ليث عبد الكريم الربيعي

مدونة الناقد السينمائي ليث عبد الكريم الربيعي

« | »

النهر الباطن... عن علاقة الإنسان بما حوله، وإدانة السلوك الإجرامي

قلنا في ما سبق إن الأفلام ذات الطابع الإنساني بدأت تزداد نسبتها بالنظر إلى مجمل إنتاج السينما الأمريكية بسياقاتها المختلفة، من الجريمة إلى العنف مرورا بالخيال العلمي والجنس والرعب وغيرها... والتي تكشف بوضوح العوامل الكامنة في ذات المجتمع الأمريكي، وطبيعته الإجرامية وشيوع العنف فيه، و أخذنا على ذلك مثالا فيلم (العار الإنساني-2003) إخراج روبيرت بينتون، وتأكيدا للطروحات السابقة فقد أقدمت السينما الأمريكية في الآونة الأخيرة على إدانة انتشار الجريمة في محاولة لفتح أبواب جديدة أمام الأفراد والمؤسسات لتلافي المعاناة الناتجة من جراء انتشار مثل هذا المرض العضال، وهو ما يمكن ملاحظته بصورة جيدة في الفيلم الجديد ( النهر الباطن- 2003).


يفتتح الفيلم مشاهده في أوائل السبعينات، حيث الحي الهادئ الذي يعبر ببساطته وتشكلات شوارعه ومنازله عن طبيعة حميمية لسكانه، ثلاثة من الأولاد (جيمي، وشون، وديف) يلعبون في الشارع ثم ينصرفون إلى العبث بمسطح أسمنتي على الرصيف وكتابة أسمائهم عليه، وقبل أن يكمل (ديف) كتابة اسمه تقف بالقرب منهم سيارة ويترجل منها أحد الأشخاص موهما الأولاد بسلطته على هذا الحي وقدرته على محاسبتهم، ويقوم بخطف (ديف) مع رجل آخر اكبر سنا، ويقومان بحجزه والاعتداء عليه جنسيا لمدة أربعة أيام قبل أن يهرب بجرح عميق أورثه العزلة حتى عن أصدقائه.
وبعد اكثر من ثلاثين عاما يعود بنا المشهد مرة أخرى مع (ديف) وهو يحدث ابنه في نفس الشارع حتى يقف أمام نفس المسطح الأسمنتي مستعيدا ذكريات ذلك اليوم المشؤوم وهو يقرأ اسمه الذي لم يكمل كتابته حينها، ويبدو (ديف) بعد ما مر به من سنوات زوجا هادئا، تسيطر عليه ملامح الحزن والكآبة، إذ ترك ذلك الحادث الأليم ملامح الإحباط والانكسار تعبران عن عمق جرحه القديم، وهو ما ينعكس على حياته وطبيعة علاقته مع زوجته وابنه. أما (جيمي) فيبدو اكثر صلابة وقوة، فهو أب حان، رغم ملامحه الصارمة والمؤثرة، وهناك أيضا (شون) محقق الشرطة، الذي يعيش حياة غير مستقرة مع زوجته وهو ينتظر بشوق عودتها إليه بعد أن رفضت الإجابة عن مكالماته الهاتفية.
يسوق القدر الثلاثة إلى اللقاء ثانية بعد أن غضوا النظر في علاقتهم القديمة اثر الحادث الأليم الذي تعرض له (ديف)، إذ توكل مهمة التحقيق بمقتل ابنة (جيمي) إلى (شون) في حين يأتي (ديف) كأحد المتهمين الرئيسيين بسبب بعض الدلائل، وعليه فان (شون) يؤثر التعامل بحكمة مع أصدقائه دون أن ينسى ذلك الجرح العميق الذي فرقهم، وبالنتيجة فان انكسار (ديف) ولا مبالاته يصعب موقفه في القضية ويجعل (جيمي) يقدم على قتله انتقاما لابنته، لكن الحقيقة التي ستتضح تقلب كل التوقعات.


الفيلم أخرجه ممثل أفلام الغرب الأمريكي والمخرج (كلينت ايستوود) - بعد تقديمه ما يتجاوز العشرين فيلما حظي بعضها بتقدير جيد خصوصا فوزه بالأوسكار عن فيلمه (انفروغيفن/ اللامسامح- 1993)-، بأسلوب هادئ ينم عن حرفة سينمائية عالية وذكاء شديد برز أولا في اختياره الرواية الشهيرة التي كتبها (دينيس ليهان) وثانيا التعاون مع كاتب السيناريو والمخرج البارز (براين هيليغلاند) الحائز على الأوسكار عن سيناريو فيلم (لوس أنجلوس: سري-1997)، وثالثا اختياره مجموعة النجوم التي أدت أدوارها بإتقان وتناغم كبيرين خاصة من جانب (شون بين) الذي عرف عنه إجادته للأدوار المركبة وهو ما أهله لنيل اوسكاره الأول بعد ثلاث ترشيحات سابقة عن أفلام (رجل ميت يسير-1995) و(انعطاف-1997) و(حلو ومنحط-1999)، وكذلك النجم (تيم روبينز) الذي اخرج ومثل مجموعة هامة من الأعمال منها أدائه في فيلم (سجن شاوشنك-1994) و إخراجه لفيلم(رجل ميت يسير-1995)، ولا ننسى وجود الممثل (كيفن بيكن) و(لورنس فيشبورن) والممثلات (مارشيا غاي هاردن) التي نالت عن دورها هنا اوسكارها الثاني كأفضل أداء بدور ثانوي، بعد أن كانت قد حصلت عليه في فيلم (بولوك-2000)، والنجمة (لورا ليني)، مثل هذه الأسماء جعلت من هذا الفيلم فيلم أداء من الدرجة الأولى ، وذلك بفضل السيناريو الذي يفرز حيزا واسعا للنجوم في التعبير عن إمكانياتهم الادائية العالية، والإيحاء قدر الإمكان بما يمكن أن يصنعه الشر والسلوك الإجرامي حتى لغير المتضررين منه بشكل مباشر، حيث يغتال لحظات الفرح عند الجميع ويبقى جرحه غائرا.
في الأخير فان فيلم (النهر الباطن) يتجاوز بقدرة مخرجه أفلام الجريمة الاعتيادية ليقدم نفسه كفيلم دراما نفسية وإنسانية تعيد الحديث عن علاقة الإنسان بما حوله، ومدى اختلال الانسجام والتوازن في المجتمعات الغربية.

تعليقات

اضافة تعليق
authimage
رمز التأكيد
 
A service provided by Al Bawaba