فضل التوكل
التوكل عبادة من أفضل عبادات القلوب، وخُلُق من أعظم أخلاق الإيمان، وهو - كما قال الإمام الغزالي - منزل من منازل الدين، ومقام من مقامات الموقنين، بل هو من معالي درجات المقرَّبين، بل هو - كما قال الإمام ابن القيم: " التوكل " نصف الدين، والنصف الآخر" الإنابة ". كما يشير إلى ذلك قوله تعالى: ( عليه توكلت وإليه أنيب ) (هود: 88).
فإن الدين عبادة واستعانة: ( إياك نعبد وإياك نستعين ) (الفاتحة: 5) والتوكل استعانة، والإنابة عبادة .
![]()
![]()
وحاجة المسلم - السالك لطريق الله - إلى التوكل حاجة شديدة، وخصوصاً في قضية " الرزق " الذي شغل عقول الناس وقلوبهم، وأورث كثيراً منهم - بل أكثرهم - تعب البدن، وهم النفس، وأرق الليل، وعناء النهار.
وربما قبل أحدهم أن يذل نفسه، ويحني رأسه، ويبذل كرامته، من أجل لقمة العيش التي يحسبها أنها في يد مخلوق مثله، إن شاء أعطاه وإن شاء منعه، فحياته وحياة أولاده في قبضته، فهو قادر - في نظره - أن يحيي ويميت كما قال " نمرود " في محاجة الخليل إبراهيم عليه السلام.
بل ربما زاد أحدهم على ذلك، فأفتى نفسه بأكل السحت، وأخذ الرشوة، واستباحة الربا، وأكل المال بالباطل، خوفاً على نفسه إذا شاخ بعد الشباب، أو مرض بعد الصحة، أو تعطل بعد العمل، أو خشية على ذرية ضعفاء من بعده. وقد قال الإمام عبد الله بن المبارك: من أكل فلساً من حرام فليس بمتوكل.
والمخرج من هذا كله هو الاعتصام بالتوكل على الله تعالى.
وأحوج ما يكون المسلم إلى التوكل إذا كان صاحب دعوة، وحامل رسالة، وطالب إصلاح، فهو يجد في التوكل ركناً ركيناً، وحصناً حصيناً، يلوذ به في مواجهة طواغيت الكفر، و " فراعنة " الظلم، و " قوارين " البغي، و " هوامين " الفساد. فهو ينتصر بالله، ويستعز بالله، ومن انتصر بالله فلن يغلب أبداً، ومن استغنى به فلن يفتقر أبداً، ومن استعزَّ بالله فلن يذل أبداً. ( إن ينصركم الله فلا غالب لكم، وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده، وعلى الله فليتوكل المؤمنون ) (آل عمران: 160)
![]()
ولا غرو أن عُنِي القرآن الكريم بالتوكل، أمراً به، وثناءً على أهله وبياناً لفضله وآثاره في الدنيا والآخرة.
أمر الله رسوله بالتوكل:
أمر الله به رسوله صلى الله عليه وسلم في تسع آيات من كتابه:
في القرآن المكي نقرأ قوله تعالى: ( ولله غيب السموات والأرض وإليه يرجع الأمر كله فاعبده وتوكل عليه ) (هود: 123).
( وتوكل على الحي الذي لا يموت وسبح بحمده ) (الفرقان: 58).
( وتوكل على العزيز الرحيم * الذي يراك حين تقوم * وتقلبك في الساجدين * إنه هو السميع العليم ) (الشعراء: 217 - 220). ( فتوكل على الله، إنك على الحق المبين ) (النمل: 79).
وفي القرآن المدني نقرأ قوله سبحانه:
( فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر، فإذا عزمت فتوكل على الله، إن الله يحب المتوكلين ) (آل عمران: 159).
( ويقولون طاعةٌ فإذا برزوا من عندك بيَّت طائفةٌ منهم غير الذي تقول، والله يكتب ما يبيِّتون، فأعرض عنهم وتوكل على الله، وكفى بالله وكيلاً ) (النساء: 81).
( وإن جنحوا للسَّلم فاجنح لها وتوكل على الله، إنه هو السميع العليم ) (الأنفال: 61).
( وتوكل على الله، وكفى بالله وكيلاً ) (الأحزاب: 3).
( ولا تطع الكافرين والمنافقين ودع أذاهم وتوكل على الله، وكفى بالله وكيلاً ) (الأحزاب: 48).
وجاء الأمر بالتوكل للرسول الكريم في موضع عاشر، ولكن بصيغة أخرى وهي قوله تعالى: ( رب المشرق والمغرب لا إله إلا هو فاتخذه وكيلاً ) (المزمل: 9).
وذلك من أوائل ما نزل من القرآن، حتى يستعين بالتوكل على الله في حمل " القول الثقيل " الذي ألقاه الله عليه، ومواجهة المكذِّبين أُولي النعمة، والصبر على ما يقولون، وهجرهم الهجر الجميل.
كما أمر صلى الله عليه وسلم بإعلان التوكل على الله تعالى في أكثر من آية، مثل قوله تعالى: ( قل هو الرحمن آمنا به وعليه توكلنا ) (الملك: 29)، وهذا في القرآن المكي، ومثل قوله تعالى: ( فإن تولوا فقل حسبي الله لا إله إلا هو، عليه توكلت، وهو رب العرش العظيم ) (التوبة: 129)، وهذا في القرآن المدني.
ومن المعلوم أن الأوامر التي خوطب بها النبي صلى الله عليه وسلم، موجهة إلى كل المكلَّفين من أمته كذلك، ما لم يقم هناك دليل على الخصوصية، كما في قوله تعالى: ( خذ من أموالهم صدقةً ) (التوبة: 103) ، ( ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة ) (النحل: 125) ، ( وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفاً من الليل، إن الحسنات يذهبن السيئات، ذلك ذكرى للذاكرين * واصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين ) (هود: 114).
فالأمر للرسول صلى الله عليه وسلم بالتوكل أمر لأمته جميعاً به.
أمر المؤمنين عامة بالتوكل:
وقد جاء الأمر بالتوكل للمؤمنين عامة على ألسنة الرسل السابقين، كما في قوله تعالى في رد الرسل على أقوامهم: ( قالت لهم رسلهم إن نحن إلا بشرٌ مثلكم ولكن الله يمَّن على من يشاء من عباده، وما كان لنا أن نأتيكم بسلطان إلا بإذن الله، وعلى الله فليتوكل المؤمنون ) (إبراهيم: 11).
وجاء الأمر كذلك على لسان رجلين من أصحاب موسى يحثان قومهما على دخول الأرض المقدسة، وعدم التهيب من الجبارين فيها: ( قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما ادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم غالبون، وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين ) (المائدة: 23).
فجعل التوكل شرطاً لثبوت الإيمان، والشرط ينتفي عند انتفاء المشروط، ولا يقال: إن هذا كان شرع من قبلنا، فإن شرع من قبلنا شرع لنا، ما لم يرد نسخ له في شرعنا، وإلا كان ذكره عبثاً، ولم يكن لنا فيه عبرة ولا أُسوة وهو خلاف ما نص عليه القران. وشرعنا لم ينسخ التوكل بل زاده توثيقاً وتأكيداً.
فقد جعله الله تعالى من الأوصاف الأساسية للمؤمنين الصادقين، وذلك في قوله سبحانه: ( إنما المؤمنون الذين إذا ذُكر الله وجلت قلوبهم وإذا تُليت عليهم آياته زادتهم إيماناً وعلى ربهم يتوكلون * الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون * أولئك هم المؤمنون حقاً) (الأنفال: 2 - 4)، كما أمر الله تعالى به في كتابه بقوله: ( قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا هو مولانا، وعلى الله فليتوكل المؤمنون ) (التوبة: 51)، وقال تعالى: ( إن ينصركم الله فلا غالب لكم، وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده، وعلى الله فليتوكل المؤمنون ) (آل عمران: 160)، ( الله لا إله إلا هو، وعلى الله فليتوكل المؤمنون ) (التغابن: 13) ، وورد الأمر كذلك في سورة المائدة الآية رقم (11) والمجادلة الآية رقم (10)
التوكل خُلق الرسل جميعاً:
وقد أكد لنا القرآن أن " التوكل " كان خلق رسل الله جميعاً، منذ نوح شيخ المرسلين إلى محمد خاتمهم، صلوات الله عليهم جميعاً.
يقول تعالى على لسان الرسل جميعاً: ( ومالنا ألا نتوكل على الله وقد هدانا سبلنا، ولنصبرن على ما آذيتمونا، وعلى الله فليتوكل المتوكلون ) (إبراهيم: 12).
وقال على لسان نوح: ( يا قوم إن كان كبُر عليكم مقامي وتذكيري بآيات الله فعلى الله توكلت فأجمعوا أمركم وشركائكم ثم لا يكن أمركم عليكم غُمةٌ ثم اقضوا إليَّ ولا تنظرون ) (يونس: 71).
وقال تعالى على لسان هود وقد خوَّفوه أن تعتريه آلهتهم بسوء! فقال متحدياً: ( إنِّي أشهد الله واشهدوا أنِّي بريء مما تشركون * من دونه، فكيدوني جميعاً ثم لا تنظرون * إنِّي توكلت على الله ربي وربكم ) (هود: 54 - 56).
وقال تعالى على لسان إبراهيم والذين معه، الذين تبرؤوا من قومهم ومما يعبدون من دون الله: ( ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير ) (الممتحنة: 4).
وقال سبحانه على لسان شعيب: ( إن أُريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت وإليه أُنيب ) (هود: 88).
وقال في شأن موسى: ( وقال موسى يا قوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين * فقالوا على الله توكلنا ربنا لا تجعنا فتنة للقوم الظالمين * ونجِّنا برحمتك من القوم الكافرين ) (يونس: 84 - 86).
القرآن يبين آثار التوكل:
وقد جعل الله تعالى الإيمان شرطاً للتوكل في قوله: ( وعلى الله فتوكلوا إن كتم مؤمنين ) (المائدة: 23) والمعلَّق على شرط ينتفي بانتفائه، فإذا انتفى التوكل انتفى الإيمان.
وقال تعالى في بيان أثر التوكل: ( ومن يتوكل على الله فهو حسبه ) (الطلاق: 3) ، فجعل نفسه تعالى جزاء للمتوكل وأنه كافيه وحسبه، وكفى بهذا فضلاً، فقد قال في السورة نفسها: ( ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ) (الطلاق: 2) ، فجعل لها جزاءً معلوماً، وجعل نفسه تعالى حسب المتوكل وكافيه.
كما أخبر تعالى أنه: ( يحب المتوكلين ) (آل عمران: 159)، وأي درجة أعلى مِن درجة مَن يحبه الله عز وجل؟ قال الغزالي: وأَعظِمْ بمقام موسوم بمحبة الله تعالى صاحبه، ومضمون كفاية الله تعالى مُلابسه، فمن الله تعالى حسبه وكافيه، ومحبه وراعيه، فقد فاز الفوز العظيم، فإن المحبوب لا يعذَّب ولا يبعد ولا يحجب.
وقال تعالى: ( أليس الله بكافٍ عبده ) (الزمر: 36) فطالب الكفاية من غيره والتارك للتوكل، هو المكذِّب بهذه الآية، كما يقول الغزالي، فإنه سؤال في معرض استنطاق بالحق.
وقال عز وجل: ( ومن يتوكل على الله فإن الله عزيز حكيم ) (الأنفال: 49) ، أي " عزيز " لا يذل مَن استجار به، ولا يضيع من لاذ بجنابه،, والتجأ إلى ذمامه وحماه، و " حكيم " لا يقصر عن تدبير من توكل على تدبيره.
وقال تعالى: ( إن الذين تدعون من دون الله عبادٌ أمثالكم ) (الأعراف: 194) ، فبين أن كل ما سوى الله تعالى عبد مسخر، حاجته مثل حاجتكم، فكيف يُتوكل عليه؟!
وقال تعالى: ( إن الذين تعبدون من دون الله لا يملكون لكم رزقاً فابتغوا عند الله الرزق واعبدوه ) (العنكبوت: 17).
وقال عز وجل: ( ولله خزائن السموات والأرض ولكن المنافقين لا يفقهون ) (المنافقون: 7).
قال الإمام الغزالي: وكل ما ذُكِر في القرآن من " التوحيد " فهو تنبيه على قطع الملاحظة عن الأغيار، والتوكل على الواحد القهَّار.
![]()
وفي الصحيحين في حديث السبعين ألفاً الذين يدخلون الجنة بغير حساب من هذه الأمة، وُصِفوا بأنهم: ( هم الذين لا يسترقون، ولا يتطيرون، ولا يكتوون، وعلى ربهم يتوكلون ).
وفي الصحيح: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: (اللهم لك أسلمت، وبك آمنت. وعليك توكلت. وإليك أنبت، وبك خاصمت. اللهم إني أعوذ بعزتك - لا إله إلا أنت - أن تضلني. أنت الحي الذي لا يموت. والجن والإنس يموتون).
وفي الترمذي عن عمر رضي الله عنه مرفوعاً: ( لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصاً، وتروح بطاناً ). ومعنى " خماصاً " أي فارغة البطون.
وفي السنن عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( من قال - يعنى إذا خرج من بيته - بسم الله. توكلت على الله. ولا حول ولا قوة إلا بالله، يقال له: هُديت ووُقيت وكُفيت. فيقول الشيطان لشيطان آخر: كيف لك برجل قد هُدي وكُفي ووُقي)؟.
وفي سنن أبى داود عن أبى مالك الأشعري مرفوعاً: ( إذا ولج الرجل بيته، فليقل: اللهم أسألك خير المولج، وخير المخرج. بسم الله ولجنا، وباسم الله خرجنا، وعلى الله ربنا توكلنا، ثم ليسلِّم على أهله ).
أسـباب المغفـرة
لابن رجب الحنبلي
بِسْــمِ الله الرّحمَـنِ الرّحِيـم
من أعظم شرائطه حضور القلب ورجاء الإجابة من الله تعالى
من أهم ما يسأل العبد ربه مغفرة ذنوبه
من أعظم أسباب المغفرة أن العبد إذا أذنب ذنبا لم يرجح مغفرته ألا من الله
ذنوب العبد وإن عظمت عفو الله أعظم منها
السبب الثاني: الاستغفار لو عظمت الذنوب
قد يكون الاستغفار مانعا من الاجابة
الاستغفار التام الموجب للمغفرة هو ما قارن عدم الإصرار
هل يجوز أن يزيد العبد فى استغفاره بقوله: وأتوب إليه؟
الزيادة على قوله: أستغفر الله وأتوب إليه
تحقيق التوحيد يوجب مغفرة الذنوب
عن أنس بن مالك رضى الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: قال الله تعالى: (يا ابن آدَمَ إِنَّكَ مَا دعوتني ورجوتني غَفَرتُ لَكَ عَلى مَا كَانَ مِنكَ وَلاَ أُبَالِى ، يَا ابنَ آدَمَ لَو بَلَغَت ذُنُوبُكَ عَنَانَ السَّماءِ ثُمَّ استغفرتني غَفَرتُ لَكَ ، يَا ابنَ آدَمَ إِنَّكَ لَو أَتَيتَنِي بِقُرَابِ الأَرضِ خَطَايَا ثُمَّ لَقِيتَنِي لا تُشرِكُ بِي شَيئاً لأَتَيتُكَ بقُرَابِها مَغفِرَةً). رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح.
هذا الحديث تفرد به الترمذي خرجه من طريق كثير بن فائدة: حدثنا سعيد بن عبيد سمعت بكر بن عبدالله المزنى يقول حدثنا أنس فذكره.
وقال: حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه انتهى.
وإسناده لا بأس به، وسعيد بن عبيد هو الهنائى. قال أبو حاتم: شيخ وذكره ابن حبان فى الثقات ومن زعم أنه غير الهنائى فقد وهم وقال الدارقطنى: تفرد به كثير بن فائد عن سعيد مرفوعا ورواه مسلم بن قتيبة عن سعيد عن عبيد فوقفه أنس.
قلت: قد روى عنه مرفوعا وموقوفا وتابعه على رفعه أبو سعيد أيضا مولى بنى هاشم فرواه عن سعيد بن عبيد مرفوعا أيضا وقد روى أيضا من حديث ثابت عن أنس مرفوعا ولكن قال أبو حاتم: لو منكر.
وقد روى أيضا عن سعيد بن عبيد مرفوعا أيضا من حديث أبى ذر خرجه الإمام أحمد من رواية شهر بن حوشب عن معد يكرب عن أبى ذر عن النبى صلى الله عليه وسلم يرويه عن ربه تعالى فذكره بمعناه.
ورواه بعضهم عن شهر عن عبدالرحمن بن غنم عن أبى ذر.
وقيل عن شهر عن أم الدرداء عن أبى الدرداء عن النبى صلى الله عليه وسلم. ولا يصح هذا القول.
وروى حديث ابن عباس. خرجه الطبرانى من رواية قيس بن الربيع عن حبيب بن أبى ثابت عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن النبى صلى الله عليه وسلم.
وروى بعضه من وجوه آخر: فخرج مسلم فى صحيحه من حديث معزوز بن سويد عن أبى ذر عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: يقول الله تعالى: (مَن تَقَرَّبَ مِنّى شِبراً تقرَّبتُ منهُ ذِرَاعاً، وََمن تَقَرَّبَ مِنّى ذِرَاعاً تَقَرَّبتُ مِنهُ بَاعاً، وَمَن أَتَانِى يمشِى أَتَيتُهُ هَروَلةً، وَمَن لقِيِنى بِقرابِ الأَرضِ خَطِيَئةً لاَ يُشرِكُ بِى شَيئاً لَقِيتُهً بِقُرَاِبهَا مَغفِرَةً).
وخرج الإمام أحمد من رواية أخشن السدوسى قال: دخلت على أنس فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (والذى نفسى بيده لو أخطأتم حتى تملأ خطاياكم ما بين السماء والأرض ثم استغفرتم الله لغفر لكم).
وقد تضمن حديث أنس المبدوء بذكره أن هذه الأسباب الثلاثة يحصل بها المغفرة.
أحدهم: الدعاء مع الرجاء فإن الدعاء مأمور به وموعود عليه بالإجابة كما قال تعالى: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادعُونِى أَستَجِب لَكُم} (سورة غافر: آية 60) وفى السنن الأربعة عن النعمان بن بشير عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: (إن الدعاء هو العبادة) ثم تلا هذه الآية.
وفى حديث آخر خرجه الطبرانى مرفوعا: من أعطى الدعاء أعطى الإجابة لأن الله تعالى يقول: {أُدعُونِى أَستَجِب لَكُم}(سورة غافر: آية 60) وفى حديث آخر: (ما كان الله ليفتح على عبد باب الدعاء ويغلق عنه باب الإجابة).
لكن الدعاء سبب مقتض للاجابة مع استكمال شرائطه وانتقاء موانعه، وقد تتخلف الإجابة لانتقاء بعض شروطه أو وجود بعض موانعه وآدابه وقد سبق ذكر بعض شرائطه وموانعه وآدابه فى شرح الحديث العاشر.
كما خرجه الترمذى من حديث أبى هريرة عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: (ادعو الله و أنتم موقنون بالإجابة ، وإن الله تعالى لا يقبل دعاء من قلب غافل لاه).
وفى المسند عن عبدالله بن عمر عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: (إن هذه القلوب أوعية فبعضها أوعى من بعض، فإذا سألتم الله فاسألوه وأنتم موقنون بالإجابة، فإن الله لا يستجيب لعبد دعاء من ظهر قلب غافل).
ولهذا نهى العبد أن يقول فى دعائه: (اللهم اغفر لى إن شئت، ولكن ليعزم المسألة، فإن الله لا مكره له).
نهى أن يستعجل ويترك الدعاء لاستبطاء الإجابة وجعل ذلك من موانع الإجابة حتى لا يقطع العبد رجاءه من إجابة دعاءه.
ولو طالت المدة فإنه سبحانه يحب الملحين فى الدعاء وجاء فى الآثار (إن العبد إذا دعا ربه وهو يحبه قال يا جبريل لا تعجل بقضاء حاجة عبدى فإنى أحب أن اسمع صوته).
قال تعالى: {وَادعُوهُ خَوفَاً وَطَمَعَاً إِنَّ رَحمَتَ الله قَرِيبٌ مِّنَ اٌلمُحسِنِينَ} (سورة الأعراف: آية 56) فما دام العبد يلح فى الدعاء، ويطمع فى الإجابة غير قاطع الرجاء فهو قريب من الإجابة، ومن أدمن قرع الباب يوشك أن يفتح له.
وفى صحيح الحاكم عن أنس مرفوعا: (لا تعجزوا عن الدعاء فإنه لن يهلك مع الدعاء أحد).
ومن أهم ما يسأل العبد ربه مغفرة ذنوبه وما يستلزم ذلك كالنجاة من النار ودخوله الجنة ، وقد قال النبى صلى الله عليه وسلم: (حولها ندندن) يعنى حول سؤال الجنة والنجاة من النار.
وقال أبو مسلم الخولانى: (ما عرضت لى دعوة فذكرت النار إلا صرفتها إلى الإستعاذة منها).
ومن رحمة الله تعالى بعبده أن العبد يدعوه بحاجة من الدنيا فيصرفها عنه يعوضه خيرا منها: - إما أن يصرف عنه بذلك سوءا.
- أو يدخرها له فى الآخرة.
- أو يغفر له بها ذنبا.
كما فى المسند والترمذى من حديث جابر عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: (ما من أحد يدعو بدعاء إلا آتاه الله ما سأل أو كف عنه من السوء مثله ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم).
وفى المسند وصحيح الحاكم عن أبى سعيد عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: (ما من مسلم يدعو بدعوة ليس له فيها إثم أو قطيعة رحم إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث: - إما أن يعجل له دعوته.
- وإما أن يدخرها له فى الآخرة.
- وإما أن يكشف عنه من السوء مثلها.
قالوا: إذا نكثر؟ قال: الله أكثر).
وخرجه الطبرانى وعنده: (أو يغفر له بها ذنبا قد سلف).
بدل قوله: (أو يكشف عنه من السوء مثلها).
وخرج الترمذى من حديث عبادة مرفوعا نحو حديث أبى سعيد أيضا.
وبكل حال فالإلحاح بالدعاء بالمغفرة مع رجاء الله تعالى موجب للمغفرة.
والله تعالى يقول: (أَنَا عِندَ ظَنِّ عَبدِى بِى فَليَظُنَّ بِى مَا شَاءَ).
وفى رواية (فلا تظنوا بالله إلا خيرا).
ويروى من حديث سعيد بن جبير عن ابن عمر مرفوعا: (يأتى الله بالمؤمن يوم القيامة فيقربه حتى يجعله فى حجابه من جميع الخلق فيقول: لم أقرأ فيعرفه ذنبا ذنبا أتعرف؟ أتعرف؟ فيقول: نعم نعم، ثم يلتفت العبد يمنة ويسرة. فيقول الله تعالى: (لا بأس عليك يا عبدى أنت فى سترى من جميع خلقى، ليس بينى وبينك أحد يطلع على ذنوبك غيرى غفرتها لك بحرف واحد من جميع ما أتيتنى به.
قال: ما هو يا رب؟ قال: كنت لا ترجو العفو من أحد غيرى).
فمن أعظم أسباب المغفرة أن العبد إذا أذنب ذنبا لم يرج مغفرته من غير ربه ويعلم أنه لا يغفر الذنوب ويأخذ بها غيره.
وقد سبق ذكر ذلك فى شرح حديث أبى ذر: (يا عبادى إنى حرمت الظلم على نفسى).
وقوله: (إنك ما دعوتنى ورجوتنى غفرت لك ما كان منك ولا أبالى).
يعنى على كثرة ذنوبك وخطاياك ولا يعاظمنى ذلك ولا استكثره.
وفى الصحيح عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: (إذا دعا أحد فليعظم الرغبة، فإن الله لا يتعاظمه شئ).
فذنوب العبد وإن عظمت فإن عفو الله ومغفرته أعظم منها وأعظم، فهى صغيرة فى جنب عفو الله ومغفرته.
وفى صحيح الحاكم عن جابر: (أن رجلا جاء إلى النبى صلى الله عليه وسلم وهو يقول: واذنوباه، مرتين أو ثلاثا. فقال له النبى صلى الله عليه وسلم: قل: (اللهم مغفرتك أوسع من ذنوبى، ورحمتك أرجى عندى من عملى) ، فقالها ثم قال له: (عد) ، فعاد، ثم قال له: (عد)، فعاد، فقال له: (قم قد غفر الله لك).
وفى هذا المعنى يقول بعضهم: يا كثير الذنب عفو الله من ذنبك أكبر ذنبك أعظم الأشياء فى جانب عفو الله تغفر وقال آخر:
يَا رَبِّ إِن عَظُمَت ذُنُوبِى كَثرَةً فَلَقَد عَلِمتُ بِأَنَّ عَفوَكَ أَعظَمُ
مَا لِى إِلَيكَ وَسِيلَةٌ إِلاَّ الرَّجَا وَجَمِيلُ عَفوِكَ ثُمَّ إِنِّى مُسلمُ
السبب الثانى للمغفرة: الاستغفار ولو عظمت الذنوب وبلغت العنان وهو السحاب. وقيل ما انتهى إليه البصر منها.
وفى الرواية الأخرى: (لو أخطأتم حتى بلغت خطاياكم ما بين السماء والأرض ثم استغفرتم الله لغفر لكم).
والاستغفار: طلب المغفرة، والمغفرة هى وقاية شر الذنوب مع سرها وقد كثر فى القرآن ذكر الاستغفار.
فتارة يؤمر به.
كقوله تعالى: {وَاستَغفِرُوا الله إِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمُ} (سورة المزمل: آية 20) وقوله: {وَأَنِ استَغفِرُوا رَبَّكُم ثُمَّ تُوبُوا إِلَيهِ} (سورة هود: آية 3) وتارة يمدح أهله كقوله تعالى: {وَاٌلمُستَغفِرِينَ بِالأَسحَارِ} (سورة آل عمران: آية 17) وقوله تعالى: {وَاٌلَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَو ظَلَمُوا أَنفُسَهُم ذَكَرُوا اللهَ فَاستَغفَرُوا لِذُنُوبِهِم وَمَن يَغفِرُ الذُّنُوب إِلاَّ اللهُ} (سورة آل عمران: آية 135) وتارة يذكر أن الله يغفر لمن استغفره كقوله تعالى: {وَمَن يَعمَل سُوءًا أَو يَظلِم نَفسَهُ ثُمَّ يَستغفِرِ اللهَ يَجِدِ اللهَ غَفُوراً رَّحِيماً} (سورة النساء: آية 110).
وكثيرا ما يقرن الإستغفار بذكر التوبة فيكون الاستغفار حينئذ عبارة عن طلب المغفرة باللسان.
والتوبة: عبارة عن الإقلاع عن الذنوب بالقلوب والجوارح وتارة يفرد الإستغفار ويرتب عليه المغفرة كما ذكر الحديث وما أشبهه.
فلو قيل إنه أريد به الإستغفار المقترن بالتوبة.
وقيل إن نصوص الإستغفار كلها المفردة مطلقة تقيد بما ذكر فى آية آل عمران من عدم الإصرار.
فإن الله وعد فيها بالمغفرة لمن استغفر من ذنوبه ولم يصر على فعله فتحمل النصوص المطلقة فى الاستغفار كلها على هذا القيد.
ومجرد قول القائل: (اللهم اغفر لى) طلب منه للمغفرة ودعائها فيكون حكمه حكم سائر الدعاء فإن شاء الله أجابه وغفر لصاحبه، ولا سيما إذا خرج عن قلب منكسر بالذنوب أو صادف ساعة من ساعات الإجابة كالأسحار وأدبار الصلوات.
ويروى عن لقمان أنه قال لابنه: (يا بنى عود لسانك اللهم اغفر لى. فإن الله ساعات لا يرد فيها سائلا).
وقال الحسن: (أكثروا من الاستغفار فى بيوتكم، وعلى موائدكم، وفى طرقكم، وفى أسواقكم، وفى مجالسكم، وأينما كنتم فإنكم ما تدرون متى تنزل المغفرة).
وخرج ابن أبى الدنيا فى كتاب (حسن الظن) من حديث أبى هريرة مرفوعا: (بينما رجل مستلق إذ نظر إلى السماء وإلى النجوم فقال: إنى لأعلم أن لك ربا خالقا، اللهم اغفر لى فغفر له).
وعن مورق قال: (كان رجل يعمل السيئات فخرج إلى البرية فجمع تراب فاضطجع مستلقيا عليه، فقال: رب اغفر لى ذنوبى، فقال: (إن هذا ليعرف أن له رب يغفر ويعذب فغفر له).
وعن مغيث بن سمى قال: (بينما رجل خبيث فتذكر يوما اللهم غفرانك اللهم غفرانك ثم مات فغفر له).
ويشهد لهذا ما فى الصحيحين عن أبى هريرة عن النبى صلى الله عليه وسلم: (إن عبدا أذنب ذنبا فقال: رب أذنبت ذنبا فاغفر لى، قال الله تعالى: علم عبدى أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ به، غفرت لعبدى. ثم مكث ما شاء الله ثم أذنب ذنبا آخر فذكر مثل الأول مرتين أخريين).
وفى رواية لمسلم أنه قال فى الثالثة: (قد غفرت لعبدى فليعمل ما شاء).
والمعنى: ما دام على هذا الحال كلما أذنب استغفر والظاهر أن مراده الاستغفار المقرون بعدم الإصرار.
ولهذا فى حديث أبى بكر الصديق عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: (ما أصر من استغفر وإن عاد فى اليوم سبعين مرة) خرجه أبو داود والترمذى.
والإستغفار باللسان مع إصرار القلب على الذنب فهو دعاء مجرد إن شاء الله أجابه وإن شاء رده، وقد يكون الإصرار مانعا من الإجابة.
وفى المسند من حديث عبدالله بن عمر مرفوعا: (ويل للذين يصرون على ما فعلوا وهم يعلمون).
وخرج ابن أبى الدنيا من حديث ابن عباس رضى الله عنهما مرفوعا: (التائب من الذنب كمن لا ذنب له، والمستغفر من ذنب وهو مقيم عليه كالمستهزئ بربه).
ورفعه منكر ولعله موقوف.
قال الضحاك: (ثلاثة لا يستجاب لهم: فذكر منهم: رجل مقيما على امرأة زنا كلما قضى منها شهوته قال: رب اغفر لى ما أصبت من فلانة، فيقول الرب: تحول عنها وأغفر لك، وأما ما دمت عليها مقيما فإنى لا اغفر لك، ورجل عنده مال قوم يرى أهله فيقول: رب اغفر لى ما آكل من فلان فيقول تعالى: (رد إليهم ما لهم وأغفر لك، وأما ما لم ترد إليهم فلا أغفر لك).
وقول القائل: (أستغفر الله). معناه: اطلب مغفرته فهو كقوله: (اللهم اغفر لى).
فالإستغفار التام الموجب للمعجزه هو ما قارن عدم الإصرار كما مدح الله تعالى أهله ووعدهم بالمغفرة.
قال بعض العارفين: (من لم يكن ثمرة استغفاره تصحيح توبته فهو كاذب فى استغفاره).
وكان بعضهم يقول: (استغفارنا هذا يحتاج إلى استغفار كثير).
وفى ذلك يقول بعضهم:
استَغفِرُ اللهَ مِن اَستَغفِرُ اللهَ مِن لَفظَةٍ بَدَرَت خالَفتُ مَعناها
فأفضل الاستغفار ما قرن به ترك الإصرار وهو حينئذ يؤمل توبة نصوحا وإن قال بلسانه: (استغفر الله) وهو غير مقلع بقلبه فهو داع لله بالمغفرة كما يقول: (اللهم اغفر لى) وهو حسن وقد يرجى له الاجابة.
وأما من تاب توبة الكذابين فمراده أنه ليس بتوبة كما يعتقده بعض الناس وهذا حق. فإن التوبة لا تكون مع الإصرار.
وإن قال: استغفر الله وأتوب إليه فله حالتان: إحداها: أن يكون مصرا بقلبه على المعصية فهو كاذب فى قوله (وأتوب إليه) لأنه غير تائب فلا يجوز له أن يخبر عن نفسه بأنه تائب وهو غير تائب.
والثانية: أن يكون مقلعا عن المعصية بقلبه.
فاختلف الناس فى جواز قوله وأتوب إليه: فكرهه طائفة من السلف وهو قول أصحاب أبى حنيفة. حكاه عنهم الطحاوى.
وقال الربيع بن خثيم: (يكون قوله (وأتوب إليه) كذبة وذنبا ولكن ليقل: (اللهم إنى أستغفر فتب على) وهذا قد يحمل على من لم يقلع بقلبه وهو بحالة أشبه.
وكان محمد بن سوقه يقول فى استغفاره: (أستغفر الله العظيم الذى لا إله إلا هو الحى القيوم، وأسأله توبة نصوحا).
وروى عن حذيفة أنه قال: (يحسب من الكذب أن يقول أستغفر الله ثم يعود).
وسمع مطرف رجلا يقول: (أستغفر الله وأتوب إليه) ، فتغيظ عليه وقال: (لعلك لا تفعل).
وهذا ظاهره يدل على أنه إنما كره أن يقول (وأتوب إليه) لأن التوبة النصوح أن لا يعود إلى الذنب أبدا ، فمتى عاد كان كاذبا فى قوله (وأتوب إليه).
وكذلك سئل محمد بن كعب القرظى عمن عاهد الله أن لا يعود إلى معصية أبدا فقال: (من أعظم منه إثما؟ يتألى على الله أن لا ينفذ قضاءه). ورجح قوله فى هذا أبو الفرج ابن الجوزى.
وروى عن سفيان نحو ذلك، وجمهور العلماء على جواز أن يقول التائب (أتوب إلى الله) وأن يعاهد العبد ربه على أن لا يعود إلى المعصية، فإن العزم على ذلك واجب فى الحال.
لهذا قال: (ما أصر من استغفر ولو عاد فى اليوم سبعين مرة).
وقال فى المعاود للذنب: (قد غفرت لعبدى فليعمل ما شاء).
وفى حديث كفارة المجلس: (أستغفرك اللهم، وأتوب إليك).
وقطع النبي صلى الله عليه وسلم يدى سارق ثم قال له: (استغفر الله وتب إليه. فقال: أستغفر الله وأتوب إليه فقال: اللهم تب عليه) أخرجه أبو داود.
واستحب جماعة من السلف الزيادة على قوله: (أستغفر الله وأتوب إليه).
فروى عن عمر رضى الله عنه أنه سمع رجلا يقول: (أستغفر الله وأتوب إليه) فقال له: (قل يا حميق. قل توبة من لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا).
وسئل الأوزاعى عن الإستغفار: يقول (أستغفر الله العظيم الذى لا إله إلا هو الحى وأتوب إليه) فقال: (إن هذا لحسن ولكن يقول: (اغفر لى حتى يتم الإستغفار).
وأفضل أنواع الإستغفار: - أن يبدأ العبد بالثناء على ربه.
- ثم يثنى بالإعتراف بذنبه.
- ثم يسأل الله المغفرة.
كما فى حديث شداد بن أوس عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: (سيد الإستغفار أن يقول العبد: (اللهم أنت ربى لا إله إلا أنت خلقتنى وأنا عبدك وأنا على عهدك، ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت أبوء لك بنعمتك على وأبوء بذنبى فاغفر لى فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت) خرجه البخارى وفى الصحيحين عن عبدالله بن عمرو أن أبا بكر الصديق قال: يا رسول الله علمنى دعاء أدعو به فى صلاتى قال: قل (اللهم إنى ظلمت نفسى ظلما كثيرا، ولا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لى مغفرة من عندك وارحمنى إنك أنت الغفور الرحيم).
ومن أنواع الاستغفار أن يقول العبد: (أستغفر الله العظيم الذى لا إله إلا هو الحى القيوم وأتوب إليه).
وقد روى عن النبى صلى الله عليه وسلم: (أن من قاله غفر له وإن كان فر من الزحف) خرجه أبو داود والترمذى وفى كتاب عمل اليوم والليلة للنسائى عن خباب بن الأرت قال: قلت يا رسول الله كيف نستغفر؟ قال: قل (اللهم اغفر لنا وارحمنا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم).
وفيه عن أبى هريرة رضى الله عنه قال: (ما رأيت أحدا أكثر أن يقول: (أستغفر الله وأتوب إليه) من رسول الله صلى الله عليه وسلم) وفى الأربعة عن ابن عمر قال: (إن كنا لنعد لرسول الله صلى الله عليه وسلم فى المجلس الواحد مائة مرة يقول: (رب اغفر لى وتب على إنك أنت التواب الغفور)
وفى صحيح البخارى عن أبى هريرة عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: (والله إنى لأستغفر الله وأتوب إليه فى اليوم أكثر من سبعين مرة).
وفى صحيح مسلم عن الأغر المزنى عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: (إنه ليغان على قلبى وإنى لأستغفر الله فى اليوم مائة مرة) وفى المسند عن حذيفة قال: قلت يا رسول الله إنى ذرب اللسان وإن عامة ذلك على أهلى فقال: (أين أنت من الإستغفار؟ إنى لأستغفر الله فى اليوم والليلة مائة مرة).
وفى سنن أبى داود عن ابن عباس عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: (من أكثر من الإستغفار جعل الله له من كل هم فرجا، ومن كل ضيق مخرجا، ورزقه من حيث لا يحتسب).
قال أبو هريرة: (إنى لأستغفر الله وأتوب إليه كل يوم ألف مرة وذلك على قدر ديتى) ، وقالت عائشة رضى الله عنها: (طوبى لمن وجد فى صحيفته استغفار كثيرا).
قال أبو المنهال: (ما جاور عبد فى قبره من جار أحب إليه من استغفار كثير).
دواء الذنوب الاستغفار
وبالجملة فدواء الذنوب الإستغفار.
وروينا من حديث أبى ذر مرفوعا: (إن لكل داء دواء، وإن دواء الذنوب الإستغفار).
قال قتادة: (إن هذا القرأن يدلكم على دائكم ودوائكم فأما داؤكم فالذنوب، وأما دواؤكم فالإستغفار) وقال بعضهم: (إنما معول المذنبين البكاء والإستغفار فمن أهمته ذنوبه أكثر لها من الإستغفار).
قال رياح القيسى: (لى نيف وأربعون ذنبا قد استغفرت الله لكل ذنب مائة ألف مرة).
وحاسب بعضهم نفسه من وقت بلوغه فإذا زلاته لا تجاوز ستا وثلاثين فاستغفر الله لكل زلة مائة ألف مرة، وصلى لكل زلة ألف ركعة، وختم فى كل ركعة منها ختمة. قال: (ومع ذلك فإنى غير آمن من سطوة ربى أن يأخذنى بها فأنا على خطر من قبول التوبة).
ومن زاد اهتمامه بذنوبه فربما تعلق بأذيال من قلت ذنوبه فالتمس منهم الاستغفار وكان عمر يطلب من الصبيان الإستغفار ويقول: (إنكم لم تذنبوا).
وكان أبو هريرة يقول لغلمان الكتاب قولوا: (اللهم اغفر لأبى هريرة). فيؤمن على دعائهم.
قال بكر المزنى: (لو كان رجل يطوف على الأبواب كما يطوف المسكين يقول: استغفروا لى لكان قبوله أن يفعل).
ومن كثرت ذنوبه وسيئاته حتى فاقت العدد والإحصاء فليستغفر الله مما علم. فإن الله قد كتب كل شئ وأحصاه كما قال تعالى: {يَومَ يَبعَثُهُمُ اللهُ جَمِيعاً فَيُنِبّئُهُم بِماَ عَمِلُوا أَحصَاهُ اللهُ وَنَسُوهُ} (سورة المجادلة: آية 6) وفى حديث شداد بن أوس عن النبى صلى الله عليه وسلم: (أسألك من خير ما تعلم وأعوذ بك من شر ما تعلم وأستغفرك لما تعلم إنك أنت علام الغيوب).
وفى مثل هذا يقول بعضهم:
استَغفِرُ الله مِمَّا يَعلَمُ اللهُ إِنَّ الشَّقِىَّ لَمَن لاَ يَرحَمُ اللهُ
مَا أَحلَمَ اللهَ عَمَّن لاَ يُرَاقِبُهُ كُلٌّ مُسِىءٌ ولَكَنِ يَحلُمُ اللهُ
فاستَغفِر اللهَ مِمَّا كَانَ مِن زَلَلٍ طُوَبى لِمن كَفَّ عَمَّا يَكرَهُ اللهُ
طُوبَى لِمَن حَسُنَت سَرِيَرَتُهُ طَوبَى لِمَن يَنتَهِى عَمَّا نَهَى اللهُ
السبب الثالث من أسباب المغفرة: التوحيد وهو السبب الأعظم فمن فقده فقد المغفرة، ومن جاء به فقد أتى بأعظم أسباب المغفرة.
قال تعالى: {إِنَّ اللهَ لاَ يَغفِرُ أَن يُشرَكَ بِهِ وَيغفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ} (سورة النساء: آية 48) فمن جاء مع التوحيد بقراب الأرض، وهو ملؤها أو ما يقارب ملأها خطايا لقيه الله بقرابها مغفرة، لكن هذا مع مشيئة الله عز وجل، فإن شاء غفر له، وإن شاء أخذه بذنوبه ثم كان عاقبته أن لا يخلد فى النار بل يخرج منها ثم يدخل الجنة.
قال بعضهم: (الموحد لا يلقى فى النار كما يلقى الكفار، ولا يبقى فيها كما يبقى الكفار).
فإن كمل توحيد العبد وإخلاصه لله فيه وقام بشروطه كلها بقلبه ولسانه وجوارحه، أو بقلبه ولسانه عند الموت أوجب ذلك مغفرة ما سلف من الذنوب كلها ومنعه من دخول النار بالكلية.
فمن تحقق بكلمة التوحيد قلبه أخرجت منه كل ما سوى الله محبة وتعظيما وإجلالا ومهابة وخشية ورجاء وتوكلا.
وحينئذ تحرق ذنوبه وخطاياه كلها ولو كانت مثل زبد البحر وربما قلبتها حسنات كما سبق ذكره فى تبديل السيئات حسنات فإن هذا التوحيد هو الإكسير الأعظم فلو وضع منه ذرة على جبال الذنوب والخطايا لقلبها حسنات.
كما فى المسند وغيره عن أم هانى عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: (لا إله إلا الله لا تترك ذنبا ولا يسبقها عمل).
وفى المسند عن شداد بن أوس وعبادة بن الصامت أن النبى صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه: (ارفعوا أيديكم وقولوا: لا إله إلا الله) ، فرفعنا أيدينا ساعة، ثم وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده ثم قال: (الحمد لله اللهم بعثتنى بهذه الكلمة وأمرتنى بها ووعدتنى الجنة عليها وإنك لا تخلف الميعاد) ، ثم قال: (أبشروا ،فان الله قد غفر لكم) قال الشبلى: (من ركن إلى الدنيا أحرقته بنارها فصار رمادا تذروه الرياح ومن ركن إلى الآخرة أحرقته بنورها فصار ذهبا أحمر ينتفع به، ومن ركن إلى الله أحرقه بنور التوحيد فصار جوهرا لا قيمة له).
إذا علقت نار المحبة بالقلب أحرقت منه كل شئ ما سوى الرب عز وجل فطهر القلب حينئذ من الأغبار وصلح غرسا للتوحيد.
(ما وسعنى سمائى ولا أرضى، ولكن وسعنى قلب عبدى المؤمن)
غَصَنِى الشَّوقُ إِلَيهِم بِرِيِقى وَاحَرِيقى فِى الهَوَى وَاحرِيقِى
قَد رَمَانِى الحُبُّ فِى لُجِّ بَحرٍ فَخُذُوا بِاللهِ كَفَّ الغَرِيقِ
حَلَّ عِندِى حُبُّكُم فِى شَغَلفِى حَلَّ مِنّى كُلَّ عَهدٍ وَثيِق
الحب في الله تعالى | |||||
الحمد لله ؛ خلق عباده فأتقن خلقهم ، وصورهم فأحسن صورهم {يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ بربك الكريم , الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ, فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاء رَكَّبَكَ }الانفطار8 {وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ }التغابن3 أحمده على نعمه المتواترة ، وأشكره على إحسانه المتتابع ، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له ؛ دلل بخلقه على ربوبيته وألوهيته ، وبرهن بتقديره وحكمته على أسمائه وصفاته ، لا رب يعبد بحق غيره ، ولا إله ينفع سواه {وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاء إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ, وَتَبَارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَعِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ }الزخرف85 وأشهد أن محمدا عبد الله ورسوله ، وصفيه وخليله ؛ ما كان في قلبه غير الله ، ولا اتخذ خليلا سواه ، قال جندب- رضي الله عنه- قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يموت بخمس وهو يقول:( إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل فإن الله تعالى قد اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا ولو كنت متخذا من أمتي خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا ) صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه ؛ ألف الله تعالى بين قلوبهم ، فاجتمعوا بعد الفرقة ، وتحابوا بعد البغضاء، واتفقوا بعد الاختلاف {وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَّا أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَـكِنَّ اللّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ }الأنفال63 والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين0 أما بعد : فاتقوا الله تعالى وأطيعوه ؛ واشكروه على نعمه ولا تكفروه ، فما من نعمة إلا وهو مانحها ، ولا من عطية إلا وهو واهبها ، خلقكم ورزقكم ، وهداكم وكفاكم ، ومن كل خير أعطاكم {وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللّهِ}النحل53 0 أيها الناس : عبادة الله تعالى سبب لمرضاته ، وطريق يوصل إلى جناته ، والعبادات منها الأقوال ، ومنها الأفعال ، ومنها أعمال القلوب ، وهي أعمال يقوم بها القلب ولا تحتاج إلى مؤونة قول ولا عمل جوارح ، غير أنه لا يقدر على القيام بها إلا القلب السليم الذي سلم لله تعالى ، واستسلم لأمره ، وخضع لحكمه ، وطوع هواه لشريعته0 وكم من عظيم في الناس ، قوي الجاه ، كثير المال ، مهاب الجناب ؛ يحمل قلبا ضعيفا مريضا ، تستخفه السراء ، ولا يثبت عند الضراء {إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً ، وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً }المعارج21 وكم من ضعيف مستضعف عند الناس يحمل قلبا حيا ، فاض بالإيمان واليقين ، لو اجتمع أهل الأرض كلهم على أن يزحزحوه عن يقينه ما زحزحوه0 ومن أعظم ما يكون سببا في صلاح القلب واستقامته إخلاص العمل لله تعالى ؛ فإن القلب محل الإخلاص أو الرياء، وحامل القلب السليم إن أحب أحب لله تعالى ، وإن أبغض أبغض له سبحانه ، وإن والى والى فيه ، وإن عادى عادى فيه، وبذلك يستكمل الإيمان0 إن الحب في الله تعالى ، والبغض فيه ؛ دليل على صلاح القلب واستقامته ، وسلامته من حظوظ الدنيا وشهواتها ، به تنال حلاوة الإيمان ، ويستظل صاحبه حين لا ظل إلا من أظله الله تعالى ، ويبلغ العبد بحبه لأخيه في الله تعالى منزلة يغبطه النبيون والشهداء عليها ، وإذا أحب الرجل قوما لا يدرك فضلهم بعمله فهو مع من أحب ، كل ذلك جاءت به الأخبار عن الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم0 ومن كمال محبته لأخيه أن يتمنى له من الخير ما يتمنى لنفسه، فلا يحسده على ما آتاه الله تعالى ، ولا يزدريه أو يترفع عليه إن كان أقل منه ؛ كما روى أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :(لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه ) متفق عليه وفي لفظ لابن حبان قال -عليه الصلاة والسلام- :( لا يبلغ عبد حقيقة الإيمان حتى يحب للناس ما يحب لنفسه من الخير)0 والمراد: أنه لا يكون كامل الإيمان إلا بمحبته أن يحصل لأخيه نظير ما يحصل له من الخير في أمور الدين أو في المباحات من أمور الدنيا0 وقد ذكر العلماء أن من الإيمان أيضا أن يبغض لأخيه ما يبغض لنفسه من الشر ولم يذكره في الحديث ؛ لأن حب الشيء مستلزم لبغض نقيضه ، ومن رأى تحاسد الأقران ، وتهاجر الإخوان ، وتقطع القرابة ؛ علم أن بين أكثر الناس وبين هذا الحديث مفازا عظيما ، وسبب ذلك الدنيا التي عظمت في النفوس فأفسدت القلوب ، وقدم كثير من الناس شهواتهم على ما يرضي الله تعالى ، وإلا فإن محبة المسلم لأخيه المسلم في الله تعالى هي من إكرام العبد لربه ، ويستوجب بذلك ما يستوجب من الفضل العظيم ، والأجر الكثير ، ومن أكرم الكريم أكرمه الكريم أكثر من كرمه ، والله تعالى هو الجواد الكريم ، فمن ذا الذي يكرم ربه عز وجل بإخلاص المحبة له وفيه ؟! روى أبو أمامة رضي الله عنه فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:( ما أحب عبد عبدا لله عز وجل إلا أكرم ربه عز وجل ) رواه الإمام أحمد بإسناد حسن فهل يفرط في إكرام الله تعالى من يريد كرامته من عباده ؟! وكرامته سبحانه جنته ورضاه عن عباده ، كيف وفضله علينا لا يعد ، وعطاؤه لا يحصى!! إنه حب في الله تعالى لا تكدره أدران الدنيا ، خالص لله تعالى لا حظ فيه لمخلوق ، صادق من القلب لا يتأثر بتقلبات الدنيا ، ولا يتبدل فيه الود بتبدل أحوال صاحبه من الفقر إلى الغنى ، أو بتبدل من يحب من الجاه إلى فقده0 وأصحاب هذه المحبة الخالصة الصادقة هم الزينة والأنس في الرخاء وهم العون والعدة بعد الله تعالى في الشدائد ، أن رأوا من أخيهم حسنا أظهروه ، وإن وقعوا على سيئ ستروه ، يحفظون له في غيبته ما يبدون له في حضرته ، لا يختلف ما في قلوبهم عما تلقيه ألسنتهم في ذكر صاحبهم ، إن جلسوا مع من يحبون احتسبوا مجلسهم لله تعالى ، وإن تزاوروا تزاوروا لله تعالى ، وإن احتاج صاحبهم معونة بذلوها له بنفس رضية ، ابتغاء مرضاة الله تعالى ، عن أبي إدريس الخولاني رحمه الله تعالى قال :(دخلت مسجد دمشق فإذا فتى شاب براق الثنايا وإذا الناس معه إذا اختلفوا في شيء أسندوا إليه وصدروا عن قوله فسألت عنه فقيل هذا معاذ بن جبل فلما كان الغد هجرت فوجدته قد سبقني بالتهجير ووجدته يصلي قال فانتظرته حتى قضى صلاته ثم جئته من قبل وجهه فسلمت عليه ثم قلت والله إني لأحبك لله فقال آلله فقلت آلله فقال آلله فقلت آلله فقال آلله فقلت آلله قال فأخذ بحبوة ردائي فجبذني إليه وقال أبشر فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول قال الله تبارك وتعالى وجبت محبتي للمتحابين في والمتجالسين في والمتزاورين في والمتباذلين في) رواه الإمامان مالك وأحمد بإسناد صحيح وفي لفظ لأحمد قال أبو إدريس -رحمه الله تعالى- ( فلما كان الغد دخلت فإذا معاذ يصلي إلى سارية قال فصليت عنده فلما انصرف جلست بيني وبينه السارية ثم احتبيت فلبثت ساعة لا أكلمه ولا يكلمني قال ثم قلت والله إني لأحبك لغير دنيا أرجوها أصيبها منك ، ولا قرابة بيني وبينك قال فلأي شيء قال قلت لله تبارك وتعالى قال فنثر حبوتي ثم قال فأبشر إن كنت صادقا فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول المتحابون في الله تبارك وتعالى في ظل العرش يوم لا ظل إلا ظله يغبطهم بمكانهم النبيون والشهداء قال ثم خرجت فألقى عبادة بن الصامت قال فحدثته بالذي حدثني معاذ فقال عبادة سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يروي عن ربه تبارك وتعالى أنه قال حقت محبتي على المتزاورين في وحقت محبتي على المتباذلين في على منابر من نور يغبطهم بمكانهم النبيون والصديقون) والزيارة في الله تعالى إنما هي ثمرة من ثمرات المحبة فيه ؛ ولذلك استحق صاحبها محبة الله سبحانه ، ويعظم أثرها إن أنشأ المحب سفرا لأجلها ، فماذا سيكون في قلب أخيه له إن علم أنه ما شد رحله ، ولا أنشأ سفره ، ولا أكل ظهره ولا أتعب نفسه إلا للقياه وزيارته ، والسلام عليه ومجالسته في الله تعالى ، فما أعظمها من زيارة ، وما أعلى منزلة صاحبها ، وما أعظمه من دين يربي أتباعه على مكارم الأخلاق ، والإخلاص لله تعالى في كل شؤونهم وأحوالهم ، روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي صلى الله عليه وسلم :( أن رجلا زار أخا له في قرية أخرى فأرصد الله له على مدرجته ملكا فلما أتى عليه قال: أين تريد؟ قال: أريد أخا لي في هذه القرية ، قال: هل لك عليه من نعمة تربها؟ قال: لا غير أنى أحببته في الله عز وجل ، قال: فإني رسول الله إليك بأن الله قد أحبك كما أحببته فيه) وينال المحب في الله تعالى من محبة الله عز وجل بقدر ما يبذل لأخيه من المحبة ؛ كما روى أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :(ما تحاب اثنان في الله إلا كان أفضلهما أشدهما حبا لصاحبه ) رواه أبو يعلى وصححه ابن حبان أسأل الله تعالى أن يرزقنا الفقه في الدين ، وأن يمن علينا بالتقوى واليقين ، وأن يملأ قلوبنا محبة له ولأوليائه ، وبغضا لأعدائه إنه سميع قريب0 أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم0000 الحمد لله ؛ خلق فسوى ، وقدر فهدى ، وأخرج المرعى ، فجعله غثاء أحوى ، أحمده على عظيم نعمه ، وأشكره على جزيل مننه ، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له ؛ الخلق خلقه ، والأمر أمره ، والقلوب بيده {وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ }الأنفال24 وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ؛ أنقى العباد سريرة ، وأصلحهم قلبا ، وأزكاهم نفسا ، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداهم إلى يوم الدين0 أما بعد : فاتقوا الله - عباد الله - وأطيعوه ، واحذروا نقمته فلا تعصوه0 أيها المسلمون: من تأمل الأحاديث الواردة في فضل الحب في الله تعالى ، وما رتب على ذلك من عظيم الجزاء والثواب ؛ أيقن أن لأعمال القلوب شأنا عظيما عند الله تعالى ، وأن العبد يدرك بصلاح قلبه واستقامته على أمر الله تعالى ما لا يدركه مريض القلب ولو كان أكثر عملا ، وأشد سعيا0 وقد يحب الرجل قوما يظن أنه يحبهم في الله تعالى ، وهو لا يحبهم إلا لهوى نفسه ، وشهوة قلبه ، وليس لله تعالى في محبته نصيب ؛ كمن يحب مؤمنا تقيا صاحب جاه ومال لا يحبه إلا لما يملك ، ويزوره لأجل ذلك ، أو ليراه الناس في مجلسه ، ولو لم ينل منه شيئا ، فإذا ما زال ما يملكه زالت محبته ، وانقطع عن زيارته ، فهذا ما أحبه لله تعالى وإنما لشهوة في نفسه0 وصاحب المحبة الصادقة لا تتغير محبته بتغيرات الدنيا وأحوالها ولكنها تتغير بتغيرات الدين ، كانتقال من يحب من الطاعة إلى المعصية ، أو من السنة إلى البدعة، أو من الإيمان إلى الكفر والنفاق ، وحينئذ يتنازع القلب واردان : وارد محبته لصاحبه الذي تغير دينه ، وانقلبت أحواله ، وقد صاحبه حينا من الدهر ، ووارد محبته لله تعالى ، فيقدم محبة الله تعالى على محبة خليله ؛ لأنه ما أحبه إلا في ذات الله تعالى ، فلما تنكر لدينه فقد سبب محبته له0 قال بشر بن الحارث -رحمه الله تعالى- : الحب في الله ، والبغض في الله ، فإذ أحببت أحدا في الله فأحدث حدثا فأبغضه في الله فإن لم تفعل لم يكن ذلك الحب في الله0 ومن هنا كانت المحبة الصادقة الخالصة لله تعالى مبناها على محبة الله تعالى ، فيحب صاحبها أولياء الله تعالى ، ويبغض أعداءه ، وهكذا كانت محبة النبي صلى الله عليه وسلم ، فقد قال لمعاذ بن جبل رضي الله عنه :( والله إني لأحبك في الله) ومعاذ من فقهاء الصحابة وعلمائهم وقضاتهم ، فأحبه النبي صلى الله عليه وسلم لاتصافه بصفات يحبها الله تعالى0 ووصفت عائشة -رضي الله عنها- محبة النبي صلى الله عليه وسلم فقالت :(ما أحب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا ذا تقى) رواه أبو يعلى بإسناده حسن وجاء عن ابن مسعود -رضي الله عنه -أنه قال:( الأرواح جنود مجندة تتلاقى في الهواء فتتشام كما تتشام الخيل فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف ولو أن مؤمنا جاء إلى مجلس فيه مائة منافق ليس فيه إلا مؤمن واحد لقيض له حتى يجلس إليه) بل إن من عقوبات المعاصي أنها تفرق المحبين ، وتكون سببا في انقلاب المحبة والخلة إلى عداوة وبغضاء ، ويكون هذا في الآخرة بقول الله تعالى : {الْأَخِلَّاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ }الزخرف67 كما يكون في الدنيا بقول النبي صلى الله عليه وسلم :( والذي نفس محمد بيده ما تواد اثنان فَفُرِّق بينهما إلا بذنب يحدثه أحدهما) رواه أحمد بسند حسن وكما أن للعبد أصدقاء يحبهم في الله تعالى فإنه يجب أن يكون له أعداء يبغضهم في الله تعالى من أهل الكفر والظلم والفجور؛ لأن الله تعالى يبغضهم ويبغض أفعالهم، فبغض العبد لهم في ذات الله تعالى فيه طاعة لله تعالى ، وموافقة له في شرعه0 قال الحافظ ابن عبد البر- رحمه الله تعالى-:( فمن الحب في الله حب أولياء الله وهم الأنقياء العلماء الفضلاء ، ومن البغض في الله بغض من حاد الله وجاهر بمعاصيه أو ألحد في صفاته وكفر به وكذب رسله أو نحو هذا كله) ألا فاتقوا الله ربكم ، وتفقدوا قلوبكم ، وتعاهدوها بأسباب الصلاح والرشاد ؛ فأحبوا من أحببتم لله تعالى، وأبغضوا من أبغضتم لله تعالى ؛ فإن ذلك أوثق عرى الإيمان0 وصلوا وسلموا على نبيكم..... |
كيف تتذوق القرآن الكريم؟ * | ||
هذا مقال طويل وجاد، يلزم لاستيعابه قراءته عدة مرات، ولكني برغم ذلك أطالبكم بالصبر عليه.. ذلك أنه يؤسس لكيفية تذوق جماليات القرآن الكريم.. وهو عرض لكتاب "التصوير الفني في القرآن الكريم" الذي لقد استحوذ القرآن على العرب وأجمع الكل على الانبهار به: المؤمنون به والكافرون.. اضطرب له الوليد بن المغيرة ولم يؤمن، فيما أسلم عمر بن الخطاب رضي الله عنه على الفور. لقد نظر البعض في جملة مزاياه ثم أجابوا، لكن هذا لا يفسر انبهارهم بقلائل السور التي لم يكن فيها تشريع ولا غيب ولا علوم.. في عصر الصحابة تحرجوا من تفسيره واهتموا بالعمل به.. وفي عصر التابعين نما التفسير نموًّا مضطردًا، ولكنهم كانوا يقتصرون على توضيح المعنى اللغوي، ثم أخذ البحث يغرق في مباحث فقهية وجدلية ونحوية وصرفية وتاريخية وأسطورية بدلاً من البحث عن الجمال الفني الأصيل فيه.. وتفاقم الأمور سوءًا في عصور الانحطاط. وفي كل الأحوال فإن إدراكهم لمواضع الجمال بقي متفرقًا دون أن يصلوا إلى مرحلة إدراك الخصائص العامة أو الأسلوب الموحد.. هذا الشيء الذي يمكن أن نطلق عليه: التصوير الفني في القرآن الكريم.. إن لهذا الكتاب طريقة موحدة في التعبير عن مقاصده، سواء كان هذا القصد تبشيرًا أو تحذيرًا، قصة وقعت في الماضي أو حادثًا سيقع في المستقبل، وصفًا للحياة الدنيا أو الأخرى، هذه الطريقة الموحدة هي التصوير الفني في القرآن الكريم. الصورة في أسمى معانيها إن التصوير هو الأداة المفضلة في القرآن الكريم فهو يحوّل المعنى إلى صورة فإذا هي تصبح واقعًا أمامك، والأمثلة هي كل القرآن تقريبًا فيما عدا التشريع.. على سبيل المثال: حينما يريد القرآن أن يعبر عن "معنى" أن الكافرين لن ينالوا قبولاً من الله فإنه لا يقولها مباشرة وإنما حولها إلى صورة: "إن الذين كفروا بآياتنا واستكبروا عنها لا تفتح لهم أبواب السماء ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سمّ الخياط..."، والجمل هو الحبل الغليظ، فيدع للذهن البشري أن يتخيل صورة حبل غليظ لا يدخل في فتحة الإبرة الدقيقة مهما حاولت، وبذلك يتأكد المعنى المطلوب حينما تحول من معنى ذهني إلى صورة فنية.. وحينما يريد أن يعبر عن ضياع أجر الكافرين فإنه لا يعبر عنها بطريقة تقريرية وإنما برسم صورة فنية "مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف..."، فيدع للذهن أن يتخيل حركة الريح تذرو الرماد فيتبدد بددًا.. ويريد أن يقول إن الصدقة التي تبذل رياء لا تثمر عند الله فيصورها هكذا "فمثله كمثل صفوان عليه تراب فأصابه وابل فتركه صلدًا..."، فيرسم لنا الخيال صورة حجر صلب غطته طبقة رقيقة من التراب فظنت فيه الخصوبة، فإذا بوابل من المطر يتركه صلدًا بدلاً من أن يهيئه للخصوبة والنماء. أما الوجه الآخر فهي الصدقات التي تبذل ابتغاء مرضاة الله فيصورها هكذا: "كمثل جنة بربوة أصابها وابل فآتت أكلها ضعفين فإن لم يصبها وابل فطل..."، فالوابل مشترك في الحالتين، ولكنه في الحالة الأولى يمحق ويمحو وفي الحالة الثانية يربي ويخصب. وإذا أراد أن يقول إن الله وحده يستجيب لمن يدعوه فيما لا تملك الآلهة الثانية شيئًا يجعلها في هذه الصورة: "والذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم بشيء إلا كباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه وما هو ببالغه..."، وهي صورة للحماقة في أجلى صورها. ويعبر القرآن عن ضياع عمل المشركين بقوله تعالى: "ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق"، وقس على ذلك القرآن كله فيما عدا التشريع، فهو لا يكتفي بذكر المعنى الذي يريده، بل يجعله في صورة مجسمة مرسومة. التعبير النفسي والمعنوي
وكما استخدم التصوير في المعاني المجردة كالكفر والإيمان والتوحيد والشرك، فإنه استخدمها للتعبير عن حالات نفسية ومعنوية كالآتي:- فحينما يكون المعنى هو حيرة غير المؤمنين تأتي الآية "ونرد على أعقابنا كالذي استهوته الشياطين في الأرض حيران له أصحاب يدعونه إلى الهدى ائتنا..."، فليته كان صاحب قصد موحد ولو في طريق الضلال، ولكن هناك على الجانب الآخر من يدعوه إلى الهدى، وهو بين الغواية والدعاء حيران متلفت. وحينما يعبر عن حالة نفسية مثل تزعزع العقيدة تأتي الآية "ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة..."، وهي صورة ترسم حالة التزعزع بأوضح مما يؤديه لفظ التزعزع؛ لأنها تنطبع في الحس في صورة محسوسة. أما مشاهد القيامة وصور العذاب والنعيم فقد كان لها من التصوير الفني أوفى نصيب.. فهذا مشهد من مشاهد الحشر "خذوه فغلوه * ثم الجحيم صلوه * ثم في سلسلة ذرعها سبعون ذراعًا فاسلكوه..."، وكذلك: "يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد" مشهد حافل يموج بالهول لا يقاس بالحجم والضخامة فقط وإنما بوقعه في النفوس. حركة الجماد! وقليل من صور القرآن هو الذي يعرض صامتًا ساكنًا، أما أغلب الصور ففيها حركة وتخلع على الجماد حياة مثل "والصبح إذا تنفس".. يتنفس فتتنفس معه الحياة ويدبّ النشاط في الأحياء.. والأرض والسماء عاقلتان يوجه إليهما الخطاب: "ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعًا أو كرهًا قالتا أتينا طائعين". وهذه جهنم النهمة المتغيظة التي لا يفلت منها أحد ولا تشبع بأحد "إذا رأتهم من مكان بعيد سمعوا لها تغيظًا وزفيرًا".أما إذا قرأت سورة الناس تجد صوتك يحدث وسوسة كاملة تناسب جو السورة. وهناك مقابلات دقيقة في الأشكال تناسب صور النعيم والعذاب: "كلا إذا دكت الأرض دكًّا دكًّا * وجاء ربك والملك صفًّا صفًّا * وجيء يومئذ بجهنم يومئذ يتذكر الإنسان وأنَّى له الذكرى".. في وسط هذا الروع الذي يشبه العرض العسكري توجد أشكال منتظمة الدقات منبعثة من البناء اللفظي الشديد،وعلى العكس تمامًا يأتي الإيقاع رخيًّا متموجًا في قوله تعالى: "يا أيتها النفس المطمئنة * ارجعي إلى ربك راضية مرضية * فادخلي في عبادي * وادخلي جنتي". تنوع القافية وشكل الإيقاع!
نفس الشيء تلاحظه في سورة النبأ بدأت السورة بقافية النون والميم مناسبة جو التقرير: "عم يتساءلون * عن النبأ العظيم * الذي هم فيه مختلفون * كلا سيعلمون * ثم كلا سيعلمون"، فإذا انتهى من التقرير وبدأ الجدل تغير النظام هكذا: "ألم نجعل الأرض مهادًا * والجبال أوتادًا"... إلخ. كذلك في سورة النازعات تجد إيقاعًا سريع الحركة قصير الموجة شديدة الارتجاف: "يوم ترجف الراجفة * تتبعها الرادفة * قلوب يومئذ واجفة * أبصارها خاشعة... الآيات"، ثم تتغير الموجة لتصبح بطيئة الحركة متوسطة الطول تناسب الجو القصصي: "هل أتاك حديث موسى * إذ ناداه ربه بالوادِ المقدس طوى * اذهب إلى فرعون إنه طغى... الآيات". وهناك شكل الدعاء المتموج الطويل الخاشع: "ربنا ما خلقت هذا باطلاً سبحانك فقنا عذاب النار * ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته وما للظالمين من أنصار"، وقد يضع التعبير القرآني إطارًا للصورة، ثم يطلق من حولها الإيقاع المناسب لهذا الإطار، ففي سورة الضحى يكون هناك جو من الحنان اللطيف والرحمة الوديعة من خلال نظام لطيف العبارة رتيب الحركات، فلما أراد إطارًا لهذا الحنان اللطيف جعله من الضحى الرائق والليل الساجي، أصفى آنيين من آونة الليل والنهار. وهناك شكل آخر خشن عنيف فيه دمدمة وفرقعة.. تناسب الجو الصاخب المعفر الذي تنشئه القبور المبعثرة والصدور المحصّل ما فيها بقوة، وجو الجحود وشدة الأثرة كما في سورة العاديات: "والعاديات ضبحًا * فالموريات قدحًا * فالمغيرات صبحًا * فأثرن به نقعًا * فوسطن به جمعًا * إن الإنسان لربه لكنود * وإنه على ذلك لشهيد * وإنه لحب الخير لشديد * أفلا يعلم إذا بعثر ما في القبور * وحصل ما في الصدور * إن ربهم بهم يومئذ لخبير". فإذا أراد لهذا إطارًا مناسبًا اختاره من نفس الجو الصاخب المعفر الذي تثيره الخيل، فكان الإطار من الصورة والصورة من الإطار. وقد تأتي صورتان لكل منهما إطارها المناسب: "والليل إذا يغشى * والنهار إذا تجلى * وما خلق الذكر والأنثى * إن سعيكم لشتى * فأما من أعطى واتقى * وصدق بالحسنى * فسنيسره لليسرى * وأما من بخل واستغنى * وكذب بالحسنى فسنيسره للعسرى... الآيات"، فهنا صورة فيها الأسود والأبيض، من أعطى واتقى، ومن بخل واستغنى، وفي الإطار كذلك الأسود والأبيض، الليل إذا يغشى هذه المرة (وليس إذا سجى)، والنهار إذا تجلى (المقابل لليل إذا يغشى)، وهنا الذكر والأنثى المتقابلان في النوع والخلقة، فذلك إطار مناسب للصورة.. أما الشكل المصاحب فلا هي أعلى من "الضحى * والليل إذا سجى"، ولكنها ليست عنيفة قاسية كسورة العاديات؛ لأن الجو للسرد والبيان أكثر مما هو للهول والتحذير. وحدة الرسم المعجز وهناك وحدة الرسم تحتم التناسق بين أجزاء السورة، فإذا قرأت سورة الفلق وجدت أن الجو المراد إطلاقه هو جو التعويذة، بما فيه من هيمنة وخفاء؛ لذلك ناسبه جو الشر والليل يتغلغل ظلامه، ونفث الساحرات في العقد، والحسد الباطني المطمور في ظلام النفس.. فالجو كله ظلام وغموض ناسبه استخدام لفظ الفلق، وهو مرحلة تجمع بين النور والظلمة ولها جوها الغامض المسحور. وقد عبّر القرآن عن الأرض قبل نزول المطر مرة بأنها هامدة ومرة بأنها خاشعة، وقد يفهم البعض أنه مجرد تنويع في التعبير، لكن الحقيقة أن السياق اختلف في المرتين.. ففي السياق الأول جو بعث وإحياء وخلق ناسبه وصف الأرض بأنها هامدة، ثم تهتز وتربو وتنبت من كل زوج بهيج.. "يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة... الآية"، ثم قال تعالى في نهاية الآية: "... وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج". أما السياق الثاني فجو عبادة وخشوع ناسبه تصوير الأرض بأنها خاشعة: "ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر لا تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله الذي خلقهن إن كنتم إياه تعبدون * فإن استكبروا فالذين عند ربك يسبحون له بالليل والنهار وهم لا يسأمون * ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت..."، ثم لا يزيد على الاهتزاز والرَّبْء الإنبات والإخراج كما زاد هناك؛ لأنه لا محل لهما في جو العبادة والسجود. تصوير اللمسات العريضة ويستخدم القرآن في التصوير اللمسات العريضة: "أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت * وإلى السماء كيف رفعت * وإلى الجبال كيف نصبت * وإلى الأرض كيف سطحت"، فهذه ريشة تجمع بين السماء والأرض والجبال والجمال في مشهد واحد مستمد من الطبيعة والحياة، ملحوظ فيه الضخامة والأجزاء الموزعة بين الاتجاه الأفقي في السماء المرفوعة والأرض المبسوطة، والاتجاه الرأسي في الجبال المنصوبة والإبل الصاعدة السنام. وقد تتسع الرقعة في الزمان والمكان والحاضر والغيب ما بين الساعة البعيدة المدى والغيث البعيد المصدر، وما في الأرحام الخافي عن العيان، والرزق المغيب في المجهول وموضع الموت، لكنها تجمع كل أطرافها عند نقطة الغيب المجهول: "إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غدًا وما تدري نفس بأي أرض تموت...". وهكذا تتكشف للناظر في القرآن بعض آفاق من التناسق والاتساق فمن نظم فصيح إلى سرد عذب إلى معنى مترابط إلى لفظ معبر، إلى تصوير محسوس إلى موسيقى منغمة إلى اتساق في الأجزاء والإطار والموسيقى والإخراج.. وبهذا كله يتم الإبداع ويتحقق الإعجاز. |
في بستان الصابرين | |||
ما أحوجنا في هذا العصر إلى أسلحة إيمانية نتصدى بها لعواصف وما أحوجنا كذلك إلى أن نتسلح بالأخلاق الإسلامية الرفيعة؛ كي نواجه بها شتى المصاعب والمشكلات، ومن ذلك خلق الصبر، وذلك اقتداء بأشرف خلق الله ورسلِه الكرام الذين سماهم الله عز وجل أولي العزم، حيث خاطب نبيه صلى الله عليه وسلم ونحن معنيون بالخطاب معه بقوله تعالى: {فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلاَ تَسْتَعْجِل لَّهُمْ...} [الأحقاف: 35]. معنى الصبر ومكانته والصبر في اللغة: هو الحبس. وفي الاصطلاح: هو حبس النفس على ما يقتضيه العقل والشرع أو ما يقتضيان حبسها عنه أو هو حبس النفس على ما تكره ابتغاء مرضاة الله كما قال تعالى: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} [الكهف: 28]. والصبر خلق عظيم، وله فضائل كثيرة منها أن الله يضاعف أجر الصابرين على غيرهم، ويوفيهم أجرهم بغير حساب، فكل عمل يُعرف ثوابه إلا الصبر، قال تعالى: {إنَمَا يُوَفَى الصَابِرُونَ أجْرَهُم بِغَيرٍ حِسابٍ} [الزمر: 10]. مكانة الصابرين الصابرون في معية الله، فهو معهم بهدايته ونصره وفتحه، قال تعالى: {إنّ اللهَ مَعَ الصَّابِرينَ} [البقرة: 153]، وكذلك هم أهل محبته قال تعالى: {وَاللّهُ يُحِبُّ الصّابِرِينَ} [آل عمران: 146]، وفي هذا أعظم ترغيب للراغبين. وأخبر الله سبحانه وتعالى أن الصبر خير لأهله فقال سبحانه: {وَلَئِن صَبَرتُم لَهُوَ خَيرٌ لِلصَّابِريِنَ} [النحل: 126]. ولقد خص الله تعالى الصابرين بأمور ثلاثة لم يخص بها غيرهم وهي: أ - الصلاة من الله عليهم، ورحمته لهم، وهدايته إياهم، قال تعالى: {وَبَشّرِ الصّابِرينَ * الّذِينَ إذا أصَابَتَهُم مُصِيَبَةٌ قَالُوا إنّا للهِ وَإنّا إلَيهِ راجِعُونَ * أُولئِكَ عَلَيهِم صَلَواتٌ مِن رّبِهِم وَرَحمَةٌ وَأولئِكَ هُمُ المُهتَدُونَ} [البقرة: 155 - 157]. ب- علَّق الله سبحانه وتعالى الفلاح في الدنيا والآخرة بالصبر، فقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [آل عمران: 200]، فعلّق الفلاح بكل هذه الأمور. جـ- ربط الله تعالى خصال الخير والحظوظ العظيمة بأهل الصبر في قوله تعالى: {وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللهِ خَيْرٌ لِّمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلاَ يُلَقَّاهَا إِلاَّ الصَّابِرُونَ} [القصص: 80]، وقوله تعالى: {وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ} [فصلت: 35]. ولقد وردت في السنة النبوية أحاديث كثيرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيان فضل الصبر والحث عليه، وما أعد الله للصابرين من الثواب والأجر في الدنيا والآخرة، منها:
أنواع الصبر للصبر أنواع كثيرة: أولها: الصبر عن المعصية، وهذا صبر الصدّيقين؛ لأن المعصية من شهوات النفس وقد تتلذذ بها، قال تعالى: {وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا} [الإنسان: 12]. ثانيًا: الصبر على الطاعة، وهذا صبر المثابرين، كصبر المؤمن على الصلاة في وقتها بتمام سجودها وركوعها، قال تعالى: {فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِه} [مريم: 65]، وقال تعالى: {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا} [طه: 132]. ثالثًا: الصبر عند الغضب، وهذا هو صبر الأقوياء، فبالغضب نفقد أنفسنا، ولا نستردها إلا بالحلم، وأفضل علاج للغضب التشبث بالصمت، وتأجيل الرد حتى تهدأ النفس، وذكر الله فبذكر الله تطمئن النفوس. قال تعالى: {وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ واللهُ يُحِبُّ المُحْسِنِين} [آل عمران: 134]. رابعًا: الصبر عند المصيبة، وهذا هو صبر الأتقياء، فهو نور في الظلام، وثبات عند الصدمة، فمن لم يصبر على البلاء، لم يرض بالقضاء، قـال تعالـى: {وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُور} [آل عمران: 186]، وقال تعالى: {الّذِينَ إذا أصَابَتَهُم مُصِيَبَةٌ قَالُوا إنّا للهِ وَإنّا إلَيهِ راجِعُونَ * أُولئِكَ عَلَيهِم صَلَواتٌ مِن رّبِهِم وَرَحمَةٌ وَأولئِكَ هُمُ المُهتَدُونَ} [ البقرة: 156، 157]. خامسًا: الصبر على البلاء، وهذا صبر المجاهدين، وهو الصبر المذكور في القرآن الكريم عزاءً للقلوب المكلومة وشفـاء للنفوس الحزينة، قـال تعالـى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِين} [محمد: 31]، وقال تعالى: {إنَّمَا يُوَفَى الصَابِرُونَ أجْرَهُم بِغَيرٍ حِسابٍ} [الزمر: 10]. وهناك أنواع عدة للصبر، منها: الصبر على كتمان الأسرار، كقول الله تعالى على لسان يعقوب عليه السلام: {فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللهُ الْمُسْتَعَانُ}، وقوله: {وَأَعْلَمُ مِنَ اللهِ مَا لا تَعْلَمُون}، وقوله لابنه يوسف عليه السلام: {لا تَقْصُصْ رُؤيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ} [يوسف: 18، 86، 5]. وأيضًا الصبر على سماع الأذى وتحمله ومعالجته بالهجر الجميل، قال تعالى: {وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلاً} [المزمل: 10]. قالوا عن الصبر
هم أهل الفضل
ومن هنا كان لأسلافنا الكرام -رحمهم الله- باع طويل في توضيح أهمية تلك الأسلحة الإيمانية التي هي بمثابة جهاز مناعة للإيمان والإنسان، ومن ذلك الكلام القيم للعلامة ابن القيم الذي أورد فيه كثيرًا من المواضع التي ورد بها الصبر في القرآن الكريم، ونقل عن الإمام أحمد رحمه الله قوله: "ذكر الله سبحانه الصبر في القرآن الكريم في نحو تسعين موضعًا"، منها:
أمور منافية للصبر
وأخيرًا.. للبحر مد وجزر، وللكلمة نفع وضر، ولكل جراح بلسم، وأفضل البلسم الصبر، فهو فضيلة المتقين، وسبيل إلى جنة النعيم، وهو في الحياة أليق بالأبي الكريم. فإذا كان لديك الصبر فأبشر بقريب الفرج، فكلما طال بالإنسان صبره، نجح أمره. أما إذا كان جوابك النفي.. فما عليك سوى ترويض النفس على ما تكره، ومعاودة الكرَّة، وبذل الجهد والمسرة. ثم اشترِ من البضائع أجودها وأشدّها حمدًا للعاقبة، قال الشاعر: يا بائع الصبر لا تشفق على الشاري *** فدرهم الصبر يساوي ألف دينار |
فاتقوا الله ما استطعتم | ||
{فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} طالما وقفت خاشعا في محراب هذه الآية، وطالما غمرني ضياؤها بأشعته الهادية حيث أودع الرحمن عز وجل في كلمات قليلة من المعاني الكريمة الفياضة ما يمدنا بالمفاهيم النيرة كلما اتسعت مساحات الوعي لدينا وتعاظم رصيدنا من التجارب. وسأقف مع القارئ الكريم عدة وقفات في إشراقة هذه الآية نغرف من معينها النمير:
|