من بيدبا لبنان إلى حارس السلطان

بقلم سعيد الحسنية

زعموا انه كان على ساحل بحر الأبيض المتوسط ، سلطنة صغيرة ، اسمها " أرزستان " ، يتميز شعبها بالذكاء والطموح الكبير ، والرغبة الجامحة بالبحث والمخاطرة ، وحب كبير للأسفار حيث يولد أبنائهم على متن السفن وهي تجوب عرض البحار للبحث عن أرض جديدة يعلمن أهلها الحضارة ويبيعونهم ابتكاراتهم ويروجون تجارتهم، وكان أبناء تلك السلطنة يعيشون بهناء وسعادة عارمة ، مما أثار ....

من " بيدبا " لبنان إلى حارس السلطان

بقلم سعيد الحسنية

زعموا انه كان على ساحل بحر الأبيض المتوسط ، سلطنة صغيرة ، اسمها " أرزستان " ، يتميز شعبها بالذكاء والطموح الكبير ، والرغبة الجامحة بالبحث والمخاطرة ، وحب كبير للأسفار حيث يولد أبنائهم على متن السفن وهي تجوب عرض البحار للبحث عن أرض جديدة يعلمن أهلها الحضارة ويبيعونهم ابتكاراتهم ويروجون تجارتهم، وكان أبناء تلك السلطنة يعيشون بهناء وسعادة عارمة ، مما أثار غيرة جيرانهم الحاقدة . اجتمع هؤلاء الحاسدين المارقين ، واتفقوا فيما بينهم على اختيار عدد من السحرة والمشعوذين ، وإرسالهم إلى تلك السلطنة الهانئة وبث فيها شرورهم وأحقادهم لتدمير ذلك الصرح الحضاري الذي يخافونه ويحاولون أقصى ما بوسعهم للحد من مده الحضاري إلى بلادهم وأيقاظ شعوبهم من سباتهم العميق..تسلم المشعوذين مهامهم وأخذوا ينفخون نار التفرقة والعنصرية في صدور أهل " أرزستان " الطيبين ، إلى أن تحقق هدفهم وأشعلوا تلك النار التي لم تهدأ وتيرتها لسنوات وسنوات ، ونجحوا في دفع شعب تلك السلطنة إلى الاقتتال فيما بينهم إلى أن خارت قواهم وتعبوا من الحرب فأخذوا يرجون جيرانهم لإنقاذهم من شر بلوتهم ، وإطفاء نيران حربهم ..وبعد أخذ ورد وتوسل ورجاء، طلب الجيران من سحرتهم إخماد تلك النيران وهكذا كان ، عاد الهدوء والسلام إلى ربوع تلك السلطنة. ولكن...أبى السحرة مغادرتها وبقوا فيها يكتبون التعاويذ ويؤاخون الجن ، ويسجدون للشيطان ، منتظرين الفرصة السانحة لإشعال عود الثقاب أمام برميل البارود.

وبعد ردح من الزمن تمكن أولئك السحرة من اقتحام رأس قائد حرس السلطان واللعب فيه وتحويل ذلك الحارس إلى لعبة في أيديهم وإيهامه أنه ذكي وشخص مثله يستحق أن يكون مكان السلطان ، ويوم بعد يوم إقتنع ذلك الحارس الغبي بكلام السحرة وأخذ يعد العدة لتحقيق حلمه إلى أن جاءت الساعة وتحققت النبوءة التي وعده بها أرباب الشر..ومرت السنون وذلك الحارس سلطان متربع على عرش الملكة، ويدوس بقدمه رقاب رعيته ، متوهما أنه رجل ذكي ، وحاكم عادل ، ومحارب شجاع ، وباسل في الجهاد لدرء المخاطر ومجابهة المؤامرات ، غير أبه بصرخات الأمهات ونواح الأرامل واستجداء الشيوخ ، امتلأت زنزاناته بأبناء بلده دون أن يرأف لهم قلبه أو يرف جفنه ، بل كان ينام كل لياليه قرير العين ، ناسجا أحلامه الوردية ومعدا خططه العسكرية ، ليستيقظ في اليوم التالي ويرتدي بزته المرقطة ويتجه نحو ميدان القتال ، كل يوم على هذا الحال ، يقف في وسط الميدان ، والناس يتحلقون حوله وهو يصرخ بلسانه المنقوص ، شاهرا سيفه المسلول ، متأتئا في كلامه المشلول، ليعلن الموت لعدوه الممقوت ، والناس يتعجبون من حركاته وكلماته ، يهمسون في سرية نفسهم : "لا حول ولا قوة إلا بالله ... شافاه الله،..". وفي كل مرة يطل طفل صغير من وراء أمه ويسأل ببرأته المعهودة :" من يحارب هذا الرجل يا أماه؟" فتضمه أمه إلى صدرها وتهمس بأذنه : " أنه مجنون يا ولدي..يحارب طواحين الهواء..هسسس" !!

استمر ذلك السلطان على تلك الوتيرة اليومية، مصارعا شرسا لأوهامه ، مما دفع الكثيرين إلى تلقيبه ب "دون كيشوت العرب" إلا أن الكثيرين رفضوا ذلك اللقب معتبرين أن هيهات بينه وبين دون كيشوت ..فهو نقيضه تماما ، لا قيم عنده ، ولا مثل له ، أو أخلاق لديه ، ولا رادع لبطشه وظلمه ولا حد لغبائه ..هو فقط شبه رجل معتوه ظن يوما أنه سلطان عن حق..وما انفك ذلك السلطان يستيقظ كل صباح كعادته، ليمارس هوايته في مقارعة أوهامه وظله الذي يترآى له على ضوء الشموع بعد أن غابت شمس الحق عن ربوع سلطنته..ويوما بعد يوم بدأ يلاحظ غياب المتفرجين والمراقبين والمصفقين له أثناء حربه الضروس مع عدوه الغير مرئي والمجهول .. وجد نفسه وحيدا في ميدان المعركة، غير أبه به أحد أو مكترث لوجوده أي نفر، إلى أن ثارت ثائرته واستشاط غضبه ، فأصدر فرمانا ملكيا يقضي بجلب الجماهير إلى قصره بالقوة ، وحضورهم معاركه الطاحنة مع طواحين الهواء والتصفيق له بعد انتهائه من إلقاء خطبته المعهودة والغير مفهومة والمليئة بالتأتئات والاًءآت.

واستمر ذلك السلطان البائس على تلك الحال إلى أن جاء يوم وطفح كيل ذلك الطفل الذي ما برح كل مرة يطل من وراء ظهر أمه ويسألها : ماذا يفعل هذا الرجل ؟؟ولكن هذه المرة لم يسأل أمه بل أقترب من السلطان وقال له : ما بك أيها الأبله ؟ من تحارب ؟ لا يوجد أحد أمامك؟هل أنت مجنون ؟

أثار كلام الصغير ذلك السلطان الحقير ، فاستشاط غضبا ونارا ، واحمرت وجنتيه فهجم على الطفل البريء صارخا في وجه:" يا أيها الخائن والعميل ..أنت سبب خراب بلادنا الجميلة ، واشتداد الأزمة المالية ..أنت عدو وحدتنا الوطنية..أنت تتآمر علينا وتريد دفعنا إلى توقيع اتفاق سلام مع أعدائنا ..يا لك من خائن ..سألقنك درسا لن تنساه..

ثم رفع يده وصفع ذلك الثائر الصغير على وجهه المستدير..ولكن ما كان من الصغير إلا أن أستجمع أقصى ما يتسع فمه من لعاب وبصقه على وجه السلطان ، الذي سرعان ما أخذ وجهه يحترق وكأن ذلك العاب قد تحول من شدة غضب براءة الطفولة إلى ماء أسيد ونار مشتعلة .. وعندها أخذ يصرخ الملك ويتأوه من وجعه .. فخرج مسرعا من قصره هاربا وما زال حتى اليوم هائما على وجهه في أرض السلطنة محاولا استعطاف الناس دون جدوى.توالت الأيام وتولى فيها عرش السلطنة مجموعة من الحكماء الصالحين كولاة على العرش إلى حين يكبر الثائر الصغير ويحكم البلاد بالعدل والصلاح .عاش السكان بسعادة ورخاء بعد أن فر السحرة إلى ما وراء الحدود والبحار، وأوصدت خلفهم كل الثقوب وأزيلت الأثار والثغرات.وبقي حارس السلطان القديم يسرح كالمجنون يبكي على وجه محروق ويولول كالنساء على ملك مفقود.

25 شباط, 2006. سياسة . (0) تعليقات

اضافة تعليق









authimage