ولكن كونوا ربانيين
23 حزيران, 2008

ولكن كونوا ربانيين

بقلم - علي بن عمر بادحدح

 

انقضت الدنيا بشهواتها وشبهاتها، وأجلبت الشياطين بخيلها ورجلها، وتوجهت سهام وسيوف الأعداء بحدها ونصلها، وأحيط بالمسلمين من كل جانب، عقيدتهم مستهدفة، ووحدتهم مقصودة، وشريعتهم محاربة، سيل من الإغواء والإغراء، وأصناف من الأذى والابتلاء، إنها الدنيوية التي تجيء ترغيبًا وترهيبًا، والتي تجيء فتنة ومحنة، والتي تتنوع شبهة وشهوة.

ويظهر السؤال: ما المهرب وأين الملجأ؟ وكيف تكون العصمة منها؟.

العصمة لا تكون إلا في الربانية، نعم الربانية عصمة من الدنيوية، فهي ليست انقطاعا عنها، ولا انبتاتًا منها، ولا تحريما لها، وإنما هي سياسة الدنيا على منهج الله، استعلاءً عليها وترفعًا عنها، وانتفاعًا بالمباح منها، وحصانةً من أضرارها، وسلامةً من شرورها، وأمنًا من ضلالها وزيغها، الربانية هي أشد ما نفتقر إليه، وهي ما أرشدتنا إليه آيات القرآن وجسدته لنا سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم، بها تتحقق السلامة في الدنيا، وترجى النجاة في الآخرة.

كثير من المفاهيم -في دنيا الناس- انعكست، وكثير من الموازين انقلبت، ترى المحرم القطعي، ثم تجد من يسميه رقيًا وفنًا وانفتاحًا.. تلاعب بالمصطلحات يغير الحقائق والتشريعات، فالخمر مشروبات روحية، والربا فوائد تجارية، وهكذا بالبعد عن الربانية اختلطت الآراء، وزلت الأقدام، وضلت الأفهام، وحارت العقول، وصار كثير من الناس في حيرة يلتمس الطريق الذي يسلكه، والحبل الذي يستمسك به، ولا سبيل له ولا طريق إلا في الربانية.

الربانية والطريق إليها

يقول الله جل وعلا: "وَلَـكِن كُونُواْ رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ" (آل عمران: 79).

يقول البقاعي رحمه الله: "ولكن كونوا ربانيين تابعين طريق الرب، منسوبين إليه بكمال العلم المزين بالعمل، فإن فائدة الدرس العلم، وفائدة العلم العمل، ومنه الحث على الخير والمراقبة للخالق".

البعض يفخر بنسبته إلى قبيلته ويجتنب ما يدنس شرفها أو ينقص فخرها، فكيف إذا انتسبت إلى الله سبحانه وتعالى فكنت ربانيًا.. كيف ترضى أن تدنس شرف هذا الانتساب بأوحال الدنيوية

  

الشهوانية بارتكاب المعاصي والمخالفات؟.  

 

وقال الحلبي: "الرباني منسوب إلى الرب بمعنى التربية، وذلك أن العلماء يربون العلم، أي يصلحونه ويتعلمونه، ثم يربون الناس به فيعلمونهم كما تعلموا، ويصلحونهم كما صلحوا هم به".

فالرباني هو الجامع بين العلم والعمل الشديد التمسك بطاعة الله وتقواه، الحريص على تعليم وتربية الخلق بما فيه صلاح دينهم ودنياهم.

تلك هي الربانية، أن تكون مع الله تعلمًا لكتابه ومعرفةً لذاته وأسمائه وصفاته، وعملا بأحكامه وشرائعه، ودعوةً إلى دينه وسبيله، وقيادةً للحياة كلها على منهج الله سبحانه وتعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، لا تنسلخ في سياستها لتكون صورة من صور النفاق، ولا تنسلخ في معاملاتها لتكون عابدة للدرهم والدينار، لا تنسلخ في حياتها الاجتماعية لتكون من أهل الفساد والفجور.

مقومات الربانية

  * الصلة بالله عز وجل، فالرباني منسوب إلى الرَّب، أيقظ هذا الحس في قلبك، أشغل به فكرك، وعلق به قلبك وسدد بآيات القرآن قولك وفعلك، هذه الصلة العظيمة التي تجعلك من الأقوياء بالله، الثابتين الصابرين الموقنين بتأييد الله سبحانه وتعالى: "وَأَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ" (الأنفال: 19) وقال تعالى: "وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ" (الروم: 47).

  * التعلق والتعلم لكتاب الله عز وجل، وهو باب العلم الحق المبصر لكل حقائق الوجود والخلق، هو شفاء القلوب يسكّن الشهوات ويدحَض الشبهات، وينير الظلمات، فارجع إلى كتاب الله، تدبر آياته، رطب به لسانك، وأنر به قلبك، واشرح به صدرك، واهد به عقلك، وهذب به خُلُقك، وزد من الصلة والتعلم والقرب والتأثر، فليس ثمة كتاب ولا علم ولا نهج أكمل ولا أوفى ولا أشفى ولا أروى من كتاب الله سبحانه وتعالى.

  * التحقق والامتثال لأمر الله، فلا بد بعد العلم من العمل، فاحرص ألا تقتصر على مجرد الإتيان بالفرائض، بل استزد من كل ما يقرب إلى الله ويحبب إليه من النوافل والمندوبات، والسعي إلى المنافسة في الخيرات، ففي الحديث القدسي: "وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ورجله التي يمشي عليها، ويده التي يبطش بها، ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه" (رواه البخاري).

  * الدعوة إلى المنهج الرباني والتربية عليه: وهو منهج النبي صلى الله عليه وسلم، فهو القدوة العظمى في شتى جوانب الحياة، "لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا" (الأحزاب: 21).

  * الإصلاح والتوجيه لشئون الحياة، فليست الربانية محصورة انعزالا في المسجد، ولا بكاءً في المحراب، ولا تضرعًا في السجود، ولا صيامًا في الهواجر، هي ذلك كله، وهي قيادة السياسة، وتنمية الاقتصاد، وحل المشكلات، وعلاج الأدواء، هي صبغ الحياة كلها بصبغة الربانية، "صِبْغَةَ اللّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدونَ" (البقرة: 138) لتكون الحياة ماضية بروح الإيمان، محلاة بزينة الخلق الفاضل والسلوك المستقيم.

خطوات نحو الربانية

الربانية قوة للفرد يواجه بها الصعاب، ويستعلي على الرغاب، وأمتنا إن عادت ربانية فإنها ستكون قادرة على التأثير في أمم الأرض والتفوق عليها والأخذ بيدها إلى الطريق القويم، فلنمض إلى الربانية، وهذه خطواتها:

  

1-  المجاهدة.

قال ابن القيم رحمه الله:
"مجاهدة النفس أربع مراتب، أولها مجاهدتها على تعلم الهدى والصلاح -أي من كتاب الله وهدي رسوله صلى الله عليه وسلم- ثم أن يجاهد نفسه على العمل به بعد علمه، ثم الدعوة إليه، ثم الصبر على ذلك" وهل الربانية إلا تعلم وتعليم وعمل، وكل ذلك يحتاج لصبر ومصابرة.

2- فبهداهم اقتده.

(إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا ولم يك من المشركين، شاكرا لأنعمه اجتباه وهداه إلى صراط مستقيم).
هذا نموذج رباني عظيم لنبي كريم هو أبو المسلمين إبراهيم الخليل عليه السلام، كان أمةً، أي إمامًا يقتدى به في الخير، لأنه كان عالمًا عاملا، (قانتًا لله) وتلك هي سمة العبودية، خشوع وخضوع، وتضرع وتقرب لله سبحانه وتعالى، (حنيفًا) مائلا عن الشرك إلى التوحيد، عن الباطل إلى الحق، عن الشر إلى الخير، وهكذا في كل جانب من الجوانب، (شاكرًا) لأنعم الله، وشكر النعمة أداء حقها وواجبها بنشر أثرها بين الناس، دعوة وتبصيرًا لهم.

3- الوقاية والحماية.

كثيرة هي الشبهات التي تغزو القلوب والعقول وتزيغ الآراء والأفكار، وكثيرة هي الشهوات التي تغري النفوس وتثير الغرائز وتوقع في الانحراف، وطريق الربانية يقتضي البعد عن كل ما حرم الله، فلكي تكون ربانيًا لا بد أن تكون مبتعدا عن مقدمات المحرمات كما هو منهج القرآن، عندما خاطبنا بالنهي عن فاحشة الزنا قال: (ولا تقربوا الزنا) لم يقل ولا تزنوا، كيف يمكن أن نكون ربانيين والعيون مسرحة الطرف في هذه الشاشات تبصر تلك العورات وترى تلك الإغراءات، كيف يمكن أن تكون ربانيا ولسانك ناطق بالباطل وهادر باللغو.
يقول ابن القيم رحمه الله في شأن الرباني عموما: "هو من عرف الله بأسمائه وصفاته وأفعاله، ثم صدق الله سبحانه وتعالى في عمله، ثم أخلص له في قصوده ونياته، ثم انسلخ من أخلاقه الرديئة وآفاته، ثم تطهر من أوساخه وأدرانه ومخالفاته، ثم صبر على أحكام الله في نعمه وبلياته، ثم دعا إلى الله على بصيرة بدينه وآياته".

4- الصحبة الربانية.

الله عز وجل يقول: (كونوا ربانيين) والصيغة في الأمر جماعية، ليكون التوجه أن نكون بيئة ربانية، وأن تكون بيئتنا إسلامية، فنجعل بيئتنا بيوتنا ومجتمعنا تسير على النهج الرباني، وإن لم نفعل فسنجد الغزو في عقر دارنا، عبر الفضائيات والشبكات، التي فيها من الانحرافات والضلالات ما ينحر الربانية ويقضي عليها.
ونحن اليوم في زمن الشهوات والشبهات، والمحن والفتن العاصفة، من تعرض لها أوشكت أن تهلكه ومن اقترب منها أوشكت بنيرانها أن تحرقه.

5- الترفع عن الدنيا والتطلع للآخرة.

إن الارتباط بالدنيا - ميلا إليها وانشغالا بها وتعلقًا واهتمامًا ورعاية وموافقة ومسايرة لها كل ذلك- خلاف نهج الربانية فالله سبحانه يقول: "وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ" (القصص : 77).

فخلف من بعدهم خلف

وقد صور لنا القرآن حال بعض الأمم السابقة التي انحرفت عن منهج الربانية، قال تعالى: "فخلف من بعدهم خلف يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون سيغفر لنا وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه، ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا يقولوا على الله إلا الحق ودرسوا ما فيه والدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون".

  

"خلف من بعدهم" من بعد الربانيين المؤمنين الدعاة المخلصين "خلف ورثوا الكتاب" الشرع والدين، لكن "يأخذون عرض هذا الأدنى" يميلون مع الدنيا، قال ابن عطية في معنى العَرَض: "الرشا والمكاسب الخبيثة، يميلون بها مع مقتضى الدنيا وإن خالفت أمر الله، يغلبون بها هواهم وشهوتهم ومطمعهم ولذتهم، ويؤخرون منهج الله وحكمه وشرعه".

 وذلك هو الأمر الخطير وليته كان كذلك فحسب، بل معه الغرور والاغترار، معه الفتنة والزيغ "ويقولون سيغفر لنا" قبل أن يفعلوا الفعل يحكمون بالمغفرة ويقطعون بها، وهم يصرون عليها، وإصرارهم يدل عليه قوله: "وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه" يتكرر الأمر ثانية وثالثة كما نرى في واقع الناس اليوم، ألا نرى الاقتصاد وهو يغرق في الربا، ويزيد من القمار، ويكثر لهاث الناس نحو الماديات حتى أصبح الناس كأن لا هم لهم إلا هذه الدنيا.

ولذا جاء التحذير والتنبيه (ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا يقولوا على الله إلا الحق) وكأنهم بفعلهم هذا يقولون الباطل وينسبونه إلى الله، يقولون نحن مسلمون ويخالفون إسلامهم، يقولون نحن مؤمنون ويخالفون إيمانهم، يضلون الناس بأفعالهم ويغوونهم بمقالاتهم وما يلبسونه على الباطل من لباس الحق، وما يزينون به الشر من مظاهر الخير، باستخدام كثير من الحيل والوسائل الإعلامية والمغالطات الاصطلاحية التي ضجت بها دنيانا اليوم حتى لم يعد الناس يفرقون بين الحق والباطل إلا من رحم الله.
قال السعدي في تفسيره: "فما بالهم يقولون عليه -أي على الله سبحانه- غير الحق، اتباعًا لأهوائهم، وميلا مع مطامعهم، والحال أنهم درسوا ما فيه –درسوا هذا القرآن أو درسوا ذلك الكتاب- قال في تفسيره: أي أتوا أمرهم متعمدين، وكانوا في أمرهم مستبصرين، أضلهم الله على علم".

ويقول كذلك: "وهذا أعظم الذنب -أي المخالفة مع العلم- قال: وأشد اللوم، وأشنع العقوبة وهذا من نقص عقولهم وسفاهة رأيهم بإيثارهم الحياة الدنيا على الآخرة".

  • جزاء البعد عن الربانية:

إذا خرج الإنسان منا من ثوب الربانية، وابتعد من ظلالها، ماذا سيكون حاله؟ وما هو مثله؟ وأي صورة يرسمها القرآن له؟
اقرأ قوله تعالى: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِيَ آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ* وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَـكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ذَّلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ * سَاء مَثَلا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَأَنفُسَهُمْ كَانُواْ يَظْلِمُونَ * مَن يَهْدِ اللّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَن يُضْلِلْ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْخَاسِرُون) "الأعراف : 175-178" هذا هو التصوير، إما نور الربانية والتدين لتبصر به الحق وتميز بينه وبين الباطل، وترى به حقائق الأشياء في ضياء الإيمان وبصيرة الهدى، وإما ارتكاس وضلال وانتكاس.

تعليقات

اضافة تعليق
authimage
رمز التأكيد
A service provided by Al Bawaba