قصة ، من : محمد عبد القادربافقيه
| لم يحتمل غصن شجرة اللوز تجمهرالغُرابين فانحنى إلى الأرض ببطء شيئاَ فشيئاَ، غير أنهما غارسان أظافرهما متماسكان يتزنان بجناحيهما عند كل انحناء، لم يصمد كثيرا لتتهاوى قواه وتتكسر عروقه فيخلع كتفه من شجرة اللوز. وبدل أن يسقط طار الغُرابان إلى قصر مظلم لا يدخله النّهار وألقيا بالغصن النحيل أسيراً من نافذة ترفرفُ ستائرها الكتان، كالأشباح. قال ماذا أفعل في هذا الظلام؟... فردت عليه عصفورة جريحة ؛ أنا مثلك أسأل نفسي هذا السؤال ! .. فرح الغصن.. وهو يرتعد من البرد، وقال من أنتِ ؟ قالت : أنا عصفورة رمادية أعيش على أشجار المدن المتفرقة ألتقطُ قوتي من أشجارها وحشراتها وأربي صغاري على أغصانها, أحياناً أبني أعشاشي من أوراقها وألجأ إلى الشقوق الصغيرة في جدرانها، وقد تبلل ريشي ولم أستطع الطيران فأخذني هذان الغُرابان إلى هذا القصر المظلم وذهبا منذ ثلاثة أيام، والعجيب أنهما لم يأكلاني حتى الآن، لعلهما ينتظران موتي، واستطردت قائلةُ للغصن وأنت كيف وقعت في قبضة الغُرابين؟ قال الغصن أكل الدود جذور الشجرة, فأصبحت لا تقوى على الريح وهجرتها العصافير، ولم تعد تحط عليها إلا الغِربان. وصل الغُرابان إلى البحر، وهناك نورس طيب القلب حط بالقرب منهما متوددا ً، فنظر الغُرابان أحدهما للآخر وسأله هل تصيد الأسماك؟ قال النورس نعم، قال الغُراب لصاحبه لعله يشعر بالوحدة ويريد منا أن نكون أصدقاء، بعدها حلّق النورس جهة البحر على ارتفاع بسيط سعيداً بموجات البحر وظلاله المرتسمة في سطح المياه المالحة، ترسم جناحيهِ وجسدهِ، لكن عينيه لمحت ظلالاً أخرى خلفه ترسم نفس مساراته وخطوات ظلال جسده، فكانا كظلين متعانقين في البحر. أوجس النورس خِيفةً من الغُرابين بعد اعتمادهما الكُلي على صيده الذي يأتي به من البحر، ومشاركة النورس في طعامه ومنازعته عليه. أصبح النورس أسيراً يقدم طعامه الشهي للغُرابين، مستسلماً لا يتركان له ما يسد به جوعه، حتى بدا جسده هزيلاً ، وأصبح لا يقدر على جلب الطعام لهما، فحمله الغُرابان إلى القصر المظلم وألقيا به من النافذة . في الظُّلمةِ تقدم الغُصن والعصفورة نحوه، فقالت العصفورة .. جاءنا أسيرُ آخر قال النّورس لا لست أسيراً، قال الغُصن ... ماذا يريد الغُرابان من عصفورة متعبة ونورس هزيل وغصن شجرة أكل الدود فيها حتى جفت أوراقها ؟ في هذه اللحظة كان الغُرابان قد استقر بهما المقام على أحد أعمدة النور في وسط المدينة يراقبان قطة تريد عبور شارع فاخر مزدحم بالسيارات الفارهة والعمائر الشاهقة الارتفاع لعلها تجد ملجأً آمناً وطعاماً نظيفاً، لكنها تعثرت ولم تستطع تجاوز الطريق فسارع الغُرابان إليها وقد دُهست إحدى ساقيها، وحملاها إلى القصر المظلم والقيا بها من النافذة. حركت الريح كلّ الستائر وأزداد صفيرها، لحظتها تجمع الغُصن والعصفورة والنّورس والقطة باحثين لهم عن مخرج من هذا القصر المظلم . |