الملف الشخصي
الاسم: د.باسم عبود الياسري
القائمة

المخطوطات 000الاكتناز والانتشار
20 ايار, 2009

د. باسم عبود الياسري
 

المخطوطات عالم واسع من الثقافة والمعرفة والتاريخ ولقاء مع جذور الفكر العربي الذي تلاقح مع الأفكار الأخرى في آفاق منفتحة من الوعي والتسامح، غير أن الاهتمام بها مقصور على عشاق هذا الزاد الثقافي الثمين.

 ومن أجل معرفة قيمة هذه المخطوطات التي يعود تاريخ كتابة بعضها الى عدة مئات من السنين لابد أن نبين لمن ليس له اطلاع عليها، أن اللغة العربية فيها أكبر كم من المخطوطات بين اللغات الأخرى، لاتساع رقعة الخلافة الاسلامية وتنوع الاجناس فيها وتعدد الثقافات المنصهرة في بوتقتها، وهو يعبر عن تطور ثقافي عم المنطقة العربية بفضل الاسلام الذي استطاع استيعاب كل هذا التنوع، فضلاً عن اتجاه الدراسات - معظمها - حول القرآن الكريم والحديث والسيرة وغيرها ثم انطلقت الى المعارف الأخرى.
والمخطوط هو الكتاب قبل أن يطبع، وهكذا فإن كل الكتب التي بين أيدينا اليوم كانت بالأصل مخطوطات امضى اصحابها في كتابتها اوقاتا طويلة في تدوين افكارهم وخطراتهم ورؤاهم في شؤون الدين والحياة والفكر لتنتقل الى الاخرين.

قبل ظهور الطباعة كانت وسيلة النشر الوحيدة هي الوراق الذي يقوم بنسخ الكتب ويتقاضى لقاء ذلك اجراً، وقد انتشرت هذه الحرفة في بغداد العباسية ايام ازدهارها حتى صار للوراقين سوق خاص لهم.

عمل الوراق هو عمل المطبعة اليوم، الفرق أن الوراق يؤدي عملاً يدوياً فردياً يتطلب جهداً ووقتاً لقاء نسخ هذه المخطوطة او تلك، بينما المطبعة تقوم بكل ذلك من خلال الآلات والمكائن الحديثة.
يظل نسخ الوراقين محدودا وتبقى النسخ المنجزة قليلة العدد، اذا ما عرفنا صعوبة الحصول على الورق والحبر والحصول على الوراق نفسه والزمن الذي يستغرقه لذا فان الحكايات التي كان يتداولها الناس في العصور السالفة ضاع الكثير منها ، لأنها لم تدون، ولنا ان نتصور مقدار ماضاع من تراثنا الشفاهي الذي لم يدون والمدون على المخطوطات التي فقد قسم كبير منها وتلف بعضها الآخر بفعل عوامل الزمن، ومازال الكثير منها على حالها في ورقها القديم وهي بحكم المفقود ما لم تتحقق ولم تنشر.
اغلب الظن ان عملاً كألف ليلة وليلة ما كان يصلنا لو لم يلقَ العناية من اهل السلطة الذين أوصوا بنسخه وتداوله على ما فيه من جرأة في القول، بالمقابل لو تصورنا ان عملا لنجيب محفوظ لو لم يطبع وظل مخطوطا أو نشر على يد ناسخ ما كان يمكن ان ينتشر كل هذا الانتشار لو لم يطبع ؟
ما أريد قوله ان المخطوطات التي تضمها مكتباتنا الخاصة والعامة ليس من الصحيح أن تبقى حبيسة الجدران، فلابد ان تحقق ويعاد طبعها ونشرها بين الناس لتعم الفائدة، فما قيمة ان يظل المخطوط عند شخص أو جهة دون ان يطلع عليه الاخرون، فالنص هو جهد فكري الأصل فيه النشر وليس سجادة ثمينة نخاف عليها من العطب، فقيمته ليس في اكتنازه وإنما في سعة انتشاره بين الناس. كما أن تحقق الفخر ليس بالاحتفاظ بهذا المخطوط هنا او هناك وإنما بتحقيقه واعادة طبعه ونشره ليصل الى اوسع عدد من القراء، ليطلعوا من خلاله على قيمة الفكر العربي ومدى رقيه قبل مئات السنين يوم كانت أوروبا تغط في سبات طويل .
ما يهم القارئ مضمون المدون الفكري لا الاحتفاظ به على حاله من القدم والتلف.

أنا ادعو عشاق التراث الذين يحتفظون بهذه النفائس الى الاحتفاظ بها، ولكن لابد أن يتيحوا المجال الى الباحثين والمحققين باعادة نشر هذه الكنوز، غير أن المشكلة هنا أن التحقيق لايمكن انجازه من قبل فرد واحد حتى وإن كان قادراً فلا الامكانات المادية ولا العمر يتيح له تحقيق عدد كبير منها، فالتحقيق عمل كبير يحتاج الى فريق عمل والى دعم من الدولة، من هنا حرصت العديد من الدول على انشاء مراكز للمخطوطات تعمل على تحقيقها ونشرها لا الاحتفاظ بها مثل تحفة نادرة فالفكر لابد ان يشاع بين الناس لا ان يوضع بالخزائن .
وهكذا نجد أن الجهات الحريصة على تراثها تشجع المحققين على تحقيق المخطوطات لطباعتها وجعلها في متناول الجميع. في قطر هناك عدد من المخطوطات بالامكان تحقيقها والتعاون مع المراكز المشابهة في العالم للتبادل معها، كما أن التكنولوجيا دخلت هذا العلم ، فلم تعد هناك حاجة الى جلب المخطوط نفسه من مكانه وإنما الاكتفاء بصوره المصورة على الاقراص المدمجة، فنحافظ عليه من التلف ونيسر وصوله الى الباحثين، وهو ما قامت به عدد من المكتبات في العراق واليابان وجهود شخصية هنا وهناك .
أملنا أن نجد مثل هذا النشاط يتجدد في كل مكان.

تعليقات

اضافة تعليق
authimage
رمز التأكيد
A service provided by Al Bawaba