« |
20 تشرين ثاني, 2006
القرية اللبنانية حضارة في طريق الزوال
مطعم الساحة أنموذج القرية اللبنانية ..
ها هي الساحة تفتح ذراعيها من جديد، تستقبل الوافدين إليها من كل حدب وصوب، تحتفي بهم أهلاً وأحبة ، زارعة فيهم الأمل بتجدد الحياة .. ها هي الساحة قرية لبنان التراثية التي حملت الحلم تنسجه فراغات وفضاءات معمارية تقدمه قرية تراثية بيئية في قالب جديد، معتمدة مبدأ العمارة التدويرية التي تقوم على إعادة استعمال المقتنيات الأثرية والأدوات اليومية في البناء لتحوكها ثوباً معمارياً على منوالنا ويليق بنا دون اغتراب وتغريب، حين تدخلها وبخطوة واحدة تختصر الزمن والتاريخ، وتتخطى الجغرافيا، لتعيش عالماً ساحراً، طالما رسمته صوراً في خيالك المبني على حكايات الجدات. قصدنا مطعم الساحة " قرية لبنان التراثية" لملاقاة المهندس المعمار السيد جمال مكة صاحب فكرة المشروع الذي أعاد رسم هيكلية الضيعة ، والتي كادت أن تندثر عبر تجسيد تلك الصور، في فراغاته وفضاءاته المعمارية من القناطر إلى الخان والسطيحة والدكان والعليه، بترجمة واقعية لكتاب الأديب اللبناني " أنيس فريحة" استقبلنا في مكتبه الذي يحوي قطعاً تراثية تعود بنا إلى عبق التاريخ وتنقلنا إلى عصر آخر من تلك العصور الذهبية الغنية بالحضارات والثقافات المتعددة. نجلس في فراغه الساحر وفضائه الأخاذ ليحدثنا مكملاً اللقاء الذي انقطع بسبب العدوان الإسرائيلي على لبنان، وهو المتحدث اللبق الذي ينتقي مفردات كادت أن تندثر ، أيضاً في لغتنا العربية ، أخذنا إلى عالمه المليء بالتراث والتاريخ ... إلى رائحة العود والبخور ، شارحاً فكرة مشروعه بحب وعشق وحميم . نلاحظ أن هناك تجديداًُ وتطويراً في جسم الساحة التراثية هل كان هذا الجسم يحتاج إلى زيادة على الرغم من كل ما احتواه من فسيفساء معمارية ؟ على مدار 4 سنوات من العمل نفذ المشروع على مراحل واتبعنا خطة أن يكون هناك مفاجأة جديدة للزائرين باستمرار لكسر الروتين الموجود في كثير من المؤسسات السياحية ، بدأنا بالساحة وثم القناطر وبيوت الفلاحين وإحدى الحارات وعين الضيعة، وكان من المفترض افتتاح بستان الضيعة قبل 12 تموز وهو محمية طبيعية تبلغ مساحتها 1500 م2 تتميز بهندستها وتفاصيلها المعمارية ونوعية الأشجار الموجودة فيها مثل الزنزلخت والغار والتين وغيرهم من أنواع الأشجار التي كانت توجد في قرانا ، وشكلت بفراغها الجميل جداً وهو مغلق انفتح إلى الداخل والتي تعتبر إحدى أهم عناصر تصميم الحدائق العربية ومحاطة بسور من الأشجار التي اشتهر بها الريف اللبناني . وكانت معدة للافتتاح في أوائل شهر آب ولكن الحرب حالت دون ذلك ، ونحن ننتظر مناسبة وضع اقتصادي جيد لإعادة افتتاحها هي وبيت الشعر العربي الذي يحوي على 7500 دويان شعر عربي، والذي كان يجب أن يفتتح بأمسية شعرية لأحد الشعراء العرب الكبار ومازالت الفكرة موجودة لدينا . كما أن هناك بعض التحسينات من الجهة الجنوبية من ناحية المدخل الرئيسي لتحسينه وإيجاد مدخل أكثر دلالة على المشروع من الناحية المعمارية ، وسيشارف العمل فيه على الانتهاء ، كما أن هناك مشروعاً هو متحف الساحة التراثي الذي يتحدث عن التراث الشعبي القروي الذي يحوي على أكثر من 60 قطعة تتحدث عن تراث الضيعة وسينجز العمل فيه خلال ثلاثة أشهر . هل تجدون اهتماماً من قبل الدولة بالنسبة لهذه المشاريع التراثية؟ للأسف لا يجد هذا الموضوع التراثي أي اهتمام من الدولة بغياب التشريع والقوانين التي تحلي هذه البيوت التراثية أو العناصر التراثية، ومن المؤسف أن الصمت تحدثت عن مشروع في شارع الجميزه الذي يضم بيوتاً تراثية صنفت من خلال التنظيم المدني بأنها شوارع وبيوت تراثية ، ويجب المحافظة عليها لجذب السياح ، علماً أن هذا القطاع يؤمن أهم دخل للدولة على المستوى القومي . فاتخذ قرار مخالف وتم القضاء على جزء كبير من هذه البيوت لتشييد أبراج سكنية حديثة. على الرغم من أن لبنان بلد يمتاز بالحضارات الكثيرة المتعددة والتي تركت بصمات على تراثه المعماري، كان لدينا فرصة ذهبية لإعادة بناء مدينة بيروت لو تمت بنفس الطريقة وذلك باتخاذ قرار المحافظة على النسيج الاجتماعي ، لوجدنا أن المردود السياحي أكثر بعشرة أضعاف مما بنيت عليه بهذه الطريقة التي أنفي فيها النسيج الاجتماعي بمختلف طبقاته، أين سوق الطويلة وصاحب المحل المتواضع أو ماسح الأحذية ؟ كنا نرى كل هذه الطبقات لكن الآن تحولت بيروت إلى مدينة بلون واحد ومكون اقتصادي واحد وتجذب لوناً واحداً. سمعنا من البعض أنه على الرغم مما أصاب الضاحية الجنوبية جراء الحرب بأن قرية الساحة انتعشت و لم تتأثر اقتصادياً ؟ هذا الكلام صحيح إلى حد كبير ، الأضرار كانت طفيفة اقتصرت على الزجاج والألمنيوم وتم التعامل معها بشكل سريع بعد وقف إطلاق النار في 14 آب أثناء الحرب توقف العمل كلياً باستثناء مطبخ متنقل قدم الطعام لآلاف الأشخاص . في أماكن تواجدهم وفي اليوم الأول بعد انتهاء الحرب جاء إلى قرية الساحة قرابة المئة زائر، وفي أقل من 15 يوماً عادت الحركة لما كانت عليه ، وأيضاً موقع الساحة من الضاحية الجنوبية جعلها محط أنظار الزائرين من مختلف أنحاء العالم وكانت محطتهم الأولى بعد زيارة الضاحية للراحة ومناقشة ما رأوه من هدم ودمار، وكانت قرية الساحة ملتقى لهذا الموزاييك البشري، مما ساهم في إنعاش الحركة الاقتصادية لقرية الساحة . المعروف أنك صاحب نظريات جديدة في العمارة ، ولديك أحلام كثيرة، جزء منها تحقق في الجانب التجاري ، ألا تطمعون إلى تحقيق حلم جديد ، وخصوصاً للضاحية الجنوبية بعد الحرب ؟ هذا الموضوع يحتاج إلى مخططين ومفكرين من كل الاختصاصات مجتمعة لتقديم مقترحات وأفكار مختلفة ، ونحن كتبنا في هذا المجال تحت عنوان ( الأسس المعمارية لإعادة الضاحية ) ومنها اعتماد مبدأ نظرية مستوحاة من نفس البيئة وأيضاً من مبدأ العمارة التدويرية لهذه الأنقاض والمواد التي دمرت ، واستعمالها بطريقة عصرية ، وإعادة ما هو مهمل ، وتم التحدث عن مسابقة معمارية شفافة يشارك فيها كل المعماريين لبنانيين وعرباً وأجانب لتقديم أفكار جديدة تحت هذه المعايير التي طرحت . وتم تقديم فكرة متواضعة لهذا الكم الهائل من الدمار باعتماد تثبيت ذاكرة الشعب اللبناني ولتذكير الأجيال القادمة بما قامت به إسرائيل خلال العدوان الهمجي الأخير عندما يمرون بهذه الأبنية ، واعتماد وحدة هندسية أو مواد معمارية موحدة في كل الأبنية التي هدمت تربطها فكرة معمارية واحدة بفكرة معمارية واضحة وتأمين فكرة لهذا المربع الذي دمر لرمزية المقاومة ، وتكون عمارة مقاومة بكل معنى الكلمة ، لأننا يمكن أن نجد أفكاراً ضد هذه القنابل وربما يكون تحت الأرض باعتماد نظيريات معمارية متطورة على المستوى التكنولوجي مثلما اخترعوا صاروخاً يدمر دبابة الميركافا التي لا تدمر، ربما نجد عناصر من هذه القنابل لا تقهر بإذن الله . يلاحظ أنكم توسعتم بمشاريعكم خارج لبنان، هل هذا يعود للوضع غير المستقر فيه ، أو لأنكم توسمتم الخير في لبنان فأحببتم نقل هذا التراث للخارج ؟ من خلال مشروعنا رفضنا شعار ( القرية تغزو المدينة ) ولكن هذه المرة بحب وعشق وأخوة، فأحببنا بعد أن غزونا بيروت المدينة الأولى بهذه القرية النموذجية من خلال أبو أحمد ذاك الفلاح اللبناني الذي أحب قريته ورفض أن تغزو كل هذه الأفكار الغربية تراثه وقضت على كل مفردات الضيعة ، فالساحة تحولت إلى موقف للسيارات بعد أن كانت ملتقى للفلاحين أو جلسات الأدب والشعر على العين ، كل هذه الصور انقرضت فاجتمع الفلاحون وحزموا أمتعتهم وتوجهوا إلى المدينة وحطوا الرحال في المدخل الجنوبي لمدينة بيروت وبنوا قريتهم كما أحبوا وكانت هذه البذرة الأولى ، وبعد النجاح والقبول الذي حققته هذه القرية في مدينة روت أحببنا أن ننطلق إلى الدول العربية لنطرح الفكرة ذاتها ولنثبت ذاكرتنا التاريخية الغنية بالحضارة المعمارية بدلاً من استيراد الأفكار الغربية علينا أن نتعلم منهم تثبيت ذاكرتنا الشرقية كما يثبتون ذاكرتهم فمثلاً مدينة روما لم يبنَ فيها منذ مئة عام مبنى جديد منهم يعملون على تثبيت ذاكرتهم . أحببنا أن ننقل هذه الفكرة لتكون ثورة على كل هذه الأفكار فكانت الدولة الأولى هي قطر وتحديداً بالدوحة التي اتخذ أميرها الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني قراراً سياسياً جريئاً بإعادة تثبيت الذاكرة القطرية من خلال إحياء الحي القديم أو السوق وهو (سوق واقف) الذي أقيم بنفس الطريقة القديمة ونحن بجانب هذا السوق وتحديداً على طريق المطار في الدوحة . ثم نقل تسعة بيوت قديمة حوالي 80 حجراً مع كل المقتنيات والتراثيات ونفذ المشروع بزمن قياسي، ومنذ افتتاحه وخلال فترة لا تزيد على عشرة أشهر يعتبر المشروع الأول من حيث مستوى التراث والسياحة والثقافة ، والخدمة المميزة ، والمأكولات اللبنانية التي يشتهر بها المطبخ اللبناني من أطباق صحية شهية الذي يشرف عليه طاقم من امهر الطهاة اللبنانيين كما أن الأيدي العاملة لبنانية بنسبة 90 % . في قطر جاءت فكرة تزاوج ثقافتين وتم تزويج الثقافة اللبنانية مع الثقافة الخليجية بطريقة هندسية معينة ... فشكلت فراغاً مميزاً زاد من غنى المكان لأن كثرة الثقافات تغني أي عمل فكيف إذا كان معمارياً . وبعد النجاح الذي شهده معظم الساحة في قطر الذي زاره في فترة لا تزيد عن العشرة أشهر 100000 زائر من جنسيات مختلفة تعيش في الدوحة . كانت المحطة الثالثة وهي الخرطوم السودان الذي بدئ العمل فيها منذ نحو شهرين وسيفتتح قريباً إنشاء الله بعد الانتهاء منه وبفترة لا تزيد عن الثلاثة أشهر بنفس الأبعاد والأفكار وطريقة البناء والعناصر للمشروع . من المؤكد أن مركزاً تراثياً وثقافياً كمركزكم يستدعي جواً من الاستقرار ، إلى أي مدى أخرت الحرب الأخيرة على لبنان مسيرة الساحة التراثية عمرانياً وسياحياً ؟ الساحة قرية لبنانية تراثية، مشروع سياحي حضاري بامتياز ، وبرغم كل ما حدث في لبنان من زلازل على مستوى كبير من اغتيال الشهيد رفيق الحريري وما نتج عنه اقتصادياً وامنياً بشكل عام ، وصولاً إلى العدوان الإسرائيلي الهمجي في 12 تموز ، كانت الساحة قبل وبعد ذلك محطة لاجتماع غالبية القوى السياسية والاقتصادية والاجتماعية ، وهذا يدل على مدى حاجة الناس للهروب من التلوث البصري والثقافي والذهني والبحث عن فراغ جميل وهادئ بعيداً عن هذا الضجيج، وهنا لعب الفراغ المعماري لمشروع الساحة دوراً غير عادي لجذب الزوار ، والذي يحمل بعداً ثقافياً يتمثل بالأبعاد الفكرية المتأثرة بكل الحضارات التي أتت إلى لبنان بعداً آخر للمشروع هو إنساني بحيث إن المشروع تملكه جمعية المبرات الإسلامية، وهي جمعية خيرية يرأسها سماحة السيد محمد حسين فضل الله الشخصية المرجعية الذي ظل على مسافة واحدة من الجميع أثناء هذا الوضع المتأزم الذي يمر فيه لبنان ، فكانت قرية الساحة التراثية ملتقى لجميع التيارات والقوى السياسية بسبب الدور البارز الذي لعبه سماحة السيد فضل الله . أما البعد التراثي للمشروع أيضاً لعب دوراً قوياً ، فلبنان بلد تراثي وحضاري وعند دخولك إلى الفراغات المتعددة للمشروع يكون حاضراً أي موضوع لحوارات الثقافات في القبود والسلملك وبعض الواجهات الغربية، هناك مجموعة مندلونات عربية من طرز معمارية إسلامية مختلفة، كما نجد أيضاً في الواجهة الشمالية مندلونات من الحضارة البيزنطية التي قدمت إلى لبنان ، وتحاور بعضها تراثياً بانفتاح لنقول إن الإسلام منفتح على كل الحضارات والثقافات يعكس من يصور الغرب بعد هجمات 11 سبتمبر أن الإسلام إرهاب . لا يتوقع أحد أن مرجعية دينية كسماحة السيد محمد حسين فضل الله يتقبل فكرة مشروع سياحي لولا أن هناك هذا الانفتاح والجرأة بأن يكون لنا مشاريعنا التي تعكس شخصيتنا وتاريخنا بطريقتنا الخاصة وتكون منافسة لكثير من المشاريع التي تعكس ثقافات وحضارات مختلفة . البعد الإنساني للمشروع _ يعود ريع المشروع بالكامل لأيتام ومؤسسات جمعية المبرات الإسلامية. _ أتاح المشروع فرص عمل لأكثر من 350 شخصاً غالبيتهم لبنانيون فكان ظاهرة اقتصادية جيدة في ظل وضع اقتصادي صعب. مها طه