»
03 آب, 2008
منطق القوة
منطق القوة لكل عصر منطقه،وهذا العصر،وان جاء بالجديد،فإنه في حقيقة الأمر لم يشذ عن بقية العصور،في اعتماد القوة كأساس أول للسيطرة على المقدرات المادية والمعنوية للمجتمعات البشرية.القوة التي كان يجب أن تحفظ الحقوق،وتنتصر للضعيف والمغلوب،وتقاوم الظلم والتعدي،وتنشر العدل والأمن،كلما تمكن منها قليلوا العقل،وعديمي العلم،ومعدومي الضمير،تحولت من أداة يتفيّأ ظلالها الجميع،إلى وسيلة للقمع والسلب والنهب،واستضعاف الناس،باسم المدنية والحضارة والقانون. عالم أول متبهرج بزينته،ومتألق في علومه،ومتنعم في رياشه،وصل إلى مداه،عبر استضعاف واستعباد الأمم المتخلفة عن الحضارة والمدنية.وعالم ثان يقترب من الأول،يحاكي حضارته ومدنيته وزينته لكنه لم يلتحق بركب المتفوقين،ولا تمكن من الخروج من طابور المتخلفين.وعالم ثالث خاضع لقوى العالم الأول،ليس لديه أن يعترض على السياسات المفروضة والمملاة عليه.ومجتمع أممي تأسست جمعيته العمومية ومجلس أمنه،ليس للدفاع عن المظلومين والمستضعفين،بل ليكرس مبدأ الغلبة والهيمنة للقويّ.أما القرارات الصادرة عنهما،فهي لا تطبق إلا على الضعفاء الذين لا حيلة لهم،حيث لم تجد عشرات القرارات الصادرة بشأن الكيان الصهيوني التطبيق إلى اليوم،وقد مرت عليها عشرات السنين، ولم تجد اعتداءات أمريكا وحلفاءها على الأمم المستضعفة من يصدها. الملفت في دول العالم الثالث،وبالخصوص العربية منها،أنها رأت في منطق القوة الذي أرخت جسدها تحت هيمنته،وسيلة لإخضاع شعوبها إلى برامج أسيادها السياسية والاقتصادية والاجتماعية،إلى درجة التدخل في الخصوصيات الدينية الفردية،كمنع الحجاب واللحية،وتصنيف الذين يؤدون الصلاة في المساجد،على أساس أنهم مشتبهون في المجتمع،لا يحق لهم أن يستلموا مناصب حساسة فيه.سلطة الرئاسة الفلسطينية،عبر جهازها الفاعل (فتح)،قدمت ولا تزال خدمات جليلة للكيان الصهيوني،لعل أهمها تتبع العناصر الناشطة في قوى المقاومة الإسلامية (حماس/الجهاد)،وتقديم المعلومات عنهم للإستخبارات الصهيونية،منطق قوتها في القطاع والضفة،تمثل في تجنيد أسر بأكملها في شكل عصابات تحكم بمنطق القوة،الذي لا يتقيد بقيمة من القيم،سوى قداسة المادة المدفوعة،في مقابل جرائم خطف وقتل وترويع وابتزاز ومساومة.ومنطق إما أن تكون (فتحويا) أو لا تكون،هو من نسيج واحد لمنطق:إذا لم تكن معي فأنت ضدي.وسياسة غصب الحقوق،وسلب الإرادات،وكبت الأنفس،هي القاعدة التي انبنى عليها منطق القوة والمتتبع لتطور أدوات الحكم العربية يلاحظ تطابقا بين الأسلوب الذي تنتهجه الرئاسة الفلسطينية الآن،وبين الأساليب التي انتهجتها الأنظمة العربية في تدجين وقمع شعوبها. ومنطق القوة في هذا العالم المتحرر من القيم الدينية،يدفع قدما إلى إلغاء كل ما من شأنه،أن يعيق الفكر المتحرر من عبودية الله تعالى،إلى عبودية وهم إسمه الليبرالية.ومنطق القوة ذو الحدّين هذا،وان أتى أكله في استضعاف الشعوب،تحت عناوين مختلفة،منها الوصاية التاريخية،والاستحقاق الحضاري،فإنه باعتماده لأسلوب التمويه،وقلب الحقائق والدعاية الكاذبة،سوف يتعرى من كل بهرجه وزينته،ويظهر في يوم من الأيام بعورته القبيحة التي لا ينظر إليها الله تعالى ولا يزكيها،وتشمئز منها قلوب المتفطنين لأسس ذلك المنطق القذر،وسوف يأتي اليوم الذي ينقلب فيه السحر على الساحر،وتنكشف أوراق لعبة منطق مخالف لكل القيم النافعة للبشرية،فتنهض الأمم التواقة للتحرر من عبودية البشر إلى عبودية الخالق.
تعليقات