قصص قصسرة

مطاردة
02 آب, 2006

أمد نظراتي اللاهثة إليك وأوارب كي لا تقبض علي في محاولة تجسس ٍ على عينيك الجميلتين

ألملم ذرات عطري وأسند رأسي على النافذة بينما يسير بنا الباص بسرعة .

ما أسهل وقوعنا ضحايا حب ٍّ عندما نكون قد استعدنا توازننا للتو من وقعة حب فاشلة . فنعاهد أنفسنا ألف مرة ٍ بأننا لن نحب مرة أخرى .

وعندما يسوقنا القدر لأول لهفة قلب ٍ ننزل أمتعتنا ونرفع الرايات البيض كلها وكأننا لم نكن قبل ساعات ٍ فقط ضحايا حرب ٍ وحب .

عبثا ً أحاول الهرب من وجهك الذي يحتل ملامحي . لا تحاول أن تغويني بحفيف أوراقك كي أستطيع الصمود .

تسقط التعاويذ ثكلى أمام قدميك وتحار العيون من أين تلتقطك . وأحار أنا من أين ألتقط أنفاسي وأنا بحاجة ٍ لصدر رجل . أي رجل .. والآن أنت .صدر ٌ واسع ٌ يطوي ألمي ووجعي .

لماذا لا تنظر إلي ؟ لماذا لا تكلمني ؟!

اقترب . أنا بوابة ٌ مشرعة ٌ للدخول فلتقترب أيها الرجل وتأخذني بعيدا ً إلى عالم ٍ ساحر ٍ وجميل ٍ لنا وحدنا .

كنت أحدث نفسي عندما توقف الباص فجأة وطلب منا المرافق النزول إلى الاستراحة .

طاردتك بعيني .. تبعت خطواتك . تمنيت أن تدعوني لشرب فنجان من القهوة لكنك لم تنظر إلي أبدا ً ولا نظرة ً عابرة ً .

أدقق في تفاصيل وجهك وألوان ثيابك وحركات يديك . أحاول الولوج إلى شخصيتك من خلال ذلك كله . قرأت كثيرا ً عن تحليل الشخصيات من ألوان الثياب وملامح الوجه وحركات اليدين , لكنني دائما ً كنت أصدم بنتائج تحليلاتي لأن الناس ما كانوا أبدا ً يستخدمون ملامح وجوههم الحقيقية ولا ألوان ثياب ٍ هم اختاروها . كان كل شيء ٍ بقايا من الآخرين أو تقليدا ً لهم . وربما أشياء يجبرون عليها ولا خيار لهم فيها .

كم أنت متحجر ! ألم ترني بعد ؟! ألم يصلك شيء ٌ من رذاذ عطري ؟!

يا لبلاهتك لأنك لم ترني و يا لبلاهتهم لأنهم ينظرون إلي هكذا فيعيقونني عن البحث عنك .

سنتان ودوامات تبغك تحاصرني . كم مرة حاولت الاقتراب منك لكنني تراجعت لأن المرأة عندما تقترب تنخفض أسهمها لديكم وإذا ما أعرضت وأغلقت أبوابها وأغمضت عينيها وخرست عن الكلام خجلا ً تتهافتون للزواج منها وعندما تمتلكونها تضمونها بقوة وتبحثون عن أخرى تطاردكم لإرضاء متعة غروركم .

هل ستقول لي شيئا ً اليوم ؟ .هل ستنتشلني من وجعي ووحدتي ؟!

لقد أحببت قبلك . أحببت رجلا ً منحته كل شيء ٍ حتى مل َّ عطائي . ما كنت أعلم أن الرجال يحتاجون لآمال معلقة ٍ ووعود ٍ بعيدة ٍ. عاهدت نفسي ألا أحب مرة ً أخرى لكنني مزقت كل عهودي وتسوّلت حبك في الأزقة والطرقات .

يا لقسوتك !

ألن تكلمني .. ألن تنظر إلي ؟!

كم أشتهي صفعك الآن , كم أحقد عليك . ليتك تقترب لأصب جام غضبي كله عليك . لأمزقك وأفرغ ما في جوفي من وجع .

ألن تقترب أيها الجبل الراسخ ؟! ألن تضم ضعفي لأستحيل قوة ً تدمرك ؟

لقد وصلنا سأنزل قبلك كي تلحظ وجودي في محاولة ٍ أخيرة ٍ .

الأمل يعتصرني وأنا أنزل . أحمل حقيبتي الصغيرة وأسير بخطوات ٍ متواترة ٍ مرتبكة ٍ.

لقد فقدتك قبل أن أمتلكك . سأحث خطواتي وأتجرع وحدتي وألمي .

أثناء سيري خيل إلي أنني أسمع صوت نداء . ثم سمعت وقع خطوات ٍ سريعة ٍ ورائي .

كأنني ألمح لون عينيك في مكان ما . قلبي يخفق باللهفة . إذن وقعت أخيرا ً وستأتي إلي .

سأهرب أكثر كي أشعرك بالتعب . سأنتقم من قسوتك ولا مبالاتك .

إذن كنت تحبني وتتجاهلني .

سأستقل سيارة ً لأزيد في عنائك .

أنت تلوح لي بيديك ! يا لسعادتي !

أركب في السيارة فأراك تلوح لي بيديك وتطاردني .

ما أجمل مطاردتك . ما أجمل هطولك بعد كل هذا الجفاف واليبس .

يا للمتعة لقد أخذت َسيارة أيضا ًوها أنت تطاردني .

أشعر بسعادة ٍ كبيرة ٍ . لن تتمكن من إمساكي فقد عذبتني كثيرا ً حتى استطعت أن أجعلك تشعر بي .

سألني سائق سيارة الأجرة : هل أقف ؟!

فأجبته : بل أسرع أكثر .

وعندما وصلت إلى منزلي طلبت من السائق الوقوف وناولته مبلغا ً كبيرا ً من المال جعله يرفع كفيه إلى السماء ويدعو لي .

نزلت وأنا أختال زهوا ً وفرحا ً . ثم نزلت أنت وركضت إلي ولهاثك يبتلع كلماتك .

وقفت أمامي ووجهك محمر من الخجل وقلت لي :

ـ آسف يا سيدتي . لقد حاولت أن أناديك لكنني لم أكن أعرف اسمك , ولوحت لك كثيرا ً لكنك لم تشعري بي .

ـ لا بأس . اسمي سهير .

ـ أهلا ًً بك يا آنسة سهير .

ـ وأنت اسمك شامل .

ـ كيف عرفت ذلك ؟!

ـ لا يهم .

ـ فقط كنت أود أن أخبرك بأنه قد حصل خطأ ما .

ـ لا بأس سنصحح الأخطاء كلها معا ً .

ـ شكرا ً لك على لطفك .

ـ تفضل لتناول الشاي . هذا منزلي .

ـ شكرا ً لك ولكنني في عجلة ٍ من أمري , وأريد أن نصحح الخطأ الآن .

ـ سنصحح الخطاء كلها. فلم العجلة ؟

ثم مد َّ يده وناولني حقيبة ً كالتي في يدي وقال لي :

ـ عفوا ً يا آنسة . لقد أخطأت وأخذت حقيبتي بدلا ً من حقيبتك .

ثم أخذ حقيبته وسار بعيدا ً .

24/2/ 2006

تعليقات

اضافة تعليق
authimage
رمز التأكيد
A service provided by Al Bawaba