الإسلام المحمدي الأصيل

« |

على الطريقة الأمريكية

    منذ أن بدأنا نعي ما حولنا،بعد سني التعلم والمعرفة،لم يعد لدينا أدنى شك في أننا نحن شعوب العالم المصطلح عليه بالثالث(tiers mondes) قد وقعنا فريسة سهلة بين أيدي استعمارية جشعة لا ترحم،بالأمس كان أجدادنا يرزحون تحت الاستعمار الاستيطاني،وكانت مقاومتهم له بدافع ديني ووطني،على قدر الإعداد الذي تمكنوا منه،رغم عوائق الجهل والفاقة،ومن منطلقهم الإيماني العميق بحرمة بقائهم تحت وصاية المذلة والاستغلال،فقد كانت مقاومتهم قوية ومتواصلة،أجبرت المستعمرين الغربيين على تغيير خططهم،فجندت عملاء لها من بني جلدتنا ليحكمونا باسم الوطنية والقومية،لإطفاء جذوة التدين التي اتقدت في الصدور المؤمنة به،دستورا يقود الحياة بمختلف أدوارها،وتحولنا بعد  قناعة المستعمرين بضرورة تغيير طرق تعاملهم مع ضحاياهم،بعد الضرر الذي  لحقهم من طلائع الشعوب المقاومة لهم،من بلدان مستعمرة استيطانيا،إلى بلدان مستعمرة اقتصاديا وسياسيا،منسوبة إلى مجموعة دول الكومنولث،أو إلى مجموعة دول الفرنكوفون.ظهر التسابق والصراع على احتواء الشعوب اقتصاديا،وجعلها خاضعة لها كسوق مستهلكة لمنتجات صناعاتها الصغرى والكبرى،وتابعة لها سياسيا باعتبار المديونية التي أغرقت فيها،بحيث بان جليا عجز معظم الدول المستدينة عن تسديد فوائض الديون،فضلا عن أصولها.وبعد أن استفحل المارد الأمريكي،وكبرت أطماعه ظهر بمنطق القوة الواحدة الحاكمة في الجميع،وأصبح المنطق السائد هو التسبيح بحمد الولايات المتحدة الأمريكية،لنيل رضاها وطمعا في مساعداتها،مقابل الخضوع لها على جميع المستويات،حتى أن بقية القوى الاستعمارية الغربية،قد  اصطفت جميعها إلى جانب هذه القوة الاستكبارية مؤيدة لها في جميع قراراتها.وبانتصار الثورة الإسلامية في إيران،بقيادة المرجعية الرشيدة للإمام  الراحل روح الله  الموسوي الخميني قدس سره،بدأت معادلة جديدة تفرض نفسها على البشرية،دعا إليها الإمام الراحل رضوان الله تعالى عليه،حيث كان من بين همومه حشد وتوعية الاستضعاف العالمي في مواجهة قوى الاستكبار،ودعوته الأمة الإسلامية إلى التوحد  على أساس وحدة الكتاب والدين والعقيدة،وتقديم القضية الفلسطينية باعتبارها المحور والرمز في قضايا الأمة.والتفت الاستكبار إلى خطورة الطرح الإسلامي للإمام الخميني رضوان الله تعالى عليه،وما سيجلبه من متاعب من جراء صحوة الشعوب المستضعفة عموما والإسلامية خصوصا،خصوصا وقد اعتمد على ملازمة الدين للحياة في جميع تفاصيلها السياسية والاقتصادية والاجتماعية،باعتبار أن الإسلام منهج حياة دينه سياسة وسياسته دين،وأن مبدأ فصل الدين عن مختلف أوجه الحياة فسعى جاهدا للقضاء على مشروعه بكل الطرق،مستعملا أساليب الدعاية المغرضة وتزييف الحقائق المتعلقة بصدقية وربانية ذلك الطرح،وملتجئا إلى حل الحسم  العسكري،من خلال دفع النظام البعثي  في العراق،لشن حرب ضروس على الثورة الإسلامية الفتية،والقضاء عليها في المهد،وكانت ثماني سنوات من المعاناة والمواجهة والصبر قضاها الشعب المسلم في إيران، لم تزده غير إصرار وثبات واستماتة على مبدأ،طالما حلمت الشعوب الإسلامية يوما بتحقيقه،وكان سلاح المقاطعة الاقتصادية حاضرا في جميع تلك المراحل، ومشهرا في وجه إيران الإسلام،من أجل زيادة عزلتها وإضعافها،لكن جميع تلك المحاولات باءت بالفشل الذريع.إلا أن الاستكبار العالمي وعلى  رأسه أمريكا،لم ييأس من إنهاء تلك الظاهرة المباركة،وهو إلى اليوم جاد في التفاف حولها أو استئصالها،ليس لأنها مسالة خاصة بالشعب المسلم في إيران،بل لأن طرحها يتجاوز جغرافية ذلك البلد إلى أبعاد أكبر،حتى من المشروع الإسلامي الكبير،في قامة نظام إسلامي صرف،يمهد لحكومة العدل الإلهي على الأرض والتي سيكون الإمام المهدي روحي له الفداء صاحبها،لتطال مسألة الصراع بين الاستضعاف والاستكبار،وكسر أغلال التبعية لقوى الشر الحقيقية التي تلاعبت ولا تزال تتلاعب بمصير الشعوب ومقدراتها.جاء الالتفاف على الجمهورية الإسلامية في إيران تحت عنوان محاربة الإرهاب فكان احتلال أفغانستان التي تحد إيران  من الشرق،ثم جاء احتلال العراق التي تحد إيران من الغرب تحت عنوان البحث عن أسلحة الدمار الشامل وتخليص العراقيين من نظام  دكتاتوري بغيض،وكان العنوانان خلاف المقصد الحقيقي الذي يستطيع النبيه أن يدركه دون عناء وهو حصر إيران الإسلام من جميع الجهات عسكريا حتى يسهل ضربها وتقزيمها، وممارسة سياسة إخافة منها على دول الجوار،  وبالخصوص دول الخليج التي تمتلك مجتمعة أكبر احتياطي العالم من النفط والغاز، والذين  عليهما مدار الصراع والنفوذ.  وحتى لا ينفرط عقد الحصار المفروض على إيران،اتجهت الأجهزة المتابعة له من طرف الأمريكان وحلفائهم الأوروبيين إلى محاربة الإسلام،بتشجيع جماعات سلفية متطرفة كالقاعدة والتكفير والهجرة،ومن كان على آرائهما البعيدة عن روح الرحمة والتسامح  الإسلاميين،على إشعال نار فتنة بين السنة والشيعة،بدأت بإنفاق ملايين الدولارات،لإغراء كتاب مأجورين على نشر كتب،يراد منها بث الفرقة بين المسلمين،بخلق مناخ لتكفير الشيعة - الذين نجحوا في إنشاء دولة إسلامية،من منظور أئمة أهل البيت الأطهار عليهم السلام،وأفكارهم وآرائهم المجسدة لروع الدين الإسلامي- وبالتالي إيجاد حالة من النفور والبعد عن هذا الطرح الذي يصفه  أعداءه  وبالصفوي تارة وبالمجوسي تارة أخرى.وقد  نجح الاستكبار في مخططه الإرباكي والتنفيري،في إبعاد قاعدة كبيرة من المسلمين من أتباع مدرسة  الصحابة،بسبب عدم اطلاع هؤلاء على حقيقة معتقدات الشيعة الامامية الاثني عشرية،رغم تصدي عدد من  علمائهم لتفنيد مزاعم التكفيريين،بإصدار مقالات وفتاوى تبين حقيقة الإسلام الشيعي الاثني عشري،لعل أهمها الفتوى التي أطلقها شيخ الأزهر محمود شلتوت،في اعتبار الشيعة الامامية الاثني عشرية مذهبا إسلاميا يجوز التقيد بأحكامه والانتقال إليه.    وجاء من بعد  ذلك أصحاب الفكر المستنير في بقية الشعوب العربية والإسلامية،ممن فهم الغاية التي دفعت بهذه العاصفة للهبوب في وجه إيران الإسلام،فقاموا بكشف زيف الدعاوى المرفوعة على النظام الإيراني المسلم،وكشفوا للعالم الإسلامي أن الطرح الذي جاء به الإمام الخميني إسلامي بحت،ينتظر منه الخير الكثير للإسلام وللشعوب الإسلامية،مستدلين في ذلك على البشارة التي أعلنها النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم،عندما نزلت الآية:"وآخرين منهم لما يلحقوا بهم وهو السميع العليم." وقد سأله سائل عن هؤلاء الذين لم يلحقوا بجيل النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال واضعا يده على كتف سلمان الفارسي(المحمدي): هم من قوم هذا، والله لو كان الدين في الثريا لناله رجال من فارس."وتمضي الجمهورية الإسلامية في إيران قدما نحو تحقيق أمنها وتقدمها العلمي والصناعي والاقتصادي والاجتماعي،وسط امتعاض وسخط  قوى الغرب المتصهينة،المعادية للإسلام الكامل والفاعل،وفي غيبة من الأنظمة العربية والإسلامية السابحة في فلك الاستكبار العالمي،غير عابئة بالنوى الذي يعترض طريقها صامدة في وجه كل محاولات ثنيها عن هدفها في إرساء دولة قوية،لها كلمتها على الصعيد الدولي،ويحسب لها ألف حساب،وجاء التقدم التكنولوجي وعلى رأسه التقنية النووية لأغراض سلمية،ليزيد من تكالب تلك القوى المستكبرة على الجمهورية  الإسلامية الفتية،وترتفع وتيرة تهديداتها لها إلى الخيار العسكري من اجل إنهاء برنامجها الطموح،وإخضاعها للإرهاب والابتزاز الدولي .التخطيط الغربي لضرب الإسلام الأصيل الفاعل في الجماهير المسلمة،بدأ بالدعاية المضللة ومرورا بخلق حالة من الفرقة بين المسلمين باعتماد طريقة تكفير المسلمين الشيعة،أقل ما يقال فيها أنها تافهة ولا تخدم إلا مصلحة أعداء الإسلام،وكان احتلال أفغانستان تحت ذريعة مقاومة الإرهاب المتمثل في تنظيم  القاعدة الذي أسسوه بأنفسهم  من اجل الالتفاف على الجمهورية الإسلامية في إيران من الجهة الشرقية،  كما كان دخولهم  للعراق  من اجل حصر إيران من الجهة الغربية.لكن عزيمة الإخوة الإيرانيين،من خلال توكلهم على الله واعتمادهم على أخلاقيات الإسلام العظيم،تمكنوا من كشف الزيف الاستكباري،وتعرية نواياه،وفضح مؤامراته على إيران الإسلام،وكان لمساعيهم الدبلوماسية الأثر الكبير في تأييد عدد من الدول لحقهم المشروع في تخصيب اليورانيوم،وامتلاك التكنولوجيا النووية السلمية.وتجلى من خلال تهافت الاستكبار العالمي وعلى رأسه أمريكا،أن القضية في حقيقتها ليست ثني إيران عن طموحها النووي،بقدر ما هو حشد التأييد للوقوف في وجه هذا المشروع الإسلامي الطموح والمتكامل،من أجل القضاء عليه بكل الوسائل،حتى لو دعا الأمر إلى إشعال نار حرب قد تكون عالمية ثالثة،تتسابق فيها القوى لاحتلال منابع النفط الذي بدأت أزمته تستفحل في العالم.وأمريكا اليوم تريد أن تحكم العالم بمنطقها الخاص،وبقناعاتها التي أثبتتها الصهيونية العالمية فيها،فالنظام العالمي الجديد الذي تطرحه يقوم أساسا على تزييف وقلب الحقائق وفرضها كأوهام،والشرق الأوسط الجديد الذي تبشر به أمريكا،ويعتمد في تأسيسه على الفوضى الخلاقة،التي هي الأسلوب التدميري الذي تنتهجه الإدارة الأمريكية،عند عجزها إخضاع شعب من الشعوب المستضعفة،للاذعان إلى مشيئتها والنزول تحت إرادتها.منطق العصا والجزرة،لم يقف عند المجال الاقتصادي والاجتماعي والسياسي، بل تجاوزه  إلى المجال الديني،حيث سمعنا وقرأنا ما تسعى الإدارة الأمريكية للتبشير به،بعد انتصار الثورة الإسلامية في إيران،وفرض الإسلام المتكامل كأمر واقع في حياة المسلمين، فأمريكا تريد أن لا تتكرر التجربة الإسلامية التي حدثت في إيران،في أي بلد إسلامي آخر،وعليها مقابل ذلك أن تطرح إسلاما بديلا عن الطرح الإيراني،لا يتعارض مع طموحاتها وأهدافها الاستكبارية،وقد  نجحت في إخضاع الأنظمة المتأسلمة في العالم الثالث، لتمرر من خلالهم سمومها إلى شعوبهم المستضعفة.إذا تريد أمريكا إسلاما مغايرا للإسلام الذي اعتمدته إيران،يكون مستجيبا لطرحها وموافقا لتصورها في عزل الدين عن الحياة،تماما كما هي شأن المسيحية المحرفة،ولا يمكن للإسلام من المنظور الإمامي الإثني عشري أن يستجيب لما تريده أمريكا والاستكبار،لأن المبدأ الذي ينادي بوجوب مقاومة الظلم والظالمين،والبراءة من أئمة الجور لا يمكنه أن يمد يدا لهؤلاء إلا وهي تحمل سيفا أو وسيلة مقاومة،بينما هنالك من المذاهب الإسلامية من لا يرى باسا في موالاة الظالمين والرضا بحكومتهم ما داموا يؤدون الصلاة.  ولئن عجزت أمريكا في فرض منطقها الإستكباري على فيتنام،وباءت بالفشل الذريع في الصومال،فإنها سوف لن تنجح في أي مكان في العالم،لأن سياساتها تعتمد على الظلم والاستغلال،وتمارس الاستعلاء ولا ترى غضاضة  في نصرة حلفاءها المعتدين،حتى ولو كان العالم كله في جهة،وهي والكيان الصهيوني في جهة أخرى،لذلك يمكن القول بأن الطريقة الأمريكية المسلطة على دول العالم الثالث،وحتى الدول التي تعتبر متقدمة اقتصاديا،وعلى المجاميع الأممية (الأمم المتحدة/مجلس الأمن)لا يمكنها أن تثمر أو تأتي بخير طالما يحكمها ذلك المنطق المتعجرف،والجمهورية الإسلامية في إيران ليست لقمة سائغة حتى تزدردها أمريكا،بل هي قوة نشأت بفضل عقيدة صحيحة وقوية،ترى في الإسلام المحمدي الأصيل،الذي جاء به أئمة أهل البيت عليهم السلام منهج  حياة متكامل،لا تستضيء مراحله إلا بالشهادة والتضحية من طرف الجماهير المؤمنة به.والطريقة الأمريكية يستطيع أي شعب أبي،يمتلك شخصية متكاملة مستمدة من إيمان راسخ بعقيدته،ومجسدة في حركته التاريخية المتفانية من أجل الكمال الإنساني،أن ينعتق منها،وينأى عن دائرة سيطرتها،والأمثلة التي ذكرتها دليل متكرر من تلك الاستطاعة،وعلى الشعوب الأبية أن تراجع مواقفها من هذا النظام المشبع ظلما استهتارا.الخروج من دائرة الظلم،وتبعية  استغلال قوى الاستكبار،تتطلب منا مراجعة أنفسنا،ومساءلتها عن دورها الذي خلقت من أجله،وبعد تحقق المعرفة ووضوح الإجابة،الالتفات إلى بناء النفس بناء قويا لا يتصدع في كل الأحوال،ومن ثم مواجهة الظلم والظالمين بكل الوسائل المتاحة،تحقيقا لإرادة الله تعالى في أن الأرض لعباده الصالحين،وليس  لأمريكا ولا لأذنابها.   التغيير يبدأ من الذات،وينتهي إليها،ومحصل الفكر،وعمق العقيدة هما وقود ذلك التغيير،والأسلحة التي عجزت أمريكا والاستكبار العالمي أمام صموده وتصديه على الرغم من عدم التكافؤ في موازين القوى المادية، والنموذج  الإسلامي الممثل في حزب  الله  لبنان اكبر دليل على ما أقول، ومثال ضربه  خط ولاية  الفقيه للمسلمين فيسلكوا نهج التغيير بلا خوف ولا وجل متكلين على الله متوجهين إليه في  السر والعلن،ومن يتوكل على الله فهو حسبه.العصر هو عصر الإسلام،رضي من رضي وأبى من أبى،وعودته إلى العمل بفاعلية على الساحة،لن تثنيه أي قوة معادية مهما أعدت وتجندت،لأن وعد الله حق في نصر أوليائه،المهم في الاتكال عليه والعمل بمقتضى وحيه،ولسوف يأتي اليوم الذي تنتهي فيه أسطورة المارد الأمريكي ليعود قزما مخذولا مثلما بدأ،والعاقبة للمتقين .     

تعليقات

اضافة تعليق
authimage
رمز التأكيد
 
A service provided by Al Bawaba