فضيلة التعاطف في عصرنا! | ||
![]() | ||
حين يعيش الناس في قرى صغيرة وأحياء ضيقة، فإنهم يجدون أنفسهم منخرطين في أعمال تعاطفية وتعاونية على نحو غير مقصود، وهذا ما كان يلمسه الناس على نحو واضح في الريف والمدن الصغرى. أما اليوم فقد تغير كل شيء؛ حيث اتسع العمران، وتعقدت العلاقات، ونمت مساحات الحرية الشخصية إلى حدود الأنانية والخوف من الانفتاح على الآخرين والخوف من الاتصال بالأغراب. وإذا نظرنا إلى (السلام) بوصفه رمزًا للمشاركة المعنوية والتعاطف الأولي المجاني؛ فإننا سنجد تقلص أعداد المهتمين به؛ فهناك من لا يسلِّم إلا على بعض من يعرف، وهناك من لا يرد السلام؛ لأن الرد يقلل من درجة انشغاله بما هو منشغل به، وهناك مع الأسف الشديد من صار يبدي نوعاً من الضيق والانزعاج ممن يسلِّم عليه بوصف السلام شيئاً يحمل معنى العدوان على الكينونة الشخصية. هذه الحالة ترمز إلى أكثر مما نعده تركاً لسنة أو تقصيراً في أداء واجب؛ إنها ترمز في الحقيقة إلى نوع من وهن الرابطة المشتركة التي تجعل من الناس في البلدة الواحدة كياناً متواصلاً متراحماً متعارفاً. وقد وصلنا إلى ما هو أشد إثارة للقلق من ذلك؛ حيث إننا نشعر اليوم أكثر من أي وقت مضى أن كلمة (الأخوة الإسلامية) التي سوّدنا في ذكر فضائلها صفحات كثيرة صارت شبه فارغة من أي معنى على الصعيد العملي وشبه مهملة على الصعيد التربوي والتنظيري. ولست أريد هنا الخوض في ذكر أسباب هذه الوضعية، لكن أحب أن أشير إلى بعض ما يجب عمله على صعيد تحسينها: فلسفة الإحسان إلى الغير 1.حين يسود الجفاء ويضعف التواصل والتعاطف بين أبناء البلد والعمل الواحد فإن الناس ينظر بعضهم إلى بعض بعيون متوحشة، ويصبح تلاقي عيونهم مصدراً للضيق والانزعاج، وتقع المشكلة أو يقع الخلاف حول شيء في غاية السهولة، كما يصبح رأب الصدع شاقًّا وعسيراً. ومن هنا فإن إحسان الواحد منا إلى غيره من الإخوان والجيران والزملاء، يستهدف أولاً تطهير نفسه وإعداد قلبه لتلقي مسرات البذل والتضحية، وهي مسرات ذات طعم فريد ومغاير تماماً لمسرات الاستحواذ وتلقي المعونة. إن المتعاطف مع غيره يحسن إلى نفسه أولاً، ويتلقى جزاء ذلك الإحسان على نحو فوري ومباشر. ولنتأمل في قول الله تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [التوبة: 103]. وحين يعلم المسلم أن الله جلّ وعلا هو الذي يتلقى الصدقة ليجزي عليها أفضل الجزاء فإن مشاعره وآماله تتحرك في اتجاه الاغتباط بالإنجاز الذي حققه. وهذا المعنى هو ما يشعّه قول الله تعالى: {أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأَخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} [التوبة: 104]. إن الأعمال الخيرية والتطوعية وكل الأنشطة ذات الصبغة الإنسانية تشكل حجر الزاوية في إنشاء المجتمع المسلم، وجعله يقف على قدميه. أما القوانين والعقوبات فإنها تحمي ذلك المجتمع، ومن خلال إنشاء المجتمع وحمايته نحمي الخُلُق والروح، ونحمي الأجيال الجديدة من الانسلاخ من الهوية الإسلامية. 2.إن التعاطف فطرة فطر الله تعالى الناس عليها؛ ولهذا فإننا نشاهد طفلاً رضيعاً يصرخ ويبكي إذا رأى طفلاً آخر يبكي. إنه لا يستطيع أن يميز بين نفسه وبين العالم الذي يعيش فيه؛ لأنه يرى أي كرب يصيب أي طفل آخر على أنه كرب خاص به. إن الشفقة ومراعاة مشاعر الآخرين جزء من التراث الجيني للبشرية، لكن هذه السمات تختفي إذا لم تتم رعايتها وتغذيتها. ومن هنا نفهم الثواب العظيم الذي أعده الله تعالى لأولئك الذين يعطفون على العناصر الضعيفة في المجتمع، ويعملون على سد خلاَّتها. وما أعظم دلالة قوله عليه الصلاة والسلام: «أنا وكافل اليتيم في الجنة كهاتين هكذا وأشار بالسبابة والوسطى وفرّج بينهما» ]رواه البخاري]. وقوله أيضاً: «الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله». قال راوي الحديث: «وأحسبه قال: وكالقائم الذي لا يفتر، وكالصائم الذي لا يفطر» [رواه الشيخان]. نحن السبب! 3. إن أطفالنا يحفظون العديد من الآيات والأحاديث التي تحثُّ على عمل الخير، لكن هذا الحفظ لا يؤتي ثماره المرجوة؛ وذلك بسبب الممارسات اليومية للآباء والأمهات، والتي لا تشير إلى أنهم يهتمون بأوضاع غيرهم. كما أن انعدام الأُطر التي يبذل الأطفال من خلالها المعروف والإحسان يشكل سبباً مهمًّا في عدم اكتراث الأطفال بالأوضاع السيئة التي يعيش فيها كثير من المسلمين القريبين والبعيدين. إن علينا أن نفكِّر داخل الأسر في الكيفيات التي نقدم من خلالها المعونة لمن يستحقها. وعلى الإعلام الذي أخذ كثيراً بعقول الأطفال ونفوسهم أن ينحو منحًى جديداً في التوجيه، كي يسهم في إخراج جيل متعاطف وودود وخدوم، وإلا فإن التطورات السلبية التي تحدث الآن قد تفضي بنا إلى حالة صعبة من الجفاء والتشرذم والأنانية |
لا تنتظر شكرا من أحد | |
خلق الله العباد ليذكروه، ورزق الله الخليقة ليشكروه، فعبد الكثير غيره، وشكر الغالب سواه، لأن طبيعة الجحود والنكران والجفاء وكفران النعم غالبة على النفوس، فلا تصدم إذا وجدت هؤلاء قد كفروا جميلك، وأحرقوا إحسانك، ونسوا معروفك، بل ربما ناصبوك العداء، ورموك بمنجنيق الحقد الدفين، لا لشيء إلا لأنك أحسنت إليهم ﴿وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله﴾ وطالع سجل العالم المشهود، فإذا في فصوله قصة أب ربى ابنه وغذاه وكساه وأطعمه وسقاه، وأدبه، وعلمه، سهر لينام، وجاع ليشبع، وتعب ليرتاح، فلما طر شارب هذا الابن وقوي ساعده، أصبح لوالده كالكلب العقور، استخفافا، ازدراء، مقتا، عقوقا صارخا، عذابا وبيلا. ألا فليهدأ الذين احترقت أوراق جميلهم عند منكوسي الفطر، ومحطمي الإرادات، وليهنؤوا بعوض المثوبة عند من لا تنفد خزائنه. إن هذا الخطاب الحار لا يدعوك لترك الجميل، وعدم الإحسان للغير، وإنما يوطنك على انتظار الجحود، والتنكر لهذا الجميل والإحسان، فلا تبتئس بما كانوا يصنعون. اعمل الخير لوجه الله؛ لأنك الفائز على كل حال، ثم لا يضرك غمط من غمطك، ولا جحود من جحدك، واحمد الله لأنك المحسن، واليد العليا خير من اليد السفلى﴿إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا﴾. وقد ذهل كثير من العقلاء من جبلة الجحود عند الغوغاء، وكأنهم ما سمعوا الوحي الجليل وهو ينعى على الصنف عتوه وتمرده﴿مر كأن لم يدعنا إلى ضر مسه كذلك زين للمسرفين ما كانوا يعملون﴾لا تفاجأ إذا أهديت بليدا قلما فكتب به هجاءك، أو منحت جافيا عصا يتوكأ عليها ويهش بها على غنمه، فشج بها رأسك، هذا هو الأصل عند هذه البشرية المحنطة في كفن الجحود مع باريها جل في علاه، فكيف بها معي ومعك؟! |
لن تهدأ أعصابك حتى تؤمن بالقدر | |
يقول الله تعالى: "مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا" [الحديد : 22]، ويقول تعالى: "قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللّهُ لَنَا" [التوبة : 51]، جف القلم، رفعت الصحف، قضي الأمر، كتبت المقادير، ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك. إن هذه العقيدة إذا رسخت في نفسك وقرت في ضميرك صارت البلية عطية، والمحنة منحة، وكل الوقائع جوائز وأوسمة، (ومن يرد الله به خيرا يصب منه)، فلا يصيبك قلق من مرض أو موت ابن، أو خسارة مالية، أو احتراق بيت، فإن الباري قد قدر، والقضاء قد حل، والاختيار هكذا، والخيرة لله، والأجر حصل، والذنب كُفِّر. هنيئا لأهل المصائب صبرهم ورضاهم عن الآخذ، المعطي، القابض، الباسط، "لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ" [الأنبياء : 23]. لن تهدأ أعصابك وتسكن بلابل نفسك وتذهب وساوس صدرك حتى تؤمن بالقضاء والقدر، جف القلم بما أنت لاه، فلا تذهب نفسك حسرات، لا تظن أنه كان بوسعك إيقاف الجدار أن ينهار، وحبس الماء أن ينسكب، ومنع الريح أن تهب، وحفظ الزجاج أن ينكسر، هذا ليس بصحيح على رغمي ورغمك، وسوف يقع المقدور، وينفذ القضاء، ويحل المكتوب، "فَعَسَى اللّهُ أَن يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ" [المائدة : 52]. استسلم للقدر قبل أن تطوق بجيش السخط والتذمر والعويل، اعترف بالقضاء قبل أن يدهمك سيل الندم، إذن فليهدأ بالك إذا فعلت الأسباب وبذلت الحيل، ثم وقع ما كنت تحذر، فهذا هو الذي كان ينبغي أن يقع، ولا تقل (لو أني فعلت كذا وكذا لكان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل). |
العلاقات الطيبة.. نبع الخير الدائم | |
لا ريب أن للعلاقات الاجتماعية دورًا وأثرًا في حياتنا، من حيث القرارات والاختيارات والأنشطة المختلفة، وما يمكن أن نشعر به في أحايين كثيرة من فرح وسعادة، أو حزن وشقاء، بل لعل الأمر يصل في بعض الأحيان إلى أكثر من ذلك حتى قال بعض علماء الاجتماع: "إن كثيرًا من صور الاضطراب العقلي ينشأ عن اجتماع درجة عالية من المشاق مع درجة منخفضة من المساندة الاجتماعية" [1] التعارف.. أول الخيوط ويمكن القول إن حاجة الناس إلى العلاقات الاجتماعية حاجة مهمة وضرورية لثلاثة أسباب جوهرية، هي: المساعدة العملية في بعض الشئون، وإسداء النصح، وتقديم التعاطف، والاستماع إلى الشكوى بإخلاص وتفهم، وتماثل الاهتمامات والمشاركة في بعض الأنشطة [2].
ومن السنة قوله صلى الله عليه وسلم: "لا تحقرن من المعروف شيئًا ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق" [رواه مسلم]، وقوله: "لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم أفشوا السلام بينكم" [رواه مسلم]. ومن ثم فالتعارف مطلوب، والمسلم مطالب بأن يسلّم على من عرف، ومن لم يعرف، ومكلف بأن يرد التحية بمثلها أو بأحسن منها، وأن يلقى الناس بوجه هاش باش، ولا يستهين بهذه الآداب ويعرض عن تطبيقها إلا مصاب في أخلاقه بمرض الكبر والعجب بالنفس، أو بالأنانية المفرطة. سمة اجتماعية راقية إن فهمنا لهذه النصوص الشرعية يصير دافعًا لنا لتحسين رعاية علاقتنا وتنميتها، وهو ما يتطلب من المسلم الواعي المستنير بهدي دينه، وتوجيهات شريعته، أن يكون آلفًا مألوفًا، يألف الناس ويخالطهم ويوادهم، ويألفه الناس ويخالطونه ويحبونه، لما تمثله هذه الصفة من سمة اجتماعية راقية، يتصف بها المسلم الراقي الذي وعى رسالة دينه، وأدرك أن الاتصال بالناس في المجتمع وكسب ثقتهم من أهم واجبات المسلم، وأنه الوسيلة الفعالة الناجعة لإسماعهم كلمة الحق، وتعريفهم بالقيم والمثل العليا التي يحملها، ذلك أن الناس لا يستمعون إلا لمن يألفون ويثقون به، ولا يقتنعون بكلام إلا إذا صدر ممن يحملون له شيئًا من الثقة والود والقبول [4]. آلف وتآلف.. تنل العلا ومن هنا جاءت نصوص كثيرة في السنة تعلي من هذا النمط الذي يألف ويُؤْلف، وتجعله من الصفوة المختارة، بل أحب الفئات إلى رسولنا صلى الله عليه وسلم، حيث قال صلى الله عليه وسلم: "ألا أخبركم بأحبكم إلي وأقربكم مني مجلسًا يوم القيامة؟" فسكت القوم، فأعادها مرتين أو ثلاثًا، قال القوم: نعم يا رسول الله. قال: أحسنكم خلقًا" [رواه أحمد]. وزادت بعض الروايات: "الموطَّئُون أكنافًا، الذين يألفون ويُؤْلفون". فإن من صفات المؤمن أن يكون آلفًا مألوفًا يحب الناس ويحبونه، يقبل عليهم ويقبلون عليه، وإذا لم يكن كذلك فإنه لا يستطيع أن يؤدي رسالة، ولا ينهض بعبء، ومن كان كذلك لا خير فيه كما قال صلى الله عليه وسلم: "المؤمن يألف ويُؤلف، ولا خير فيمن لا يألف ولا يُؤلف" [رواه أحمد]. ولقد ضرب النبي صلى الله عليه وسلم لأمته المثل الأعلى في حسن سلوكه مع الناس، وبراعته في تأليف قلوبهم، ودعاها للتأسي به في القول والعمل والسلوك، ورسم لنا أقصر طريق لكيفية الدخول إلى قلوب الناس، والوصول إلى حبهم وإعجابهم والانسجام معهم، ولا يقتصر ذلك على من يعجبنا شكلهم، أو ملبسهم، أو كلامهم وفكرهم فحسب، بل يتعداه إلى كل الناس، فها هي السيدة عائشة تحدثنا أنه كان يتقي شرار الناس، ويستميلهم بلين الكلام وحسن المعاملة، فقد استأذن رجل عليه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "بئس أخو العشيرة وبئس ابن العشيرة". فلما جلس تطلَّق النبي صلى الله عليه وسلم في وجهه وانبسط إليه، فلما انطلق الرجل قالت عائشة: يا رسول الله، حين رأيت الرجل قلت له كذا وكذا، ثم تطلقت في وجهه، وانبسطت إليه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا عائشة متى عهدتني فحّاشًا، إن شر الناس عند الله منزلة يوم القيامة من تركه الناس اتقاء شره". [رواه البخاري] [5]. العبور إلى الإنجاز وإذا كان للتعارف والعلاقات الإنسانية بعد وأثر دنيوي وأخروي لا يستهان بهما، فإن الاهتمام لا ينبغي أن ينصب على خطوة إقامة العلاقات ثم التوقف "لأننا حين نريد من صحبتنا للآخرين شيئًا آخر أكبر من الدعم الاجتماعي، أو أكثر من المؤانسة، فإن علينا آنذاك أن نبحث في كيفية إيجاد الأجواء التي تُمكن من التأثير والتأثر، وعبور الأفكار والقناعات والمشاعر بغية إنجاز أشياء مشتركة تعود علينا، أو على المصلحة العامة بالخير والنفع". فنحن حين نرى شخصين منسجمين انسجامًا تامًا ومتفاهمين تفاهما كاملا أو شبه كامل، فإن هذا دليل على وجود الكثير من الأمور المشتركة بينهما، في طريقة التفكير وفي الاهتمامات والذوق وسلم القيم.. وربما كان من العسير على الواحد منا أن يحقق درجة عالية جدا من الألفة مع أعداد كبيرة من الناس، وعلى نحو مستمر، ولكن بالإمكان تحقيق ذلك مع عدد محدود من الناس، ومع ذلك فإن هذا العدد المحدود قابل للنمو والازدياد بقدر ما نرعى العلاقات التي ننشئها، ونمتنها بأسباب الألفة والوئام؛ لتشكل مع الأيام جسورًا لتواصل أعمق، وأبعد أثرًا [6]. سلوكيات تثمر التناغم إن كل سلوكيات إحداث الألفة والوئام تتمحور حول تعظيم القواسم المشتركة، وأوجه التشابه بين من يسعون إلى التآلف سواء أكانوا أفرادًا أو مجموعات، وهذا ما نسميه أحيانًا المجاملة المقننة [7]، والوسائل التي تؤدي إلى ولادة نوع من التآلف والانسجام والتناغم بين الأفراد أو المجموعات كثيرة، نذكر منها على سبيل التمثيل لا الحصر ما يلي: 1- الحرص على مصلحة الآخر، وتفهم ظروفه، وطبيعته الشخصية والأسرية، والسعي في جلب الخير له، ومشاركته في أحواله ومناسباته المختلفة من سرور وحزن ومرض، عملا بقوله صلى الله عليه وسلم: "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى" [رواه مسلم]. 2- تقبل الاختلافات الفكرية، وتقدير الآخر، وإشعاره بالأهمية والاهتمام، إذ يكاد يكون مكتوبًا على جبين كل إنسان: فضلا أشعرني أنني مهم، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بنُ مَسْعُودٍ: سَمِعْتُ رَجُلًا قَرَأَ آيَةً سَمِعْتُ مِنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم خِلَافَهَا فَأَخَذْتُ بِيَدِهِ فَأَتَيْتُ بِهِ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: [كِلَاكُمَا مُحْسِنٌ، لَا تَخْتَلِفُوا فَإِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ اخْتَلَفُوا فَهَلَكُوا] (رواه البخاري). فما بالنا لا نقبل بخلافات فرعية جدًا هي أقل من ذلك بكثير! 3- إظهار الفرح برؤيته، قال صلى الله عليه وسلم: "تبسمك في وجه أخيك لك صدقة" [رواه الترمذي]، والسعادة بوجوده في جوارك، وأنك تحبه في كل الأحوال، ولعل من أقوى أسباب فتور العلاقة بين شخصين شعور أحدهما أنه محبوب لأسباب معينة وليس لشخصه. 4- النصح له، فعن جرير بن عبد الله قال: "بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة والنصح لكل مسلم" [ رواه البخاري]. مع الحرص على أمرين مهمين: 5- التلطف والاحتيال على وضع قواسم مشتركة في المعاملات؛ لأن قيام المعاملات على معطيات المشاعر فقط يجعلها عرضة للمد والجزر، ومن الأفضل لنا ولمن نريد إقامة علاقة متينة معهم أن نجعل لها أسسًا شرعية عقلانية، قال تعالى: "فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا" [النساء:65] فالمرجعية واحدة، والهدف واضح، ولا داعي لـ"عشم" في غير موضعه. 6- الإحسان إليه، وله مظاهر كثيرة من طيب الكلام وإلانته، والحياء معه، ومراعاة مشاعره نحو مسائل وقضايا يعدها حساسة، فلن يكون من دواعي الألفة أن تمدح أمرًا يعده جليسك مذمومًا، أو تفتح موضوعًا يثير حفيظة جليسك، أو يشعره بالنقص والقصور. 7- تقبل النقد ما كان له حجة وبرهان، فإن كان بلا حجة، فلا مانع من الإصغاء إليه واستيعاب الناقد، فقد كان عمر رضي الله عنه يدعو لمن ينصحه ويقول: "رحم الله امرءًا أهدى إليّ عيوبي". ورفض النصح مذموم لأنه فرع عن تزكية النفس، والأفضل أن نشعر الناقد بفضل مبادرته إلى تقويم الاعوجاج الذي يزعمه، وربما أمكننا من حوارنا معه مد جسور التواصل معه، لإفادته واستثمار طاقته. والخلاصة أننا إذا راجعنا الحقوق والأدبيات التي يرتبها الإسلام على أشكال التواصل الاجتماعي، وأنماط العلاقات الإنسانية، وجدنا أنه يريد لها الاستمرار والنماء، فاستمرار العلاقات الطيبة هو نبع لخير دائم، حيث لا يمكن بناء مجتمع جيد من أفراد لا تسود بينهم درجة جيدة من الاندماج والتعاون [8]. |