قصص قصسرة
بعد كل الذي حصل أغفو على ركام من ألم وأبتلع الغصات بكل قوتي .. بعد كل الذي حصل يصير القديم بسيطا ً أمام الآتي ويعلن النزيف بداية المشوار , فيغدو الدمع أكثر قوة وتشرد العيون عما حولها.. يتحول الانتظار إلى حرمان وتغتسل الأشياء ثم تختفي .
يصير كل همي أن أقلّب الدواخل وأبسّط المسألة .. أن أقنع نفسي بأي حل لكن الإقناع يتعذر .
تشدني العزلة إلى الظلام ويشدني الظلام إلى العزلة .. تستهويني الأشياء الموحشة الخالية ويستهويني الخوف والارتعاش .
تتدلى الأشياء من سقف ذاكرتي وتتأرجح بعنف .. تهز ما حولها وتستقر أمام عينيك فتصير الأمور أكثر تعقيدا ً .
ترى هل كنت أنا التي تلتصق بحواف جلدك أم أنت؟؟ .. لم أجد إجابة تشفي ثورة نفسي وغليان مرجلي ..
عيون الآخرين التي تحلقت حولنا كانت تستنكر أن يولد حب ٌ بيننا كما تستنكر الحكومات العمليات الإرهابية وكما يستنكر العدو الصهيوني عمليات المقاومة في الأرض العربية والتي لم تكن إلا حالة فطرية لانبثاق الأم والحق في التنفس والنمو على مساحة دارك .
كيف يولد حب ٌ والفارق بيننا عشرون سنة بحجم قنبلة نووية لا تزال آثار انفجارها عالقة ً على أطراف ثوبي وأصابعي .
عندما أحببت للمرة الأولى كنت في العشرين من العمر وكان هو في الخمسين ..
نسي الرجال أن يمسحوا أثر أحمر الشفاه عن قمصانهم البيضاء قبل دخولهم إلى البيت للنوم في أحضان زوجاتهم ..واكتفوا بالتحلق حولنا لخنق ما سميناه حبا ً وسموه عاراً .
النساء أيضا ً كن يتسترن بثوب العفاف والفضيلة بينما كانت ترسم كل واحدة منهن في مخيلتها لحظات غوصها الفاحش في أحضان شاب ٍ فائق الجمال يظهر على شاشة إحدى المحطات التلفزيونية
نسوا كل شيء وتربعوا حولي .. راحوا ينثرون محاراتهم كعرّافات الغجر ليرسموا لي الطريق الذي إن لم أسر عليه حلت اللعنة علي .
وبعد انتهائهم من الصلاة على النبي يعودون لرجس الروح والجسد وخلق بؤر الألم والطين على الوجوه .
والآن أصبحت في الأربعين وأحببت شابا ً في الثلاثين فعادت شهوة عرّافات الغجر لملاحقتي وعادت الحكومات لتستنكر وتندد وتشجب اختلاجات روحي وذوبان مفاصلي أمام رجل ٍ لا يصغرني إلا بعمر حده عشر سنوات من الألم والضياع .
لم أكن غضة على الحياة ولم أكن هشة على الحب ..ما اعتنقت خطيئة حين أحببتك وأنت تصغرني بعشر سنوات .. كنتَ تقول لي دوما ً : الحب كالموت لا يعرف صغيراً أو كبيراً .. الحب خيط يساوي بين الأرواح وغزارة تأبى التوقف .
وكنت أهز رأسي موافقة على كلامك سادة أذنيَّ بأصابعي وعيني بصدرك كي لا أسمع أو أرى خواءهم
حاربتهم .. لكن هل كنت أحاربهم لأجلك أم لأجل كسر قيودهم وتلافيف أدمغتهم ؟!
هل كنت أرقص رقصتي على ألحان اصطكاك أسنانهم دون أن أشعر بوخز الخناجر وهي تدمي قدميَّ وأحشائي .
مغيبة ً عن كل شيء ٍ مغمسة ً بصمغ ٍ سميك ٍ لإعاقة حركتي وألحان ٍ سريعة ِ الإيقاع ِ تجبرني على الرقص والدوران .
رقصة الصمغ أرهقتني .. كان علي ّ أن أتحرك أكثر لأمنع التصاق جسدي وشلل عضلاته وكان الصمغ يزداد يبسا ً وجفافا ً على جسدي كلما هدأت فأعود بحركة أكثر سرعة ً وجنوناً لأمنع التصاق الجسد وغيابه ..
وأنت أين كنت حين تقاذفتني الخناجر وأنا أرقص رقصة الصمغ المعذبة ,هل كنت بينهم ترقب جسدي وهو يتلوى ألما ً لي وشهوة ً لرجال خرجت عيونهم من محاجرها لتلتهم انثناءات جسدي وطراوة عنقي .. لم أستطع التوقف لحظة واحدة للبحث عنك بين الوجوه .
أية لحظة توقف لي تعني جفاف الصمغ المحيط بي وسقوطي على مسرح مبهر الأضواء ..
لن تصفق تلك الأكف الملوحة بالعويل .. سأستمر بالرقص سأتلوى كأفعى .. سأتوزع بينكم لأستخرجكم من أجسادكم ولأقبض أرواحكم وأنتم تنتزعون أنفاسكم بصعوبة من بين أصابعي أراك جميعا ً تحاولون فك ربطات أعناقكم بتوتر بالغ ..العرق غزير يتصبب منكم
لا أرى إلا أشباه وجوه وفتات شموع .. هل كنت بينهم ترقب احتراقي وتواتري أم كنت وحدك تخنق كلمات اعترافك وتحاول ردم الجسور ؟.
ما أذكره جيدا ً أنني عندما سقطت على حلبة الرقص والصمغ يزداد كثافة ويبسا ً حولي أن أيادي الجميع امتدت لتلتقطني فالتصقت بجسدي المضمخ بالاشتعال ..إلا يداك بحثت طويلا ً عنهما على حدود جسدي فلم أجد لهما أي أثر
حلقة أو حلقتان ويتفجر اسمه في سماء الزرقة والأضواء .. سيبزغ النور من بين أصابعه ومن نبرات صوته وهو يعلن عن برنامجه الإذاعي الجديد" مواهب شابة "
لقد قام سعيد الراوي بدراسة حثيثة قبل الإعلان عن برنامجه الجديد , وعندما اكتملت العجينة وتخمرت بين يديه أعلن عن برنامجه وراح ينتظر رسائل المشاركين ففكرة برنامجه تعتمد على مشاركات الموهوبين من الشباب والشابات
راح يصدح بصوته الإذاعي المتميز وعلى الهواء مباشرة :
هدفنا هو التواصل معكم والرقي بما تكتبونه من إبداعات متميزة .. نحن معكم في برنامجكم مواهب شابة كل ثلاثاء الساعة التاسعة والنصف مساء بالتوقيت المحلي ..
مع تحياتي لكم .. سعيد الراوي .
اليوم هو الخميس لا زال لديه وقت كاف لاستقبال رسائل المشاركين وإبداعاتهم .. كان نشاطه واضحا وحماسه كبيرا , فقد اتصل بأحد الأدباء الكبار وبناقد حصيف للمشاركة في الحلقة الأولى من البرنامج .. كل شيء ٍ كان جاهزا ً إلا مشاركات الأحبة كما كان يحلو له أن يناديهم .
بقي يومان فقط ويحين موعد إذاعة الحلقة الأولى من برنامجه الجديد .. لكن يا لسوء حظه , صندوق البريد الخاص بالبرنامح خال ٍ من الرسائل .
للمرة الأولى يتعرض لمشكلة من هذا النوع .. مع أنه أعلن كثيرا ً عن البرنامج حتى أنه زج إعلانه بين البرامج المهمة والمسلسلات المشوقة والأغاني المضيئة لكن دون جدوى .. مع ذلك لم يرد الانسحاب أو تأجيل موعد البرنامج فهناك من ينتظر زلة منه أو ترجعا لذا قرر الموجهة والاستمرار .
لم يستطع النوم .. مد َّ أوراقه على طاولته الخشبية وراح يرسم خطوطا لا معنى لها .. كانت تلك طريقته في التفكير ,.. خط أفقي .,. آخر عمودي .. خطوط متعرجة .. نقاط ... وأخيرا ً برقت في ذهنه ومضة جعلته يقفز قائلا : لقد وجدتها .
أمسك القلم وراح يؤلف قصة . في أسفل الورقة وقع باسم : إبراهيم حساني
ورقة أخرى وخاطرة جديدة خطتها يداه .. وفي أسفل الورقة كان يشرق اسم : هناء السالم
وهكذا راح يكتب بمتعة كبيرة ,. تفتقت قريحته الأدبية في تأليف القصص والخواطر والمقالات واختراع الأسماء أيضا ً .
وعندما أذيعت الحلقة الأولى حققت نجاحا ً باهراً حتى أن الناقد الحصيف والأديب الكبير المشاركين في الحلقة أعجبا كثيرا ً بمشاركات الشباب الموهوبين .
شعر سعيد بسعادة كبيرة وقال في نفسه : بعد نجاح هذه الحلقة لا بد أن تنهال الرسائل على برنامجي كزخات المطر ..
لكن شيئا ً لم يصل
فاضطر سعيد لتأليف نصوص أدبية جديدة غير غافل عن تغيير أسلوبه بين مادة وأخرى كي لا يقع في موقف تشابه النصوص وملل البرنامج .
أذيعت أكثر من خمس حلقات بنفس الطريقة .. سعيد هو المعد وهو المذيع وهو المؤلف لكل النصوص الواردة .. كان يشعر بتعب كبير وهو يقضي وقته في التأليف واختراع الأسماء .. ما أدهشه أكثر أن النقاد كانوا يجمعون على تفوق معظم النصوص المشاركة في البرنامج ..
شعر سعيد بشيء من الكآبة وشيء من التشوق أيضا لمعرفة آراء النقاد والأدباء بما يكتبه .. لكن برنامجه يعد فاشلا بنظره .
لأنه وإلى الآن لم تصل رسالة واحدة .. نجاحه فقط كان مرتسما في عيون النقاد والأدباء وزملائه في الإذاعة .. الكل يشيد بجهوده وتميز برنامجه .
لكن ألمه يزداد خاصة وأنه لم يعد يستطيع التراجع أبدا فتراجعه سيثير حوله الكثير من التساؤلات والهمهمات .
هناء السالم ... إبراهيم حساني .. مريم الرجا ... طارق الرشيد وغيرها من الأسماء تطارده كل يوم في أحلامه تتحول إلى أناس بوجوه كبيرة وابتسامات غريبة تخيفه وتجعله يستيقظ في منتصف الليل مرعوبا .
فكر أن يغير أسماء المشاركين المتميزين .. كان شيئا صعبا بالنسبة له مع أن السماء كثيرة ولا تحصى إلا انه كان يبحث عن اسم يجعلك تشعر أنه اسم لشخص حقيقي .. اسم واقعي تماما وفي الوقت نفسه يجب ألا يكون اسما لشخص تعرفه ويعرفك ..
غير بعض الأسماء وجهز المواد المشاركة .. وأذيعت حلقة وحلقات وكان المدير المسؤول عنه يعجب بنشاطه أكثر فأكثر حتى أنه وجه له بطاقة شكر على جهوده ونشاطه في العمل مما جعله غير قادر على التراجع أبدا .
أصبح لبرنامجه صدى كبير وسمعة متميزة في الإعلام والأدب ..
الجميع يثني على البرنامج الرائع الذي ألقى الضوء على العديد من مواهب أبناء الوطن والتي في الحقيقة لم تكن إلا موهبة واحدة واسما واحدا .
رأس سعيد أصبح مثقلا بالهموم والأفكار والأشواك .. لقد وقع في ورطة كبيرة ولا يدري كيف يتخلص منها .
فتح صندوق بريد البرنامج بيأس فهاله ما رآه .. كومات من الرسائل متراصة فوق بعضها البعض وتكاد تفجر الصندوق ... أخذها وراح يقرؤها بشغف فدهش أكثر
الرسائل لم تحتو على أية مشاركة أدبية ..
لقد ضمت الرسائل كلمات إعجاب بنتاجات بعض المشاركين وتساؤلات عن غياب بعضهم .. وفي بعضها كان هناك طلب لعناوين الأدباء الشباب المشاركين في البرنامج .
ضحك في سره فقد اتسعت الحفرة أكثر وهاهي قدمه ترتعش على حافتها .
أين المفر الآن ؟!!!
يريدون عنوان هناء السالم وإبراهيم حساني ومريم الرجا ..و..و .. و
ضحك بصوت عال ..ضحك من أعماقه .. ترك عمله
وعاد إلى بيته .. أمسك ورقة وقلما وراح يكتب إهداء لمجموعته القصصية الأولى
فقد اكتشف أنه أديب بارع .
في صمتها زهرة ٌ للبوح بعطر الياسمين . فمن يتذكر صوتها ويحاول استنشاق عذوبته ؟
لقد نصب الألم خيمته و أدواته وأشعل نيرانه اللاهبة وبدأ بطبخ الذكريات في مرجل روحها .
تغلغل شيء ٌ من الحريق إلى أمعائها وتسلل الخدر كلص ٍ خلع نعليه ودخل في عتمة نفسها .حاولت ابتلاع ريقها لإطفاء شيء ٍ من الحريق لكن حلقها كان جافا ً كوجه سجادة ٍ مليئة بالغبار .استندت ْ على الطاولة محاولة ً رفع جذعها للأعلى فسقط الماء وتحطم الكوب الزجاجي .فتحت ابنتها عينيها ثم عادت للنوم دون أن تسمع صوت والدتها وهي تقول لها : /أريد كوبا ً من الماء /.
ثم رمت الوالدة نفسها من السرير على أرض الغرفة , وراحت تزحف بهدوء بحثا ً عن الماء .وعندما شربت وارتوت تأملت قفص العصافير الخالي , وأصص الأزهار الفارغة إلا من تراب ٍ يابس ٍ لقد ماتت العصافير الصغيرة وذبلت الأزهار بعد أن أقعدها كبر السن .كم كان بيتها جميلا ً . كانت تستيقظ قبل الجميع لتملأ البيت بهجة ً . تفتح النوافذ وتشغّل المذياع ليصدح صوت فيروز, ثم تجهزالقهوة وتتركها تغلي كثيرا ً حتى تفوح رائحتها الزكية وتملأ أركان المنزل .نظرت إلى ساقيها المرميتين خلفها كشيء ٍ فائض ٍ عن حاجتها ثم ابتسمت وقالت : لم أعد مضطرة ً للسقوط بعد اليوم . لقد سقطت ُ وانتهى الأمر .
النافذة عالية ٌ, و الوجع عميق . فقط لو تستطيع مدَّ جسدها إلى الأعلى لرؤية الشارع ومراقبة الأطفال وهم يلعبون . ولإلقاء تحية الصباح على نسوة الحارة وهن يشترين الخضار .أية وخزة ٍ تمعن في قلبها و أية دمعة ٍ تنحدر على تجاعيد وجهها المدوّر الجميل .تمسح عينيها المنكمشتين بطرف كمها وتختنق بصمغ كثيف يتعرش في رئتيها وأنفها .
تنهض ابنتها مذعورة ً :/ لقد تأخرت ُ يا أمي . لم َ لم توقظيني باكرا ً ؟ /
وترتدي ثيابها على عجل ٍ بينما تنتظر الأم كلمة ً جميلة ً تجترها لهذا اليوم :/ صباح الخير يا أمي /
لكن عبثا ً , فابنتها في عجلة ٍ من أمرها دوما ً .
/هل تريدين شيئا ً يا أمي ؟!/ وقبل أن ترد عليها أمها كانت قد أطبقت الباب وذهبت إلى العمل .
/كنت أريد منك أن تساعديني في الذهاب إلى المرحاض/ قالت الأم بخيبة ٍ . لكن أحدا ً لم يسمعها .كان عليها أن تتدبر حاجاتها بنفسها . أن تخربش َ ألف مرة ٍ على الجدران لتستطيع رسم وردة ٍ .أن تلطخ ثوبها بعشرات البقع لتستطيع َ تناول ملعقة ٍ من الحساء البارد , وأن توسخ ثوبها لتستطيع قضاء حاجتها .
أي َّ ضعف ٍ هذا ؟! وهي تحتاج لمن يطعمها ويغسل لها يديها ويأخذها إلى المرحاض .
ما ذنب ابنتها الشابة لتحتمل النظر إلى جسدها الضعيف وهي تجره خلفها بصعوبة كشباك صيد محملة ٍ بحيتان من الهموم هكذا كانت تفكر العجوز عندما بدأ الألم بالسيطرة عليها .
تساقط العرق على وجهها بغزارة ٍ وارتفعت درجة ُ حرارتها ولم تعد قادرة ً على التنفس . صمدت قليلا ً ثم سقط ما تبقى من جسدها على الأرض .
ولم تستيقظ من غيبوبتها إلا وهي في المشفى حيث أسعفتها إحدى جاراتها اللواتي تجمعن حولها حتى عادت إلى وعيها وسجلّت حضورهن فانصرفن معتذرات ٍ وتركنها للّحاق ببيوتهن وأزواجهن .
في تلك الأثناء كانت الفتاة قد عرفت بأمر والدتها فرمت الأوراق التي كانت في يديها وشعور ٌ بالذنب يخدش روحها .ألم يكن من الأجدر أن تهتم بوالدتها أكثر ؟ أن تعطيها ولو جرعة ً من حنان ٍ كانت قد أغدقته عليها وهي طفلة ٌصغيرةٌ .استقلت سيارة أجرة ٍ وطلبت من السائق أن يأخذها إلى المشفى بسرعة .
دموعها المنهمرة على وجنتيها جعلت السائق يشعر بالخوف والحزن فأسرع في القيادة متجاوزا ً الإشارات المرورية وصفير شرطي المرور .وقبل أن تصل السيارة إلى المشفى بقليل دوى انفجار هائل وتطايرت أشلاء السيارة بعيدا ً .مات السائق وأُسعفت الفتاة إلى المشفى نفسه .
لقد بقيت على قيد الحياة وقيد الذكريات بجسد ٍ تملؤه الكسور الحادة التي لن تشفى قبل شهور ٍ طويلة ٍ .كانت الفتاة تبكي بحرقة ٍ وهي تبحث عمن يخبرها شيئا ً عن والدتها . لم تشعر بآلام الكسور الكثيرة التي احتلت جسدها فقد كان هنالك ألم عظيم يخنق أعصابها .
سألت إحدى الممرضات عن والدتها وطلبت منها أن تساعدها في رؤيتها . وبعد ساعات قليلة ٍ كان سرير الفتاة بجوار سرير أمها .
الفتاة مضمدة ٌ بالكامل والأم تتنهد ألما ً وحزنا ً على ابنتها وأنبوب السيروم مغروس في وريدها .بكت الأم كثيرا ً على ابنتها . ابنتها التي لم تتوقف عن الهذيان باسمها .
وفي منتصف الليل سمعت الأم صوت ابنتها الضعيف وهي تقول : أريد ماء ً , أريد كوبا ً من الماء .لكن َّ أحدا ً لم يسمعها فالممرضات نائمات والأطباء غائبون . ولاشيء سوى أنين المرضى وعذاباتهم .كررت الفتاة النداء بصوت ٍضعيف ٍ لكن َّ أحدا ً لم يسمعها سوى قلب والدتها التي رمت نفسها من السرير على أرض المشفى وراحت تزحف بصعوبة وهي تجر خلفها أنبوب السيروم وقطرات ٍ من الدم بحثا ً عن كوب ماء ٍ لابنتها المريضة .
أمد نظراتي اللاهثة إليك وأوارب كي لا تقبض علي في محاولة تجسس ٍ على عينيك الجميلتين
ألملم ذرات عطري وأسند رأسي على النافذة بينما يسير بنا الباص بسرعة .
ما أسهل وقوعنا ضحايا حب ٍّ عندما نكون قد استعدنا توازننا للتو من وقعة حب فاشلة . فنعاهد أنفسنا ألف مرة ٍ بأننا لن نحب مرة أخرى .
وعندما يسوقنا القدر لأول لهفة قلب ٍ ننزل أمتعتنا ونرفع الرايات البيض كلها وكأننا لم نكن قبل ساعات ٍ فقط ضحايا حرب ٍ وحب .
عبثا ً أحاول الهرب من وجهك الذي يحتل ملامحي . لا تحاول أن تغويني بحفيف أوراقك كي أستطيع الصمود .
تسقط التعاويذ ثكلى أمام قدميك وتحار العيون من أين تلتقطك . وأحار أنا من أين ألتقط أنفاسي وأنا بحاجة ٍ لصدر رجل . أي رجل .. والآن أنت .صدر ٌ واسع ٌ يطوي ألمي ووجعي .
لماذا لا تنظر إلي ؟ لماذا لا تكلمني ؟!
اقترب . أنا بوابة ٌ مشرعة ٌ للدخول فلتقترب أيها الرجل وتأخذني بعيدا ً إلى عالم ٍ ساحر ٍ وجميل ٍ لنا وحدنا .
كنت أحدث نفسي عندما توقف الباص فجأة وطلب منا المرافق النزول إلى الاستراحة .
طاردتك بعيني .. تبعت خطواتك . تمنيت أن تدعوني لشرب فنجان من القهوة لكنك لم تنظر إلي أبدا ً ولا نظرة ً عابرة ً .
أدقق في تفاصيل وجهك وألوان ثيابك وحركات يديك . أحاول الولوج إلى شخصيتك من خلال ذلك كله . قرأت كثيرا ً عن تحليل الشخصيات من ألوان الثياب وملامح الوجه وحركات اليدين , لكنني دائما ً كنت أصدم بنتائج تحليلاتي لأن الناس ما كانوا أبدا ً يستخدمون ملامح وجوههم الحقيقية ولا ألوان ثياب ٍ هم اختاروها . كان كل شيء ٍ بقايا من الآخرين أو تقليدا ً لهم . وربما أشياء يجبرون عليها ولا خيار لهم فيها .
كم أنت متحجر ! ألم ترني بعد ؟! ألم يصلك شيء ٌ من رذاذ عطري ؟!
يا لبلاهتك لأنك لم ترني و يا لبلاهتهم لأنهم ينظرون إلي هكذا فيعيقونني عن البحث عنك .
سنتان ودوامات تبغك تحاصرني . كم مرة حاولت الاقتراب منك لكنني تراجعت لأن المرأة عندما تقترب تنخفض أسهمها لديكم وإذا ما أعرضت وأغلقت أبوابها وأغمضت عينيها وخرست عن الكلام خجلا ً تتهافتون للزواج منها وعندما تمتلكونها تضمونها بقوة وتبحثون عن أخرى تطاردكم لإرضاء متعة غروركم .
هل ستقول لي شيئا ً اليوم ؟ .هل ستنتشلني من وجعي ووحدتي ؟!
لقد أحببت قبلك . أحببت رجلا ً منحته كل شيء ٍ حتى مل َّ عطائي . ما كنت أعلم أن الرجال يحتاجون لآمال معلقة ٍ ووعود ٍ بعيدة ٍ. عاهدت نفسي ألا أحب مرة ً أخرى لكنني مزقت كل عهودي وتسوّلت حبك في الأزقة والطرقات .
يا لقسوتك !
ألن تكلمني .. ألن تنظر إلي ؟!
كم أشتهي صفعك الآن , كم أحقد عليك . ليتك تقترب لأصب جام غضبي كله عليك . لأمزقك وأفرغ ما في جوفي من وجع .
ألن تقترب أيها الجبل الراسخ ؟! ألن تضم ضعفي لأستحيل قوة ً تدمرك ؟
لقد وصلنا سأنزل قبلك كي تلحظ وجودي في محاولة ٍ أخيرة ٍ .
الأمل يعتصرني وأنا أنزل . أحمل حقيبتي الصغيرة وأسير بخطوات ٍ متواترة ٍ مرتبكة ٍ.
لقد فقدتك قبل أن أمتلكك . سأحث خطواتي وأتجرع وحدتي وألمي .
أثناء سيري خيل إلي أنني أسمع صوت نداء . ثم سمعت وقع خطوات ٍ سريعة ٍ ورائي .
كأنني ألمح لون عينيك في مكان ما . قلبي يخفق باللهفة . إذن وقعت أخيرا ً وستأتي إلي .
سأهرب أكثر كي أشعرك بالتعب . سأنتقم من قسوتك ولا مبالاتك .
إذن كنت تحبني وتتجاهلني .
سأستقل سيارة ً لأزيد في عنائك .
أنت تلوح لي بيديك ! يا لسعادتي !
أركب في السيارة فأراك تلوح لي بيديك وتطاردني .
ما أجمل مطاردتك . ما أجمل هطولك بعد كل هذا الجفاف واليبس .
يا للمتعة لقد أخذت َسيارة أيضا ًوها أنت تطاردني .
أشعر بسعادة ٍ كبيرة ٍ . لن تتمكن من إمساكي فقد عذبتني كثيرا ً حتى استطعت أن أجعلك تشعر بي .
سألني سائق سيارة الأجرة : هل أقف ؟!
فأجبته : بل أسرع أكثر .
وعندما وصلت إلى منزلي طلبت من السائق الوقوف وناولته مبلغا ً كبيرا ً من المال جعله يرفع كفيه إلى السماء ويدعو لي .
نزلت وأنا أختال زهوا ً وفرحا ً . ثم نزلت أنت وركضت إلي ولهاثك يبتلع كلماتك .
وقفت أمامي ووجهك محمر من الخجل وقلت لي :
ـ آسف يا سيدتي . لقد حاولت أن أناديك لكنني لم أكن أعرف اسمك , ولوحت لك كثيرا ً لكنك لم تشعري بي .
ـ لا بأس . اسمي سهير .
ـ أهلا ًً بك يا آنسة سهير .
ـ وأنت اسمك شامل .
ـ كيف عرفت ذلك ؟!
ـ لا يهم .
ـ فقط كنت أود أن أخبرك بأنه قد حصل خطأ ما .
ـ لا بأس سنصحح الأخطاء كلها معا ً .
ـ شكرا ً لك على لطفك .
ـ تفضل لتناول الشاي . هذا منزلي .
ـ شكرا ً لك ولكنني في عجلة ٍ من أمري , وأريد أن نصحح الخطأ الآن .
ـ سنصحح الخطاء كلها. فلم العجلة ؟
ثم مد َّ يده وناولني حقيبة ً كالتي في يدي وقال لي :
ـ عفوا ً يا آنسة . لقد أخطأت وأخذت حقيبتي بدلا ً من حقيبتك .
ثم أخذ حقيبته وسار بعيدا ً .
24/2/ 2006
عندما أمسكتُ بيدها في محاولة ٍ لمساعدتها بالنهوض لغسل يديها ووجها , اعتصرني ألم ٌ كبيرٌ تمركز في حلقي فجعلني أبتلع أنفاسي بصعوبة ٍ كبيرة ٍ . على المغسلة الوردية كانت أصابعي تتغلغل بين أصابعها النحيلة المجعدة , وتغيب معها في رغوة الصابون الكثيفة والبخار المتصاعد من الماء الدافئ . انزلق خاتمها الضخم بسرعة وتدحرج مع فقاعات الصابون ليستقر أخيرا ً في قعر المغسلة . التقطته وقلت لها : لقد نحل جسدك يا أمي وانزلق الخاتم من إصبعك , اخلعي بقية حليك لئلا تنزلق أيضا ً وخبئيها في الخزانة لئلا تضيع منك , وعندما تشفين وتستردين صحتك ارتديها مجددا ً . نظرت إلي بعينيها العسليتين اللتين اكتسى بياضهما بصفرة خفيفة وقالت : لم أعد أريد شيئا ً . لم يبق َ من العمر إلا القليل . خذي هذه الحلي يا بنتي .. إنها لك . دمعت عيناي وغصت الكلمات في حلقي : أطال الله بعمرك يا أمي . هذه الحلي لك وستلبسينها بعد أيام قليلة بإذن الله . ـ إن كنت ِ لا تريدينها فسأعطيها لأختك ابتسام . انهمرت بالبكاء وأنا أجفف لها يديها بالمنشفة . وبعد أيام قليلة توفيت والدتي .. لم يبق َ من العمر إلا القليل .. إذن كانت تشعر بقرب موتها وبداية عويلنا .نسينا كل شيء حولنا إلا وجهها ودعواتها . سريرها أصبح موحشاً خالياً , وسجادة الصلاة الخمرية التي كانت تحبها ... كل شيء بدا حزينا ً وغير قابل للتصديق . وبعد أسابيع قليلة من وفاة والدتي تذكرت حليها التي أرادت أن تعطيني إياها . وللمرة الأولى بدأت أفكر بطريقة أخرى ... لم لا آخذ هذه الحلي الذهبية المرّصعة بالجواهر؟ . إن ثمنها يساوي مئات الآلاف . إنه كنز ٌ بالنسبة لي . ارتديت ثيابي واتجهت إلى بيت والدتي دون أن أخبر زوجي بشيء ٍ مما أفكر به . ترى هل قالت أمي لأختي شيئا ً عن حليها تلك ؟! لا أظن ذلك . فتحت الخزانة وكم كانت فرحتي كبيرة عندما رأيت الحلي مشرقة كشمس ساطعة , أخذتها وخبأتها في حقيبتي ثم غادرت وأنا أفكر بما سأفعله بثمنها الباهظ . دخلت إلى منزلي وخبأتها والفرحة تغمر قلبي . غدا ً سأبيعها وأمتلك مبلغا ً كبيرا ً من المال يحقق كل أحلامي . في صباح اليوم التالي ومنذ الصباح الباكر , أتت أختي ابتسام والحيرة تكسو وجهها لتسألني عن حلي والدتنا وتطالب بها لأن والدتي أهدتها إياها . رفضتُ إعطاءها إياها , وعارضتُ بشدة , وتمسكتُ بالحلي حتى غضبتْ أختي وخرجت من منزلي وهي تبكي . لم يهمني غضب أختي , فقد كانت الثروة الكبيرة تملأ تفكيري وتسيطر على أحاسيسي , فأخذت الحلي وتوجهت إلى محل الصياغة , وسألت البائع عن ثمنها فما كان منه إلا أن وضع يده على فمه ليكتم ضحكة شامتة زلزلتني . سألته : ما الأمر ؟! لمَ تضحك ؟!! فقال : إنها لا تساوي شيئا ً , إنها ليست ذهبا ً . وفجرت رأسي الصاعقة , فعدت إلى منزلي والخيبة المرة تسري في أوصالي . إذن ضاع الحلم , وتبددت ثروتي في الهواء . وهنا لمعت في ذهني فكرة جميلة . لم لا آخذ الحلي وأعيدها إلى أختي فأكسب بذلك رضاها ومودتها بعد الخسارة التي لحقتني؟ . أخذت الحلي ومضيت إلى بيت أختي .ورأيتها .. كانت حزينة جدا ً كيوم وفاة والدتنا . اعتذرت منها وأعطيتها الحلي . مسكينة إنها لا تعرف أن الحلي مزيفة . بالتأكيد ستفاجأ عندما تكتشف الحقيقة . سألتها : هل ستبيعينها ؟! فأجابت : مستحيل , إنها من رائحة والدتي . حتى لو كانت مصنوعة من الذهب ما كنت لأبيعها . أدهشني كلامها . إذن هي تعرف أن الحلي تقليدية . فسألتها متظاهرة بعدم معرفتي ذلك : أليست مصنوعة من الذهب ؟! فقالت : لا يا أختي . إنها حلي تقليدية . ترقرقت عيناي بالدموع وغص قلبي بأنين موجع , ورحت أراقب أختي وهي تهم بارتداء الحلي التقليدية بسعادة كبيرة . كانت الحلي لامعة جدا ومشرقة بشدة وكأنها ذهب حقيقي . 6/1/2005
لم يأبه بنداء أمه .. شغب الطفولة وهذيانها الجميل كانا يحكمان السيطرة عليه . رمى حقيبته المدرسية وراح يركض بعيداً جداً دون أن يتناول الطعام الشهي الذي أعدته أمه . صعد إلى التلال وركض خلف الفراشات والصراصير. وعند غياب الشمس تهالك على حافة الساقية الصغيرة وراح يغسل وجهه وقدميه بمائها العذب وهو يتأمل شكله المنعكس على سطح الماء . شعره الأشعث بدا مضحكاً لكنه لم يستطع الضحك من شدة التعب . بلل رأسه بالماء فتسارعت أنفاسه ودب َّ النشاط في جسده من جديد . نهض والماء يقطر من أطراف جسده وسار متجها ً إلى البيت . عندما وصل لم يجد منزلاً .. بل عويلاً ودماءً تزنِّر المكان . تكاثفت الغيوم السود في حلقه وولد صليل النار في راحتيه . تفتقت عيناه بوجوم الدمع وراح يبحث عن أي أثر ٍ تحت الركام المرعب ... أين هم ؟! السكاكين انهالت بالطعن في صدره , تخرّش جسده , تخرّش صوته وضاعت أوردته . لمح وجه أبيه تحت الحجارة الضخمة مغطىً بالتراب وبعيدا ً عن كل ِّ شيء ٍ وقريبا ً من روح الأرض . صدر أمه الممزق أرعبه . تذكر نداءها له قبل ساعات ورائحة طعامها الشهي . غص الدمع في حلقه وتفجّرت البراكين من عينيه . بحث عن أخوته فهالته الأشلاء المريعة وذابت مفاصله أمام أعاصير الدم والتراب . راح يشهق أنفاسه بصعوبة وذرات التراب تتجمع في عينيه وحلقه مختلطةً بدموعه وشهقاته . وفجأة سمع أنيناً خافتاً منبعثاً من بين الركام . بحث جيدا ً فرأى وجه أخته الصغيرة يستغيث به . أورقت عيناه بالأمل .. إنها ما تزال حية . اقترب منها وحاول نزع الصخور المنهارة عليها . لكنه تراجع عندما سمع وقع خطوات أحدهم . اختبأ خلف الشجرة وراح يرقبه . كان أحدَ جنود الأعداء . رجلاً ضخماً يحمل سلاحه ويتجوّل بين أنقاض المنزل . نظر الطفل إلى عيني الجندي فوجد وجهه مغطى ً بالدموع .. هاله المشهد . ترى هل هو حزين ؟! هل هو نادم على ما فعله وأصحابه ؟! أتتحول صورة الوحش القاتمة إلى وردة بيضاء ناصعة . اختلطت الأمور في ذهن الطفل الصغير وراح يخربش بأظفاره على مئات الكلمات التي تعلمها وآلاف الصور التي شاهدها وهو يرى للمرة الأولى دموعاً في عيني عدوه . وهاله أكثر اقتراب العدو من أخته التي بقيت على قيد الحياة . كان يمسح عينيه براحة يده وهو يسير ببطء باتجاه الطفلة العالقة تحت الركام ومع كل خطوة يقترب فيها منها كان خفقان قلب أخيها المختبئ خلف الشجرة يتسارع ويزداد قوةً وجنونا ً. توقف الجندي أمام الطفلة الجميلة ورمى سلاحه جانبا ً ... ترى هل سينقذ الجندي أخته ؟ هل ستنبت وردة بيضاء في صدر عدوه ؟. اختلطت الدهشة بالسؤال والانتظار وراح الطفل يرقب ضراوة المشهد برعشة قوية . نظر الجندي إلى وجه الطفلة المستغيث .. مسح وجهه بيديه ثم رفع ساقه الضخمة وداس على عنقها بقوة . فخنق آخر رمق للشموع وأعلن ذبول طيف الوردة . ثم مسح عينيه من بقايا التراب العالقة فيها , ومشى بعيدا ً . بينما ظل الطفل عالقا ً في ظل الشجرة وغارقا ً في عويل مؤلم بين أشلاء عائلته . 10 /10 / 2004