03 آب, 2008
منطق القوة
منطق القوة لكل عصر منطقه،وهذا العصر،وان جاء بالجديد،فإنه في حقيقة الأمر لم يشذ عن بقية العصور،في اعتماد القوة كأساس أول للسيطرة على المقدرات المادية والمعنوية للمجتمعات البشرية.القوة التي كان يجب أن تحفظ الحقوق،وتنتصر للضعيف والمغلوب،وتقاوم الظلم والتعدي،وتنشر العدل والأمن،كلما تمكن منها قليلوا العقل،وعديمي العلم،ومعدومي الضمير،تحولت من أداة يتفيّأ ظلالها الجميع،إلى وسيلة للقمع والسلب والنهب،واستضعاف الناس،باسم المدنية والحضارة والقانون. عالم أول متبهرج بزينته،ومتألق في علومه،ومتنعم في رياشه،وصل إلى مداه،عبر استضعاف واستعباد الأمم المتخلفة عن الحضارة والمدنية.وعالم ثان يقترب من الأول،يحاكي حضارته ومدنيته وزينته لكنه لم يلتحق بركب المتفوقين،ولا تمكن من الخروج من طابور المتخلفين.وعالم ثالث خاضع لقوى العالم الأول،ليس لديه أن يعترض على السياسات المفروضة والمملاة عليه.ومجتمع أممي تأسست جمعيته العمومية ومجلس أمنه،ليس للدفاع عن المظلومين والمستضعفين،بل ليكرس مبدأ الغلبة والهيمنة للقويّ.أما القرارات الصادرة عنهما،فهي لا تطبق إلا على الضعفاء الذين لا حيلة لهم،حيث لم تجد عشرات القرارات الصادرة بشأن الكيان الصهيوني التطبيق إلى اليوم،وقد مرت عليها عشرات السنين، ولم تجد اعتداءات أمريكا وحلفاءها على الأمم المستضعفة من يصدها. الملفت في دول العالم الثالث،وبالخصوص العربية منها،أنها رأت في منطق القوة الذي أرخت جسدها تحت هيمنته،وسيلة لإخضاع شعوبها إلى برامج أسيادها السياسية والاقتصادية والاجتماعية،إلى درجة التدخل في الخصوصيات الدينية الفردية،كمنع الحجاب واللحية،وتصنيف الذين يؤدون الصلاة في المساجد،على أساس أنهم مشتبهون في المجتمع،لا يحق لهم أن يستلموا مناصب حساسة فيه.سلطة الرئاسة الفلسطينية،عبر جهازها الفاعل (فتح)،قدمت ولا تزال خدمات جليلة للكيان الصهيوني،لعل أهمها تتبع العناصر الناشطة في قوى المقاومة الإسلامية (حماس/الجهاد)،وتقديم المعلومات عنهم للإستخبارات الصهيونية،منطق قوتها في القطاع والضفة،تمثل في تجنيد أسر بأكملها في شكل عصابات تحكم بمنطق القوة،الذي لا يتقيد بقيمة من القيم،سوى قداسة المادة المدفوعة،في مقابل جرائم خطف وقتل وترويع وابتزاز ومساومة.ومنطق إما أن تكون (فتحويا) أو لا تكون،هو من نسيج واحد لمنطق:إذا لم تكن معي فأنت ضدي.وسياسة غصب الحقوق،وسلب الإرادات،وكبت الأنفس،هي القاعدة التي انبنى عليها منطق القوة والمتتبع لتطور أدوات الحكم العربية يلاحظ تطابقا بين الأسلوب الذي تنتهجه الرئاسة الفلسطينية الآن،وبين الأساليب التي انتهجتها الأنظمة العربية في تدجين وقمع شعوبها. ومنطق القوة في هذا العالم المتحرر من القيم الدينية،يدفع قدما إلى إلغاء كل ما من شأنه،أن يعيق الفكر المتحرر من عبودية الله تعالى،إلى عبودية وهم إسمه الليبرالية.ومنطق القوة ذو الحدّين هذا،وان أتى أكله في استضعاف الشعوب،تحت عناوين مختلفة،منها الوصاية التاريخية،والاستحقاق الحضاري،فإنه باعتماده لأسلوب التمويه،وقلب الحقائق والدعاية الكاذبة،سوف يتعرى من كل بهرجه وزينته،ويظهر في يوم من الأيام بعورته القبيحة التي لا ينظر إليها الله تعالى ولا يزكيها،وتشمئز منها قلوب المتفطنين لأسس ذلك المنطق القذر،وسوف يأتي اليوم الذي ينقلب فيه السحر على الساحر،وتنكشف أوراق لعبة منطق مخالف لكل القيم النافعة للبشرية،فتنهض الأمم التواقة للتحرر من عبودية البشر إلى عبودية الخالق.
02 آب, 2008
نموذج الإنسان الكامل
خلق الله سبحانه وتعالى الإنسان في أحسن تقويم،وفطره على وحدانيته،وجعل له العقل والفؤاد،وأيدهما بحواسّ ليستكمل بهما مسيرته القصيرة لبلوغ مرتبة الكمال البشري،وكانت شرائعه وأولياءه أدلة على مراده،ومسارا رسمه لقصده، فمن اتبع سنن الطاهرين فقد هدي إلى صراط مستقيم،ومن حاد عن سبيلهم فقد ضل وخاب.أثناء مطالعاتي عثرت على رواية هزتني،وحركت عقلي ووجداني بكل قوة،رغم وجود عدد كبير جدا من الروايات التي تثير الأفئدة،وتحرك العقول وتستنهضهما.الرواية منسوبة إلى الإمام أبي الحسن علي بن موسى الرضا ثامن أئمة أهل البيت عليهم السلام،لا يمكن لقارئ أن يقرأها دون أن يستخلص منها عبرة ودرسا، لما تضمنته من دلالات إرشادية لكل تواق إلى استكمال مسيرته الدنيوية على أحسن وجه.يقول الإمام أبو الحسن عليه السلام: لا يتم عقل امرئ مسلم حتى تكون فيه عشر خصال:الخير منه مأمول والشر منه مأمون،ويستكثر قليل الخير من غيره، ويستقل كثر الخير من نفسه،لا يسأم من طلب الحوائج إليه،ولا يملّ من طلب العلم طول دهره،الفقر في الله أحبّ إليه من الغنى،والذل في الله أحبّ إليه من العزّ في عدوّه،والخمول أحب إليه من الشّهرة،ثمّ قال: العاشرة،وما العاشرة؟قيل له ما هي؟قال:لا يرى أحدا إلا قال:هو خير مني وأتقى،إن الناس رجلان:رجل خير منه واتقى، ورجل شرّ منه وأدنى،فإذا لقي الذي هو شرّ منه وأدنى،قال:لعلّ خير هذا باطن وهو خير له،وخيري ظاهر وهو شرّ لي،وإذا رأى الذي هو خير منه وأتقى، تواضع له،ليلحق به،فإذا فعل ذلك علا مجده وطاب خيره، وحسن ذكره، وساد أهل زمانه. فهل بعد هذه الموعظة عبرة وموعظة؟والى من قرأ الرواية أقول: أين نحن من هذا الذي حوصله الإمام الرضا عليه السلام؟واختتمه في النهاية،بتنبيه بليغ إلى أنفسنا الجموحة الشاردة المتعالية،وقد استوطنها الشيطان بالغرور والتمني،ولمجرد أعمال بسيطة،ركبت مطية التعالي والتزكية..فالحذر الحذر يا بني البشر.وهذه الموعظة البليغة أوجهها لنفسي أولا، وأحاول جاهدا أن تكون نصب عيني في كل حين،ولمن يرغب حقيقة أن يستخلص العبرة ويتعلم.
31 تموز, 2008
من أنا؟ ومن أنت؟
سؤال قد يبدو سخيفا أو بسيطا،لكن الإجابة عليه وإن كانت في متناول السائل فانه قد لا ينطق بالإجابة المطلوبة إذا ما سئل.نحن ندرك تماما أننا من الجنس البشري الذي وجد على الأرض منذ أن انزله الله تعالى من جنة المأوى ليستخلفه في الأرض فيرى عمله،وكانت الملائكة أول المتسائلين"أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك"لم يكن تساءل الملائكة استنكاريا لأنه لو كان كذلك لأنتفت عنهم العصمة، وباعتبارهم "عباد مكرمون لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون" فان سؤالهم جاء بيانا لحالة من الخلق عايشوها،سبقت خلق بني آدم في عوالم أخرى موغلة في القدم،ولم يكن استفسارهم استشرافا للغيب، لأن علم الغيب خاص بالله تعالى ولا يعطيه إلى خلقه إلا بالمقدار الذي يفيدهم.ومع ذلك جاء السؤال الاستفساري من الملائكة مطابقا لتصرف بني آدم على وجه الأرض،وجاء الفساد بكل أبعاده،مع أن الله لم يخلق آدم وذريته إلا من أجل إنفاذ شريعته في تنشئة خلق كامل في حركته نحو العلم والمعرفة،وتفاعلها معهما بالعمل الصالح.فما الذي حصل منا نحن البشر حتى ينقلب المراد إلى غاية لا تزال بعيدة المنال؟أنا وأنت إخوة من الأب الأول آدم عليه السلام،ومن الأم الأولى حواء رضي الله عنها،لا فرق بين اختلاف ألسنتنا وألواننا وطرق تفكيرنا، واختلاف طبائعنا، خلقنا الله لحكمة رآها، وأنشأنا لسبب قدّره"وما خلقت الإنس والجن إلا ليعبدون" فمن فهم الغاية ركب الوسيلة.والعبادة ليست حصرا في حركات عبادية معروفة بقدر ما هي شعور بالآخر إنسانا كان أم حيوانا أم نباتا أم حجارة، الكل له قيمة ويوجب الاحترام ويراعى بالقدر الذي أعطي له.وعبادتنا التي تقوم بها أنا وأنت إذا لم تقم على أساس من المعرفة واليقين بقيمتها فإنها غير قادرة على خرق الحجب في عروجها إلى الله.حرص الباري تعالى على أن ينبهنا من عدو قد قرر جهارا إيذاءنا وغوايتنا،من اجل صرفنا عن طريق الوصول إلى المعرفة والإدراك الحقيقيين"إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا".وبذل الشيطان كل طاقاته من أجل الإيقاع ببني آدم في مستنقع الخطيئة، ونجح في أغلب مساعيه،فأغلب الشرور التي عاشتها وتعيشها الأرض والبشرية من صناعته.وحتى لا نلقي كل التبعة على العدو الأول لا بد من الاتفات إلى العدو الثاني لنا نحن البشر وهي أنفسنا المتقلبة المريضة"إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي."وعليه فلا بد من تهذيب النفس وتربيتها ومراقبتها، وفق المعايير الإلهية، فإذا فعلنا ذلك أمكننا أن نسد الطريق إمامها ونغلق الباب في وجه الشيطان فلا يمكنه أن يجد فينا مكانا للوسوسة والغواية.أن نعرف أنفسنا لأن معرفتها على الحقيقة تؤدي إلى معرفة الخالق(من عرف نفسه فقد عرف ربه)،ومن ثم نبني العلاقة التي يجب إقامتها في هذا السفر القصير،على هذا الوطن الزائل الصغير،من أجل عالم أرحب،وموقع إلى الله تعالى أقرب.وحقيقتي وحقيقتك تتجليان في سعة قلبينا لبقية الخلق،فمن وسع قلبه المخلوقات، فقد أدرك الغاية من خلقه، ومن ضاق قلبه عن الناس فهو إلى الآخرة أضيق، فلا نستهن بمن تعتقد انه دونك، وأقل منك مرتبة وقيمة، فان الله قد أخفى أولياءه في مخلوقاته فلا يعرفون في أغلبهم، واحذر أن تستهين بأحد فيكون من أولياء الله فتكون من الخاسرين.لا تزكي نفسك فان الله هو الذي يزكي مخلوقاته، وكن فيهم مغمورا خير لك من أن تكون مشهورا،لأن الشهرة قد توقع بك في شرك العجب والكبرياء.وتعالى معي لنبني علاقة مودة وأخوة،لأنك كما قال الإمام علي عليه السلام:(إما أخ لي في الدين،أو نظير لي في الخلق)، فنتعاون على النفس والشيطان من أجل تحقيق رضا الخالق والفوز برضوانه،لقاءنا في الدنيا من أجل سلامة مرورنا فيها،بكل محبة وتعاون،ولقاءنا في الآخرة طلبا للمساعدة في عرصات يوم القيامة"فما لنا من شفيع ولا صديق حميم". جعلني الله وإياكم من"الذين يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما."
28 تموز, 2008
ميثاق حقوق الإنسان الإسلامي أفضل المواثيق
ميثاق حقوق الإنسان الإسلامي أفضل المواثيق
يستطيع أي شخص بسبب عدم اطلاعه،أو بدافع من الدوافع الكامنة فيه والتي لا نستطيع تبينها، لاستحالة الاطلاع على الضمائر وما تخفي الصدور، أن يدعي مسألة من المسائل أو أمرا من الأمور، لكنه مع ذلك يبقى دونه وتمرير فكرته وضع القرائن والمؤيدات مواضعها في معرض حديثه، ويبقى جدل الدعاوى والدعاوى المضادة متنافرا متباعدا كالضدين والغريمين في عدم اجتماعهما.
وقد رأيت في هذا اليوم أن أتناول موضوع حقوق الإنسان من اجل لفت نظر المبصرين إلى أهمية المسألة،وإدارة أعناق السامعين إلى مكمن الحقيقة فيها،فمن كان له نظر وعلى عقله أذن واعية،يستطيع دون عناء أو مشقة أن يتبين الحسن من القبح،طالما أن المسألة عقلية بحتة،قبل أن تكون شرعية ودينية،ومن كان على خلاف ما ذكرت،مكبا على وجهه،فإننا نرجو له أن يصلح وضعه وحاله،ليتمكن من الأخذ والعطاء .
نشر المدعو سفيان safouanجملة من التضليلات هاجم فيها الإسلام ومقدساته من وجهة دلت على أن معارفه سطحية لا يمكن له معها أن يبني فكرة متماسكة في مواجهة الأدلة والبراهين القوية التي لا تبقي لعقله مستمسكا واحدا لما يلوكه من تشكيك حبس نفسه عليه.
ولا أرى دافعا لجملة ما أوقف عقله القاصر عليها سوى انه لم ينشأ الا في وسط بعيد عن الاعتقاد بالقيم الإنسانية التي لا خلاف حولها،والتي من بينها الإقرار بوجود خالق لهذا الكون،وتوحيده بما يستحق،والاعتقاد بان هذا الخالق اللامتناهي في العظمة والقدرة،قد بعث من طرفه أنبياء ورسلا، ليرشد الناس إليه،ويهديهم السبيل القويم،والصراط المستقيم،وان هذه الدنيا معبر إلى عالم أرحب وأوسع يوفي فيها للعباد أجورهم، أما من شذ من المتقولين كصاحبناsofiane فلا يقاس عليه بسبب غريته(18 سنة) وعدم نضجه، فقد يكون أحد ملاحدة التعليم في تونس قد سلب عقله بأوهام حسبها حقيقة،تحث على التنصل من الاعتقادات الصحيحة إلى أوهام لا أساس لها.
من بين ما ادعاه،معارضة الإسلام لميثاق حقوق الإنسان في مسعى واضح منه لإضفاء مزيد من الريبة والشك في الأنفس،من أن الإسلام لا يمكنه بأي حال من الأحوال أن يواكب العصر،ويستجيب لحاجات البشر الحديثة،وبالتالي فان هذا الدين حري به أن يكتسي طابعا كنائسيا،فيتقوقع داخل الأديرة وأماكن العبادة،ويترك الدنيا (سياسة اقتصاد اجتماع)لأهلها من شياطين الإنس،الذين يسعى جاهدا بدافع ما للاقتباس منهم.
جاء الإنسان الكامل والعقل الأول خاتم الأنبياء والمرسلين صلى الله عليه وآله وسلم بالإسلام الرسالة الإلهية الخاتمة ليخرج الناس من ظلمات عبودية البشر والأصنام إلى عبادة الله خالق الكون والحياة الأحق بالشكر والتوحيد والثناء.
كان الناس في تلك الحقبة من الزمن على انحراف كبير في عقيدة التوحيد،فقد استبدلوا تدريجيا العقيدة السليمة بأخرى أوجدها أصحاب المصالح من طلاب الدنيا واستعباد الناس،مما أدى إلى تكريس حالة من امتهان البشر واستغلالها بصور وحشية .
ولما جاء الإسلام كانت عبودية الإنسان لأخيه الإنسان أمرا واقعا وأساسا من الأسس الاقتصادية لذلك المجتمع،فلم يعترف به، واتخذ سبيلا حكيما في إلغائه وإزالته،فكان الوحي يدعو المسلمين إلى احترام البشر،مهما كان لونه وأصله ومعتقده،ساعيا في الوقت نفسه،إلى إرساء تلك القناعة في الوسط الاجتماعي المسلم.
ثم اتجه بعد ذلك إلى إلغاء العبودية بطريق العتق الاختياري،أو الذي يأتي بدافع الكفارة،وانتهى الأمر إلى أن اكتسب المجتمع الإسلامي ثقافة مضادة للعبودية والاسترقاق،هذا في العصر النبوي.
أما في ما تلاه من عصور فان سوء تطبيق الإسلام،ووصوله مشوها إلى عدد من المناطق،بسبب عدم إلمام حملته إلى تلك المناطق به،مما أدى إلى تنفر المطلعين عليه،كما هي حال سكان شمال إفريقيا من البرابرة،وزاد الأمر بعدا عن القيم الإسلامية السمحة تسلط الطغاة على رقاب الأمة باسم الدين وتحت مسميات أمراء المؤمنين، فعاد داء الاستعباد إلى أشد مما كان عليه في العصور الجاهلية، حتى عد بعضهم ما كان لدى هارون اللارشيد العباسي بآلاف العبيد والجواري كلهم تحت أمره ومشيئته.
الإسلام الذي لم يمض قدما نحو إلغاء استعباد البشر ليس إسلاما، بل مجرد دعاوى يراد منها التمويه على الناس، والإضاءات التي تركها الصالحون في هذه الأمة المنكوبة أكثر مما أغار عليه الطالحون ليحولوه على مزاجهم ووفق مبتغاهم.
من ذلك على سبيل المثال لا الحصر ما نقل عن الامام علي بن الحسين عليه السلام ()من رسالته المسماة برسالة الحقوق،والتي أحصى فيها جميع الحقوق التي ترتب العلاقات بين مختلف الناس حقوقا وواجبات، وهي تعد من أقدم المراجع الحقوقية في الإسلام، ومع ما تحتويه من قيم ومبادئ فقد أهملها قسم كبير من المسلمين ولم يلتفتوا اليها بسبب القمع السياسي والمذهبي الذين طغيا على العصور الوسيطة.
لقد قصرت عقول المسلمين عن تبليغ هذه النفائس لغيرهم فبقيت موقوفة على المسلمين الشيعة دون غيرهم.
وأنا اليوم إذ أتطرق إلى هذه الرسالة العظيمة،أريد أن أشير إلى أن المدونة العالمية لحقوق الإنسان،لا تعد في شيء أفضل من رسالة هذا الإمام الفذ، والمطلع عليها،يقف على حقيقة هذا الكنز الذي لا يقدر بثمن، وأنا في نقلها سأكون ساردا لا شارحا،باعتبار ضيق المجال والوقت،وأترك المجال لمن مر على هذا المقال،أن يثريه بتعليق يفيد القارئ الكريم.
نقل عن الإمام الرابع من أئمة أهل البيت عليهم السلام قوله:
اعلم رحمك الله أن لله عليك حقوقاً محيطة لك في كل حركة تحركتها,أو سكنة سكنتها أو منزلة نزلتها,أو جارحة قلبتها وآلة تصرفت بها:
بعضها أكبر من بعض،وأكبر حقوق الله عليك ما أوجبه لنفسه تبارك وتعالى من حقه،الذي هو أصل الحقوق ومنه تفرع،ثم أوجبه عليك لنفسك من قرنك إلى قدمك على اختلاف جوارحك, فجعل لبصرك عليك حقاً،ولسمعك عليك حقا،وللسانك عليك حقاً،وليديك عليك حقاً،ولرجلك عليك حقاً،ولبطنك عليك حقا،ولفرجك عليك حقا,فهذه الجوارح السبع التي بها تكون الأفعال.
ثم جعل عز وجل لأفعالك عليك حقوقاً,فجعل لصلاتك عليك حقاً،ولصومك عليك حقاً،ولصدقتك عليك حقاً،ولهديك عليك حقا،ولأفعالك عليك حقاً ثم تخرج الحقوق منك إلى غيرك من ذي الحقوق الواجبة عليك،وأوجبها عليك حقاً أئمتك،ثم حقوق رعيتك،ثم حقوق رحمك,فهذه حقوق يتشعب منها حقوق،فحقوق أئمتك ثلاثة أوجبها عليك:
حق سائسك بالسلطان ثم سائسك بالعلم, ثم حق سائسك بالملك وكل سائس(السائس:القائم بأمر والمدبر له)إمام وحقوق رعيتك ثلاثة أوجبها عليك حق رعيتك بالسلطان, ثم حق رعيتك بالعلم فإن الجاهل رعية العالم وحق رعيتك بالملك من الأزواج وما ملكت من الإيمان وحقوق رحمك كثيرة متصلة بقدر اتصال الرحم في القرابة. فأوجبها عليك حق أمك, ثم حق أبيك, ثم حق ولدك, ثم حق أخيك ثم الأقرب فالأقرب والأول فالأول, ثم حق مولاك المنعم عليك, ثم حق مولاك الجاري نعمته عليك, ثم حق ذي المعروف لديك و ثم حق مؤذنك بالصلاة, ثم حق إمامك في صلاتك, ثم حق جليسك, ثم حق جارك و ثم حق صاحبك ثم حق شريكك ثم حق مالك, ثم حق غريمك الذي يطالبك و ثم حق خليطك, ثم حق خصمك المدعي عليك, ثم حق خصمك الذي تدعي عليه, ثم حق مستشيرك, ثم حق المشير عليك و ثم حق مستنصحك, ثم حق الناصح لك, ثم حق من هو أكبر منك, ثم حق من هو أصغر منك, ثم حق سائلك, ثم حق من سألته , ثم حق من جرى لك على يديه مساءة بقول أو فعل أو مسرة بذلك بقول أو فعل عن تعمد منه أو غير تعمد منه , ثم حق أهل ملتك عامة, ثم حق أهل الذمة وثم الحقوق الجارية بقدر علل الأحوال وتصرف الأسباب, فطوبى لمن أعانه الله على قضاء ما أو جب عليه من حقوقه ووفقه وسدده.
1-فأما حق الله الأكبر فإنك تعبده لا تشرك به شيئاً, فإذا فعلت ذلك بإخلاص جعل لك على نفسه أن يكفيك أمر الدنيا والآخرة ويحفظ لك ما تحب منها.
2-وأما حق نفسك عليك فأن تستوفيها في طاعة الله, فتؤدي إلى لسانك حقه وإلى سمعك حقه وإلى بصرك حقه وإلى يدك حقها, وغلى رجلك حقها, وإلى بطنك حقه, وإلى فرجك حقه, وتستعين بالله على ذلك.
3-وأما حق اللسان فإكرامه عن الخنى وتعويده على الخير وحمله على الأدب وإجسامه إلا لموضع الحاجة والمنفعة للدين والدنيا وإعفاؤه عن الفضول الشنعة القليلة الفائدة التي لا يؤمن ضررها مع قلة عائدتها وبعد شاهد العقل والدليل عليه وتزين العاقل بعقله حسن سيرته في لسانه, ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
4-وأما حق السمع فتنزيهه عن أن تجعله طريقاً إلى قلبك إلا لفوهة كريمة تحدث في قلبك خيراً أو تكسب خلقاً كريما ً فإنه باب الكلام إلى القلب يؤدي إليه ضروب المعاني على ما فيها من خير أو شر, ولا قوة إلى بالله.
5-وأما حق بصرك فغضه عما لا يحل لك وترك ابتذاله إلا لموضع عبرة تستقبل بها بصراً أو تستفيد بها علماً, فإن البصر باب الاعتبار.
6-وأما حق رجليك فأن لا تمشي بهما إلى مالا يحل لك ولا تجعلهما مطيتك في الطريق المستخفة بأهلها فيها فإنها حاملتك وسالكة بك مسلك الدين والسبق لك, ولا قوة إلا بالله.
7-وأما حق يدك فأن لاتبسطها إلى مالا يحل لك فتنال بما تبسطها إليه من الله العقوبة بالأجل ومن الناس بلسان اللائمة في العاجل, ولا تقبضها مما افترض الله عليها, ولكن توقرها بقبضها عن كثير مما لا يحل لها وبسطها إلى كثير مما ليس عليها, فإذا هي قد عقلت وشرفت في العاجل وجب لها حسن الثواب في الأجل.
8-وأما حق بطنك فأن لا تجعله وعاء لقليل من الحرام ولا لكثير وأن تقتصد له في الحلال ولا تخرجه من حد التقوية إلى حد التهوين وذهاب المروة وضبطه إذا هم بالجوع والظمأ فإن الشبع المنتهي بصاحبه إلى التخم مكسلة ومثبطة ومقطعة عن كل بر وكرم. وإن الري المنتهي بصاحبه إلى السكر مسخفة ومجهلة ومذهبة للمروة.
9-وأما حق فرجك فحفظه مما لا يحل لك والاستعانة عليه بغض البصر, فإنه من أعون الأعوان وكثرة ذكر الموت والتهدد لنفسك بالله والتخويف لهابه, وبالله العصمة والتأييد, ولا حول ولا قوة إلا به.
ثم حقوق الأفعال
10-فأما حق الصلاة فأن تعلم أنها وفادة إلى الله وأنك قائم بها بين يدي الله فإذا علمت ذلك كنت خليقاً أن تقوم مقام الذليل, الراغب, الراهب, الخائف, الراجي, المسكين, المتضرع, المعظم من قام بين يديه بالسكون والإطراق, وخشوع الأطراف ولين الجناح, وحسن المناجاة له في نفسه والطلب إليه في فكاك ورقبتك التي أحاطت بها خطيئتك واستهلكتها ذنوبك, ولاقوة إلا بالله.
11-وأما حق الصوم فأن تعلم أنه حجاب ضربه الله على لسانك وسمعك وبصرك وفرجك وبطنك ليسترك به من النار. وهكذا جاء في الحديث: ( الصوم جنة من النار ) فإن سكنت أطرافك في حجبتها رجوت أن تكون محجوباً وإن أنت تركتها تضطرب في حجابها وترفع جنبات الحجاب فتطلع إلى ما ليس لها بالنظرة الداعية للشهوة والقوة الخارجة عن حد التقية لله لم تأمن أن تخرق الحجاب وتخرج منه, ولا قوة إلا بالله.
12-وأما حق الصدقة فأن تعلم أنها ذخرك عند ربك ووديعتك التي لا تحتاج إلى الإشهاد ( لا يحتاج يوم القيامة إلى الإشهاد لما ورد في الخبر من أن الصدقة أول ما تقع في يد الله تعالى قبل أن تقع في يد السائل). فإذا علمت ذلك كنت بما استودعته سراً أوثق بما استودعته علانية وكنت جديراً أن تكون أسررت إليه أمراً أعلنته وكان الأمر بينك وبينه فيها سرا على كل حال. ولم تستظهر عليه فيما استودعته منها ( بــ)بإشهاد الأسماع والأبصار عليه بها كأنها أوثق في نفسك لا كأنك لا تثق به في تأدية وديعتك إليك, ثم لم تمتن بها على أحد لأنها لك فإذا امتننت بها لم تأمن أن تكون بها مثل تهجين حالك منها إلى من مننت عليه لأن في ذلك دليلاً على انك لم ترد نفسك بها ولو أردت نفسك بها لم تمتن بها على أحد, ولا قوة إلى بالله.
13-وأما حق الهدى فأن تخلص بها الإرادة إلى ربك والتعرض لرحمته وقبوله ولا تريد عيون الناظرين دونه, فإذا كنت كذلك لم تكن متكلفاً ولا متصنعا وكنت إنما تقصد إلى الله. واعلم أن الله يراد باليسير ولا يراد بالعسير, كما أراد بخلقه التيسير ولم يرد بهم التعسير, وكذلك التذلل أولى بك من التدهقن لأن الكلفة والمؤونة في المتدهقنين فأما التذلل والتمسكن فلا كلفة فيهما ولا مؤونة عليهما لأنهما الخلقة وهما موجودان في الطبيعة, ولاقوة إلى بالله.
ثم حقوق الأئمة
14-فأما حق سائسك بالسلطان فأن تعلم أنك جعلت له فتنة وأنه مبتلى فيك بما جعله الله له عليك من السلطان وأن تخلص له في النصيحة وأن لا تماحكه (لا تماحكه:لا تخاصمه ولا تنازعه) وقد بسطت يده عليك فتكون سبب هلاك نفسك وهلاكه. وتذلل وتلطف لإعطائه من الرضا ما يكفه عنك ولا يضر بدينك وتستعين عليه في ذلك بالله. ولا تعازه( لا تعازه:لا تعارضه في العزة) ولا تعانده, فإنك إن فعلت ذلك عققته وعققت نفسك فعرضتها لمكروهه وعرضته للهلكة فيك وكنت خليقاً أن تكون معيناً له على نفسك وشريكا له فيما أتى إليك, ولا قوة إلى بالله.
15-وأما حق سائسك بالعلم فالتعظيم له والتوقير لمجلسه وحسن الاستماع إليه والإقبال عليه والمعونة له على نفسك فيما لاغنى بك عنه من العلم بأن تفرغ له عقلك وتحضره فهمك وتذكي له(قلبك) وتجلي له بصرك بترك اللذات ونقص الشهوات وأن تعلم أنك فيما ألقى (إليك) رسوله إلى من لقيك من أهل الجهل فلزمك حسن التأدية عنه إليهم ولاتخنه في تأدية رسالته والقيام بها عنه إذا تقلدتها, ولاحول ولا قوة إلا بالله.
16-وأما حق سائسك بالملك فنحو من سائسك بالسلطان إلا أن هذا يملك مالا يملكه ذاك تلزمك طاعته فيما دق وجل منك إلا أن تخرجك من وجوب حق الله, ويحول بينك وبين حقه حقوق الخلق, فإذا قضيته رجعت إلى حقه ( أي إذا قضيت حق الله فارجع إلى حق مالكك) فتشاغلت به, ولا قوة إلى بالله.
ثم حقوق الرعية
17-فأما حقوق رعيتك بالسلطان فأن تعلم أنك إنما استرعيتهم بفضل قوتك عليهم فإنه إنما أحلهم محل الرعية لك ضعفهم وذلهم, فما أولى من كفاكه ضعفه وذله حتى صيره لك رعية وصير حكمك عليه نافذاً, لا يتمنع منك بعزة ولا قوة ولا يستنصر قيما تعاظمه منك إلا( بالله) بالرحمة والحياطة والأناة ( الحياطة: الحفاظة والحماية والصيانة, الأناة كقناة الوقار والحلم وأصله الانتظار ), وما أولاك إذا عرفت ما أعطاك الله من فضل هذه العزة والقوة التي قهرت بها تكون لله شاكراً, ومن شكر الله أعطاه فيما أنعم عليه, ولا قوة إلا بالله.
18-وأما حق رعيتك بالعلم, فأن تعلم أن الله قد جعلك لهم فيما آتاك من العمل, وولاك من خزانة الحكمة, فإن أحسنت فيما ولاك الله من ذلك وقمت به لهم مقام الخازن الشفيق, الناصح لمولاه في عبيده, الصابر المحتسب الذي إذا رأى ذا حاجة أخرج له من الأموال التي في يديه كنت راشدا, وكنت لذلك أملا معتقدا( الأمل:خادم الرجل وعونه الذي يأمله),وإلا كنت له خائنا ولخلقه ظالما ولسلبه وعزة متعرضاً.
19-وأما حق رعيتك بملك النكاح, فأن تعلم أن الله جعلها سكناً ومستراحاً وأنساً وواقية, وكذلك كل واحد منكما يجب أن يحمد الله على صاحبه ويعلم أن ذلك نعمة منه عليه ووجب أن يحسن صحبة نعمة الله ويكرمها ويرفق بها وإن كان حقك عليها أغلظ وطاعتك بها ألزم فيما أحببت وكرهت مالم تكن معصية, فإن لها حق الرحمة والمؤانسة وموضع السكون إليها قضاء اللذة التي لابد من قضائها وذلك عظيم, ولاحول ولاقوة إلا بالله.
20-وأما حق رعيتك بملك اليمين فأن تعلم أنه خلق ربك ولحمك ودمك وأنك تملكه لا أنت صنعته دون الله ولا خلقت له سمعا ولا بصرا ولا أجريت له رزقاً, ولكن الله كفاك ذلك بمن سخره لك وائتمنك عليه واستودعك إياه لتحفظه فيه وتسير فيه بسيرته فتطعمه مما تأكل وتلبسه مما تلبس ولاتكلفه مالا يطيق, فإن كرهتـ (ــه) خرجت إلى الله منه واستبدلت به ولم تعذب خلق الله ولاقوة إلا بالله.
أما حق الرحم
21-فحق أمك أن تعلم أنها حملتك حيث لا يحمل أحد أحدا, وأطعمتك من ثمرة قلبها مالا يطعم أحد أحدا, وأنها وقتك بسمعها وبصرها ويدها ورجلها وشعرها وبشرها وجميع جوارحها مستبشرة بذلك, فرحة, موبلة, محتملة لما فيه مكروهها وألمها وثقلها وغمها حتى دفعتها عنك يد القدرة وأخرجتك إلى الأرض فرضيت أن تشبع وتجوع هي وتكسوك وتعرى وترويك وتظمأ تظلك وتضحي وتنعك ببؤسها,وتلذذك بالنوم بأرقها وكان بطنها لك وعاءا وحجرها لك حواءا وثديها لك سقاءا ونفسها لك وقاءا, تباشر حر الدنيا وبردها لك ودونك, فتشكرها على قدر ذلك ولا تقدر عليه إلا بعون الله وتوفيقه.
22-وأما حق أبيك فيك فتعلم أنه أصلك وأنك فرعه وأنك لولاه لم تكن فمهما رأيت في نفسك مما يعجبك فاعلم أن أباك اصل النعمة عليك فيه وأحمد الله واشكره على قدر ذلك, ولا قوة إلى بالله.
23-وأما حق ولدك فتعلم أنه منك ومضاف إليك في عاجل الدنيا بخيره وشره وأنك مسئول عما وليته من حسن الأدب والدلالة على ربه والمعونة له على طاعتك فيك وفي نفسه فمثاب على ذلك ومعاقب,فاعمل في أمره عمل المتزنين بحسن أثره عليه في عاجل الدنيا, المعذر إلى ربه فيما بينك وبينه بحسن القيام عليه والأخذ له منه, ولا قوة إلا بالله.
24-وأما حق أخيك فتعلم أنه يدك التي تبسطها وظهرك الذي تلتجئ إليه وعزك الذي تعتمد عليه وقوتك التي تصول بها فلا تتخذه سلاحاً على معصية الله ولا عدة للظلم بحق الله, ولا تدع نصرته على نفسه ومعونته على عدوه والحول بينه وبين شياطينه وتأدية النصيحة إليه والإقبال عليه في الله, فأن انقاد لربه وأحسن الإجابة له وإلا فليكن الله آثر عندك وأكرم عليك منه.
25-وأما حق المنعم عليك بالولاء ( الولاء: بالفتح النصرة والملك والمحبة والصداقة والقرابة) فإن تعلم أنه أنفق فيك ماله وأخرجك من ذل الرق ووحشته إلى عز الحرية وأنسها وأطلقك من أسر الملكة وفك عنك حلق العبودية, وأوجدك رائحة العز, وأخرجك من سجن القهر ودفع عنك العسر, وبسط لك لسان الإنصاف وأباحك الدنيا كلها فملكك نفسك وحل أسرك وفرغك لعبادة ربك واحتمل بذلك التقصير في ماله, فتعلم أنه أولى الخلق بك بعد أولي رحمك في حياتك وموتك وأحق الخلق بنصرك ومعونتك ومكانفتك في ذات الله( المكانفة: المعاونة ), فلا تؤثر عليه نفسك ما احتاج إليك.
26-وأما حق مولاك الجارية عليه نعمتك فأن تعلم أن الله جعلك حامية عليه وواقية وناصرا ًومعقلاً وجعله لك وسيلة وسبباً بينك وبينه, فبالحري أن يحجبك عن النار فيكون في ذلك ثواب منه في الأجل ويحكم لك بميراثه في العاجل إذا لم يكن له رحم مكافأة لما أنفقته من مالك عليه وقمت به من حقه بعد إنفاق مالك, فإن لم تخفه خيف عليك أن لا يطيب لك ميراثه, ولاقوة إلا بالله.
27-وأما حق ذي المعروف عليك فأن تشكره وتذكر معروفه وتنشر له المقالة الحسنة وتخلص له الدعاء فيما بينك وبين الله سبحانه, فإنك إذا فعلت ذلك كنت قد شكرته سرا وعلانية. ثم إن أمكن مكافأته بالفعل كافأته وإلا كنت مرصداً له موطناً نفسك عليها (الضمير:في عليها يرجع إلى المكافأة, أي ترصد وتراقب وتهيئ نفسك على المكافأة في وقتها).
28-وأما حق المؤذن فأن تعلم أنه مذكرك بربك وداعيك إلى حظك وأفضل أعوانك على قضاء الفريضة التي افترضها الله عليك فتشكره على ذلك شكرك للمحسن إليك وإن كنت في بيتك متهما لذلك لم تكن لله في أمره متهما وعلمت أنه نعمة من الله عليك لاشك فيها فأحسن صحبة نعمة الله بحمد الله على كل حال, ولا قوة إلا بالله.
29-وأما حق إمامك في صلاتك فأن تعلم أنه قد تقلد السفارة فيما بينك وبين الله والوفاة إلى ربك وتكلم عنك ولم تتكلم عنه ودعا لك ولم تدع له وطلب فيك ولم تطلب فيه وكفاك هم المقام بين يدي الله والمساءلة له فيك. ولم تكفه ذلك فإن كان في شيء من ذلك تقصير كان به دونك وإن كان آثماً لم تكن شريكه فيه ولم يكن لك عليه فضل, فوقي نفسك بنفسه ورقي صلاتك بصلاته, فتشكر له على ذلك ولاحول ولاقوة إلا بالله.
30- وأما حق الجليس فأن تلين له كنفك ( الكنف: الجانب والظل ) وتطيب له جانبك وتنصفه في مجاراة اللفظ ولا تغرق في نزع اللحظ إذا لحظت وتقصد في اللفظ إلى إفهامه إذا لفظت وإن كنت الجليس إليه كنت في القيام عنه بالخيار وإن كان الجالس إليك كان بالخيار ولاتقوم إلا بإذنه ولاقوة إلا بالله.
31- وأما حق الجار فحفظه غائباً وكرامته شاهداً ونصرته ومعونته في الحالين جميعاً ( المراد بالحالين: الشهود والغياب ), ولا تتبع له عورة ولا تبحث له عن سوء(ة) لتعرفها, فإن عرفتها منه عن غير إرادة منك ولا تكلف, كنت لما علمت حصناً حصينا وسترا ستيراً, ولو بحثت الأسنة عنه ضميرا ًلم تتصل إليه لانطوائه عليه.لا تستمع عليه من حيث لا يعلم, لا تسلمه عند شديدة ولا تحسده عند نعمة, تقيل عثرته وتغفر زلته, ولا تدخر حلمك عنه إذا جهل عليك ولا تخرج أن تكون سلما له, ترد عنه لسان الشتيمة وتبطل فيه كيد حامل النصيحة وتعاشره معاشرة كريمة, ولا حول ولا قوة إلا بالله.
32-وأما حق الصاحب فأن تصحبه بالفضل ما وجدت إليه سبيلاً وإلا فلا أقل من الإنصاف وأن تكرمه كما يكرمك وتحفظه كما يحفظك ولا يسبقك فيما بينك وبينه إلى مكرمة, فإن سبقك كافأته ولا تقصر به عما يستحق من المودة. تلزم نفسك نصيحته وحياطته ومعاضدته على طاعة ربه ومعونته على نفسه فيما لا يهم به, من معصية ربه, ثم تكون (عليه) رحمة ولا تكون عليه عذاباً, ولاقوة إلا بالله.
33-وأما حق الشريك فإن غاب كفيته وإن حضر ساويته ولا تعزم على حكمك دون حكمه ولا تعمل برأيك دون مناظراته وتحفظ عليه ماله وتنفي عنه خيانته فيما عز أو هان فإن بلغنا "أن يد الله على الشريكين ما لم يتخاونا "ولا قوة إلا بالله.
34-وأما حق المال فأن لا تأخذه إلا من حله ولا تنفقه إلا في حله ولا يحرفه عن مواضعه ولا تصرفه عن حقائقه ولا تجعله إذا كان من الله إلا إليه وسببا إلى الله. ولا تؤثر به على نفسك من لعله لا يحميك وبالحري أن لا يحسن خلافته في تركك ولا يعمل فيه بطاعة ربك فتكون معينا له على ذلك وبما أحدث في مالك أحسن نظرا لنفسه فيعمل بطاعة ربه فيذهب بالغنيمة وتبوء بالإثم والحسرة والندامة مع التبعة ( التبعة: ما يترتب على الفعل من الشر وقد يستعمل في الخير) ولا قوة إلا بالله.
35-وأما حق الغريم الطالب لك (الغريم:الدائن ويطلق أيضاً على الديون.وفي بعض النسخ ( الغريم المطالب لك))فإن كنت موسرا أوفيته وكفيته وأغنيته ولم ترده وتمطله(المطل: التسويف والتعلل في أداء الحق وتأخيره عن وقته) فإن رسول الله (ص) قال: "مطل الغني ظلم" وإن كنت معسراً أرضيته بحسن القول وطلبت إليه طلباً جميلاً ورددته عن نفسك رداً لطيفاً ولم تجمع عليه ذهاب ماله وسوء معاملته, فإن ذلك لزم, ولا قوة إلا بالله.
36-وأما حق الخليط ( الخليط: المخالط كالنديم والشريك والجليس ونحوها) فان لا تغدره ولا تغشه ولا تكذبه ولا تغفله ولا تخدعه ولا تعمل في انتقاضه عمل العدو الذي لا يبقي على صاحبه وإن اطمأن إليك استقصيت له على نفسك وعلمت أن غبن المسترسل ربا, ولا قوة إلا بالله.
36-وأما حق الخليط ( الخليط: المخالط كالنديم والشريك والجليس ونحوها) فان لا تغدره ولا تغشه ولا تكذبه ولا تغفله ولا تخدعه ولا تعمل في انتقاضه عمل العدو الذي لا يبقي على صاحبه وإن اطمأن إليك استقصيت له على نفسك وعلمت أن غبن المسترسل ربا, ولا قوة إلا بالله.
37-وأما حق الخصم المدعي عليك فإن كان ما يدعي عليك حقاً لم تنفسخ في حجته ولم تعمل في إبطال دعوته وكنت خصم نفسك له والحاكم عليها والشاهد له بحقه دون شهادة الشهود.فإن ذلك حق الله عليك وإن كان ما يدعيه باطلاً رفقت به وروعته وناشدته بدينه (روعه: أفزعه, وناشدته بدينه: حلفته وطلبته به) وكسرت حدته عنك بذكر الله وألقيت حشو الكلام ولغطه الذي لا يرد عنك عادية عدوك (اللغط: كلام فيه جلبة واختلاط ولا يتبين, وعادية عدوك أي حدته وغضبه, وعادية السم: ضرره ويشحذ عليك أي يغضب وأصله من شحذ السكين ونحوه: أحده) بل تبوء بإثمه وبه يشحذ عليك عداوته, لأن لفظه السوء تبعث الشر. والخير مقمعة للشر, ولا حول ولا قوة إلا بالله.
38-وأما حق الخصم المدعي عليه فإن كان ما تدعيه حقاً أجملت في مقاولته بمخرج الدعوى (المقاولة:المجادلة والمباحثة), فإن للدعوى غلطة في سمع المدعي عليه وقصدت قصد حجتك بالرفق وأمهل المهلة وأبين البيان وألطف اللطف ولم تتشاغل عن حجتك بمنازعته بالقيل والقال فتذهب عنك حجتك ولا يكون لك في ذلك درك, ولا قوة إلا بالله.
39-وأما حق المستشير فإن حضرك له وجه رأي جهدت له في النصيحة وأشرت عليه بما تعلم أنك لو كنت مكانه عملت به وذلك ليكن منك رحمة ولين, فإن اللين يؤنس الوحشة وأن الغلط يوحش موضع الأنس وإن لم يحضرك له رأي وعرفت له من تثق برأيه وترضى به لنفسك دللته عليه وأرشدته إليه, فكنت لم تأله خيراً (لم تأله: لم تقصر من ألا يألو)ولم تدخره نصحاً, ولا حول ولا قوة إلا بالله.
40-وأما حق المشير عليك فلا تتهمه فيما يوافقك عليه من رأيه إذا أشار عليك فإنما هي الآراء وتصرف الناس فيها واختلافهم. فكن عليه في رأيه بالخيار إذا اتهمت رأيه, فأما تهمته فلا تجوز لك إذا كان عندك ممن يستحق المشاورة, ولا تدع شكره على ما بدا لك من أشخاص رأيه وحسن وجه و مشورته, فإذا وافقك حمدت الله وقبلت ذلك من أخيه بالشكر والارصاد بالمكافأة في مثلها إن فزع إليك, ولا قوة إلا بالله.
41-وأما حق المستنصح فإن حقه أن تؤدي إليه النصيحة على الحق الذي ترى له أنه يحمل ويخرج المخرج الذي يلين على مسامعه, وتكلمه من الكلام بما يطيقه عقله, فإن لكل عقل طبقة من الكلام يعرفه ويجنبه, وليكن مذهبك الرحمة, ولا حول ولا قوة إلا بالله.
42- وأما حق الناصح فأن تلين له جناحك ثم تشرأب له قلبك (اشرأب للشيء: مد عنقه لينظره والمراد أن تسقي قلبك من نصح) وتفتح له سمعك حتى تفهم عنه نصيحته, ثم تنظر فيها, فإن كان وفق فيها للصواب حمدت الله على ذلك وقبلت منه وعرفت له نصيحته, وإن لم يكن وفق لها فيها رحمته ولم تتهمه وعلمت أنه لم يألك نصحاً إلا أنه أخطأ.إلا أن يكون عندك مستحقاً للتهمة فلا تعبأ بشيء من أمره على كل حال, ولا قوة إلا بالله.
43- وأما حق الكبير فإن حقه توقير سنه وإجلال إسلامه إذا كان من أهل الفضل في إسلام بتقديمه فيه وترك مقابلته عند الخصام ولا تسبقه إلى طريق ولا تؤمه في طريق ولا تستجهله وإن جهل عليك تحملت وأكرمته بحق إسلامه مع سنه فإنما حق السن بقدر الإسلام, ولا قوة إلا بالله.
44-وأما حق الصغير فرحمته وتثقيفه وتعليمه والعفو عنه والستر عليه والرفق به والمعونة له والستر على جرائر حداثته فإنه سبب للتوبة, والمداراة له وترك مماحكته فإن ذلك أدنى لرشده.
45-وأما حق السائل فإعطاؤه إذا تهيأت صدقة وقدرت على سد حاجته والدعاء له فيما نزل به والمعاونة له على طلبته وإن شككت في صدقه وسبقت رليه التهمة له ولم تعزم على ذلك لم تأمن أن يكون من كيد الشيطان أراد أن يصدك عن حظك ويحول بينك وبين التقرب إلى ربك وتركته بستره ورددته رداً جميلاً.وإن غلبت نفسك في أمره وأعطيته على ما عرض في نفسك منه, فإن ذلك من عزم الأمور.
46-وأما حق المسئول فحقه إن أعطى قبل منه ما أعطى بالشكر له والمعرفة لفضله وطلب وجه العذر في منعه وأحسن به الظن. وأعلم انه إن منع ( فماله)منع وأن ليس التثريب في ماله( التثريب: التوبيخ والملامة) وإن كان ظالماً فإن الإنسان لظلوم كفار.
47-وأما حق من سرك الله به وعلى يديه, فإن كان تعمدها لك حمدت الله أولاً ثم شكرته على ذلك بقدره في موضع الجزاء وكافأته على فضل الابتداء وأرصدت له المكافأة وأن لم يكن تعمدها حمدت الله وشكرته وعلمت أنه منه,توحدك بها وأحببت هذا إذا كان سبباً من أسباب نعم الله عليك وترجو له بعد ذلك خيراً,فإن أسباب النعم بركة حيث ما كانت وإن كان لم يعتمد,ولا قوة إلا بالله.
48-وأما حق من ساءك القضاء على يديه بقول أو فعل فإن كان تعمدها كان العفو أولى بك لما فيه له من القمع وحسن الأدب مع كثير أمثاله من الخلق,فإن الله يقول" ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل – إلى قوله-: من عزم الأمور "(سورة الشورى آية41) وقال عز وجل: " وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين"( سورة النحل آية 126).هذا في العمد فإن لم يكن عمداً لم تظلمه بتعمد الانتصار منه فتكون قد كافأته في تعمد على خطأ,ورفقت به ورددته بألطف ما تقدر عيه, ولا قوة إلا بالله.
49-وأما حق أهل ملتك عامة فإضمار السلامة ونشر جناح الرحمة والرفق بمسيئهم وتآلفهم واستصلاحهم وشكر محسنهم إلى نفسه وإليك فإن إحسانه إليك إذا كف عنك أذاه وكفاك مؤنته وحبس عنك نفسه فهمهم جميعا بدعوتك وانصرهم جميعا بنصرتك وأنزلتهم جميعاً منك منازلهم, كبيرهم بمنزلة الوالد وصغيرهم بمنزلة الولد وأوسطهم بمنزلة الأخ. فمن أتاك تعاهدته بلطف ورحمة. وصل أخاك بما يجب للأخ على أخيه.
50-وأما حق أهل الذمة فالحكم فيهم أن تقبل منهم ما قبل الله وتفي بما جعل الله لهم من ذمته وعهده وتكلهم إليه فيما طلبوا من أنفسهم وأجبروا عليه وتحكم فيهم بما حكم الله به على نفسك فيما جرى بينك(وبينهم) من معاملة, وليكن بينك وبين ظلمهم من رعاية ذمة الله والوفاء بعهده وعهد رسول الله صلى الله عليه وآله حائل فإنه بلغنا أنه قال:" من ظلم معاهدا كنت خصمه" فاتق الله, ولا حول ولا قوة إلا بالله.
ويمكن القول أخيرا أن القيم لا تقاس بالناس وسياساتهم بقدر بقدر ما تقاس بنظائرها وأضدادها، فرب حامل علم إلى من هو أعلم منه ، ورب قارئ للقرآن والقرآن يلعنه، في عصور طغى فيها الادعاء والتمظهر الخاطئ.
وكل فكرة إذا لم يكن حاملها مستجيبا لأحكامها وملبيا لشروطها لا يعتبر منتسبا إليها وأن وقف نفسه على بابها وأفنى عمره في الدعوة إليها وادعائها ظاهرا دون الباطن.
28 تموز, 2008
حاميها.. حراميها
حاميها.. حراميها
صدق من قال إننا نعيش في عصر من المتناقضات،رغم التقدم العلمي في مختلف المجالات،قد ظهرت فيه دعاوى متناقضة،على أيدي أدعياء لا يمتون إلى تلك الدعاوى بصلة،لا من قريب ولا من بعيد،عصر لا يفلح فيه من جاء ببضاعة مجزاة أن يروج لها،حتى لو كانت رفيعة في معانيها وتفاصيلها،ولها اتصال وثيق بخالق الكون والحياة،فالعصر قد بلغ أوج الطغيان المادي بحيث تحللت القيم والأخلاقيات أمام هجمته الكاسحة.
عصر أفرغ فيه التدين الكامل من معناه ومقصده،وأحيل صاحبه إلى صفة الإرهابي والظلامي والمتخلف،ولو أنه قصد من اعتقاده الذي التزم به لصرف الواصفون له بالسوء مصرفا آخر أقل تشددا.
الحرية عند هؤلاء هي أساسا انكفاء عن الدين الفاعل إلى اللادين،أو إلى التدين السالب(المتأكنس)،واستخفاف بأحكام الله تعالى، واعتبارها لا تتماشى مع العصر الحديث، وانحلال في السلوك وإطلاق للغرائز بلا حد،وان استنكرت أمرا من ذلك فأنت مصنف في خانة عدو الحرية.
والديمقراطية عندهم هي إسقاط المشرع الأولى بالإتباع وشريعته المتكاملة،إلى شريعة ملفقة لم تفلح في تقديم زمن سعيد للبشرية..
والحقوق عندهم أفردت حيزا يسيرا للعامة،وتركت لصاحب السلطة أغلب الامتيازات،فمن قاربها قدّ من قبل ودبر،وعد من المفسدين في الأرض،ومن أذعن لها إذعان المستسلم للأمر فهو على حرف،ومن استجاب لها وانضوى تحتها قلبا وقالبا فهو من المقربين، وعسل "الزنبور" آتيه لا محالة بعد حين..
والسياسة عندهم زندقة وهرتقة ومكر سيئ وخبث في رداء الوداعة،علمها مخصوص بأشخاص لا يتعدى غيرهم وبقية الناس بين محظور عليه وموقوف على أسواره ينتظر الضوء الأخضر الذي لا يأتي إلا في حال واحدة وهي الدخول تحت مظلة التبعية العمياء لأرباب سياسة الاستكبار العالمي..
والاقتصاد عندهم جواز كل شيء،وإباحة كل شيء،من أجل رفاه أصحاب النفوذ،ومن أسلم إليهم نفسه،والبقية لا ينفعهم ما عملوا،وان أفنوا فيه العمر،وبدّوه الدهر،وبذلوا فيه قصارى الجهد، لا ينالهم منه غير القليل الذي لا يسمن ولا يغني.
والمدنية عندهم بهرج وزينة وتجرد من محاسن الروح،وانحدار بها إلى البهيمية الصماء العمياء،التي لا تسمع ولا ترى غير ما يعد لها من زيف وكذب وبهتان،على مائدة الحضارة الزائفة،وما ينفع الناس حقيقة لا تدركه أسماع هؤلاء ولا أبصارهم ولا أفئدتهم،ولا عجب فيمن أردى نفسه إلى مستوى البهائم،وألقى نفسه بين السوائم.
حامي القيم اليوم،سواء كان هو مختلقها أم وريثها أم نصب نفسه وصيا عليها حرامي باتفاق العامة والخاصة،بما ظهر عليه وعلى حاشيته ودائرة نفوذه من ظلم وتسلط،فلا هو ولا دائرته معنيان بتحقيق الوعود،المهم عندهما بقاء صاحب الأمر على كرسي أمره ونهيه، حتى وان كان ذلك الأمر والنهي لم يجر فائدة للعامة،وحتى لو لم يجر غير الآلام والمآسي،والاهم أن تستمر لعبة السياسة في هدوء تام من أطرافها،وسكينة من مجتمعها،وعاش من عرف قدره،وإلا فلا مفر له من أن يتسجّل في الدفاتر،ويوجّه نحو المخافر، ويعامل معاملة "السنافر".
لكن لقائل أن يقول:هل سيطول بنا الانحدار،وإتباع سياسة المسخ والانكسار،أم أن بعد الإركاس علوا وعزة؟
الجواب ليس بعيدا عنا،فهو أقرب إلينا من أي شيء آخر،قاله الله تعالى في محكم كتابه،وأكد عليه في حكمه وجوابه،وجعله شرطا أساسا من نيل معونته وإدراك ثوابه:"..إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.."
وتغيير الحال يتطلب معرفة صحيحة تدفع الجهل،وعملا مقترنا بتلك المعرفة لا يشوبه رياء،ولا تتداخله نية غير التوجه إلى الله تعالى،فمن أطرد الآلهة الشتى من قلبه،واستفرغه من مساوئ الأخلاق ومداني الأفكار،وأسكن الواحد الأحد الفرد الصمد فيه،وجعله الخالق والمالك والمتصرف والمشرع الأوحد،فقد وفق إلى تغيير وجهته وحاله ومصيره إلى الأحسن،ومن بقي على مستغرقا في زينة الدنيا،غير ملتفت إلى زوالها،وضرورة استبدالها،فلن يصيب من مسعاه غير الذل والهوان،ومن هانت عليه نفسه،فغيره أكثر استهانة به.
مسألة الولاية والبراءة هي جوهر الإسلام الحقيقي،فلا ولاية لمن أظهر محاربة الدين حتى في أصغر أحكامه،والبراءة منه واجب أملاه الوحي"لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادّون من حادّ الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه ويدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها رضي الله عنهم ورضوا عنه أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون".
إذا لا خلاص للمستضعفين من عالم الطغيان والتجبر سوى بالرجوع إلى الباقي بعد فناء كل شيء،واعتماد ولايته،وترك ما دونه من ممكنات،ولن يتحقق ذلك إلا بالتسليم والإنابة إليه،والخشية منه في السر كما في العلن،وترك حالة الخوف والخشية من غيره،حيث لا تنسجم ولاية الله تعالى مع الخائفين من دون الله تعالى.
ولا يكون همنا الدنيا لأنها زائلة،ولو دامت لغيرنا لما وجدنا فيها حظا ولا مكانا،وهي ببساطة شديدة قنطرة مجاز إلى الآخرة دار البقاء،فما نفعل بدار فناء إذا كان وراءها دار بقاء؟ولو أن عاقلا من عقلاء هذا الزمن جاء بمواد بناء،وبدأ في تشييد مسكن له على قنطرة لعدّ من المجانين،فلماذا نستحضر المثال ولا نطرحه على أرض الواقع؟
الدين جاء ليصلح أمور الناس في الدنيا،ويطلعهم على حقيقة خلقهم،وطبيعة معاشهم ومآبهم،ولم يأت بفصل الدين عن الحياة،ومنح المعاملات الحياتية إلى أولياء الشيطان وتبع الهوى،ومن قال بفصل الدين عن الحياة فهو لا يعرف من الدين،ولا من معرفة الخالق شيئا،لأن الفاصل منكر لتمام الدين وكماله والحكومة وأحكام الفصل والتعامل أجزاء منه،بما هو متسالم عند أبسط المنتسبين للدين"وما فرطنا في الكتاب من شيء".
بين الدين الذي أراده الله تعالى ملاذا للناس،ومعتصما لهم من الضلالة،وبين الدين الذي صنعه المستكبرون،ليخرجوا الناس من نور الهداية إلى ظلمات الغواية،صراع وجود بدأ في العصر الحديث،واستعملت فيه مختلف أساليب الدعاية،وجندت له أجهزة استخبارات الأنظمة المعادية للدين عملاءها،ليخترقوا صفوف منتسبيه،ويكونون عيونهم في الداخل.
بل لعل الأهم من ذلك كله،أن تؤسس الحركة الوهابية - على سبيل المثال - وهي حركة سلفية بدعم كامل من الاستعمار البريطاني،بهدف تشويه الدين الإسلامي، وتنجح في ذلك على مستويين اثنين،سياسي بزرع نظام ملكي موال لها وللاستكبار ككل فيما بعد،وغرس غدة سرطانية جاءت لتفريق المسلمين ونسبة المخالفين لآرائهم الشاذة مشركين،وبالتالي استحلال دمائهم وأموالهم وأعراضهم.
وتحولت الواجهة الإسلامية من جراء أعمالهم الموسومة بالخشونة والعنف إلى صورة مخيفة قاتمة خالية من الرحمة التي هي أساس الدين الخاتم شريعة ورسولا،ونجح أعداء الدين المحمدي الأصيل في حجز بقية الناس عن الانتفاع بمبادئه العظيمة،بسبب التجاوزات المخالفة للدين التي ارتكبها السلفيون عموما.
والسلفية اليوم بكافة تجمعاتها،تعتبر أحد أكبر العقبات التي تحول دون اجتماع المسلمين على اختلاف مدارسهم وتنوع أفكارهم،فإما أن تكون سلفيا وإلا فأنت مشرك والعياذ بالله.
والواجب اليوم يدفعنا إلى فتح قنوات الحوار مع كل الذين يريدون للإسلام الخير بقطع النظر عن انتماءاتهم العقائدية والفكرية على القاعدة القديمة التي كان يعمل بها السلف الصالح" إذا صح الحديث عند غيري فهو مذهبي".
والإسلام اليوم يمر بأحرج فترات وجوده وهو بحاجة إلى جميع المنتسبين إليه، أمة وسطا لا تطرف فيها ولا عدوان، شعارها العلم النافع المثبت بالعمل الصالح، فالعلم يهتف بالعمل فان أجاب أو ارتحل.
تطبيقا لأمر الله في أن تكون منا وفينا أمة تدعوا الخير والعمل الصالح"ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون."
إن الأمل الذي نعيش من أجله،والمتمثل في إقامة حكومة العدل الإلهي على كامل الأرض،لن يتحقق في غياب وعينا وإدراكنا لتكاليفنا، والعمل من أجل فرضها واقعا حياتيا لدينا،فالمجتمع الكبير لا يتحقق إلا بوجود نواة المجتمع الصغير،وفي هذا فليعمل العاملون، ويجتهد المجتهدون.
27 تموز, 2008
على الطريقة الأمريكية
منذ أن بدأنا نعي ما حولنا،بعد سني التعلم والمعرفة،لم يعد لدينا أدنى شك في أننا نحن شعوب العالم المصطلح عليه بالثالث(tiers mondes) قد وقعنا فريسة سهلة بين أيدي استعمارية جشعة لا ترحم،بالأمس كان أجدادنا يرزحون تحت الاستعمار الاستيطاني،وكانت مقاومتهم له بدافع ديني ووطني،على قدر الإعداد الذي تمكنوا منه،رغم عوائق الجهل والفاقة،ومن منطلقهم الإيماني العميق بحرمة بقائهم تحت وصاية المذلة والاستغلال،فقد كانت مقاومتهم قوية ومتواصلة،أجبرت المستعمرين الغربيين على تغيير خططهم،فجندت عملاء لها من بني جلدتنا ليحكمونا باسم الوطنية والقومية،لإطفاء جذوة التدين التي اتقدت في الصدور المؤمنة به،دستورا يقود الحياة بمختلف أدوارها،وتحولنا بعد قناعة المستعمرين بضرورة تغيير طرق تعاملهم مع ضحاياهم،بعد الضرر الذي لحقهم من طلائع الشعوب المقاومة لهم،من بلدان مستعمرة استيطانيا،إلى بلدان مستعمرة اقتصاديا وسياسيا،منسوبة إلى مجموعة دول الكومنولث،أو إلى مجموعة دول الفرنكوفون.ظهر التسابق والصراع على احتواء الشعوب اقتصاديا،وجعلها خاضعة لها كسوق مستهلكة لمنتجات صناعاتها الصغرى والكبرى،وتابعة لها سياسيا باعتبار المديونية التي أغرقت فيها،بحيث بان جليا عجز معظم الدول المستدينة عن تسديد فوائض الديون،فضلا عن أصولها.وبعد أن استفحل المارد الأمريكي،وكبرت أطماعه ظهر بمنطق القوة الواحدة الحاكمة في الجميع،وأصبح المنطق السائد هو التسبيح بحمد الولايات المتحدة الأمريكية،لنيل رضاها وطمعا في مساعداتها،مقابل الخضوع لها على جميع المستويات،حتى أن بقية القوى الاستعمارية الغربية،قد اصطفت جميعها إلى جانب هذه القوة الاستكبارية مؤيدة لها في جميع قراراتها.وبانتصار الثورة الإسلامية في إيران،بقيادة المرجعية الرشيدة للإمام الراحل روح الله الموسوي الخميني قدس سره،بدأت معادلة جديدة تفرض نفسها على البشرية،دعا إليها الإمام الراحل رضوان الله تعالى عليه،حيث كان من بين همومه حشد وتوعية الاستضعاف العالمي في مواجهة قوى الاستكبار،ودعوته الأمة الإسلامية إلى التوحد على أساس وحدة الكتاب والدين والعقيدة،وتقديم القضية الفلسطينية باعتبارها المحور والرمز في قضايا الأمة.والتفت الاستكبار إلى خطورة الطرح الإسلامي للإمام الخميني رضوان الله تعالى عليه،وما سيجلبه من متاعب من جراء صحوة الشعوب المستضعفة عموما والإسلامية خصوصا،خصوصا وقد اعتمد على ملازمة الدين للحياة في جميع تفاصيلها السياسية والاقتصادية والاجتماعية،باعتبار أن الإسلام منهج حياة دينه سياسة وسياسته دين،وأن مبدأ فصل الدين عن مختلف أوجه الحياة فسعى جاهدا للقضاء على مشروعه بكل الطرق،مستعملا أساليب الدعاية المغرضة وتزييف الحقائق المتعلقة بصدقية وربانية ذلك الطرح،وملتجئا إلى حل الحسم العسكري،من خلال دفع النظام البعثي في العراق،لشن حرب ضروس على الثورة الإسلامية الفتية،والقضاء عليها في المهد،وكانت ثماني سنوات من المعاناة والمواجهة والصبر قضاها الشعب المسلم في إيران، لم تزده غير إصرار وثبات واستماتة على مبدأ،طالما حلمت الشعوب الإسلامية يوما بتحقيقه،وكان سلاح المقاطعة الاقتصادية حاضرا في جميع تلك المراحل، ومشهرا في وجه إيران الإسلام،من أجل زيادة عزلتها وإضعافها،لكن جميع تلك المحاولات باءت بالفشل الذريع.إلا أن الاستكبار العالمي وعلى رأسه أمريكا،لم ييأس من إنهاء تلك الظاهرة المباركة،وهو إلى اليوم جاد في التفاف حولها أو استئصالها،ليس لأنها مسالة خاصة بالشعب المسلم في إيران،بل لأن طرحها يتجاوز جغرافية ذلك البلد إلى أبعاد أكبر،حتى من المشروع الإسلامي الكبير،في قامة نظام إسلامي صرف،يمهد لحكومة العدل الإلهي على الأرض والتي سيكون الإمام المهدي روحي له الفداء صاحبها،لتطال مسألة الصراع بين الاستضعاف والاستكبار،وكسر أغلال التبعية لقوى الشر الحقيقية التي تلاعبت ولا تزال تتلاعب بمصير الشعوب ومقدراتها.جاء الالتفاف على الجمهورية الإسلامية في إيران تحت عنوان محاربة الإرهاب فكان احتلال أفغانستان التي تحد إيران من الشرق،ثم جاء احتلال العراق التي تحد إيران من الغرب تحت عنوان البحث عن أسلحة الدمار الشامل وتخليص العراقيين من نظام دكتاتوري بغيض،وكان العنوانان خلاف المقصد الحقيقي الذي يستطيع النبيه أن يدركه دون عناء وهو حصر إيران الإسلام من جميع الجهات عسكريا حتى يسهل ضربها وتقزيمها، وممارسة سياسة إخافة منها على دول الجوار، وبالخصوص دول الخليج التي تمتلك مجتمعة أكبر احتياطي العالم من النفط والغاز، والذين عليهما مدار الصراع والنفوذ. وحتى لا ينفرط عقد الحصار المفروض على إيران،اتجهت الأجهزة المتابعة له من طرف الأمريكان وحلفائهم الأوروبيين إلى محاربة الإسلام،بتشجيع جماعات سلفية متطرفة كالقاعدة والتكفير والهجرة،ومن كان على آرائهما البعيدة عن روح الرحمة والتسامح الإسلاميين،على إشعال نار فتنة بين السنة والشيعة،بدأت بإنفاق ملايين الدولارات،لإغراء كتاب مأجورين على نشر كتب،يراد منها بث الفرقة بين المسلمين،بخلق مناخ لتكفير الشيعة - الذين نجحوا في إنشاء دولة إسلامية،من منظور أئمة أهل البيت الأطهار عليهم السلام،وأفكارهم وآرائهم المجسدة لروع الدين الإسلامي- وبالتالي إيجاد حالة من النفور والبعد عن هذا الطرح الذي يصفه أعداءه وبالصفوي تارة وبالمجوسي تارة أخرى.وقد نجح الاستكبار في مخططه الإرباكي والتنفيري،في إبعاد قاعدة كبيرة من المسلمين من أتباع مدرسة الصحابة،بسبب عدم اطلاع هؤلاء على حقيقة معتقدات الشيعة الامامية الاثني عشرية،رغم تصدي عدد من علمائهم لتفنيد مزاعم التكفيريين،بإصدار مقالات وفتاوى تبين حقيقة الإسلام الشيعي الاثني عشري،لعل أهمها الفتوى التي أطلقها شيخ الأزهر محمود شلتوت،في اعتبار الشيعة الامامية الاثني عشرية مذهبا إسلاميا يجوز التقيد بأحكامه والانتقال إليه. وجاء من بعد ذلك أصحاب الفكر المستنير في بقية الشعوب العربية والإسلامية،ممن فهم الغاية التي دفعت بهذه العاصفة للهبوب في وجه إيران الإسلام،فقاموا بكشف زيف الدعاوى المرفوعة على النظام الإيراني المسلم،وكشفوا للعالم الإسلامي أن الطرح الذي جاء به الإمام الخميني إسلامي بحت،ينتظر منه الخير الكثير للإسلام وللشعوب الإسلامية،مستدلين في ذلك على البشارة التي أعلنها النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم،عندما نزلت الآية:"وآخرين منهم لما يلحقوا بهم وهو السميع العليم." وقد سأله سائل عن هؤلاء الذين لم يلحقوا بجيل النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال واضعا يده على كتف سلمان الفارسي(المحمدي): هم من قوم هذا، والله لو كان الدين في الثريا لناله رجال من فارس."وتمضي الجمهورية الإسلامية في إيران قدما نحو تحقيق أمنها وتقدمها العلمي والصناعي والاقتصادي والاجتماعي،وسط امتعاض وسخط قوى الغرب المتصهينة،المعادية للإسلام الكامل والفاعل،وفي غيبة من الأنظمة العربية والإسلامية السابحة في فلك الاستكبار العالمي،غير عابئة بالنوى الذي يعترض طريقها صامدة في وجه كل محاولات ثنيها عن هدفها في إرساء دولة قوية،لها كلمتها على الصعيد الدولي،ويحسب لها ألف حساب،وجاء التقدم التكنولوجي وعلى رأسه التقنية النووية لأغراض سلمية،ليزيد من تكالب تلك القوى المستكبرة على الجمهورية الإسلامية الفتية،وترتفع وتيرة تهديداتها لها إلى الخيار العسكري من اجل إنهاء برنامجها الطموح،وإخضاعها للإرهاب والابتزاز الدولي .التخطيط الغربي لضرب الإسلام الأصيل الفاعل في الجماهير المسلمة،بدأ بالدعاية المضللة ومرورا بخلق حالة من الفرقة بين المسلمين باعتماد طريقة تكفير المسلمين الشيعة،أقل ما يقال فيها أنها تافهة ولا تخدم إلا مصلحة أعداء الإسلام،وكان احتلال أفغانستان تحت ذريعة مقاومة الإرهاب المتمثل في تنظيم القاعدة الذي أسسوه بأنفسهم من اجل الالتفاف على الجمهورية الإسلامية في إيران من الجهة الشرقية، كما كان دخولهم للعراق من اجل حصر إيران من الجهة الغربية.لكن عزيمة الإخوة الإيرانيين،من خلال توكلهم على الله واعتمادهم على أخلاقيات الإسلام العظيم،تمكنوا من كشف الزيف الاستكباري،وتعرية نواياه،وفضح مؤامراته على إيران الإسلام،وكان لمساعيهم الدبلوماسية الأثر الكبير في تأييد عدد من الدول لحقهم المشروع في تخصيب اليورانيوم،وامتلاك التكنولوجيا النووية السلمية.وتجلى من خلال تهافت الاستكبار العالمي وعلى رأسه أمريكا،أن القضية في حقيقتها ليست ثني إيران عن طموحها النووي،بقدر ما هو حشد التأييد للوقوف في وجه هذا المشروع الإسلامي الطموح والمتكامل،من أجل القضاء عليه بكل الوسائل،حتى لو دعا الأمر إلى إشعال نار حرب قد تكون عالمية ثالثة،تتسابق فيها القوى لاحتلال منابع النفط الذي بدأت أزمته تستفحل في العالم.وأمريكا اليوم تريد أن تحكم العالم بمنطقها الخاص،وبقناعاتها التي أثبتتها الصهيونية العالمية فيها،فالنظام العالمي الجديد الذي تطرحه يقوم أساسا على تزييف وقلب الحقائق وفرضها كأوهام،والشرق الأوسط الجديد الذي تبشر به أمريكا،ويعتمد في تأسيسه على الفوضى الخلاقة،التي هي الأسلوب التدميري الذي تنتهجه الإدارة الأمريكية،عند عجزها إخضاع شعب من الشعوب المستضعفة،للاذعان إلى مشيئتها والنزول تحت إرادتها.منطق العصا والجزرة،لم يقف عند المجال الاقتصادي والاجتماعي والسياسي، بل تجاوزه إلى المجال الديني،حيث سمعنا وقرأنا ما تسعى الإدارة الأمريكية للتبشير به،بعد انتصار الثورة الإسلامية في إيران،وفرض الإسلام المتكامل كأمر واقع في حياة المسلمين، فأمريكا تريد أن لا تتكرر التجربة الإسلامية التي حدثت في إيران،في أي بلد إسلامي آخر،وعليها مقابل ذلك أن تطرح إسلاما بديلا عن الطرح الإيراني،لا يتعارض مع طموحاتها وأهدافها الاستكبارية،وقد نجحت في إخضاع الأنظمة المتأسلمة في العالم الثالث، لتمرر من خلالهم سمومها إلى شعوبهم المستضعفة.إذا تريد أمريكا إسلاما مغايرا للإسلام الذي اعتمدته إيران،يكون مستجيبا لطرحها وموافقا لتصورها في عزل الدين عن الحياة،تماما كما هي شأن المسيحية المحرفة،ولا يمكن للإسلام من المنظور الإمامي الإثني عشري أن يستجيب لما تريده أمريكا والاستكبار،لأن المبدأ الذي ينادي بوجوب مقاومة الظلم والظالمين،والبراءة من أئمة الجور لا يمكنه أن يمد يدا لهؤلاء إلا وهي تحمل سيفا أو وسيلة مقاومة،بينما هنالك من المذاهب الإسلامية من لا يرى باسا في موالاة الظالمين والرضا بحكومتهم ما داموا يؤدون الصلاة. ولئن عجزت أمريكا في فرض منطقها الإستكباري على فيتنام،وباءت بالفشل الذريع في الصومال،فإنها سوف لن تنجح في أي مكان في العالم،لأن سياساتها تعتمد على الظلم والاستغلال،وتمارس الاستعلاء ولا ترى غضاضة في نصرة حلفاءها المعتدين،حتى ولو كان العالم كله في جهة،وهي والكيان الصهيوني في جهة أخرى،لذلك يمكن القول بأن الطريقة الأمريكية المسلطة على دول العالم الثالث،وحتى الدول التي تعتبر متقدمة اقتصاديا،وعلى المجاميع الأممية (الأمم المتحدة/مجلس الأمن)لا يمكنها أن تثمر أو تأتي بخير طالما يحكمها ذلك المنطق المتعجرف،والجمهورية الإسلامية في إيران ليست لقمة سائغة حتى تزدردها أمريكا،بل هي قوة نشأت بفضل عقيدة صحيحة وقوية،ترى في الإسلام المحمدي الأصيل،الذي جاء به أئمة أهل البيت عليهم السلام منهج حياة متكامل،لا تستضيء مراحله إلا بالشهادة والتضحية من طرف الجماهير المؤمنة به.والطريقة الأمريكية يستطيع أي شعب أبي،يمتلك شخصية متكاملة مستمدة من إيمان راسخ بعقيدته،ومجسدة في حركته التاريخية المتفانية من أجل الكمال الإنساني،أن ينعتق منها،وينأى عن دائرة سيطرتها،والأمثلة التي ذكرتها دليل متكرر من تلك الاستطاعة،وعلى الشعوب الأبية أن تراجع مواقفها من هذا النظام المشبع ظلما استهتارا.الخروج من دائرة الظلم،وتبعية استغلال قوى الاستكبار،تتطلب منا مراجعة أنفسنا،ومساءلتها عن دورها الذي خلقت من أجله،وبعد تحقق المعرفة ووضوح الإجابة،الالتفات إلى بناء النفس بناء قويا لا يتصدع في كل الأحوال،ومن ثم مواجهة الظلم والظالمين بكل الوسائل المتاحة،تحقيقا لإرادة الله تعالى في أن الأرض لعباده الصالحين،وليس لأمريكا ولا لأذنابها. التغيير يبدأ من الذات،وينتهي إليها،ومحصل الفكر،وعمق العقيدة هما وقود ذلك التغيير،والأسلحة التي عجزت أمريكا والاستكبار العالمي أمام صموده وتصديه على الرغم من عدم التكافؤ في موازين القوى المادية، والنموذج الإسلامي الممثل في حزب الله لبنان اكبر دليل على ما أقول، ومثال ضربه خط ولاية الفقيه للمسلمين فيسلكوا نهج التغيير بلا خوف ولا وجل متكلين على الله متوجهين إليه في السر والعلن،ومن يتوكل على الله فهو حسبه.العصر هو عصر الإسلام،رضي من رضي وأبى من أبى،وعودته إلى العمل بفاعلية على الساحة،لن تثنيه أي قوة معادية مهما أعدت وتجندت،لأن وعد الله حق في نصر أوليائه،المهم في الاتكال عليه والعمل بمقتضى وحيه،ولسوف يأتي اليوم الذي تنتهي فيه أسطورة المارد الأمريكي ليعود قزما مخذولا مثلما بدأ،والعاقبة للمتقين .