قصص قصسرة

كوب من الماء
04 آب, 2006

في صمتها زهرة ٌ للبوح بعطر الياسمين . فمن يتذكر صوتها ويحاول استنشاق عذوبته ؟

لقد نصب الألم خيمته و أدواته وأشعل نيرانه اللاهبة وبدأ بطبخ الذكريات في مرجل روحها .

تغلغل شيء ٌ من الحريق إلى أمعائها وتسلل الخدر كلص ٍ خلع نعليه ودخل في عتمة نفسها .حاولت ابتلاع ريقها لإطفاء شيء ٍ من الحريق لكن حلقها كان جافا ً كوجه سجادة ٍ مليئة بالغبار .استندت ْ على الطاولة محاولة ً رفع جذعها للأعلى فسقط الماء وتحطم الكوب الزجاجي .فتحت ابنتها عينيها ثم عادت للنوم دون أن تسمع صوت والدتها وهي تقول لها : /أريد كوبا ً من الماء /.

ثم رمت الوالدة نفسها من السرير على أرض الغرفة , وراحت تزحف بهدوء بحثا ً عن الماء .وعندما شربت وارتوت تأملت قفص العصافير الخالي , وأصص الأزهار الفارغة إلا من تراب ٍ يابس ٍ لقد ماتت العصافير الصغيرة وذبلت الأزهار بعد أن أقعدها كبر السن .كم كان بيتها جميلا ً . كانت تستيقظ قبل الجميع لتملأ البيت بهجة ً . تفتح النوافذ وتشغّل المذياع ليصدح صوت فيروز, ثم تجهزالقهوة وتتركها تغلي كثيرا ً حتى تفوح رائحتها الزكية وتملأ أركان المنزل .نظرت إلى ساقيها المرميتين خلفها كشيء ٍ فائض ٍ عن حاجتها ثم ابتسمت وقالت : لم أعد مضطرة ً للسقوط بعد اليوم . لقد سقطت ُ وانتهى الأمر .

النافذة عالية ٌ, و الوجع عميق . فقط لو تستطيع مدَّ جسدها إلى الأعلى لرؤية الشارع ومراقبة الأطفال وهم يلعبون . ولإلقاء تحية الصباح على نسوة الحارة وهن يشترين الخضار .أية وخزة ٍ تمعن في قلبها و أية دمعة ٍ تنحدر على تجاعيد وجهها المدوّر الجميل .تمسح عينيها المنكمشتين بطرف كمها وتختنق بصمغ كثيف يتعرش في رئتيها وأنفها .

تنهض ابنتها مذعورة ً :/ لقد تأخرت ُ يا أمي . لم َ لم توقظيني باكرا ً ؟ /

وترتدي ثيابها على عجل ٍ بينما تنتظر الأم كلمة ً جميلة ً تجترها لهذا اليوم :/ صباح الخير يا أمي /

لكن عبثا ً , فابنتها في عجلة ٍ من أمرها دوما ً .

/هل تريدين شيئا ً يا أمي ؟!/ وقبل أن ترد عليها أمها كانت قد أطبقت الباب وذهبت إلى العمل .

/كنت أريد منك أن تساعديني في الذهاب إلى المرحاض/ قالت الأم بخيبة ٍ . لكن أحدا ً لم يسمعها .كان عليها أن تتدبر حاجاتها بنفسها . أن تخربش َ ألف مرة ٍ على الجدران لتستطيع رسم وردة ٍ .أن تلطخ ثوبها بعشرات البقع لتستطيع َ تناول ملعقة ٍ من الحساء البارد , وأن توسخ ثوبها لتستطيع قضاء حاجتها .

أي َّ ضعف ٍ هذا ؟! وهي تحتاج لمن يطعمها ويغسل لها يديها ويأخذها إلى المرحاض .

ما ذنب ابنتها الشابة لتحتمل النظر إلى جسدها الضعيف وهي تجره خلفها بصعوبة كشباك صيد محملة ٍ بحيتان من الهموم هكذا كانت تفكر العجوز عندما بدأ الألم بالسيطرة عليها .

تساقط العرق على وجهها بغزارة ٍ وارتفعت درجة ُ حرارتها ولم تعد قادرة ً على التنفس . صمدت قليلا ً ثم سقط ما تبقى من جسدها على الأرض .

ولم تستيقظ من غيبوبتها إلا وهي في المشفى حيث أسعفتها إحدى جاراتها اللواتي تجمعن حولها حتى عادت إلى وعيها وسجلّت حضورهن فانصرفن معتذرات ٍ وتركنها للّحاق ببيوتهن وأزواجهن .

في تلك الأثناء كانت الفتاة قد عرفت بأمر والدتها فرمت الأوراق التي كانت في يديها وشعور ٌ بالذنب يخدش روحها .ألم يكن من الأجدر أن تهتم بوالدتها أكثر ؟ أن تعطيها ولو جرعة ً من حنان ٍ كانت قد أغدقته عليها وهي طفلة ٌصغيرةٌ .استقلت سيارة أجرة ٍ وطلبت من السائق أن يأخذها إلى المشفى بسرعة .

دموعها المنهمرة على وجنتيها جعلت السائق يشعر بالخوف والحزن فأسرع في القيادة متجاوزا ً الإشارات المرورية وصفير شرطي المرور .وقبل أن تصل السيارة إلى المشفى بقليل دوى انفجار هائل وتطايرت أشلاء السيارة بعيدا ً .مات السائق وأُسعفت الفتاة إلى المشفى نفسه .

لقد بقيت على قيد الحياة وقيد الذكريات بجسد ٍ تملؤه الكسور الحادة التي لن تشفى قبل شهور ٍ طويلة ٍ .كانت الفتاة تبكي بحرقة ٍ وهي تبحث عمن يخبرها شيئا ً عن والدتها . لم تشعر بآلام الكسور الكثيرة التي احتلت جسدها فقد كان هنالك ألم عظيم يخنق أعصابها .

سألت إحدى الممرضات عن والدتها وطلبت منها أن تساعدها في رؤيتها . وبعد ساعات قليلة ٍ كان سرير الفتاة بجوار سرير أمها .

الفتاة مضمدة ٌ بالكامل والأم تتنهد ألما ً وحزنا ً على ابنتها وأنبوب السيروم مغروس في وريدها .بكت الأم كثيرا ً على ابنتها . ابنتها التي لم تتوقف عن الهذيان باسمها .

وفي منتصف الليل سمعت الأم صوت ابنتها الضعيف وهي تقول : أريد ماء ً , أريد كوبا ً من الماء .لكن َّ أحدا ً لم يسمعها فالممرضات نائمات والأطباء غائبون . ولاشيء سوى أنين المرضى وعذاباتهم .كررت الفتاة النداء بصوت ٍضعيف ٍ لكن َّ أحدا ً لم يسمعها سوى قلب والدتها التي رمت نفسها من السرير على أرض المشفى وراحت تزحف بصعوبة وهي تجر خلفها أنبوب السيروم وقطرات ٍ من الدم بحثا ً عن كوب ماء ٍ لابنتها المريضة .

تعليقات

اضافة تعليق
authimage
رمز التأكيد
A service provided by Al Bawaba