الإسلام المحمدي الأصيل

« | »

حاميها.. حراميها

حاميها.. حراميها صدق من قال إننا نعيش في عصر من المتناقضات،رغم التقدم العلمي في مختلف المجالات،قد ظهرت فيه دعاوى متناقضة،على أيدي أدعياء لا يمتون إلى تلك الدعاوى بصلة،لا من قريب ولا من بعيد،عصر لا يفلح فيه من جاء ببضاعة مجزاة أن يروج لها،حتى لو كانت رفيعة في معانيها وتفاصيلها،ولها اتصال وثيق بخالق الكون والحياة،فالعصر قد بلغ أوج الطغيان المادي بحيث تحللت القيم والأخلاقيات أمام هجمته الكاسحة. عصر أفرغ فيه التدين الكامل من معناه ومقصده،وأحيل صاحبه إلى صفة الإرهابي والظلامي والمتخلف،ولو أنه قصد من اعتقاده الذي التزم به لصرف الواصفون له بالسوء مصرفا آخر أقل تشددا. الحرية عند هؤلاء هي أساسا انكفاء عن الدين الفاعل إلى اللادين،أو إلى التدين السالب(المتأكنس)،واستخفاف بأحكام الله تعالى، واعتبارها لا تتماشى مع العصر الحديث، وانحلال في السلوك وإطلاق للغرائز بلا حد،وان استنكرت أمرا من ذلك فأنت مصنف في خانة عدو الحرية. والديمقراطية عندهم هي إسقاط المشرع الأولى بالإتباع وشريعته المتكاملة،إلى شريعة ملفقة لم تفلح في تقديم زمن سعيد للبشرية.. والحقوق عندهم أفردت حيزا يسيرا للعامة،وتركت لصاحب السلطة أغلب الامتيازات،فمن قاربها قدّ من قبل ودبر،وعد من المفسدين في الأرض،ومن أذعن لها إذعان المستسلم للأمر فهو على حرف،ومن استجاب لها وانضوى تحتها قلبا وقالبا فهو من المقربين، وعسل "الزنبور" آتيه لا محالة بعد حين.. والسياسة عندهم زندقة وهرتقة ومكر سيئ وخبث في رداء الوداعة،علمها مخصوص بأشخاص لا يتعدى غيرهم وبقية الناس بين محظور عليه وموقوف على أسواره ينتظر الضوء الأخضر الذي لا يأتي إلا في حال واحدة وهي الدخول تحت مظلة التبعية العمياء لأرباب سياسة الاستكبار العالمي.. والاقتصاد عندهم جواز كل شيء،وإباحة كل شيء،من أجل رفاه أصحاب النفوذ،ومن أسلم إليهم نفسه،والبقية لا ينفعهم ما عملوا،وان أفنوا فيه العمر،وبدّوه الدهر،وبذلوا فيه قصارى الجهد، لا ينالهم منه غير القليل الذي لا يسمن ولا يغني. والمدنية عندهم بهرج وزينة وتجرد من محاسن الروح،وانحدار بها إلى البهيمية الصماء العمياء،التي لا تسمع ولا ترى غير ما يعد لها من زيف وكذب وبهتان،على مائدة الحضارة الزائفة،وما ينفع الناس حقيقة لا تدركه أسماع هؤلاء ولا أبصارهم ولا أفئدتهم،ولا عجب فيمن أردى نفسه إلى مستوى البهائم،وألقى نفسه بين السوائم. حامي القيم اليوم،سواء كان هو مختلقها أم وريثها أم نصب نفسه وصيا عليها حرامي باتفاق العامة والخاصة،بما ظهر عليه وعلى حاشيته ودائرة نفوذه من ظلم وتسلط،فلا هو ولا دائرته معنيان بتحقيق الوعود،المهم عندهما بقاء صاحب الأمر على كرسي أمره ونهيه، حتى وان كان ذلك الأمر والنهي لم يجر فائدة للعامة،وحتى لو لم يجر غير الآلام والمآسي،والاهم أن تستمر لعبة السياسة في هدوء تام من أطرافها،وسكينة من مجتمعها،وعاش من عرف قدره،وإلا فلا مفر له من أن يتسجّل في الدفاتر،ويوجّه نحو المخافر، ويعامل معاملة "السنافر". لكن لقائل أن يقول:هل سيطول بنا الانحدار،وإتباع سياسة المسخ والانكسار،أم أن بعد الإركاس علوا وعزة؟ الجواب ليس بعيدا عنا،فهو أقرب إلينا من أي شيء آخر،قاله الله تعالى في محكم كتابه،وأكد عليه في حكمه وجوابه،وجعله شرطا أساسا من نيل معونته وإدراك ثوابه:"..إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.." وتغيير الحال يتطلب معرفة صحيحة تدفع الجهل،وعملا مقترنا بتلك المعرفة لا يشوبه رياء،ولا تتداخله نية غير التوجه إلى الله تعالى،فمن أطرد الآلهة الشتى من قلبه،واستفرغه من مساوئ الأخلاق ومداني الأفكار،وأسكن الواحد الأحد الفرد الصمد فيه،وجعله الخالق والمالك والمتصرف والمشرع الأوحد،فقد وفق إلى تغيير وجهته وحاله ومصيره إلى الأحسن،ومن بقي على مستغرقا في زينة الدنيا،غير ملتفت إلى زوالها،وضرورة استبدالها،فلن يصيب من مسعاه غير الذل والهوان،ومن هانت عليه نفسه،فغيره أكثر استهانة به. مسألة الولاية والبراءة هي جوهر الإسلام الحقيقي،فلا ولاية لمن أظهر محاربة الدين حتى في أصغر أحكامه،والبراءة منه واجب أملاه الوحي"لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادّون من حادّ الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه ويدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها رضي الله عنهم ورضوا عنه أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون". إذا لا خلاص للمستضعفين من عالم الطغيان والتجبر سوى بالرجوع إلى الباقي بعد فناء كل شيء،واعتماد ولايته،وترك ما دونه من ممكنات،ولن يتحقق ذلك إلا بالتسليم والإنابة إليه،والخشية منه في السر كما في العلن،وترك حالة الخوف والخشية من غيره،حيث لا تنسجم ولاية الله تعالى مع الخائفين من دون الله تعالى. ولا يكون همنا الدنيا لأنها زائلة،ولو دامت لغيرنا لما وجدنا فيها حظا ولا مكانا،وهي ببساطة شديدة قنطرة مجاز إلى الآخرة دار البقاء،فما نفعل بدار فناء إذا كان وراءها دار بقاء؟ولو أن عاقلا من عقلاء هذا الزمن جاء بمواد بناء،وبدأ في تشييد مسكن له على قنطرة لعدّ من المجانين،فلماذا نستحضر المثال ولا نطرحه على أرض الواقع؟ الدين جاء ليصلح أمور الناس في الدنيا،ويطلعهم على حقيقة خلقهم،وطبيعة معاشهم ومآبهم،ولم يأت بفصل الدين عن الحياة،ومنح المعاملات الحياتية إلى أولياء الشيطان وتبع الهوى،ومن قال بفصل الدين عن الحياة فهو لا يعرف من الدين،ولا من معرفة الخالق شيئا،لأن الفاصل منكر لتمام الدين وكماله والحكومة وأحكام الفصل والتعامل أجزاء منه،بما هو متسالم عند أبسط المنتسبين للدين"وما فرطنا في الكتاب من شيء". بين الدين الذي أراده الله تعالى ملاذا للناس،ومعتصما لهم من الضلالة،وبين الدين الذي صنعه المستكبرون،ليخرجوا الناس من نور الهداية إلى ظلمات الغواية،صراع وجود بدأ في العصر الحديث،واستعملت فيه مختلف أساليب الدعاية،وجندت له أجهزة استخبارات الأنظمة المعادية للدين عملاءها،ليخترقوا صفوف منتسبيه،ويكونون عيونهم في الداخل. بل لعل الأهم من ذلك كله،أن تؤسس الحركة الوهابية - على سبيل المثال - وهي حركة سلفية بدعم كامل من الاستعمار البريطاني،بهدف تشويه الدين الإسلامي، وتنجح في ذلك على مستويين اثنين،سياسي بزرع نظام ملكي موال لها وللاستكبار ككل فيما بعد،وغرس غدة سرطانية جاءت لتفريق المسلمين ونسبة المخالفين لآرائهم الشاذة مشركين،وبالتالي استحلال دمائهم وأموالهم وأعراضهم. وتحولت الواجهة الإسلامية من جراء أعمالهم الموسومة بالخشونة والعنف إلى صورة مخيفة قاتمة خالية من الرحمة التي هي أساس الدين الخاتم شريعة ورسولا،ونجح أعداء الدين المحمدي الأصيل في حجز بقية الناس عن الانتفاع بمبادئه العظيمة،بسبب التجاوزات المخالفة للدين التي ارتكبها السلفيون عموما. والسلفية اليوم بكافة تجمعاتها،تعتبر أحد أكبر العقبات التي تحول دون اجتماع المسلمين على اختلاف مدارسهم وتنوع أفكارهم،فإما أن تكون سلفيا وإلا فأنت مشرك والعياذ بالله. والواجب اليوم يدفعنا إلى فتح قنوات الحوار مع كل الذين يريدون للإسلام الخير بقطع النظر عن انتماءاتهم العقائدية والفكرية على القاعدة القديمة التي كان يعمل بها السلف الصالح" إذا صح الحديث عند غيري فهو مذهبي". والإسلام اليوم يمر بأحرج فترات وجوده وهو بحاجة إلى جميع المنتسبين إليه، أمة وسطا لا تطرف فيها ولا عدوان، شعارها العلم النافع المثبت بالعمل الصالح، فالعلم يهتف بالعمل فان أجاب أو ارتحل. تطبيقا لأمر الله في أن تكون منا وفينا أمة تدعوا الخير والعمل الصالح"ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون." إن الأمل الذي نعيش من أجله،والمتمثل في إقامة حكومة العدل الإلهي على كامل الأرض،لن يتحقق في غياب وعينا وإدراكنا لتكاليفنا، والعمل من أجل فرضها واقعا حياتيا لدينا،فالمجتمع الكبير لا يتحقق إلا بوجود نواة المجتمع الصغير،وفي هذا فليعمل العاملون، ويجتهد المجتهدون.

تعليقات

اضافة تعليق
authimage
رمز التأكيد
 
A service provided by Al Bawaba