قصة ، من : محمد عبد القادربافقيه
الفصل والأطفال والمعلم
جدرانه القاسية تجعل الأطفال يرونك ذئبا ، وأنت تتمهل عليهم ، تفتح أزرار ثوب هذا وتأخذ حمل الحقيبة من ذاك ، بعضهم يترقبون منك خيفة وبعضهم يتبعك في ممرات المدرسة خائفا من غيابك عنه مثل أبيه، وبعضهم يبحث عن أعذار ليهرب من الفصل، وبعضهم يريد متنفسا قليلا ليتعرف على أصحابه عندما تكون بعيدا ، يشغلك المدير بدفاتره وروتينه اللعين، وأنت تبحث عن هدوء وتفكر في ديونك التي لم تنته ، تغرق فيها كل عام ، أطفالك محبوبون إلى قلبك الصغير، تحمل لهم الحلوى وترميها للكل، لكل إجابة لكل عين خائفة ، تشغل بالك بهم ، تقرب القصيرين منهم إلى السبورة، والأرفع قليلا في الوسط والأطول إلى الخلف ، لكن هناك طوال توصيهم أمهاتهم كل يوم بالجلوس قريبا من السبورة ومنك، ومنهم من يأتيك بأبيه شاكيا الجلوس في الخلف، ومنهم من ينتهز غيابك ويحاول السيطرة على الفصل وأخذ بعض الريالات من الضعاف منهم ، والويل لك لو هذا ضرب هذا وأغضب ذاك، عليك أن تزرع المحبة بينهم، عليك ان تنمي روح التعاون بينهم، عليك أن تسمع آراءهم، وتصغي لأحلامهم الصغيرة وصياحهم وحركاتهم البريئة، عليك أن تعلم من أين تبدأ العراكات وأين تنتهي . عندما تبدأ بحرف ألألف عليك أن ترسمه بطول السبورة؛ ليراه البعيد منهم آخر الفصل والقريب، ثم ترسم جدولا يسع أعدادهم واحدا وحدا ليرسموه، عليك أن تصيح بأعلى صوتك ليسمعوا حركاته ويرسموها، ثم ترسم لهم أرنبا ليجدوا الألف قربه بالفتحة فوقه ملونا بلون مختلف لعله ألأزرق.
كل صباح ترتب ماصاتهم وكراسيهم، ثم تقف قرب السبورة متأملا أحلامهم، ترسم أماكنهم، وتمسح السبورة لتكون نضيفه بيضاء، تضع عليها التاريخ وتخطط الهم يومهم ،تجلس معهم دائما في الفصل لا تخرج منه كثيرا، ترسم لهم بعض الطيور لبعض الحروف ، والحيوانات لبعض الحروف، والكباري لبعض الحروف، والسيارات وإشارات المرور لبعض الحروف ،أياديهم غضة طريه ترسم بالصلصال بعض الحروف والسيارات والطيور ، تأتيهم بالأوراق كل يوم ليرسموا ما تعلموه، وتجلس جوار هذا فيأتيك آخر متوجسا من خطه الصغير من ميله عن السطور، وذاك بخطه الكبير وآخر يكتب من اليسار لليمين ، عليك ألا تهمل الجيدين ولا تخيف المتأخرين، والحروف كثيرة والجيدون يبحثون عن حرف جديد ، أما المتأخرون عليك أن تذهب إليهم أو تقربهم من السبورة؛ ليعاودوا رسم الحروف. وهكذا لا أحد سواكم في غابة الفصل الصغير ترسمون وتلعبون بالحروف والأوراق والأقلام .
الحيوانات المعلقة على لوحات الفصل عيونها تراقبهم وأصواتها تحرسهم وجدرانها تنحني عليهم ، كلما أخطآ أحدهم في رسم حرف جرى التنويه للجميع من أين يبدأ ومن أين ينتهي وكيف يصعد الكبري ومتى ينزل منه ، لابد من الكتابة على الحروف الملونة بالأزرق لا بد من الكتابة على الأوراق والسبورة والنحت بالصلصال, ورسم الحروف في الهواء وإملاء الكلمات الصغيرة والصعبة, لابد وتهجيت مقاطع الكلمات, تجميع الحروف في كلمات وواضع الحركات على الحروف ، أنت لا تمل منهم آخر اليوم تحضر لهم قصة ، وشريط لأفلام الكرتون . وهم متأهبين للعودة للبيت ليحكوا لهم حكاية الحروف والمعلم والصف الصغير ، يتدافعون مع دقات الجرس ، أنتها يومهم ، يفرغ الصف تماما وتبقى وحيدا يأتيك حسام ليقبل خديك ويجري في الممرات فرحا ، تبقى و الصف وحيدان ترسمان الضحكة وتخططان المصات والكراسي المبعثرة وتلملمان دهس الأقلام والأوراق ، تجلس على كرسيك تصنف ألأوراق القديمة والجديدة وتصحح لهم وتنجم الورق وترسم الوجوه المضحكة حتى يأتيك الفراش والعمال بأسلحتهم ، راجين منك أن تركض مثل طلابك وتسلك طريق تهرب منه حيث لا أراء تسمعها من أحد ولا صديق تبوح له بأرائك المكبوتة ولا حبيب يفهمك ، تعود لبيتك ولأطفالك وتدخل فصلا أخر وتقفل خلفه الباب
http://www.arabicstory.net/index.php?p=text&tid=11492 |