تعد العلاقة بين المبدع والمتلقي واحدة من العلائق التي تحدد مسار الابداع وتضبط بوصلته، ولما كان الشعر العربي اعتمد على الالقاء منذ ظهوره الأول، حيث يسعى المتلقي إلى حضرة الشاعر، الشاعر بكل ما يملك من سطوة أدبية، وقدرة على الأداء الجيد، فضلا عما يسبق الشاعر ويرافقه من هالة، فيها شيء من السحر، كلها تساعده في ايصال صوته بثقة وثبات إلى المتلقي الذي لا يكون سلبياً بقدر ما هو عارف بقدر الشاعر وفعل القصيدة.لقد ظلت القصيدة العربية كذلك حتى بدايات الشعر الحديث في الخمسينيات، وقد رافق ذلك ظهور الصحافة وتطورها، وتطور الشعر ذاته من جهة أخرى، مما انتج شعراً لايكترث بهذا التواصل الحي بين المرسل والمستقبل، حيث تغيرت إلى حد ما طبيعة العلاقة بين الشاعر والجمهور.ان تمسك الشاعر بالالقاء بنفسه، وربما استعان بغيره حين يجد أنه غير قادر على ذلك، وما يرافق ذلك من أداء هو أقرب إلى الأداء التمثيلي القائم على الصوت وتلاوينه، كما أن الشعر بما يحمله من ايقاعات داخلية وخارجية وغيرها من عناصر القصيدة، كلها تجتمع مع تعبيرات وجه وحركة يدي الشاعر، يقابله شغف المتلقي وتعلقه باغتراف القصيدة من منبعها الأصلي - الشاعر- وبوسيلته الأولى الصوت ولا شيء غيره، حاملاً معه ارثاً عميقاً يقوم على احترام مكانة الشاعر، كل ذلك يسهم إلى حد ما في حميمية العلاقة بين الاثنين. ان هذه العلاقة بين الشاعر والمتلقي تزداد تفاعلا ونمواً كلما أطال الشاعر قصيدته شرط ألا يصل إلى حد ملل المتلقي، فالمتلقي يستوعب ما يقوله الشاعر دون الحاجة إلى طرف ثالث.مما يؤخذ على الشعر الحديث أنه بدأ ينسلخ عن عناصر القصيدة ومكونات القصيدة، بدأ من التخلي عن الالقاء لصالح النص المكتوب، وتحول الحاسة من السمع إلى البصر، إلى انكفاء الشاعر على ذاته وعدم اكتراثه بالمتلقي. مع الأيام وجد الشاعر نفسه في حل من التزامه أمام المتلقي الذي غاب عنه، فهو يستقبل القصيدة نصاً في جريدة أو كتاب، هذا الأمر شجع الشعراء على التحول إلى ما يمكن تسميته بالنص الفكري، الذي أغرق القارئ بالاحالات الكثيرة، وهذا ما برد القصيدة، وأفقدها حرارتها على مستوى التلقي الآني.ان الشعر هنا بدأ يفترض أن على القارئ اللحاق بالشاعر، لا أن يطرح الشاعر بضاعته للجميع، أي أن الشاعر صار يكتب لنخبة أو لمن هم بمستوى ثقافته، وهذا ما جعل جمهوراً كبيراً ينصرف عن الشعر.وقد لجأ بعض الشعراء إلى لغة مربكة تقوم على حاجة القارئ إلى مستوى ثقافي معين، أو أن القصيدة متأثرة بنص مترجم، فسعى إلى كتابة شعر يحاكي به غيره بدل أن يستند إلى تجربة انسانية حقيقية.لقد خسر الشعراء كثيراً من جمهورهم على مذبح الحيرة بين التوفيق بما هو جمالي وبين حرصه على التواصل مع جمهوره. ويمكن تأكيد ذلك حين كانت بدايات الشعر الحديث أكثر قبولا من المتلقي، وهو أكثر جفاء عنها، فقد كان حضورها الوطني والفكري يحتم عليها أن تكون مقبولة، لأنها تعبر عن هم عام.ان اللغة بالنسبة للمتلقي ليست هدفاً بحد ذاتها وانما هي الوسيلة التي يطل من خلال على العالم عبر القصيدة، لذا فإن غموض تلك الوسيلة ستضيع الطريق إلى المعنى، ومن ثم الانصراف عن القصيدة.ان هذا التحول أفرز نصوصاً شعرياً غريبة على الذائقة الأدبية، يحاول بعض الشعراء خلق التبريرات للتخلص مما يشعرون به من حيرة يحاولون تبديديها دون جدوى.