قصص قصسرة

بريق الذهب
01 آب, 2006

عندما أمسكتُ بيدها في محاولة ٍ لمساعدتها بالنهوض لغسل يديها ووجها , اعتصرني ألم ٌ كبيرٌ تمركز في حلقي فجعلني أبتلع أنفاسي بصعوبة ٍ كبيرة ٍ . على المغسلة الوردية كانت أصابعي تتغلغل بين أصابعها النحيلة المجعدة , وتغيب معها في رغوة الصابون الكثيفة والبخار المتصاعد من الماء الدافئ . انزلق خاتمها الضخم بسرعة وتدحرج مع فقاعات الصابون ليستقر أخيرا ً في قعر المغسلة . التقطته وقلت لها : لقد نحل جسدك يا أمي وانزلق الخاتم من إصبعك , اخلعي بقية حليك لئلا تنزلق أيضا ً وخبئيها في الخزانة لئلا تضيع منك , وعندما تشفين وتستردين صحتك ارتديها مجددا ً . نظرت إلي بعينيها العسليتين اللتين اكتسى بياضهما بصفرة خفيفة وقالت : لم أعد أريد شيئا ً . لم يبق َ من العمر إلا القليل . خذي هذه الحلي يا بنتي .. إنها لك . دمعت عيناي وغصت الكلمات في حلقي : أطال الله بعمرك يا أمي . هذه الحلي لك وستلبسينها بعد أيام قليلة بإذن الله . ـ إن كنت ِ لا تريدينها فسأعطيها لأختك ابتسام . انهمرت بالبكاء وأنا أجفف لها يديها بالمنشفة . وبعد أيام قليلة توفيت والدتي .. لم يبق َ من العمر إلا القليل .. إذن كانت تشعر بقرب موتها وبداية عويلنا .نسينا كل شيء حولنا إلا وجهها ودعواتها . سريرها أصبح موحشاً خالياً , وسجادة الصلاة الخمرية التي كانت تحبها ... كل شيء بدا حزينا ً وغير قابل للتصديق . وبعد أسابيع قليلة من وفاة والدتي تذكرت حليها التي أرادت أن تعطيني إياها . وللمرة الأولى بدأت أفكر بطريقة أخرى ... لم لا آخذ هذه الحلي الذهبية المرّصعة بالجواهر؟ . إن ثمنها يساوي مئات الآلاف . إنه كنز ٌ بالنسبة لي . ارتديت ثيابي واتجهت إلى بيت والدتي دون أن أخبر زوجي بشيء ٍ مما أفكر به . ترى هل قالت أمي لأختي شيئا ً عن حليها تلك ؟! لا أظن ذلك . فتحت الخزانة وكم كانت فرحتي كبيرة عندما رأيت الحلي مشرقة كشمس ساطعة , أخذتها وخبأتها في حقيبتي ثم غادرت وأنا أفكر بما سأفعله بثمنها الباهظ . دخلت إلى منزلي وخبأتها والفرحة تغمر قلبي . غدا ً سأبيعها وأمتلك مبلغا ً كبيرا ً من المال يحقق كل أحلامي . في صباح اليوم التالي ومنذ الصباح الباكر , أتت أختي ابتسام والحيرة تكسو وجهها لتسألني عن حلي والدتنا وتطالب بها لأن والدتي أهدتها إياها . رفضتُ إعطاءها إياها , وعارضتُ بشدة , وتمسكتُ بالحلي حتى غضبتْ أختي وخرجت من منزلي وهي تبكي . لم يهمني غضب أختي , فقد كانت الثروة الكبيرة تملأ تفكيري وتسيطر على أحاسيسي , فأخذت الحلي وتوجهت إلى محل الصياغة , وسألت البائع عن ثمنها فما كان منه إلا أن وضع يده على فمه ليكتم ضحكة شامتة زلزلتني . سألته : ما الأمر ؟! لمَ تضحك ؟!! فقال : إنها لا تساوي شيئا ً , إنها ليست ذهبا ً . وفجرت رأسي الصاعقة , فعدت إلى منزلي والخيبة المرة تسري في أوصالي . إذن ضاع الحلم , وتبددت ثروتي في الهواء . وهنا لمعت في ذهني فكرة جميلة . لم لا آخذ الحلي وأعيدها إلى أختي فأكسب بذلك رضاها ومودتها بعد الخسارة التي لحقتني؟ . أخذت الحلي ومضيت إلى بيت أختي .ورأيتها .. كانت حزينة جدا ً كيوم وفاة والدتنا . اعتذرت منها وأعطيتها الحلي . مسكينة إنها لا تعرف أن الحلي مزيفة . بالتأكيد ستفاجأ عندما تكتشف الحقيقة . سألتها : هل ستبيعينها ؟! فأجابت : مستحيل , إنها من رائحة والدتي . حتى لو كانت مصنوعة من الذهب ما كنت لأبيعها . أدهشني كلامها . إذن هي تعرف أن الحلي تقليدية . فسألتها متظاهرة بعدم معرفتي ذلك : أليست مصنوعة من الذهب ؟! فقالت : لا يا أختي . إنها حلي تقليدية . ترقرقت عيناي بالدموع وغص قلبي بأنين موجع , ورحت أراقب أختي وهي تهم بارتداء الحلي التقليدية بسعادة كبيرة . كانت الحلي لامعة جدا ومشرقة بشدة وكأنها ذهب حقيقي . 6/1/2005

تعليقات

اضافة تعليق
authimage
رمز التأكيد
A service provided by Al Bawaba