egypt2020

« |

والله زمان يامصر

والله يا مصر زمان بقلم أسامة غريب ٢٢/٢/٢٠٠٧ عندما نزل من الطائرة بعد غيبة ثماني سنوات وصافحت بصره لافتة: ادخلوها بسلام اَمنين.. اهتز قلبه وارتعش ووجد نفسه يغمغم: والله يا مصر زمان. عبث رجال الجمرك بحقائبه في جلافة، واستظرف أحدهم سائلاً إياه عن فيلم ثقافي، فلم ينفعل ولم يسمح للغضب أن ينتقص من فرحته، لملم أشياءه وخرج من المطار، هو يعلم أن مصر قد ساءت أحوالها إلي درجة كبيرة، ولن يدعي التفاجؤ باللصوصية والرشوة والسوقية والقذارة، لقد كانت هذه أسباب سفره واغترابه، كل ما يعنيه الآن هو إجازة لمدة أسبوعين بأقل قدر من المنغصات، ولن يسمح لأحد بأن يفسدها عليه. توجه بعد أن وضع حقائبه بالبيت إلي مكتب تأجير سيارات حتي لا تضيع أيامه في الشجار مع سائقي التاكسي، كان المكتب فخماً يحتل شقة بالدور الأول في عمارة بالمهندسين، والسيارات تتخذ من الرصيف والشارع معرضاً دائماً!. أدهشه أن المكتب يغص بالفتيات اللائي يشبهن فتيات هالة سرحان وقناة «روتانا» يعملن في استقبال الزبائن. سألته الموظفة بدلال عن طلبه فأجاب: أي سيارة بحالة جيدة، أمسكت بيده وسارت به إلي الشرفة وأشارت للسيارات الواقفة بالأسفل: اختر ما شئت فكل ما لدينا جديد، أشار إلي واحدة، قدمت له نموذجا لملء بياناته، لم يجادل في السعر رغم ارتفاعه الواضح، لكن أفزعه الشرط الموضوع في العقد والخاص بألا يسافر خارج القاهرة وألا يتعدي ما يقطعه يوميا مائة كيلو متر، اعترض بشدة لأنه ينوي أن يسافر داخل القطر كما يحلو له، قالت ذات الدلال إن هذا يقتضي سعرا مضاعفا! رضخ صاغراً لكنهم لم يكتفوا وطلبوا مبلغ ٢٠٠٠ جنيه علي سبيل التأمين يتم رده عند إعادة السيارة، بعد أن وقّع الأوراق ودفع المطلوب فاجأته الموظفة عندما سألته التوقيع علي إيصال أمانة بمبلغ ١٠٠ ألف جنيه، رفض بشدة وقرر إلغاء الأمر برمته، حيث إن تأجير السيارات في كل مكان بالعالم لا يتضمن هذا الإجراء العجيب، هنا تدخل صاحب المكتب وهو رجل لا تخفي أناقته البادية سحنة القواد غليظ الملامح التي يحملها وقال: يا سعادة الباشا نحن نثق بمعاليك ولكن هذا إجراء شكلي يسري علي الجميع.. عندما تعيد إلينا السيارة نعيد إليك الإيصال، حسم تردده ووقّع الإيصال، لكن تفاؤله بالإجازة بدأ يهتز، تسلم المفاتيح ونزل إلي السيارة، فلما اقترب منها فوجئ بها «مخبوطة» في أكثر من موضع، وقال الموظف: سنقوم بعمل بيان بكل العيوب الموجودة بالسيارة حتي لا نقوم بتحميلك مسؤوليتها عند إعادتها، فقال وهو يقاوم الانفجار: أنا أريد سيارة سليمة وبدون عيوب وقد دفعت مبلغاً يكفي لشراء سيارة في البلد الذي أعيش فيه، فاعتذر الموظف السمج قائلاً: لقد وقّعت سيادتك علي العقد ولا نستطيع تغيير السيارة، فصاح غاضباً: إذاً أعيدوا إلي فلوسي، فهز الموظف كتفيه وانصرف، عاد صاحبنا إلي المكتب مسرعا وحكي الأمر للفتاة طالباً إلغاء العملية واسترداد ما دفعه، فاعتذرت بأن ما تم دفعه لا يمكن استرداده، فطلب التحدث مع صاحب المكتب، فأخبرته أنه انصرف ولن يعود قبل يومين!.. لم يدر ماذا يفعل مع هؤلاء المخادعين، وشعر بالدنيا تضيق في وجهه والإجازة توشك أن تتحول إلي كابوس.. لماذا تفعلون هذا؟ ألا تحرصون علي سمعة مكتبكم؟ فقالت الموظفة: صدقني يا أفندم نحن لسنا نصابين.. كل ما في الأمر أن العائدين من الخارج يتصورون الأمور في مصر تجري مثلما هي في الخارج، وعندما تعتاد علي التعامل معنا ستعرف كم نحن طيبون!.. لم تزده كلماتها السخيفة إلا غضباً، المهم.. فوض أمره إلي الله وعاد لتسلم السيارة. كانت مهمة فحص السيارة صعبة للغاية تحتاج لعيني صقر يستطيع رصد العيوب حتي لا يحملوه إياها عند إعادتها، في النهاية دخل سيارته وقبل أن يدير الموتور اكتشف غياب المرآة الأمامية التي لا يمكن القيادة بدونها!. أين المراية يا بني؟.. ثانية واحدة معاليك، غاب الأفندي قليلا ثم عاد مبتسماً وفي يده المرآة ودخل وثبتها في مكانها. أين كانت؟ هل أخفيتموها لتحاسبوني عليها وكأنني أنا الذي أضعتها؟.. ابتسم في حياء مصطنع يليق بغانية ولم يرد. وضع المفتاح وحاول إدارة السيارة فلم يتحرك الموتور، جرب عدة مرات، لا فائدة.. صرخ علي العاملين: تعال يا بني، السيارة لا تدور، الله يخرب بيوتكم . خف إليه وجه جديد.. ما الموضوع يا معالي الباشا؟ الموضوع أن السيارة قطعة خردة لا تدور، فرد العامل كأنه تذكر شيئاً: آه عرفت، السيارة ليس بها بنزين، غاب لحظات ثم عاد يمسك بكوز حقير وصب مقدار فنجان بنزين داخل السيارة وقال: من الممكن هكذا أن تصل إلي محطة الخدمة عند الناصية القادمة!!.. كاد صاحبنا أن يبكي من القهر.. لقد قام باستئجار سيارات في معظم عواصم العالم، ومن المتعارف عليه أنك تتسلم السيارة مملوءة بالوقود وتعيدها مملوءة، أما أن تتسلمها فارغة فهذه بدعة غير مسبوقة، وصل للمحطة وملأ السيارة بالوقود واندفع علي الطريق مستبشراً أن الإجازة قد بدأت، لكن ما كاد يصل إلي الطريق الصحراوي حتي سمع الموتور يزمجر وحشرجته تتزايد، ثم يتعطل وتقف السيارة. يوماً بأكمله أمضاه صاحبنا علي الطريق بصحبة الميكانيكية والكهربائية والعفشجية.. في النهاية تم إصلاح السيارة ودفع صاحبنا مبلغاً جسيماً لإصلاح الكتاوت والكبالن والأنارخ إلي آخر هذه الأسماء العجيبة!. فقد صاحبنا رغبته في الفسحة وانهارت أحلامه في الإجازة، وصار كل همه أن يستعيد إيصال الأمانة.. أعاد لهم السيارة مجددة ومملوءة بالوقود، وترك لهم مبلغ الإيجار الذي دفعه وسمح لهم أن يصادروا مبلغ التأمين، لأن السيارة بها تلفيات!! لم يجادل و لم يناقش.. استعاد ايصال الأمانة وخرج إلي الشارع يغني: والله يا مصر زمان!

تعليقات

Comment Icon

آه و الله كل الدول العربية بدون استثناء تعاني و تعاني, ليس من الغريب أن يتعرض بطل القصة لصدمة ثقافية في الصميم كهذه!

Arrow Icon عربي | 25/02/2007, 09:55 [الرد]

اضافة تعليق
authimage
رمز التأكيد
 
A service provided by Al Bawaba