إن دوائر الاستطاعة تتسع على صعيدي القيام والعمل كلما استطاعت الأمة أن ترقى صعدا في سلم الحضارة، أما على صعيد القيم فإن التقدم المادي والتقني يهيئ الظروف المناسبة لنشر القيم وحملها، وإذا أخذنا قيمة (الحرية) باعتبارها واحدة من أخطر القيم المتفق عليها بشكل عام وجدنا أن هذه القيمة ليست حالة يتصف بها الفرد أو دعوى يطلقها، وإنما هي عملية مواكبة للإمكانات التي يحصل عليها؛ فإذا ما امتلك الواحد منا ثروة كبيرة من المفردات اللغوية وجد نفسه حرّا في اختيار الألفاظ والأساليب المتعددة التي تمكنه من نقل المعلومة التي يريد إيصالها لمخاطبيه مهما تفاوتت مستوياتهم الثقافية.
ومن توفرت في بلاده فرص كبيرة للعمل بشروط ميسرة وجد نفسه قادرا على رفض ما يمكن أن يتعرض له من ظلم أو حيف من أرباب العمل وعلى رفض ما يعده مهنة شاقة أو غير مناسبة، وهو بذلك يجد أمامه مجالات واسعة للحركة وقدرا أكبر من الخيارات المريحة، وقد عبر العرب قديما عن هذه الحالة بمثل شائع حين قالوا: (من أخفض تخيّر).
وفي المقابل فكيف يمكن لمن بحث عن فرصة للعمل سنوات عدة حتى عثر عليها أن يتصرف كما تصرف الأول، وأن يشعر بأنه قادر على أن يكون حرا يأبى الظلم ويعيش بعيدا عن القسر والقهر؟.
وأما على الصعيد العملي فإن أكثر المخترعات أعطت جوارح الإنسان نوعا من الامتداد في سلطانها وقدراتها؛ فالآلة مدت في سلطان اليد والطائرة في سلطان الرجل والهاتف في سلطان السمع و(الرائي) في سلطان العين وهكذا.. ويترتب على اتساع دوائر الاستطاعة تعاظم المسئولية ووجود إمكانات جديدة للمزيد من التقوى وبهذا الاعتبار فإن العمل لتحسين المناخ العام الذي يعيش فيه المسلم عبادة لله تعالى تهيئ الناس لمزيد من الطاعات والعبادات، وإذا ما حدث خلل في الارتباط بين الاستطاعة والتقوى فإن ذلك يعني نوعا من البغي الممقوت الذي يخل بالتوازنات العميقة بالفرد كما يستنزل المحن والعقوبات له.
وقد أشار النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى عقوبة شيء من ذلك الخلل حين ذكر الملك الكذاب في جملة من لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم، ولا ينظر إليهم؛ إذ إن السلطان ذو قدرات كبيرة فإذا لم يواكبها الصدق أحدث من الضرر ما لا تنفع معه رقابة الرقباء! ولذلك استحق العقوبة التي تتناسب مع فعله.
الطموحات أكبر من الطاقات