوية لا تنطلق من واقع الحال وحقيقته. هذه الشعارات المستخدمة تكون عادة متناغمة مع حس الشارع ونبضه وتضرب على الأوتار الحساسة فيه فتلهب عواطف المواطنين وتثير النخوة عندهم. ليس ثمة ما يلهب حماس الشارع في اوربا أو غيرها من مدن العالم غير الشعارات المنادية باسم العرق أو اللغة أو الطائفة والدين. النزعة الإنفصالية والعنصرية التي يقودها إيف لوترم لا تمت في الحقيقة عند هذا الرجل بصلة للعرق أو اللغة. فأنه رجل هجين، فماالذي يدفعه الى المواقف العرقية المتشنجة لطرف دون آخر غير العامل المادي إذن؟! الفلمنكيون هم الأغنى وهم الذين يدفعون المساعدات المادية للوالونيين، وهذا ما أثار حفيظة السياسيين الفلمنكيين ضد السياسيين الوالونيين. ورغم أن إيف لوترم هو نصف فلمنكي(من أمه) ونصف والوني(من أبيه) فأنه تحزب ضد نصفه الثاني منحازا لرجاحة ميزان القوى المادية، فراح ينتصر لقوم أمه ويخذل قوم أبيه....!
01 نيسان, 2008
"فتنة" من أجل الفتنة
"فتنة" من أجل الفتنة !
د.محمد مسلم الحسيني بروكسل أنتج الزعيم اليميني المتطرف غيرت ويلدرز في هولندا فلما قصيرا لا يزيد عن خمس عشرة دقيقة أسماه (فتنة). يتعرض فيه للإسلام ويتهمه بأنه دين خطير، وعلى أوربا ان تتخلص من آثاره. وغيرت ويلدرز محامي هولندي وزعيم لحزب الحرية اليميني وهو من الأحزاب المتطرفة في هولندا. أراد غيرت ويلدرز من خلال عرض هذا الفلم أن يحدث صدمة في المجتمع الهولندي،على حد قوله، لمنع إنتشار المد الإسلامي وأسلمة هولندا. لقد طالبت بعض الحكومات الإسلامية والكثير من المنظمات الدولية من الحكومة الهولندية ومن القضاء الهولندي التدخل ومنع عرض هذا الفلم الذي يمس بمشاعر المسلمين ويتعرض الى رموزهم. كما توقعت بعض الأوساط الإعلامية أن تحصل ردود أفعال عنيفة في الشارع الهولندي وعلى الصعيد العالمي في حالة عرض هذا الفلم . الحرب الكلامية والإعلامية تتشابه في وجوه عديدة مع الحروب العسكرية الكلاسيكية ، ومن أوجه التشابه هذه ان يهاجم العدو خصمه رافعا شعارات برّاقة لا تمت الى الحقيقة بصلة ، الهدف منها إستهواء وإغواء البسطاء وجرّهم الى الهدف المطلوب. كما وفي أغلب الأحيان يتم الهجوم العسكري بطريقة المناورة بحيث لا يفهم المدافع مكان ووجهة الهجوم الحقيقي وما هي الأهداف الستراتيجية التي يتوخاها المهاجم. القائد المحنّك والعسكري الذي يجيد الدفاع عن قطعاته يستطيع أن يكشف أهداف خصمه ويحاول إفشال خططه، حتى لا يقع فريسة سهلة في شباك حيلة الحرب ومكرها! الأمر ينطبق تماما على الحرب الإعلامية والكلامية التي يثيرها البعض ضد الآخر، حيث يظهر المهاجم أسبابا معلنة ويخفي أسباب هجومه الحقيقية. كما أنه يهاجم من باب صغيرة وهدفه الحقيقي هو الباب الكبرى. فعلى المدافع أمام الهجوم الإعلامي أن يتوخى الحذر والحيطة وأن يكشف أهداف الهجوم الحقيقية كي لا يقع في الحفرة التي صممت له ويكون ضحية الخديعة والمكر. تعرض الفكر الإسلامي منذ القدم الى كثير من الإنتقادات والتشهير والإستهزاء من قبل بعض وسائل الإعلام الغربية وبعض الكتّاب المسلمين وغير المسلمين. إلاّ أن إنتشار وسائل الإعلام الحالية بشكلها المتطور الحالي قد جعل من العالم مدينة صغيرة واحدة يشهد فيها الداني ما يقوله أو يعمله القاصي وبنفس اللحظة، حيث تنتشر الكلمة أو الخبر كانتشار ضوء الشمس على ربوع الطبيعة. كما أن أحداث الحادي عشر من ايلول عام 2001 م وبعض الحوادث الإرهابية التي تعرضت لها بعض المدن الأوربية والتي أتهمت فيها بعض المجاميع الإسلامية، كانت قد أثارت سخطا ومخاوفا كثيرة لدى المواطن الأوربي تجاه الإسلام والمسلمين بشكل عام. هذه النظرة العامة في دول الغرب قد وفرت فرصة ملائمة وأرض خصبة لبعض المتشددين والمتطرفين من روّاد الحركات العنصرية أو الصهيونية لنشر أفكارهم ورؤاهم من أجل كسب أصوات المواطنين الغربيين ومن ثم الوثوب على السلطة وتمرير أجندتهم المتشددة الى حيز الواقع والوجود. أمثلة هؤلاء الزعماء المتطرفين الذين إستفادوا من وقائع الأمور وكسبوا أصوات المواطنين كثيرة. فقد وصل الزعيم العنصري المتطرف جان ماري لوبان الى المركز الثاني في نتائج الإنتخابات الرئاسية الفرنسية عام 2002م كما صعد الزعيم النمساوي اليميني المتطرف جورج هايدر الى المشاركة الفعالة في سدة الحكم عام 2000م. وفاز نيكولا ساركوزي في إنتخابات فرنسا الرئاسية عام 2007م حينما رفع شعارات برّاقة ضد هجرة الأجانب. كما فاز الملياردير السويسري كرستوف بلوشر حينما رفع شعارات تطالب بمنع بناء المنائر في الجوامع والمساجد الإسلامية. ولولا إغتيال الزعيم الهولندي المتطرف بيم فورتين عام 2002م لكانت نسبة الأصوات التي حصدها بين أصوات الهولنديين كبيرة الى درجة أن توقع المحللون فوزه الساحق!. كما أن الرسوم الكاريكاتيرية لشخص الرسول(ص) التي نشرت في الدانمارك وكتابات سلمان رشدي التي نشرت في بريطانيا وكتابات بعض الكتاب العرب وأقوالهم التي تستهجن آيات السيف في القرآن الكريم وغبرها من الندوات واللقاءات، تدور في نفس المدار المخطط له من قبل هذه الدوائر المتطرفة ذات الإجندات العميقة في غاياتها وتفاصيلها والتي تحاول الإستيلاء على السلطة وكسب النفوذ. لم يكن غيرت ويلدرز مختلفا عن أولئك الزعماء السياسيين الذين يسعون الى توسيع رقعتهم الإنتخابية وكسب الأصوات على حساب محاربة ونبذ الأجانب . فقد عرف من أين تؤكل الكتف وكيف يضرب على الأوتار الحساسة. وهكذا خرج اليوم بفلمه "فتنة" عسى أن يحدث فتنة بين المسلمين القاطنين في هولندا وهم الأقلية والهولنديين الأصليين وهم الأكثرية فيكون نجمه قد سطع وأفكاره قد حققت صحتها حينما حذر من خطر الإسلام والمسلمين على الحضارة الغربية. أن الرد على هذا الفلم بالطرق الغوغائية وبالضجيج والعنف سوف لن ينفع قضية المسلمين في أوربا ولن يحل مشاكلهم بل يزيدها صعوبة وتعقيدا. كما أن هذا هو الهدف بعينه الذي يسعى لتحقيقه غيرت ويلدرز والذي ينتظر من ورائه إحداث الضجة التي ستخيف الهولنديين من أعمال المسلمين وأفعالهم فيدلون بأصواتهم إليه ويربح سباق الإنتخابات القادمة! الدليل القاطع على ما أذهب اليه هو أن هذا الفلم هو من لبنات خيال زعيم يميني متطرف برنامجه موجها ضد الأجانب ويسعى للوثوب الى السلطة رافعا شعارات تخلب عقل الناخب الهولندي وتستغويه. سيرة غيرت ويلدرز وأحاديثه وحواراته مع وسائل الإعلام المختلفة المحلية والأجنبية هي برهان دامغ على أن لهذا الرجل أجندة سياسية يسعى لتمريرها. فقد صرّح في شهر فبراير (شباط) المنصرم لجريدة الغاردين البريطانية بأن الإسلام هو دين خطير والقرآن يجب أن يمنع من التداول في الأسواق والمساجد والبيوت في هولندا لأن فيه آيات تحرّض على قتل غير المسلمين وهو كتاب فاشي ليس له مكان في المجتمعات المتحضرة وقد شبهه بكتاب هتلر" ماين كامبف"! أو "كفاحي". على هذا الأساس فإن غيرت ويلدرز يرى ضرورة منع هجرة المسلمين الى هولندا وطرد المسلمين المقيمين فيها وإعطائهم شيئا من المال لتصفية أمورهم في بلدانهم الأم لأنهم يشكلون خطرا ماحقا على المجتمع الهولندي . كما أفصح عن رغبته في إجراء تغييرات هامة في القانون الهولندي تجاه المسلمين المتجنسين بالجنسية الهولندية. من هذه التغيرات المزمع طرحها هو سحب الجنسية الهولندية من المسلمين الذين يقترفون جرائم وإرسالهم فورا الى من حيث أتوا. كما أبدى تخوفات واضحة من اليوم الذي قد تتأسلم به هولندا بسبب الأعداد المتزايدة من المسلمين الذين يقطنون في أراضيها والذين يتسمون بخصوبة النسل وسرعة التكاثر! بعدما فهم السبب الحقيقي القابع وراء هذا الفلم ألا وهو تحفيز المسلمين على إحداث ضجة وأعمال عنف يظهر فيها بعض المسلمين بأنهم أناس غير متحضرين ويجب التخلص منهم بأسرع وقت، قبل أن يزداد عددهم ونفوذهم ، فإنه من الواضح ألاّ تنجر الجالية المسلمة في هولندا الى المنزلق الذي صمم لها. كما أنه على شعوب العالم الإسلامي أن تتصرف بحكمة وصبر تجاه هذه القضية وغيرها من القضايا الأخرى التي هي اصلا موجودة على الساحة أو التي يحضّر لها على طريق المستقبل والتي تهدف الى إثارة المسلمين وتحفيزهم على القيام بأعمال عنف يكون المستفيد الأوحد منها هم أصحاب تلك الأجندات الملغومة. الحل الأمثل والأنجع، في نظري، هو الإهمال والصمت والسكوت والإكتفاء بملاحقة المعتدي قضائيا بتهمة المساس في مشاعر الآخرين، ثم كشفه وتسقيطه معنويّا أمام عيون المتأثرين به وأمام عيون العالم أجمع. فطالما تكون هناك ردود أفعال منفعلة وغير حضارية لمثل هذه الأمور فسوف يتشجع أصحاب النوايا المرسومة على المضي قدما في إبتداع وخلق أزمات جديدة أخرى تدور بنفس المحور. كما أن الإحتجاجات الرسمية والضغوط الحكومية على الحكومات الأوربية وضمن القنوات الدبلوماسية المتعارف عليها ستكون فعّالة بشكل كبير وستحفظ سمعة المسلمين في العالم ولا تظهرهم مظهرا مخيفا أو متلبسين بردود أفعال متطرفة يستفيد منها من يتصيّد في الماء العكر ....
10 آذار, 2008
العراق ينتظر الثورة
العراق ينتظر الثورة... د.محمد مسلم الحسيني بروكسل العراق ينتظر هذا اليوم ثورة... ! ، ويصبو الى تغيير... ، ويتطلع الى خلاص... ينتظر ثورة ليست كباقي الثورات وإنتفاضة ليست كباقي الإنتفاضات . ينتظر ثورة أخلاقية ، إنسانية ، فكرية ، صميمية ، لا حربية ولا دموية . ثورة على الواقع المتدني والحال الرتيب . ثورة على الذات قبل كل شيء ! . ثورة على أنانية النفس ونزواتها وطموحاتها المبتعدة عن مبادىء الأخلاق والإنسانية في بعض الأحيان!. ثورة سلاحها الفكر... والقيم... والشعور...والأخلاق.... وليس الحراب! . ثورة قادتها المثقفون وأصحاب الفكر والبصيرة والكفاءة والمرؤة . لأن المفكرين ان تخالفوا أبدعوا وان تضاددوا اتحدوا وان تخاصموا انسجموا وان تفرقوا إجتمعوا وان تباعدوا أقتربوا وان أختلفوا إقتنعوا أو أقنعوا ! . العراق يحتاج ثورة بيضاء أهدافها المحبة ونكران الذات واحترام رأي الآخرين ووضع الرجل المناسب في المكان المناسب. ثورة شعارها عراقنا فوق الجميع.... ومن الجميع..... والى الجميع.... دستورها الإلفة والعدل والتسامح.... قوانينها تمنع الإقصاء والتهميش، وتنبذ الفرقة والفئوية ، وتلجم أفواه القذف والتسقيط والإذلال . جنودها مؤمنون بأن العراق لكل العراقيين ، لا فرق بين أحدهم والآخر الاّ بالإخلاص للوطن والتفاني من أجله ومن أجل وحدة أرضه وشعبه . العراق يصبو الى التغيير ، تغيير الذات وإصلاحها قبل كل شيء . أن تستبدل ثياب الحقد والكراهية بثياب المحبة والوفاق . أن ترجع شيمنا الأخلاقية المستنبطة من الدين والتراث والمبادىء والقيم . أن ترمى ثقافات العنف والقتل والطائفية في قمامة التخلف والبدائية. أن يسعى الجميع الى مرضاة الله بحب الوطن ومرضاة الوطن بالإخلاص للوطن ومرضاة الضمير بالتفاني من أجل الوطن . أن نقتل النزوات الشيطانية البغيضة المتمثلة في دعوة الإنزلاق الى الكسب المادي والسلطوي التي تغازل أفكارنا ومشاعرنا . أن نكون قدوة في نكران ذاتنا وكبح جماح أنانيتنا وتحجيم رغباتنا والإلتزام بمبادىء القسط والأخلاق والإنسانية. أن نترك المهاترات والمنازلات والسب والشتائم وإشعال نار الإثارة والفتنة في أمور طوى عليها الدهر ونساها الزمن ونتمسك بمبادىء التحضر والمدنية ، ونتخلّى عن طبائع الجاهلية والتخلف . علينا أن نسموا بأنفسنا من الولوج في متاهات السذاجة والإبتذال الروحي والأخلاقي في تصرفاتنا وتحركاتنا . أن نغير مواقع الخلل في أنفسنا بأنفسنا وأن نتذكر قول الله تعالى : (لايغير الله ما بقوم حتّى يغيروا ما بأنفسهم ) . العراق اليوم أكثر من أي وقت مضى يتطلع للخلاص من مأزقه المصطنع . هذا المأزق الذي صنعه من لا ينظر بنور الحق والعدل الى نصاب الإمور، ومن لا تعانق فؤاده المودة والشفقة في مواقع الأنسانية والأخلاق ، ومن لا يفهم معاني التحضر والمدنية في مواقع التغيير والتقدم ، ومن لا تتمسك نفسه بالإيمان الصحيح المبني على حب الآخرين واحترام النفس الأبية وحمايتها وصون كرامتها . العراق اليوم يأمل أن ينجو ممن غزت أفكارهم المريضة نداءات الشيطان البغيضة التي تدعوا الى مخالفة الشرائع والسنن والتمسك بشرائع الشيطان المبنية على الفناء والقتل والدم..... العراق يصبو للتخلص ممن حرف الأهداف السامية في الأرض ورفع شعارات وهمية جوفاء ينطوي تحتها إرادات خبيثة صريحة وواضحة في معناها وفحواها واسلوبها . أن الخلاص المبين من هؤلاء الخارجين عن نظم السماء والأنسانية هو بالإتحاد واليقظة والحذر وحسن التصرف وعمق المعرفة. وعلينا أن نعمل دائما بما أمر الله تعالى حيث قال : (إنما المؤمنون أخوة فإصلحوا بين أخويكم وأتقوا الله لعلكم ترحمون).
10 آذار, 2008
الفتن الأمريكية في العراق
الفتن الأمريكية في العراق د.محمد مسلم الحسيني بروكسل في عام 1996م نشر هينتينجتون كتابه الموسوم " صراع الحضارات" فأثار جدلا حادا بين المثقفين والسياسيين وأظهر استغراب الناس الشديد من هذا الطرح الغريب! وقد وصف البعض هذا الرجل بأنه واسع الخيال وغريب التصور. بينما راح بعض المحللين السياسيين الى أبعد من ذلك، حيث وصفوا طرح هينتينجتون بأنه جزء من مخطط سياسي أمريكي وسلسلة تحضيرات منظمة لصراعات مرسومة تقوم بها الإدارة الأمريكية في مناطق الشرق الأوسط. وبمرور الأيام والزمن تتكشف بعض الحقائق التي تدعم والى حد ما رأي هؤلاء المحللين السياسيين! عندما إجتاحت القوات الأمريكية كل من إفغانستان والعراق وبحجج مختلفة، كان في كتب سجلها السياسي مشروعا إستراتيجيّا كبيرا لوّحت الإدارة الأمريكية الى بعض عناوينه، فسمعنا مثلا " مشروع الشرق الأوسط الكبير" و " دول محور الشر" و" الديمقراطية في الشرق الأوسط" وغيرها من المصطلحات البراقة التي تعني نوايا أمريكية مبيته بإجراء تغييرات جذرية واسعة في خارطة الشرق الأوسط . إلاّ أن بنود هذه المشاريع الأمريكية توقفت عن التنفيذ بسبب المأزق الكبير الذي تعرضت له أمريكا في العراق، حيث لم تفلح الإدارة الأمريكية من تحقيق أهدافها المرسومة في جدول زمني كانت قد حصرته من قبل!. إلاّ أن الفشل الأمريكي في بداية المطاف لا يعني رجوعها مع مشروعها من حيث أتت وبهذه السهولة، بل يعني تفاعلات وردود فعل حثيثة مختلفة تتباين بتباين الأوضاع والظروف المستجدة، حيث لا يستطيع أحد أن يتنبأ بتفاصيلها وخصائصها اليوم. المتابع لمسيرة الأحداث وخضم التطورات الميدانية في العراق يستنتج بأن فتن كبرى قد حصلت وتحصل بإستمرار في هذا البلد ومنذ يوم إجتياح العراق والى حد هذه الساعة! نترك للقارىء الكريم فرصة التمحص والإستنتاج بكنه هذه الفتن وطبيعتها وفيما لو كانت قد جاءت مرسومة أصلا من قبل الإدارة الأمريكية أم إنها تحصيل حاصل أو نتائج عرضية غير مقصودة! 1- جاء الأمريكيون بديمقراطيتهم وأدخلوها الى العراق ضمن سياقات وبرامج مرسومة قامت على مبادىء مثيرة للجدل في نتائجها ومردوداتها . فقد كانت المحاصصة الطائفية والعرقية مثلا من بين الإجراءات والمبادىء التي أقيمت على أساسها أوتاد هذه الديمقراطية. وهذا ما أدى الى تقوقع أو إنكماش سياسي واضح تسبب في إعاقة الحركة السياسية واصابتها بالفشل ، بل مهد السبيل لخلق حواجز طائفية وعرقية في المجتمع العراقي الموحد . صاحب هذا المبدأ إجراءات تحفيزية أخرى لشق وحدة العراقيين وخلق حالة من الكره والعداء فيما بينهم. لقد كان ذلك من خلال حل أنظمة الشرطة والجيش وبعض الوزارات والمؤسسات الرسمية الأخرى، وإصدار قانون إجتثاث البعث. كذلك مداهمة وقصف الأحياء السكنية الآمنة ونشر صور أساليب تعذيب السجناء العراقيين وفتح حدود العراق أمام الشارد والوارد،وتهميش القوى الوطنية غير الطائفية وإبعادهم عن المسار السياسي القائم وإهانة الكفاءة والقدرة العراقية الحقيقية وعدم الإكتراث بها! كلّ هذه الأمور قد ساهمت وبشكل أكيد في إشعال الفتنة الطائفية وغير الطائفية وفي خلق حالة من عدم الإستقرار الإجتماعي والأمني والإقتصادي والخدمي والسياسي في هذا البلد. 2- الفتنة الطائفية لم تقتصر حدودها على صراع طائفي بين الشيعة والسنة فحسب، إنما تعدى ذلك الى صراع شيعي- شيعي وصراع سني- سني! فمن يتمحص مليّا في تفاصيل الأمور يرى بأن الأمريكيين ومنذ البدء قد قرّبوا فصائل من الشيعة دون أخرى وفصائل من السنة دون غيرها. هذا التهميش أو الإقصاء المتعمد الذي وصل الى حد المحاربة والتسقيط لبعض الفصائل ذات المد الشعبي الكبير قد ولّد أنساغا متضادّة متقاطعة فيما بينها داخل الطائفة الواحدة مما ينذر بصراع عنيف داخلي بين ابناء الطائفة نفسها. وهذا ما نلاحظه اليوم على أرض الواقع،فالصراع الداخلي الكامن داخل الطائفة الواحدة يظهر للعيان بين الفينة والأخرى على الساحة العراقية، وهذا ما يشير الا أن الأوضاع داخل الطائفة الواحدة تنتظر ساعة الصفر كي يحصل الإنفجار الكبير! 3- كان العراق يسمّى بالبوابة الشرقية للدول العربية والدرع الواقي أمام "الرياح الصفراء" الهابة من الشرق! وقد باركت أمريكا هذا التصور ووقفت معه إبان سنين الحرب الطويلة بين العراق وإيران. أما اليوم فقد فتحت أمريكا هذه البوابة على مصراعيها فدخلت الرياح الصفراء والحمراء والسوداء على حد سواء! حتى أضحت هذه الرياح تلامس وبشدة أركان دول جوار العراق دون حاجز أو مانع! فما المقصود بذلك...!؟ . ألم تعد هذه الدول التي كانت تحميهم البوابة الشرقية مهمة عند الأمريكيين الى درجة أن تتركهم أمريكا اليوم أمام مهب الريح!؟. هل سيطلق الأمريكيون للإيرانيين العنان من أجل أن يملؤوا الفراغ في العراق وكما وعد رئيسهم أحمدي نجاد ...!؟ وهل سيملأ هذا الفراغ بالرياحين والورود الإيرانية كما ملأته الرياحين والورود الأمريكية من قبل! أم سيملأ بالدم والمال الإيراني وغير الإيراني ...ا!؟ هل حقا أمريكا تقدم العراق هدية سخية وعلى طبق فضي "لحبيبتها" إيران! أم أن السم الذؤام قد ملأ الطبق بما يحويه...!؟. من سيكسب هذه اللعبة؟ هل أمريكا ودول الغرب الأخرى ستبقى متفرجة أمام الإيرانيين وهم يحتفلون بكسب معركة العراق أم أن وقت الحساب العسير لم يحن بعد...!؟. ربما الذي سيحصل في المستقبل من فتن جديدة في العراق وبكل ما يحيط العراق من دول الجوار هو إمتداد حي لفتن أمريكية قائمة في هذا البلد اليوم. 4- الأمريكيون يعلمون كما يعلم كل العالم بأن تقسيم العراق الى اقاليم منفصلة يعني قيام دولة كردية في شمال العراق ، وهذا هو خط أحمر تعتد وتتمسك به تركيا كما تعتد وتتمسك به سوريا وإيران. والديمقراطية المستحدثة في العراق ستؤدي عاجلا أم آجلا الى هذا الإنفصال إن بقيت الأمور تراوح على حالها دون تدخل قدرة قادر! وهكذا فإن نشوء دولة كردية في العراق يعني نشوء نواة كردية تستطيع أن تستقطب الجهود والمساعي في إرساء قاعدة ومنطلق للأكراد الآخرين في المناطق الكردية المجاورة. سيكون سعي الأكراد في تركيا وسوريا وايران من أجل الإستقلال حثيثا وستستعمل كافة السبل والطرق من أجل تحقيق ذلك بما في ذلك الأعمال العسكرية وبكل أشكالها. لقد بدأت بوادر هذا السعي تلوح في الأفق اليوم ، حيث نرى مدى التوتر الحاصل بين الأتراك والأكراد على حدود العراق الشمالية. تحشيد قوات تركية ضاربة على الحدود العراقية- التركية يعني نية تركيا بإجتياح مناطق في شمال العراق سواء كان ذلك عاجلا أم آجلا، هذا الإجتياح سوف يفرز الكثير من التساؤلات والإستفسارات وسوف يزيد من قرائح المحللين السياسيين في طرح تصوراتهم ووجهات نظرهم : هل سيكون الإجتياح التركي لشمال العراق بمباركة أمريكية أم أنه تمرد على الإرادة الأمريكية في هذا الشأن؟. وأن كان هذا الإجتياح مخالفا لرغبة أمريكا ، فما الذي سيحصل اليوم بين حلفاء الأمس! وما علاقة ما يحدث على الساحة بتصرفات إحدى لجان الكونغرس الأمريكي التي أعترفت بتعرض الأرمن للإبادة الجماعية على يد الأتراك منذ ما يقارب المائة عاما!؟ ولماذا يكثف حزب العمال الكردستاني هجماته على تركيا اليوم!؟. هل هدف تركيا من هذا الإجتياح، إن حصل، هو تنظيف المنطقة من أعضاء حزب العمال الكردستاني فقط أم أنه حجة لتواجد دائم ومستمر في هذه المنطقة!؟ وماذا سيكون ردود أفعال دول جوار العراق وهم يرون تركيا تحتل شمال هذا البلد!؟ . جميع هذه الأسئلة الشائكة ربما تحمل أجوبة شائكة أيضا قد لا ترضي الذين يحرصون على سلامة العراق وعلى وحدة أراضيه! 5- محنة العراقيين لم تقتصر على ضياعهم في متاهات الداخل العراقي فحسب، انما سيدفع العراقيون أيضا ثمن نتائج الصراعات القائمة حاليا أو التي ستقوم في المستقبل القريب بين أمريكا وايران في شأن التقنية النووية الإيرانية من جهة وبين أمريكا وسوريا بشان الأوضاع المتأزمة في لبنان من جهة أخرى. وان كان انشغال أمريكا في العراق قد أجل الإجراءات الأمريكية في هذه الشؤون في الوقت الحاضر، فهذا لا يعني أبدا إسدال ستار النسيان على هذه الأمور الإستراتيجية الهامة في السياسة الأمريكية الى ما لا نهاية. الذي يتمحص في الوضع العراقي الحالي مليّا يجد بأن الفتن الواقعة في العراق هذا اليوم هي اقل وأخف من الفتن السابحة في فضاء المستقبل! حيث سيدفع العراقيون، بالإكراه، ثمنا باهضا لبضاعة الديمقراطية المستوردة والمغشوشة التي حوت في طياتها أعقد المشاكل وأصعب المحن!
10 آذار, 2008
الأمريكيون يبحثون عن الحقيقة!
الأمريكيون يبحثون عن الحقيقة د.محمد مسلم الحسيني
10 آذار, 2008
مجالس الصحوة في العراق: إرتياح في الحاضر وغموض في المستقبل!
إنقلاب الصحوة أم صحوة الإنقلاب ؟ د.محمد مسلم الحسيني بروكسل
شكلت العشائر العربية السنية في العراق وبدعم وتشجيع امريكي تنظيمات مسلحة سميّت بـ (مجالس الصحوة الإسلامية) التي باشرت بصراع مرير مع تنظيمات القاعدة المتواجدة في المدن العراقية الغربية والوسطى، وإستهدفت طرد هذا التنظيم عن تلك المدن أو تحجيمه على أقل تقدير. كما يقدر عدد هذه القوات الآن بما يزيد على الـ (77) الف مقاتل معظمهم ينتمي الى حركات مسلحة مناهضة للوجود الأمريكي سابقا . ويتزايد هذا العدد يوميا حيث يتوقع أن يصل في بغداد وحدها خلال العام الجديد الى أكثر من (45) الف فرد. لقد لعبت هذه التشكيلات المسلحة دورا رئيسيا في تقليل شدة العنف المسلح الذي يضرب الشارع العراقي والى نجاح ملحوظ في الخطة الأمنية الأمريكية الأخيرة والمطبقة حاليا في العراق .
يتساءل المتابع للأحداث عن ابعاد هذه التطورات الأخيرة ونتائجها المستقبلية على الساحة العراقية المكتظة بتعقيداتها وملابساتها، وعن الأسباب الحقيقية التي دعت الأمريكيين الى تشجيع تأسيس هكذا تنظيمات مسلحة في بلد يسود فيه حوار البنادق! وعن مصير هذه القوات الجديدة في المستقبل المنظور وعن تأثيراتها على الوضع السياسي المتأزم أصلا وفصلا .