بسم الله الرحمان الرحيم
الصلاة والسلام على رسول الله محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
تاريخ الحاسوب | القاموس |
18 آذار, 2008
رأينا في الموضوع السابق، دور الحضارة الإسلامية العربية في تطور علوم الحساب والآلية. سوف نواصل رحلتنا في هذا الموضوع مع أوروبا، وكيف تطورت المعرفة حتى تسمح بظهور الحواسب الميكانيكية التي شكلت بذلك أول ظهور فعلي للحاسوب.
ولكن قبل ذلك، فلا بأس أن نرى من هم الذين ساهموا بشكل مباشر في نقل علوم الحضارة الإسلامية العربية إلى أوروبا.
فأول من حاول ذلك كان يسمى "جيربير الأورياكي1". وجيربير، هو طفل عثرت عليه الراهبات في حوالي عام 945م موضوعا تحت باب الكنيسة، ملفوفا في رباطه. فأدخلوه الكنيسة وسموه جيربير. ومنذ طفولته، فقد كان ذكيا يعشق المعرفة ومنفتحا على كل الأفكار الجديدة مهما كان مصدرها. وهذا شكل سابقة قل نظيرها في ذلك الوقت، فالكنيسة كانت تحرم وتمنع مثل تلك الأشياء.
وقد تسنى لجيربير الإطلاع على علوم الحضارة الإسلامية في الأندلس، وذلك في العشرين من عمره، بعد أن إصطحبه معه أحد النبلاء يدعى الكونت بوريل للإقامة في بلده المتاخم لحدود دولة الأندلس. وقد أتى هذا الأخير زائرا، فلفت نظره مهارات جيربير.
وبوريل هذا، لحقت به أكثر من هزيمة في معاركه التي خاضها ضد حاكم الأندلس "الحكم الثاني". وقد بعث بوفد، من بينهم جيربير، إلى الأندلس لإبرام معاهدة الصلح. بقدوم ذلك الوفد على الحكم الثاني، فإن جيربير أبهر بما رآه وإطلع عليه. وعندما عاد إلى قومه، فإنه حاول نقل ما تسنى له معرفته، مع الحيطة والحذر من ردة فعل الأوساط الكنائسية.
وبعد رحيله إلى ألمانيا، وذلك في عام 971، فإنه إرتقى إلى أعلى منصب في الكنيسة وأصبح يسمى "سيلفيستر الثاني". وقام هناك بإنشاء مدرسة لتعليم الحساب. وقد إستعمل في ذلك معدادا خطوطه العمودية موضوع على رأسها رموز الأرقام الرومانية، لكي يعبر كل عمود في المعداد عن الوحدات، العشرات، المئات، الآلاف،... ووضع على كل عمود عدد من القطع منقوشة بأرقام شبيهة بالأرقام الغبارية. وقد إستطاع هو وتلاميذته أن يجروا بذلك المعداد عمليات الحساب البسيطة. وقد أطلق عليهم إسم المعداديين، ولم يكونوا يستعملون الصفر نظرا لعدم معرفتهم إياه.
وعلم الحساب إنحصر فقط في الكنيسة، وذلك لصعوبة إستعمال الطريقة المعدادية في الحياة العامة. وقد إستمر الحال كذلك إلى حين ظهور "ليونارد البيزي2"، الذي ولد عام 1180 في مدينة بيز الموجودة على سواحل البحر الأبيض المتوسطي. وقد كان والده يقطن ببجاية، مدينة في تونس، وكان رئيسا للمركز التجاري هناك. وقد سلمه لمعلم مسلم لتعليمه الحساب، لكي يتمكن من القيام بوظيفته في التجارة. وقد أظهر الفتى ليونارد إهتماما بعلم الحساب والرياضيات، ومكنته رحلاته التجارية من الإطلاع والمعرفة من خلال مكتبات الإسكندرية ودمشق ومناقشة كبار علماء مصر.
وقد ألف كتابه الشهير "ليبير أباسي" الذي يعني كتاب أباسي، جمع فيه معارفه في علم الحساب والرياضيات. وقد إحتوى الكتاب على وصف لتقنية شبكة الضرب التي سماها "الضرب بالجيلوزية". والجيلوزية تعني الغيرة وهي كناية عن نوافذ شرقية كانت الشمس ترسم ظلا قطريا عليها، والتي من خلالها كانت النساء والأزواج الغيورين يستطيعون النظر دون أن يرون.
وقد أطلق على تلاميذة ومناصري ليونارد إسم الخوارزميين. وكانوا يستعملون النظام العشري في الحساب. وقد إستطاعوا، بعد معارك عديدة ضد المعداديين، من النصر بشكل نهائي وذلك بداية من القرن 15. وهكذا فإن عامة الناس إستوعبوا الحساب بالنظام العشري، وأصبحت لهم القدرة على إجراء العمليات الحسابية بطرق سهلة جدا.
أما في مجال الآليات، وبالرغم من عدم توفر معلومات دقيقة عن الكيفية التي تم بها نقل هذا العلم إلى الغرب، إلا أن التجارة والحروب بالإضافة إلى الإستشراق كانوا أهم العوامل لنقل هذا العلم وعلوم أخرى. والعصور الوسطى لم تبرز فيها إلا الحضارة الإسلامية والهندية والصينية. وقد ظهر في الغرب في هذا العصر أسماء عدة من أهمها إسم "تاكولى3" الإيطالي وذلك ما بين 1382 و 1453. وقد نسبت إليه بعض الأعمال، لكن الجزاري تطرق إليها قرنين قبل ذلك.
وأكثرية المؤرخين الغربيين يتحاشون التحري في هاته الحقبة من التاريخ، ويمرون عليها مرور الكرام. وهم في مجال الآليات لايذكرون إلا إسم "ليونارد الفانسي4" (1452-1519) وهو من علماء عصر نهضة الغرب، إلا أن ليونارد لم يكن عبقري عصره الذي إخترع مفهوم الآلية، بل قام بما قام به السابقون في هذا المجال، حيث نقل ما تسنى له معرفته وقام أيضا بأعمال خاصة له. وقد تعرض في مؤلفاته إلى العديد من المجالات، ومن بينها مجال الآليات (راجع في هذا كتاب "مهندسي عصر النهضة" للمؤلف "بيرترون جيل"). والمخطوطات التي تركها هي تعبير عن المسائل المعروفة في عصره، إضافة إلى أعماله الخاصة.
وعودة إلى موضوعنا فإنه في عام 1617 ظهرت أول آلة ميكانيكية لتسهيل العمليات الحسابية. وقد أظهرها للوجود عالم فيزيائي وفلكي يدعى "جون نابيير5". ولم يكن هذا الشخص عالم رياضيات، بل كان له إهتمام بذلك ولكن لم تكن تنقصه الأفكار لتبسيط الحساب. وقد نشر عام 1617 مؤلفه "الرابدولوجي"، حيث قدم فيه آلته التي أطلق عليها إسم "قضبان نابيير". وآلته تلك إعتمدت على تقنية شبكة الضرب لتسهيل حساب اللوغاريتمات.
وقام الأستاذ الجامعي الألماني "ويليام شيكارد6" بصنع أول آلية للحساب، عرفت بإسم "الساعة الحاسبة"، وذلك في عام 1623. وقد صنعها وأرسلها لصديقه الفلكي "جوهانيس كيبلير"، لكن آليته هاته وأعمال أخرى له تم فقدانها، ولم يتم العثور إلا على بعض نصوص له تم من خلالهم تركيب نمادج لآليته تلك.
وقد صمم آليته بشكل جعل الجزء العلوي مكونا من مجموعة من الأسطوانات، مستغلا بذلك فكرة "قضبان نابيير"، بواسطتهم تستطيع آليته القيام بعمليات الضرب والقسمة؛ أما الجزء السفلي فخصصه لجمع النتائج الجزئية لعملية الضرب، وكذلك القيام بعمليات الجمع والطرح، وذلك لأعداد تحتوي على الأكثر على ستة أرقام.
وبالتالي فإن عمله كان أول تطبيق فعلي لنظرية تألية الحساب. وقد شكل هذا العمل أول إستغلال لعلم الآلية، وخصوصا الساعاتية. وقد توالت الإبتكارات، وظهرت آلات وآليات جديدة ذات إستعمالات أوسع.
ففي حوالي عام 1632 إخترع البريطاني "ويليام أوكثريد7" مسطرة للحساب دائرية، حيث ترجم بها فكرة "إيدموند وينكيت"، وذلك عبر إستعمال سلمين لوغاريتميين مرسومين على دائرتين متحدتى المركز. وقد تطورت هذه المسطرة لتأخذ شكلها الحالي، وهو مسطرة ثابتة تنزلق بداخلها مسطرة أخرى، وذلك في حوالي عام 1654.

وهذه الآلة لاقت قبولا وإستعمالا واسعا لذى العلماء والمهندسين والطلبة. فقد سهلت عليهم، عبر تحريك طولي لسلاليم مدرّجة، القيام بعمليات حسابية كالضرب والقسمة، لكن دون الجمع والطرح. ومسطرة الحساب كانت تمكن من القيام بعمليات أكثر تعقيدا، كحساب الجذور المربعة والمكعبة، وكذلك الحساب اللوغاريتمي أو المثلثي. ولقد ظلت مستعملة بشكل واسع إلى حدود عام 1970.
وفي فرنسا، فقد قام الرياضي والفيزيائي "بليز باسكال8" بصناعة آلة للحساب أطلق عليها إسم "الباسكالين"، وذلك في عام 1642. وقد صنعها، وكان عمره أنذاك 19 عاما، لتسهيل عمل والده في جباية الضرائب التي كانت تتطلب مجهودا شاقا في ذلك الوقت.

وقد إتجه في بادئ الأمر إلى ساعاتي (كناية عن الشخص الذي يصلح الساعات) من مدينة "رُوُون"، الذي صنع له آلة، لكن لم تكن تعمل. فتولى الأمر بنفسه بمساعدة عمال لتركيب تلك الآلة. وكانت تعتمد على عجلات مسنّنة (ذات أسنان) مرصّعة (موضوعة بشكل متقارب بعضها من بعض لتشكل نسيجا متجانس) داخل وقاء، وتمكن من القيام بعملية الجمع والطرح. لكن لم تحضى هذه الآلة برواج كبير، لأن ثمنها كان غاليا.
وقد قام العالم والفيلسوف الألماني "كوتفريد لايبنيز9" بتطوير الباسكالين، وذلك في عام 1673، لتستطيع القيام بعمليات الضرب والقسمة كذلك وحساب الجذور المربعة، وذلك عبر سلسلة من عمليات الجمع تعتمد على عدّاد. وقد أطلق على آلته تلك إسم "الحاسب التدريجي".
ولم يقتصر عمله على ذلك فقط، بل قام في عام 1666 بوضع النظام الثنائي، الذي لم يلاقي إستعابا لذى معاصريه وذلك لعدة عوامل من أهمها: أن نظام الترقيم المهيمن في ذلك الوقت هو النظام العشري.
فقد ألف أطروحة سماها "الفن التركيبي"، حيث أشار فيها إلى طريقة تمكن من إختزال أي تفكير، كيفما كان نوعه وكيفما كان موضوعه، إلى أوامر ذات دقة عالية. وهذا يمكن من نقل المنطق (أو كما سماه قوانين التفكير)، من المملكة الكلامية المليئة بالإلتباسات، نحو إمبراطورية الرياضيات التي، على العكس، تعرف بدقة العلاقات بين الكائنات أو العبارات.
وقد حاول بهذا خلق لغة جديدة وعالمية، لكن سرعان ما تخلى عن ذلك. لكن بعد مرور 10 سنوات وبعد إطلاعه على كتاب لحساب سداسي الأضلع يسمى "اليو كين" (يعود تاريخه إلى 3000 قبل الميلاد، وهو كتاب صيني يعني "كتاب التحولات الدورية")، فقد شرع في ترشيد النظام الثنائي، والتحويل من النظام العشري نحو النظام الثنائي.
لكن لم يستطع أن يستعمل هذا النظام في الجهاز الذي طوره، نتيجة للكم الهائل للأعداد الناتجة عن ذلك، لأن هذا النظام يعتمد في أساسه على الرقمين 0 و 1. وللإشارة فقط، فإن رقم 3 يعبر عنه في النظام الثنائي ب 10، والرقم 6 يعبر عنه ب 101، ولا حاجة لنا في معرفة 100 كيف يعبر عنها في هذا النظام.
وقد لعبت التطورات التي عرفها قطاع النسيج دورا بالغ الأهمية في تطوير آليات الحساب. ففي عام 1725، وضع "بازيل بوشون"، من مدينة ليون الفرنسية، نظاما لبرمجة آلة النسيج وذلك بالإعتماد على شريط مثقب. وقد شكل ذلك نقلة هامة في مجال الآليات، بحيث أنه أصبح ممكنا التحكم فيها بشكل منفصل. وبالتالي فإنه أول ظهور للبرمجة، وأصبحت مهنة النسيج تستعمل الآليات بدل الآلات.
وقد قام "جون باتيست فالكون" بتطوير هذا الإختراع في عام 1728، وذلك بإستعمال زمرة من الشرائط المثقبة متصلة بعضها ببعض. تلاه "جاك فوكانسن" الذي عمل على الفكرة نفسها وغير الشرائط والبطائق بأسطوانة معدنية مثقبة.
وفي عام 1804، قام "جوزيف ماري جاكارد10" بصنع وحدة للنسيج كاملة مستقلة بذاتها قادرة على إنتاج زخاريف جد معقدة، حيث يتم التحكم في مسالك المكوك عبر بطائق مثقبة. ولتغيير شكل الزخرفة، فإنه يكفي تغيير مجموعة البطائق المستعملة بأخرى. وقد كان لهذا دور هام، تطور به قطاع النسيج، وإتسع ليشمل الحواسب أيضا.
ففي نفس الفترة التي طور فيها جاكارد قطاع النسيج، فإن مجالات إستعمال الرياضيات والحساب إتسعت، وشملت كلا من الملاحة والعلوم والتجارة. وكانت الحاجة جد ملحة لحساب الجداول اللوغاريتمية وذلك بشكل دقيق. وكانت جل الحسابات الرياضية يقوم بها أناس كان يطلق عليهم إسم "الحواسب"، ويعتمدون في ذلك على محتوى الجداول الرياضية. وكانت تلك الجداول لا تخلوا من الأخطاء جراء التعب وأخطاء النسخ والطباعة. كل هذا دفع بشخص يسمى "شارل بباج11" للتفكير في طريقة أكثر دقة للحصول على هذه الجداول. وقد كتب عام 1812 قائلا:
"كنت جالسا في إحدى غرف الشركة التحليلية، في كامبريدج، ورأسي منحدر على طاولة كشخص يحلم، وجدول اللوغاريتمات مفتوح أمامي. فجاء شخص إلى الغرفة تلك، ورآني شبه نائم، فنادى:"حسنا بباج، بماذا تحلم؟" فأجبته:"إني أفكر أن كل هذه الجداول (مشيرا لجداول اللوغاريتمات) يمكن حسابها بواسطة الآليات".
وشارل بباج هو إبريطاني الأصل من أسرة ثرية، كان أبوه يعمل صرافا. وقد أهتم من سن مبكر بالرياضيات، وتسنى له الإطلاع على أعمال لايبنيز، نيوتون ولاكروا. وقد أسس، مع أصدقاء له من كامبريدج، في عام 1812 شركة أطلق عليها إسم "الشركة التحليلية"، وكان يهدف من خلالها إلى تعديل مفاهيم الرياضيات التي كانت تدرس في ذلك الوقت.
وبعد زواجه سنة 1814، فإنه رحل من مدينة كامبريدج للعيش في لندن. وقد كان له دور مباشر في إنشاء "الشركة الملكية للفلك"، حيث تقلد فيها عدة مناصب. وقد ساعدته تجربته تلك، وخصوصا مع الأجهزة الفلكية، من بلورة أفكاره لإنشاء آلية لإعداد الجداول اللوغاريتمية.
وقد شرع في عام 1819 بتصميم آلية صغيرة لذلك الغرض أنهاها عام 1822، وأطلق عليها إسم "الجهاز التفاضلي". وكانت آليته تستطيع إختزال العمليات الرياضية المعقدة، في حساب المتتاليات ذات الصيغة n²+n+41 (ب.م.12 ن²+ن+٤١)، بإستعمال ميكانيزمات عمليات الجمع فقط. وقد أعلن عن إبتكاره ذلك في رسالة تحت عنوان "تعليق حول إستعمال الآلية في حساب الجداول الفلكية والرياضية"، بعثها إلى "الشركة الملكية للفلك" في عام 1822. وأضاف إليها بعد ذلك جهازا لطباعة النتائج المحصل عليها.
وقد حصل بإبتكاره ذلك على الميدالية الذهبية من الشركة، لكن حلم بباج كان في إنشاء "جهاز تفاضلي" أكثر إتساعا، قادر على إنتاج جداول لوغاريتمية ومثلثية؛ يمكن من القيام بالعمل الذي يقوم به أولئك الأشخاص الذين يسمون "الحواسب"، وبالتالي تقليص التكاليف مع دقة في العمل.
وقد وجه طلبا للحكومة البريطانية للحصول على تمويل من الدولة لمشروعه ذلك. الشيء الذي قبلته الحكومة، وخصصت له في البداية مبلغ 1500 جنيه، وكانت الفترة المحددة للمشروع هي ثلاث سنوات. لكن المشروع لم يقدر له أن يخرج للوجود، وقد دام ثماني سنوات وبلغت تكلفته 23000 جنيه، 6000 منها من مال بباج. وقد دفع ذلك الحكومة البريطانية إلى وقف التمويل، وذلك عام 1834.
لكن بباج، ورغم الإحباط الذي إعتراه من توقيف مشروعه، كان لديه مشروع آخر لإنشاء "الجهاز التحليلي". وقد إستوحى فكرته تلك من التطورات التي عرفها قطاع النسيج في فرنسا، ومن تجربته في مشروع إنشاء "الجهاز التفاضلي". ورغم أن الجهاز التحليلي لم يتعدى مرحلة الرسومات المفصلة، إلا أن المكونات التي خطّ لها في جهازه تشبه بشكل كبير مكونات الحواسب الحالية.
فقد قام بباج بوصف خمسة مكونات هي:
- الخزان: وهو المكان الذي يتم فيه حفظ الأعداد، وهو ما يسمى حاليا "الذاكرة"؛
- الطاحونة: وهي المكان الذي يتم فيه "نسج" تلك الأعداد للحصول على نتائج أخرى، وهي ما يسمى حاليا "وحدة المعالجة الرئيسية"؛
- التحكم: ودوره مراقبة تسلسل العمليات التي يجب القيام بها، وذلك عبر إستعمال البطائق المثقبة والتي تحتوي على برنامج مهمة معينة؛
- وحدات إخراج الأعداد من الجهاز وحفظها في البطائق المثقبة حيث يمكن إستعمالها عند الضرورة لإدخال المعلومات.
وفي هذه المرة فبباج تفادى طلب تمويل مشروعه من الحكومة البريطانية، وذلك نتيجة لتجربته في مشروع الجهاز التفاضلي.
وعند زيارته لمدينة تورين الإيطالية سنة 1840، فقد إلتقى مع عدة رياضيين من بينهم عالم رياضيات يسمى "مينابري"، وشرح لهم أهداف مشروعه. وقد قام مينابري بجمع الوثائق الضرورية لوصف الجهاز التحليلي وقام بنشرهم عام 1842. فقامت السيدة "أدى لوفليس13" بترجمة مقالة مينابري إلى الإنجليزية وأضافت إليها ملاحظات أكثر شمولية بالنسبة للنسخة الأصلية، التي نشرت عام 1843.
والمهم معرفته أن مصاريف تصميم الجهاز التحليلي، تكلف بها شخصيا بباج. وقد كان له إيمان بأن هذا الجهاز يمكن إخراجه إلى الوجود، لكن المنية وافته قبل أن يحقق هدفه. وما يمكن قوله هو أن التصاميم التي وضعها، وقد إعتمد في جهازه على النظام العشري، كانت بالفعل صحيحة وقابلة للتطبيق من أجل تصنيع النمودج الأولي للحاسوب.
وفي نفس القرن 19، فإنه ظهر شخص يسمى "جورج بول14"، عمل على تجسيد فكرة لايبنيز في نقل قوانين التفكير من المملكة الكلامية نحو عالم الرياضيات. وجورج بول هو عالم منطق، رياضي وفيلسوف بريطاني. وعلى عكس بباج، فإنه كان ينتمي إلى أسرة فقيرة، ولم تمكنه موارده المالية من ولوج الجامعة.
لكن بول كان لديه قدرات هائلة. فقد إستطاع في سن جد مبكر من تعلم وإتقان اللغات اللاتينية، الألمانية، الفرنسية والإيطالية. وفي عام 1831، وعمره 16 أنذاك، فقد كان مجبرا على العمل لكي يساعد أسرته الفقيرة. وقد عمل كمعلم مؤقت لمدة أربع سنوات، قبل أن ينشئ مدرسته الخاصة. وقد شكل هذا دافعا تحفيزيا لبول من أجل تطوير مفاهيمه الرياضية، والتي لقنها له أبوه بشكل أولي.
فشرع في دراسة مؤلفات "إسحاق نيوتون"، "بيير سيمون لبلاس" و"جوزيف ليويس لكرونج"، قبل أن يشرع في القيام بأعماله الخاصة. ومكنته أبحاثه من الحصول على إعتراف بقدراته لدى الجبريين (ب.م. علماء الجبر) في ذلك الوقت، وقد حصل عام 1844 على ميدالية من الشركة الملكية البريطانية.
وفي عام 1847 فقد شرع في وضع أساسيات نظرية المنطق الكلاسيكي، الذي يعتمد على تركيبة جبرية، تتحدد من خلالها معاني التفكير. وهذه النظرية يطلق عليها إسم "الجبر البولياني" أو الجبر المنطقي. وقد عرف بهذا الجبر في مقال قام بنشره تحت عنوان "التحليل الرياضي للمنطق" ، ثم أتبعه ببحثه النهائي الذي نشره عام 1854 تحت عنوان "بحث في قوانين التفكير، التي تنبني عليهم النظريات الرياضية للمنطق والإحتمالات".
وقد طور بول بعمله هذا شكلا آخر للمنطق. فقد كان هدفه هو ترجمة الأفكار والمفاهيم إلى معادلات رياضية، بحيث يتم إجراء عليهم بعض العمليات، وترجمة الناتج لعبارات منطقية. وإعتمد في تجسيد نظريته على المسائل التالية:
- مجموعة حيث أي عنصر ينتمي إليها لايمكن أن تكون قيمته إلا 0 أو 1 (ب.م. خطأ أو صحيح)؛
- وهذه المجموعة مزودة بالقوانين الداخلية للتركيب "+" و "."؛
- والقوانين الداخلية للتركيب تحقق المسلمات التالية: التجميع، التبادل، التوزيع، الإمتصاص، إلخ ...
وقد إستطاع بذلك من القيام بالعمليات الحسابية. ونظرية الجبر المنطقي هاته فتحت،كما سيأتي ذكره في الموضوع المقبل إن شاء الله، باب المعلوماتيات (ب.م. علوم الحاسوب)، رغم أن صاحبها لم يكن هدفه ذلك.
الثلاثاء 10 ربيع الأول 1429
ملاحظات:
------------------------------------
(1) Gerbert d'Aurillac معروف بإسم سيلفيستر الثاني "Sylvestre II"، وهو فيلسوف ورياضي.
(2) Leonardo Pisano معروف أيضا بإسم فيبوناتشي "Fibonacci"، ولد ببيز الإيطالية وهو عالم رياضيات. وقد ألف كتاب في الرياضيات بعنوان "Liber Abbaci" (كتاب أباسي).
(3) Mariano di Jacopo detto il Taccola فنان ومهندس إيطالي عاش مابين 1382-1453.
(4) Léonard de Vinci عاش مابين 1452-1519.
(5) John Napier فلكي، فيزيائي وياضي إسكتلندي ولد بإدينبورج عام 1550. ألف ونشر بحثه "Rhabdologie" (الرابدولوجي) لتبسيط العمليات الرياضية.
(6) William SCHICKARD عاش مابين 1592-1635.
(7) William Oughtred عالم رياضيات بريطاني عاش مابين 1575-1660.
(8) Blaise Pascal رياضي، فيزيائي وفيلسوف فرنسي عاش مابين 1623-1662. قام بإنشاء آلة للحساب تسمى "Pascaline" (الباسكالين).
(9) Gottfried Wilhelm von Leibniz فيلسوف، رياضي، دبلوماسي ومكتبي ألماني عاش مابين 1646-1716.
(10) Joseph Marie Jacquard مخترع فرنسي عاش مابين 1752-1834، قام بتطوير آليات للنسيج مستقلة بذاتها.
(11) Charles Babbage رياضي بريطاني ولد حوالي عام 1791 وتوفي عام 1871، شكلت أعماله نقلة هامة لإنشاء الحواسب. أمضى جزءا هاما من حياته في إنشاء الجهاز التبايني "difference engine"، قبل أن يعمل على تصميم الجهاز التحليلي "Analytical engine".
(12) "ب.م." تعني: بمعنى موافق.
(13) Ada Lovelace رياضية بريطانية عاشت مابين 1815-1852، قامت بوصف دقيق للجهاز التحليلي.
(14) George Boole عالم رياضيات وفيلسوف بريطاني عاش مابين 1815-1864.
المراجع:
-----------------------------------
- كتاب دونالد هيل: "تاريخ هندسة الآليات في العصور الوسطى"
- تاريخ العلوم والتكنولوجية في الإسلام: نقل التكنولوجية الإسلامية للغرب
- موقع تورنبيل: شارل بباج
- موقع متحف تاريخ الحاسوب
- مختبر علم الحاسوب: تاريخ الحاسوب
- موقع نويي للتعليم: متقدمي ليونارد دي فانسي
- مكتبة جونيف العالمية: مخطط الجهاز التبايني لبباج