في ثبات القلوب على الخير
وقد ورد في الحديث أن النبى صلى الله عليه وآله وسلم كان يقول: "يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك، يا مصرف القلوب اصرف قلبنا إلى طاعتك” وفى حديث آخر: "مثل القلب كمثل ريشة بأرض فلاة تقلبها الرياح"
واعلم: أن القلوب في الثبات على الخير والشر والتردد بينهما ثلاثة:
القلب الأول: قلب عَمُرَّ بالتقوى، وزكى بالرياضة، وطهر عن خبائث الأخلاق، فتتفرج فيه خواطر الخير من خزائن الغيب، فيمده الملك بالهدى.
القلب الثانى: قلب مخذول، مشحون بالهوى، مندس بالخبائث، ملوث بالأخلاق الذميمة، فيقوى فيه سلطان الشيطان لاتساع مكانه، ويضعف سلطان الإيمان، ويمتلئ القلب بدخان الهوى، فيعدم النور، ويصير كالعين الممتلئة بالدخان، لا يمكنها النظر، ولا يؤثر عنده زجر ولا وعظ.
والقلب الثالث: قلب يبتدئ فيه خاطر الهوى، فيدعوه إلى الشر، فيلحقه خاطر الإيمان فيدعوه إلى الخير.مثاله، أن يحمل الشيطان حملة على العقل، ويقوى داعي الهوى ويقول: أما ترى فلاناً وفلاناً كيف يطلقون أنفسهم في هواها، حتى يعد جماعة من العلماء، فتميل النفس إلى الشيطان، فيحمل الملك حملة على الشيطان، ويقول: هل هلك إلا من نسى العاقبة، فلا تغتر بغفلة الناس عن أنفسهم، أرأيت لو وقفوا في الصيف في الشمس ولك بيت بارد، أكنت توافقهم أم تطلب المصلحة؟ أفتخالفهم في حر الشمس، ولا تخالفهم فيما يؤول إلى النار؟ فتميل النفس إلى قول الملك، ويقع التردد بين الجندين، إلى أن يغلب على القلب ما هو أولى به، فمن خلق للخير يسر له، ومن خلق للشر يسر له: {فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقاً حرجاً كأنما يصعد في السماء} [الأنعام: 125] اللهم وفقنا لما تحبه وترضاه.
مداخل إبليس في قلب الإنسان
اعلم: أن القلب بأصل فطرته قابل للهدى، وبما وضع فيه من الشهوة والهوى، مائل عن ذلك، والتطارد فيه بين جندي الملائكة والشياطين دائم، إلى أن ينفتح القلب لأحدهما، فيتمكن، ويستوطن، ويكون اجتياز الثانى اختلاساً كما قال تعالى {من شر الوسواس الخناس} [الناس:4] وهو الذي إذا ذكر الله خنس، وإذا وقعت الغفلة انبسط، ولا يطرد جند الشياطين من القلب إلا ذكر الله تعالى، فإنه لا قرار له مع الذكر.
واعلم: أن مثل القلب كمثل حصن، والشيطان عدو يريد أن يدخل الحصن، ويملكه ويستولى عليه، ولا يمكن حفظ الحصن إلا بحراسة أبوابه، ولا يقدر على حراسة أبوابه من لا يعرفها، ولا يتوصل إلى دفع الشيطان إلا بمعرفة مداخله، ومداخل الشيطان وأبوابه صفات العبد، وهى كثيرة، إلا أنا نشير إلى الأبواب العظيمة الجارية مجرى الدروب التي لا تضيق عن كثرة جنود الشيطان.
فمن أبوابه العظيمة: الحسد، والحرص، فمتى كان العبد حريصاً على شئ، أعماه حرصه وأصمه، وغطى نور بصيرته التي يعرف بها مداخل الشيطان. وكذلك إذا كان حسوداً فيجد الشيطان حينئذ الفرصة، فيحسن عند الحريص كل ما يوصله إلى شهوته، وإن كان منكراً أو فاحشاً.
ومن أبوابه العظيمة: الغضب، والشهوة، والحدة، فإن الغضب غول العقل، وإذا ضعف جند العقل هجم حينئذ الشيطان فلعب بالإنسان. وقد روى أن إبليس يقول: إذا كان العبد حديداً، قلبنّاه كما يقلب الصبيان الكرة.
ومن أبوابه: حب التزيين في المنزل والثياب والأثاث، فلا يزال يدعو إلى عمارة الدار وتزيين سقوفها وحيطانها، والتزين بالثياب، والأثاث، فيخسر الإنسان طول عمره في ذلك.
ومن أبوابه: الشبع، فإنه يقوى الشهوة، ويشغل الطاعة.
ومنها: الطمع في الناس، فإن من طمع في شخص، بالغ بالثناء عليه بما ليس فيه، وداهنه، ولم يأمره بالمعروف، ولم ينهه عن المنكر.
ومن أبوابه: العجلة، وترك التثبت، وقد قال النبى صلى الله عليه وآله وسلم: "العجلة من الشيطان، والتأني من الله تعالى"
ومن أبوابه: حب المال، ومتى تمكن من القلب أفسده، وحمله على طلب المال من غير وجهه، وأخرجه إلى البخل، وخوفه الفقر، فمنع الحقوق اللازمة.
ومن أبوابه: حمل العوام على التعصب في المذاهب، دون العمل بمقتضاها.
ومن أبوابه أيضاً: حمل العوام على التفكير في ذات الله تعالى، وصفاته، وفى أمور لا تبلغها عقولهم حتى يشككهم في أصل الدين.
ومن أبوابه: سوء الظن بالمسلمين، فإن من حكم على مسلم بسوء ظنه، احتقره وأطلق فيه لسانه، ورأى نفسه خيراً منه، وإنما يترشح سوء الظن بخبث الظان، لأن المؤمن يطلب المعاذير للمؤمن، والمنافق يبحث عن عيوبه. وينبغى للإنسان أن يحترز عن مواقف التهم، لئلا يساء به الظن، فهذا طرف من ذكر مداخل الشيطان، وعلاج هذه الآفات سد مداخل بتطهير القلب من الصفات المذمومة، وسيأتي الكلام عن هذه الصفات، بقى للشيطان بالقلب خطرات واجتيازات من غير استقرار، فيمنعه من ذلك ذكر الله تعالى، وعمارة القلب بالتقوى. ومثل الشيطان كمثل كلب جائع يقرب منك، فإن لم يكن بين يديك لحم وخبزه، فإنه ينزجر بأن تقول له: اخسأ، وإن كان بين يديك شئ من ذلك وهو جائع، لم يندفع عنك بمجرد الكلام، فكذلك القلب الخالي عن قوت الشيطان ينزجر عنه بمجرد الذكر. فأما القلب الذي غلب عليه الهوى، فإنه يرفع الذكر إلى حواشيه، فلا يتمكن الذكر من سويدائه، فيستقر الشيطان في السويداء. وإذا أردت مصداق ذلك، فتأمل هذا في صلاتك، وانظر إلى الشيطان كيف يحدث قلبك في مثل هذا الموطن، بذكر السوق، وحساب المعاملين، وتدبير أمر الدنيا.
واعلم: أنه قد عفي عن حديث النفس، ويدخل في ذلك ما هممت به، ومن ترك ذلك خوفاً من الله تعالى كتبت له حسنة وإن تركه لعائق، رجونا له المسامحة، إلا أن يكون عزماً، فإن العزم على الخطيئة خطيئة، بدليل قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "إذا التقى المسلمان بسيفهما فالقاتل والمقتول في النار، قيل: ما بال المقتول؟ قال: إنه كان حريصاً على قتل صاحبه”.
وكيف لا تقع المؤاخذة بالعزم، والأعمال بالنية، وهل الكبر والرياء والعجب إلا أمور باطنة؟ ولو أن إنساناً رأى على فراشه أجنبية ظنها زوجته لم يأثم بوطئها، ولو رأى زوجته وظنها أجنبية أثم بوطئها، وكل هذا متعلق بعقد القلب.
.
"افتقاد القدوة" سبب للتدين المغشوش | |||
يعزو بعض المسلمين الحالة التي هم عليها من "التدين المغشوش" إلى عدد من الأسباب، يجعلون في مقدمتها افتقادهم للقدوة عند بعض الخطباء والدعاة والعلماء والآباء، وعدم مطابقة أقوالهم لسلوكياتهم الحياتية في بيعهم وشرائهم وأخذهم وعطائهم. والإحساس بكونهم ليسوا أهلا للتأسي بهم ولا بكونهم نماذج يحتذى بها. فقد أصبح عدد غير قليل من خطباء هذا العصر -للأسف- يتخذون من الخطابة مهنة يرتزقون منها؛ غير عابئين بأهمية الرسالة التي يحملونها في نشر الدعوة. ولم يعد مفهوم الدعوة واضحًا لدى الكثيرين منهم وهو ما انعكس - للأسف- على صورتهم لدى الناس. حيث يعتقد بعض الدعاة بأن عليهم الوعظ بالقول دون العمل. رغم أن النفس البشرية تتأثر بالمحاكاة وتقليد النماذج الحسنة أكثر من الطاعة للأمر والنهي. في البداية، يقول (مسعد الحوفي- مدرس- 32 سنة- البحيرة): كان خطيب مسجدنا يذكرنا بأهمية الصلاة وفضلها ويحذرنا من تركها؛ وبخاصة في رمضان، ويعدد الثواب العظيم لصلاة التراويح والفجر في شهر رمضان الكريم. غير أننا -للأسف- لم نره يصلي معنا في معظم شهر رمضان بالمسجد. ويضيف الحوفي: هذا طبعا بخلاف صلاة الجمعة، حيث كان يخطب فينا، فيعظنا ويذكرنا بأهمية الصلاة، ثم يعود لمنزله لاستكمال مشاهدة المسلسلات والفوازير، حسبما حكى لنا أحد جيرانه. وهذه الظاهرة تؤكد أن الخطابة الآن أصبحت وظيفة ومصدرا للقمة العيش، ولم تعد رسالة؛ لدرجة أنني سمعت من بعض العاملين بوزارة الأوقاف أن بعض الخطباء قد لا يجد غضاضة في دفع رشوة للحصول على هذه الوظيفة! هدم بيت أخيه! وأمام غرابة الكلام الذي قاله مسعد، يروي لنا (أحمد عبد الفتاح- طالب جامعي - 20 سنة - المنيا) قصة غريبة لخطيب أحد المساجد ببلدته يأمر الناس بالاتحاد والاعتصام والأخوة، في الوقت الذي يتشاجر فيه مع أقرب الناس إليه، أخيه، لدرجة أنه قسم المنزل إلى نصفين، وفصل بينه وبين أخيه، حتى لا يعيشا معا. ويستطرد عبد الفتاح قائلا: بالله عليكم، هل خطيب مثل هذا يمكن أن أتخذه قدوة؟! لذلك فقد الناس ثقتهم في بعض الخطباء، ولم يعودوا يسألونهم عن أمور دينهم. ومن أقصى جنوب مصر إلى أقصى شماله، حيث يقول (سامح جاد -31 سنة - موظف بشركة إلكترونيات - الإسكندرية): خطيب مسجدنا الذي نصلي فيه، لا يروق له بعد إلقائه خطبة الجمعة سوى الجلوس على المقهى المواجه للمسجد؛ ويراه الناس يجلس مع أشخاص يعرف عنهم النصب وشرب الخمور والمخدرات، والأشد غرابة أنه يشرب معهم الشيشة (النرجيلة). ويتساءل جاد قائلا: ألا يدري مثل هذا الخطيب أنه بهذا يرسخ في عقول الناس أن التدخين حلال؛ بدليل جلوس الشيخ على المقهى وشربه للشيشة؟! في اعتقادي أن مثل هذا الخطيب لا يصلح أن يكون قدوة أو نموذجًا للناس، بل إنه صار قدوة سيئة لهم، وأضاع بفعلته كل كان يعظنا به في الخطبة. أما عن أشد فتنة تركت لأمة محمد صلى الله عليه وسلم، وهي النساء؛ فأصحاب التدين المغشوش لهم فيها نصيب كبير. وهو ما أشار إليه (هاني عبد اللطيف -68 سنة - بالمعاش- بني سويف): فقد أوضح أن خطيب مسجدهم، عليه علامات استفهام كثيرة بخصوص علاقته ببعض النساء، وهو يتعمد أن يسلم بيده على نساء القرية بطرق ملفتة للنظر!! عندما عاتبناه في هذا الموضوع رد علينا قائلا: الله جميل يحب الجمال!! ويضيف عبد اللطيف: الواجب عليه أن يعلم أنه قدوة للناس، فهو خطيبهم وإمامهم ومفتيهم والرجل الذي يأخذون عنه دينهم ويستفتونه في أمور دينهم ودنياهم، لكن للأسف هو لا يراعي هذه الأمور، فصار بعض المغرضين من الناس ينظرون إليه ويقولون لنا: "إذا كان شيخ الجامع كده، يبقى إحنا ربنا لن يحاسبنا على ما نقع فيه من الذنوب!". ويختتم عبد اللطيف كلامه قائلا: "المشكلة أن كثيرا من الناس الملتزمين والمتدينين في البلد عندنا ينظرون إلى هذا الخطيب على أنه من رجال الدين، وأنه عارف الصواب والخطأ، وأنه دارس شرع ربنا، وهذه هي الطامة الكبرى، والفتنة في الدين!!". الخطباء يعترفون وحتى نقف على الحقيقة كاملة، كان لا بد أن نسمع من الطرف الآخر، فالتقينا بعدد من الخطباء والوعاظ، وعرضنا عليهم المشكلة، وهي أن أحد أسباب التدين المغشوش لدى بعض الملتزمين والمتدينين افتقادهم للقدوة لدى بعض الخطباء والعلماء والدعاة، واستمعنا لهم. ولم ينكر (أحمد عبد المنعم - خطيب وإمام بأحد مساجد منطقة الهرم بالجيزة) هذه الظاهرة ولم يستغربها؛ وقال: الخطيب أولا وأخيرا بشر معرض للخطأ، وليس معصوما منه، ولو لم يكن كذلك ما قال النبي صلى الله عليه وسلم أنه: "يؤتى بالعالم يوم القيامة، ويلقى في النار، فتندلق أقتابه، فيدور بها كما يدور الحمار بالرحى، فيطوف به أهل النار فيقولون: ما لك؟ فيقول: كنت آمر بالخير ولا آتيه، وأنهى عن الشر وآتيه" متفق عليه. وأضاف عبد المنعم: هذه ظاهرة موجودة، تستحق الاهتمام والدراسة، ومن أهم عوامل ظهورها في رأيي؛ البيئة التي تربى فيها الخطيب في صغره، والقيم التي تشربها في هذه المرحلة، وهناك من تربى في بيئة غير صالحة؛ ولكنه جاهد نفسه في الكبر، وتعلم القيم الصحيحة والأخلاق النبيلة. ويتفق (الشيخ على عبد الحليم- خطيب وإمام بمحافظة الغربية) مع الشيخ أحمد عبد المنعم فيما ذهب إليه، ويضيف: نحن لسنا بصدد جلد هذه الطائفة من الخطباء والوعاظ الآن، بقدر ما نخاف عليهم من سخط الله عز وجل، ومن ثم فإننا ندعو كل خطيب وداعية وواعظ يتصدى للقيام بهذه المهمة الكبيرة، ويسير على هذا المنوال، أن يتوب إلى الله، وأن يحذر أن يخالف قوله فعله. ويستدل الشيخ عبد الحليم بقصة للإمام الحسن البصري، رضي الله عنه ، عندما جاءه عدد من العبيد طالبين منه إعداد خطبة عن فضل عتق العبيد، يحث فيها الأغنياء على عتقهم في سبيل الله. فغاب عنهم قرابة شهرين؛ ثم عاد يخطب في الناس عن فضل عتق الرقاب في سبيل الله. فما لبث كل من سمعوه إلا وأعتقوا حتى عُتِيقَ كل عبد بالمدينة. فجاءه العبيد يعاتبونه: لم تأخرت علينا كل هذا؟، فأجابهم: كنت أريد أن أطبق ما أقول على نفسي أولا، ثم آمر الناس به. فانتظرت حتى رزقني الله بمال، فاشتريت عبدا، ثم أعتقته لوجه الله. ثم خطبت في الناس!! ويذكر (الشيخ عبد الفتاح مغاوري - خطيب وإمام من مدينة طنطا بمحافظة الغربية) بعدا جديدا في الموضوع فيشير إلى غياب الجانب التربوي في التعليم الأزهري الذي يؤهل هؤلاء الخطباء للخطابة. حيث يجد الطالب الأزهري أن أستاذه الذي يشرح له علما ما من العلوم الشرعية، يدخن السجائر مثلا، أو يرفع ثمن الكتاب المقرر بدرجة مبالغ فيها، فعندها يفقد الطالب الذي سيصبح خطيبا بعد ذلك معيار العمل بما يقول. مشيرا إلى أن هذا موجود لكنه بصراحة قليل ولم يصل بعد للظاهرة. فعل أنفع من ألف قول
ورغبة منا في تأصيل الموضوع، والوقوف على رأي الشرع فيه، كان لا بد أن نحمل هذا الهم ونضعه أمام علمائنا ليدلوا بدلوهم فيه، فقال الدكتور طلعت عفيفي، عميد كلية الدعوة الإسلامية بجامعة الأزهر الشريف: هناك العديد من الآيات والأحاديث النبوية الشريفة التي تدل على عاقبة هذه الطائفة في الآخرة، وعتاب الله لهم منها قوله تعالى:{أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ}(البقرة:44). ويضيف الدكتور عفيفي: الناس لا ينظرون إلى الكلمة ولكن للعمل؛ لأنه أبلغ تأثيرا. فرب فعل رجل في ألف رجل أبلغ من قول ألف رجل في رجل، لذلك يقول المولى جل شانه: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} (فصلت:33). محذرا من أن مثل هذا السلوك من الخطباء يكون سببا في تفشي التدين المغشوش بين الناس. ويشير الدكتور عفيفي إلى ضرورة العمل مع القول حتى لا يقع الخطيب في دائرة المنافقين، معتبرا أن فصل القدوة عن العمل مدعاة إلى الفساد والإفساد. كما أن هذا الخطيب الذي لا يعمل بما يقول سيكون محل عدم الاحترام من قبل مستمعيه؛ لأنه لم يعمل بما يقول أصلا. وفى هذا قول طيب للإمام ابن القيم: "علماء السوء جلسوا على باب الجنة يدعون إليها الناس بأقوالهم ويصدون عنها بأفعالهم". حب المال والشهرة وحتى تكتمل الصورة فقد عرضنا الظاهرة على خبراء علم النفس والاجتماع، ليقوموا بتحليلها وتشخيصها ووصف علاجها، فيقول الدكتور سمير عبد الفتاح، أستاذ علم النفس بكلية الآداب بجامعة المنيا: يقول الله عز وجل: {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا} (الشمس: 7-8)، مشيرا إلى أن الفجور آفة النفس الإنسانية، ولكن الكارثة أن تمرض نفس الخطيب بحب الشهرة وتضخيم الذات وحب المال والجاه. ويعتبر الدكتور عبد الفتاح أن هذا السلوك من الخطباء والوعاظ يكون مبررا لعامة الناس ممن لم يرزقهم الله العلم والقدرة على المعرفة الصحيحة، فيقلدوا هؤلاء الخطباء، ويصير تدينهم منقوصا ومغشوشا، حيث يظهر للناس منهم شيء بينما هم يخفون أشياء وأشياء. ومن جهته، يعتبر الدكتور صلاح الفوال، أستاذ علم الاجتماع بالجامعة الأمريكية ؛ أن هذه الظاهرة مصيبة وفتنة غريبة، ملعونة من الله ورسوله والمؤمنين، وهذا مرتبط بالسلوكيات المغشوشة التي تبنى على تنشئة اجتماعية فاسدة. ويعتقد الدكتور الفوال أن الحل يكمن في إعادة تصحيح مسار التربية الاجتماعية داخل المؤسسات الاجتماعية؛ بدءًا من الأسرة وانتهاء بالدولة مرورًا بالمجتمع. وأن تـأثير هؤلاء على البشر كبير، حيث إنهم يكونون سببا في فقدان الثقة في أي كلام في الدين والدين منهم بريء. وختاما؛ بعد أن استعرضنا هذا الموضوع في هذه السطور، فإننا نؤكد على أن كثيرا من الأخطاء التي يقع فيها بعض المتدينين والملتزمين مما قد يؤثر على تدينهم ويسمه بالمغشوش، يكون سببه افتقاد هؤلاء الناس للقدوة المتمثلة في بعض الخطباء والدعاة والعلماء ممن يقولون ما لا يفعلون. وهو ما يوقعهم تحت طائلة قوله تعالى في الدستور الخالد: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ* كَبُرَ مَقْتاً عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ}(الصف: 2-3). |
الوعد والثقة الحق في نصر الله |
[19:46مكة المكرمة ] [22/04/2008] |
بقلم: د. مجدي الهلالي |
أراد مشركو مكة أن يضغطوا على المسلمين ويحاصروهم حصارًا شديدًا حتى ينفضُّوا عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، بل ويُسْلموه لهم ليقتلوه. يقول الزهري: ثم إن المشركين اشتدوا كأشد ما كانوا، حتى بلغ المسلمين الجهد، واشتدَّ عليهم البلاء، واجتمعت قريش في مكرها أن يقتلوا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم علانيةً، فلما رأى أبو طالب عمل القوم جمع بني عبد المطلب وأمرهم أن يُدخلوا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم شِعْبهم يمنعوه ممن أراد قتله، فلما عرفت قريش أن القوم قد منعوا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، أجمعوا أمرهم ألا يجالسوهم، ولا يبايعوهم، ولا يدخلوا بيوتهم حتى يُسْلموا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم للقتل، وكتبوا في مكرهم صحيفةً وعهودًا ومواثيقَ؛ لا يتقبَّلوا من بني هاشم أبدًا صلحًا، ولا تأخذهم بهم رأفة حتى يُسْلموه للقتل. واشتدَّ الحصار على الصحابة وبني هاشم وبني عبد المطلب حتى اضطروا إلى أكل ورق الشجر، وحتى أصيبوا بظلف العيش وشدته، إلى حد أن أحدَهم يخرج ليبول فيسمع قعقعة شيء تحته، فإذا هي قطعة من جلد بعير، فيأخذها فيغسلها، ثم يحرقها ثم يسحقها، ويشرب عليها الماء فيتقوَّى بها ثلاثة أيام، وحتى لتسمع قريش صوت الصبية يتضاغَون من وراء الشِّعب من الجوع (1) أتدري أخي الحبيب كم استمر هذا الحصار؟!.. لقد استمر قرابة ثلاث سنوات، ولك أن تتصوَّر ما كان عليه الصحابة آنذاك، ومدى كربهم وضيقهم عندما كانوا يسمعون صراخ أطفالهم وتضرُّعَهم إليهم طالبين الطعام، وهم لا يستطيعون تلبية طلبهم. لك أن تتصوَّر كيف كانت نظرتهم للمستقبل، وكل أمانيهم تنحصر في لقيمات تسد جوعهم وجوع أطفالهم. فاصبر إن العاقبة للمتقين في هذه الأجواء كان القرآن يتنزَّل بآيات تحضُّهم على الصبر، وتنبِّئهم بأن وعد الله حق مهما اشتد الظلام، وأن ما يحدث لهم ليس بجديدٍ على أصحاب الدعوات الصادقة، ومن السور التي نزلت في هذه المدة: سورة هود، والتي تتناول تاريخ أصحاب الدعوات وكيف أن الله عز وجل قد مكَّنهم في الأرض بعد جهاد مرير وصبر طويل ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ (49)﴾ (هود). نزلت سورة هود لتثبِّت أفئدة المؤمنين، وتؤكَّد لهم أنهم على الطريق الصحيح، وأنَّ الزمن لصالحهم، وما عليهم إلا أن يُخلصوا توجُّههم لله عز وجل، وأن يصدقوا في التوكل التام المطلق عليه؛ فالأمر كله إليه، وهو الذي يحرِّك الأحداث ويقدِّر المقادير، وهو سبحانه معهم، ويرى ما يحدث لهم، ويقدر على نصرهم بكلمةٍ واحدةٍ، لكنه سبحانه لا يعجل بعجلتهم، بل يصبر ويحلم، حتى إذا استكمل المسلمون أسباب التمكين، واستكمل أعداؤهم أسباب الهلاك جاء النصر والتمكين من حيث لا يحتسب أحد. تأمَّل معي ما خُتمت به سورة هود وهي تخاطب المحاصَرين في شِعب أبي طالب ﴿وَكُلاً نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (120) وَقُلْ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ (121) وَانتَظِرُوا إِنَّا مُنتَظِرُونَ (122) وَللهِ غَيْبُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (123)﴾ (هود). سورة يوسف ومن السور التي نزلت في أيام الشِّعْب: سورة يوسف.. نزلت لتؤكِّد نفس المعنى التي نزلت به سورة هود، مع التركيز على نموذج من نماذج أصحاب الدعوات الذين تعرَّضوا لابتلاءاتٍ شديدةٍ ومتنوعةٍ، إلا أن هذا كله لم يمنع من تحقيق الوعد الإلهي في الوقت الذي شاءه سبحانه. نزلت سورة يوسف لتؤكِّد أن الله عز وجل إذا وعد وعدًا فإنه لا يخلفه، مهما طالت السنون، وادلهمَّت الخطوب، وتشابكت الأحداث. فالله عز وجل قد وعد يوسف عليه السلام بالاجتباء والتمكين من خلال رؤيا أراه الله إياها، وعبرها له أبوه يعقوب عليه السلام ﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ (4)﴾ (يوسف). لقد تحقَّقت هذه الرؤيا لسنوات طويلة وأحداث مريرة تعرَّض لها يوسف عليه السلام، لو تأملها الواحد منا وتصوَّر أنه يعيشها لشعر أن الأمور تسير في اتجاهٍ مضادٍّ، وأن على يوسف أن ينسى رؤياه ويضرب عنها صفحًا، ولكن الإرادة الإلهية التي تحرِّك الأحداث وتدبِّر الأمور كان لها حكمة من وراء كل حدث من أحداث القصة ﴿وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: من الآية 216). ابتلاء جديد يَكبُرُ يوسف عليه السلام في قصر العزيز، وفي أحد الأيام تستغلُّ زوجة العزيز فرصة غياب زوجها وتحاول إغراء يوسف عليه السلام، لكن الله عز وجل يعصمه ويحفظه ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ (يوسف: من الآية 24). يُحقَّق في الأمر، ويتأكَّد للجميع براءةُ يوسف من الفرية، ومع ذلك يقرِّرون إيداعه السجن حفاظًا على سمعتهم ووجاهتهم ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوْا الآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ (35)﴾ (يوسف). كان من الممكن أن يصدر قرار آخر، كنَفْي يوسف خارج البلاد مثلاً، لكن الله عز وجل الغالب على أمره يريد ليوسف أن يدخل السجن في هذا التوقيت، ويقابل الفتيين، ويحسن إليهما فيطمئنا إليه وإلى صلاحه، ثم يُري الله كلاًّ منهما رؤيا عجيبةً، فيذهبا إلى يوسف ويقصَّان عليه ما رأياه، فيلهمه الله عز وجل التعبير الصحيح لها، ويتحقَّق بعد ذلك كل ما نطق به عليه السلام. وتمضي السنون ويوسف عليه السلام في غياهب السجن، ثم يُري الله ملك مصر رؤيا تعجز الحاشية جميعها عن تفسيرها، ويذكِّر الله عز وجل ساقي الملك بأمر يوسف عليه السلام الذي صحبه في السجن والذي يحسن عِبارة الرؤى، فيسرع إليه بما سمعه من رؤيا الملك، فيفسِّرها له يوسف عليه السلام ليكون ذلك سببًا في خروجه من السجن وتولِّيه الوزارة. تصوَّر معي أخي القارئ يوسف عليه السلام في الليلة السابقة لخروجه من السجن وهو يعاني الوحدة والظلام، والنسيان والمستقبل المجهول، ثم تصوَّرْه وقد انتقل مباشرةً في غضون ساعات ليكون وزيرًا للخزانة في قصر الحكم، والسبب الشكلي لهذا الانتقال السريع وغير المتوقَّع هو تلك الرؤيا التي أراها الله الملك. كان من الممكن أن يُبرَّأ يوسف ويخرج من السجن، ويتدرَّج في المناصب حتى يصل إلى كرسي الوزارة بعد مدة من الزمن، ولكن لأن الله عز وجل يريد أن يوجِّه أنظار عباده بأنه وحده مالك هذا الكون، وأنه وحده الذي يحرِّك الأحداث كيفما يشاء، وأنه غالب على أمره، كانت هذه النقلة السريعة وبأهون الأسباب؛ لذلك كان التعقيب القرآني على طلب الملك من يوسف بأن يكون معه وزيرًا ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (56)﴾ (يوسف). النهاية السعيدة وبعد أن تولَّى يوسف عليه السلام وزارة الخزانة كان الناس يأتونه من كل حَدَبٍ وصوبٍ ليأخذوا الميرة، وفي أحد الأيام يفاجأ بإخوته وقد جاءوا إليه طلبًا للقمح، فيعرِّفه الله إياهم بعد هذه السنوات الطويلة، ولا يجعلهم- سبحانه- يعرفونه لحكمة عظيمة خفيت وقتها ولكنها تجلَّت حين انتهت القصة نهايةً سعيدةً، وفي الوقت الذي حدَّده العزيز الحكيم. يلهم الله عز وجل يوسف عليه السلام خُطَّةً يأخذ بها أخاه بنيامين ويستبقيه معه في القصر ﴿فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ (76)﴾ (يوسف). وتتوالى الأحداث، ويكشف يوسف أمره أمام إخوته في الوقت الذي شاءه الله عز وجل ﴿قَالُوا أَئِنَّكَ لأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (90)﴾ (يوسف). ويطلب يوسف عليه السلام من إخوته أن يحضروا أهلهم جميعًا ليشهد الجميع تحقُّق الرؤيا التي رآها منذ سنوات طويلة ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَاي مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا﴾ (يوسف: من الآية 100). ومع تلاحق الأحداث السعيدة إلا أنها لم تُنسِ يوسف عليه السلام الحقيقة الراسخة، وهي أن الذي حرَّك الأحداث وحقَّق الوعد في الوقت المناسب هو الله عز وجل؛ لذا نجده يسارع إلى تأكيد هذه الحقيقة في هذا الموقف المشهود، ﴿وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَاي مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنْ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنْ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ (يوسف: من الآية 100). إن المتأمل لقصة تمكين يوسف عليه السلام ليجد أمرًا عجبًا؛ فبعد أن كان في السجن متهمًا بأبشع تهمة، إذ به يخرج منه مرفوع الرأس، بل ومتولِّيًا وزارة مصر؛ وذلك في غضون ساعات؛ ليكون ذلك درسًا عظيمًا لأصحاب الدعوات بأن الفرج يأتي به الله من حيث لا يحتسب أحد، وبهذا المعنى ختمت السورة ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنْ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (110)﴾ (يوسف). فرددناه إلى أمه وَعَد الله عز وجل عباده بوعودٍ في الدنيا وفي الآخرة، ولقد أخبرنا سبحانه وتعالى عن كثيرٍ من وعوده التي تحقَّقت كاملةً وتامَّةً في الأزمان السابقة حتى يزداد يقيننا وإيماننا بتحقُّق وعده سبحانه بالتمكين لعباده المؤمنين، فتمتلئ قلوبنا بالسكينة والطمأنينة، حتى وإن رأينا من الأحداث ما لا يتناسب مع هذا الوعد، وحتى يزداد كذلك تشميرنا وسعينا في أداء الواجب المطلوب منا ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ (121) وَانتَظِرُوا إِنَّا مُنتَظِرُونَ (122)﴾ (هود). ومن الوعود التي وعدها الله عز وجل وتحقَّقت بشكلٍ مذهلٍ، ذلك الوعد الذي وعده سبحانه لأم موسى بعد ولادته ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنْ الْمُرْسَلِينَ (7)﴾ (القصص). لقد تصوَّرنا المشهد في ذلك الوقت لوجدنا أن عودة موسى عليه السلام إلى أمه ضربٌ من ضروب المستحيل؛ ففرعون أطلق جنوده ليبحثوا عن كل طفل يُولَد من بني إسرائيل حتى يذبحوه، وأم موسى وضعت الرضيع في صندوقٍ وألقته في النيل، والمتوقَّع أن يواجه الطفل أحد مصيرين؛ فإما أن يعثر عليه جنود فرعون فتكون نهايته، وإما أن يموت جوعًا وعطشًا أو غرقًا. مشهد مفزع، ولكن الأمر عند الله عز وجل ليس كذلك؛ فهو سبحانه يملك كل شيء في هذا الكون، وهو الذي يحرِّكه ويديره؛ فما من ذرة في هذا الوجود إلا وتتحرك بأمر الله وقدرته ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾ (الأعراف: من الآية 54). لا يملك تدبير الأمر أحد سواه، ولا يملك التقديم أو التأخير أو الخفض أو الرفع أو القبض أو البسط أحد غيره.. ما شاء كان، وما لم يشأْ لم يكن﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (82) فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (83)﴾ (يس). فمن خلال اليقين بهذه الحقائق لا ينبغي علينا أن نعجب إن رأينا وعده سبحانه لأم موسى بعودة ابنها يتحقَّق. لقد حدث ذلك بالفعل من خلال سلسلة عجيبة من الأحداث سخَّر الله خلالها بعض مخلوقاته، ومنها فرعون نفسه، ليقوم كلٌّ منها بوظيفةٍ محدَّدةٍ في زمنٍ محدَّد لينتهيَ الأمر بالنهاية السعيدة التي قدَّرها سبحانه ووعد بها أم موسى عليه السلام. بداية الأحداث تبدأ الأحداث التي يحركها الله عز وجل بأن تجد زوجة فرعون في نفسها الرغبة في السباحة في وقتٍ ما، فتذهب وتسبح في مكانٍ معينٍ من نهر النيل الكبير، وفي نفس الوقت يتحرَّك الصندوق الذي يحمل الرضيع موسى بأمر الله وبقدرته في اتجاهٍ مُحدَّد قدَّره له ربه ليلتقيَ بزوجة فرعون، فتجد في نفسها رغبةً في معرفة ما بداخله، فتجده طفلاً رضيعًا، وقد كانت- حسب تقدير الله وعلمه السابق المحيط- عقيمًا؛ وذلك ليزداد سرورها وفرحها بهذا الطفل، ومن ثم إلحاحها في بقائه معها في قصر فرعون ﴿وَقَالَتْ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (9)﴾ (القصص). خلال هذا الوقت كانت أم موسى فزعة؛ تفكر في وليدها وتريد أن تتكلَّم وتحكيَ ما حدث لمن حولها؛ لعلهم يشيرون عليها بشيء يعيد إليها وليدها، فيأمر الله السكينة أن تلزمها، ويثبِّت سبحانه قلبَها، ويربط على إيمانها كي لا يتزعزع ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ (10)﴾ (القصص). المقتدر يحرم المراضع بعد أن حمل الصندوق إلى القصر، بدأ الرضيع في البكاء- بأمر الله- فتذكَّر القوم ضرورةَ إرضاعه، فتُستَدعَى مرضعة فإذا بالرضيع يرفض الرضاعة منها، فتحاول مرارًا ومرارًا لكنه يرفض بأمر الله المقتدر، فتُستَدعَى مرضعة أخرى فيحدث لها ما حدث للأولى، فتُستَدعَى ثالثة ورابعة وفم موسى عليه السلام يأبى عليهن، حتى استُدعِيَت جميع مرضعات المدينة دون جدوى، ولا غرابةَ في ذلك؛ فالأمر الإلهي لا بد أن يُنفَّذ بعدم قبول موسى لأيٍّ منهن ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ﴾ (القصص: من الآية 12). في هذه الأثناء يُلهم الله عز وجل أم موسى بأن تُرسِلَ أخته لتتحسَّس أمر الصندوق، وإلى أين وصل، وما هو مصير أخيها ﴿وَقَالَتْ لأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (11)﴾ (القصص). كان من الممكن أن يرى القوم أخت موسى وهي ترقبهم فيُقبَض عليها وينتهي الأمر، ولكن كيف لهم أن يروها بأبصارهم وتلك الأبصار لا تتحرَّك ولا ترى إلا بأمر الله وقدرته؟! نعم أخي القارئ.. هذا هو ربك الذي إذا وعد وفَّى؛ فعندما وعد أم موسى بأنه سيردُّه إليها كان الوفاء بالوعد وبشكلٍ لا يمكن أن يخطر ببالها؛ لذلك نجد الخطاب القرآني يقول: ﴿فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ﴾ (القصص: من الآية 13)، ولم يقل فذهبوا به إلى أمه؛ لأن حقيقة الأمر أن الله عز وجل هو الذي حرَّك الأحداث بهذا الشكل العجيب، ومن ثم فهو الذي أعاد موسى إلى أمه، وما الصندوق، وما النيل، وما امرأة فرعون، وما المرضعات، وما مشاهد القصة كلها إلا جنودٌ لله يتحرَّكون بأمره، وينفِّذون مشيئته. هذا هو ربك.. لا يخلف وعده قصَّ علينا القرآن قصة أصحاب الكهف كنموذجٍ من نماذج تحقُّق الوعد الإلهي للفئة المؤمنة، وبصورةٍ لا يتوقَّعها أكثر المؤمنين تفاؤلاً، وكيف لا والأحداث قد تشابكت، والأمور قد تعقَّدت بشكلٍ غير مسبوق!! ولكن كل هذا لا يغيِّر شيئًا من الحقيقة الثابتة عبر العصور، ألا وهي أن إرادة الله دائمًا هي الغالبة ﴿إِنَّ اللهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ (الطلاق: من الآية 3). إن ما حدث مع الفتية من نهايةٍ سعيدةٍ وانتصارٍ للحق على الباطل، ليس بكبير ولا مُستَغرب على القدرة الإلهية المطلقة ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا (9)﴾ (الكهف). فيكفي أن هؤلاء الفتية قد حقَّقوا مراد الله من خلال توحيده وطاعته، وبذل الوسع في الدعوة إليه، والتضحية بمناصبهم وجاههم وراحتهم من أجل نَيْل رضاه ومحبته. يكفي هذا عند الله ليحقِّق لهم وعده، ويسخِّر الكون كله من أجلهم؛ فلقد مكَّنهم من الفرار من الطغاة بعد أن جهروا أمامهم بكلمة الحق، ودعَوهم إلى عبادة الله الواحد، ثم هو بعد الفرار يوجِّههم إلى الذهاب إلى كهفٍ في جبل من الجبال لكي يرتاحوا فيه، فيكفي ما بذلوه من أجله عليهم أن يناموا ويتركوا الأمر كله للإرادة الإلهية التي تحرِّك الأحداث في اتجاه التمكين للدعوة وللدين الحق. ولأن نومتهم ستطول، كان من الضروري أن تتعرَّض أجسادهم للشمس؛ لئلا تؤثر فيها الرطوبة، فسخَّرها الله لهم.. تعاملهم برفق ولطف ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَتَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ﴾ (الكهف: من الآية 17). وكيلا تتآكل جلوده من طول الرقاد، كان التحريك الهادئ لأجسادهم ﴿وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ﴾ (الكهف: من الآية 18). وكيف لا يحدث مثل هذا وهؤلاء الفتية في كنف الله ومعيَّته ولا بد من الحفاظ عليهم أحياءً معافين حتى تحين اللحظة المناسبة لتحقيق الوعد!! الريح تتحوَّل وتتحرَّك الأحداث في خارج الكهف تحرُّكًا إيجابيًّا؛ ففرار الفتية وعدم قدرة الظالمين على الإمساك بهم أو حتى الاقتراب منهم بعد العثور عليهم في الكهف جعل الناس يتعجَّبون من قدرة ذلك الإله الذي يعبده هؤلاء الفتية، والذي استطاع حمايتهم من أعدائهم، ومن ثم بدأت القلوب تنفتح لدعوة التوحيد. نعم.. استمر ذلك سنواتٍ طوالاً، ولكن ما الضير في هذا؟! فالفتية في كنف الله يحفظهم ويرعاهم، وكل يوم ينشق فجره تكسب فيه الدعوة أنصارًا جددًا، ويختل ميزان القوة لصالح الحق، حتى تأتيَ اللحظة المناسبة التي لم يكن يعلم أوانها إلا الله عز وجل، فيوقظ سبحانه الفتية بعد نومهم ثلاثمائة عام وازدادوا تسعة.. يوقظهم لمدة ساعات قليلة ليشاهدوا بأنفسهم تحقُّق وعد الله، وتُقَرُّ أعينهم بانتصار الحق على الباطل. ساعات قليلة يعودون فيها إلى الحياة ثم يموتون بعد ذلك ﴿وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لا رَيْبَ فِيهَا﴾ (الكهف: من الآية 21). كان من الممكن أن يموت هؤلاء الفتية في زمانهم الذي وُجدوا فيه ويروا تحقُّق الوعد وهم عند ربهم في العالم الآخر، ولكن ما حدث من نومهم لمدة ثلاثمائة عام وتسعة ثم يقظتهم لمدة ساعات، ما هو إلا تكريم من الله عز وجل لهم، وآية بينة على صدق ما أخبر به سبحانه من بعث وحساب، ودرس عظيم لأصحاب الدعوات، بأن عليهم أن يفعلوا ما يُرضي ربَّهم ثم ينتظروا موعوده، ولا يستعجلوه أو يقترحوا عليه الشكل الذي يريدونه لحدوث التمكين، بل عليهم أن يفوِّضوا أمرهم إليه ويقولوا كما قال الفتية بعد أن وصلوا للكهف، واستنفدوا كل ما لديهم من أسباب ﴿رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا﴾ (الكهف: من الآية 10). ستعود حتمًا ستعود عندما بدأ محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تبليغ دعوة ربه فوجئ بمعارضة شديدة من مشركي مكة.. استهزءوا به، سخروا منه، ألَّبوا الناس جميعًا عليه، حاربوا أتباعه وعذَّبوهم وساموهم سوء العذاب. ولم يَسْلم صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم من إيذائهم، فعن منبت الأزدي قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وهو يقول: "يا أيها الناس.. قولوا لا إله إلا الله تفلحوا"؛ فمنهم من تفل في وجهه، ومنهم من حثا عليه التراب، ومنهم من سبَّه حتى انتصف النهار، فأقبلت جارية بعس (2) من ماء فغسل وجهه ويديه، وقال: "يا بنية.. لا تخَشي على أبيك غيلةً (3) ولا ذلةً"، فقلت: من هذه؟ قالوا: زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وهي جارية وضيئة (4). وأخرج البخاري عن عروة رضي الله عنه قال: سألت ابن العاص رضي الله عنه فقلت: أخبرني بأشدِّ شيءٍ صنعه المشركون برسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم قال: بينما النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم يصلِّي في حِجْر الكعبة إذ أقبل عليه عقبة بن أبي معيط، فوضع ثوبه على عنقه فخنقه خنقًا شديدًا، فأقبل أبو بكر رضي الله عنه حتى إذا أخذ بمنكبيه ودفعه عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم وقال: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَنْ يَقُولَ رَبِّي اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (غافر: من الآية 28). واستمر صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم في دعوته، واستمر المشركون في السخرية والتضييق والإيذاء، حتى استقرَّ بهم الرأي على ضرورة قتله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، ووضعوا لذلك خُطَّةً مُحكَمةُ، لكن الله عز وجل كان من ورائهم محيطًا ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (30)﴾ (الأنفال). عند ذلك كان التوجيه الإلهي للرسول صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم بضرورة مغادرة مكة؛ فقد أصبح الوجود فيها خطرًا على حياته صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم وعلى الدعوة. ولكن ألا توافقني أخي القارئ أن أمر الهجرة وتَرْك البلد الحرام وتَرْك المكان الذي تربَّى فيه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم وعاش بين ربوعه عشرات السنين وكل ما يحمل من ذكريات.. ألا توافقني أنه أمر شاقٌّ على النفس؟! بلا شك إنه كذلك، لكنه الرسول القدوة الذي يضحِّي بكل ما يملك ويحب من أجل نَيْل رضا ربه وتبليغ دعوته. لقد ترك صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم كل شيء وخرج متخفِّيًا مع صاحبه.. خرج متخفيًا وهو خير من وطأت قدماه الثرى. واختبأ في غار ثور ثلاثة أيام، حتى إذا اطمأنَّ إلى خلوِّ المكان من المشركين خرج من الغار، وقبل أن يولِّيَ وجَهه شطر الطريق إلى المدينة سمح لعينيه بأن تُلقيَ على مكة نظرةَ الوداع، واهتاجت مشاعره صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم؛ فهو لا يدري هل سيراها مرةً أخرى أم لا، فينزل القرآن بوعدٍ قاطعٍ من الله عز وجل لحبيبه بأنه سيعود مرةً أخرى مرفوع الرأس مُمَكَّنًا في هذا البلد الحرام ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ (القصص: من الآية 85). تصوَّر مشاعره معي وهو يتلقَّى هذا الوعد في نفسه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. ليلة واحدة بدون سلاح هاجر صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم إلى المدينة، وبدأت الدولة الإسلامية الوليدة في الظهور، ليكون سببًا في تكالب العرب عليها من شتى أنحاء الجزيرة، وكانت السنوات الأولى بعد الهجرة من أحرج السنوات التي مرَّت على المؤمنين؛ فقد كانوا يتوقَّعون هجوم القبائل عليهم في أي وقت، بالليل أو بالنهار، وكيف لا وقد رمتهم العرب جميعًا بقوس واحدة، واتحدت كلمتهم عليهم؟! لذلك كان الصحابة- رضوان الله عليهم- يبيتون في بيوتهم وهم يلبسون ملابس الحرب، ومعهم سلاحهم ليكونوا متأهِّبين لصد أي هجوم. أمرٌ شاقٌّ أن ينام المرء دومًا في هذه الملابس، وبهذه الحالة من الترقُّب، والتي من شأنها أن تجعله يستيقظ وينتبه مع أدنى صوت يبلغ مسامعه؛ خوفًا من أن يكون العدو قد وصل إليه. ولو كان هذا الأمر مقصورًا على ليلة واحدة أو بضع ليالٍ لهان الأمر، لكنه امتدَّ إلى شهور وشهور؛ مما حدا ببعض الصحابة لأن يذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم ويسأله عن هذا الوضع الصعب، وإلى متى سيستمر، وهل ستأتي عليهم ليلة ينامون فيها آمنين بدون سلاح!. فكان الرد النبوي "لن تصبروا إلا يسيرًا حتى يجلس الرجل منكم في الملأ العظيم محتبيًا ليست فيه حديدة". ثم كان الرد الإلهي بنزول قوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمْ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ (النور: من الآية 55). الأحداث تتوالى وتوالت الأحداث سريعةً فكانت معركة بدر ثم أحد ثم الأحزاب، ويأتي صلح الحديبية ليكون بمثابة فتح عظيم، واعتراف رسمي بالدولة الإسلامية، ومقدَّمةً للفتح الكبير.. فتح مكة. وبعد الحديبية تنقض قريش المعاهدة ليكون ذلك سببًا لانطلاق الرسول صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم إلى مكة بجيش قوامه نحو عشرة آلاف مقاتل، وتحاصر مكة، ويستسلم أهلها، وتفتح دون قتال، ويتحقق الوعد الإلهي للرسول صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم بالعودة إليها فاتحًا ممكنًا. ومن أوفى بعهده من الله؟ ثماني سنوات تفضل بين الموقفين.. موقفه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم وهو يخرج من مكة طريدًا متخفيًا، وموقفه وهو يدخلها في وضح النهار فاتحًا ظافرًا، والكل مستسلم له، منتظر حكمه فيه. لقد كان صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم يعلم أن ربه يدبر الأمر، وأن وعده سبحانه سيتحقق بالعودة إلى مكة، لذلك كان حاله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم عجيبًا وهو يدخلها، فقد دخلها منكسرًا ساجدًا لله عز وجل، مظهرًا عظيم شكره وامتنانه له سبحانه وتعالى، معترفًا بفضله، بل ومستغفرًا له ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (1) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (2) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا (3)﴾ (النصر). وعد تحقق نصفه: ضرب الله عز وجل على اليهود الذلة والمسكنة بعد أن خانوا عهده، وارتكبوا من الموبقات ما ارتكبوا: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمْ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُوْلَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (60)﴾ (المائدة). وتفرق اليهود في شتى بقاع الأرض بعد أن ظهر كيدهم للمسلمين في عهد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم فتم إجلاؤهم عن المدينة المنورة، ثم بعد ذلك عن الجزيرة العربية بعد وفاته صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم في عهد عمر ابن الخطاب رضي الله عنه. ولم يتوقف كيد اليهود بعد الشتات، بل تتابع بحسب الأحوال والظروف، وظلوا يتحينون الفرص لكي يتجمعوا مرةً ثانيةً.. حتى كان لهم ما أرادوا في فلسطين حيث بدأوا الهجرة إليها في أوائل القرن العشرين الميلادي، ليتمكنوا بمساعدة القوى الكبرى- آنذاك- أن يعلنوا إقامة دولة إسرائيل على أرض فلسطين، واعترفت بهذه الدولة هيئة الأمم، وتسابقت الدول الكبرى في تأييدها غير مبالية بما يحدث لأهلها الأصليين من قتل وتشريد وتهجير، لينكشف أمام الجميع حجم المؤامرة التي تعرض لها الإسلام ممثلاً في فلسطين. وشجع وجود هذه الدولة المغتصبة الكثير من اليهود في شتى بقاع العالم بأن يهاجروا إليها، ويتجمعوا فيها بالملايين ليواصلوا احتلالهم وتوسعهم وإيذاءهم للبقية الباقية من أهلها. ومع مرارة احتلال اليهود لفلسطين، وتهجير الكثير من أهلها، ومع المذابح التي وقعت، والقدس التي احتلت، والمسجد الأقصى المحاصر والمهدد بالهدم، إلا أن ذلك كله يحمل في طياته بشرى عظيمة، وحقيقة أكيدة تقول لنا بأن وعد الله حق، وأنه لا يخالف الميعاد، فلقد وعد سبحانه اليهود في سورة الإسراء بأنه سوف يجيء بهم مرة أخرى إلى الأرض المقدسة بعد شتاتهم في الأرض ﴿وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الأَرْضَ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا (104)﴾ (الإسراء). نعم هذا التجمع ليس في مصلحة المسلمين، لكنه بالتأكيد يحمل في طياته خيرًا عظيمًا فاليهود لم يتعظوا مما حدث لهم عبر العصور الماضية واستمروا في الفساد والإفساد ﴿كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا﴾ (المائدة: من الآية 64). فكم من الجرائم تسببوا فيها، وكم من الحرائق أشعلوها بين مختلف الأجناس فلقد استغلوا تشتتهم في تحريك الفتن على مستوى العالم، ولن يهدأ لهم بال حتى يدمروا البشرية. لذلك كان هذا التجمع للكثير منهم في فلسطين يعد بمثابة فرصة عظيمة للإجهاز عليهم وكسر شوكتهم، وهذا ما أخبرنا به رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: "لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود، فيقتلهم المسلمون، حتى يختبئ اليهودي من وراء الحجر والشجر، فيقول الحجر أو الشجر، يا مسلم! يا عبد الله! هذا يهودي خلفي فتعال فاقتله، إلا الغرقد فإنه من شجر اليهود" (5) رواه مسلم. فتشتت اليهود على مستوى العالم يمكنهم من تنفيذ مؤامراتهم لتدمير البشرية، ويجعل أمر إضعافهم والتخلص منهم من الصعوبة بمكان، لذلك كان مجيؤهم لفلسطين وتجمعهم فيها فرصةً عظيمةً لتخليص البشرية من شرورهم وذلك من خلال قتالهم مجتمعين تحت راية واحدة. نعم، هذا لن يتم في يوم وليلة، ولكنه سيأخذ وقته اللازم حتى تكتمل عناصر النصر عند المسلمين، والهزيمة عند اليهود، ولكن- مما لا شك فيه- أن تجمع اليهود في فلسطين- كما وعدهم الله بذلك- يعد بمثابة بداية لنهايتهم في المعركة الفاصلة التي أخبرنا بها رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. مائة عام إلى الوراء: أخي القارئ تصور معي حال إخواننا المسلمين الذين كانوا يعيشون منذ مائة عام أو أكثر وهم يقرؤون آيات سورة الإسراء، ووعد الله لليهود بإحضارهم إلى فلسطين، وحديث رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم بقتال المسلمين لليهود، تصور حالهم وهم يتعجبون من هذه الوعود التي لا تتناسب مع الواقع آنذاك، وكيف لا وقد كانوا يرون اليهود مشتتين في بقاع الأرض أفرادًا وجماعات. وشاء الله عز وجل لأبناء الأجيال الأخيرة للأمة الإسلامية أن يروا بأعينهم تحقق الوعد الإلهي في نصفه الأول. رأوا بأعينهم يهود اليمن ومصر وإثيوبيا وأمريكا وروسيا وأوروبا وهم يهاجرون إلى فلسطين ليحققوا قوله تعالى ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا﴾ (الإسراء: من الآية 104). ومع الخسائر الضخمة والمعاناة الشديدة التي خلفها احتلال اليهود لفلسطين على أمة الإسلام، إلا أن هناك أمورًا إيجابيةً قد تحققت من وراء ذلك يراها الجميع رأي العين. فلقد بدأ المسلمون يستيقظون من سباتهم، ويدركون أبعاد المؤامرة التي تحاك ضد الإسلام، وأصبح الوجود اليهودي في فلسطين بمثابة الوقود الذي يشعل الحماس في القلوب وظهر جيل الصحوة وأطفال الحجارة وعلا المد الإسلامي في كل مكان، ليشكل هذا كله المقدمات المبشرة بتحقق الوعد الإلهي بقتال اليهود وهزيمتهم هزيمةً ساحقةً في السنوات القادمة، لتعود راية الإسلام عزيزةً خفاقةً على ربا فلسطين، وتنكسر شوكة اليهود، وتتحطم أحلامهم وأمانيهم بتدمير البشرية وعلوهم التام في الأرض. الخلافة قادمة من الوعود الإلهية لأمة الإسلام والتي أخبرنا عنها رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم بأنه ستكون هناك خلافة راشدة تظلل أمة الإسلام بعد أن تصطلي بنيران الحكم العضود، ثم الحكم الجبري المتسلط.. يقول صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: "تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكًا عاضًا، ما شاء الله أن يكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكًا جبريًّا، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة ثم سكت" (7) رواه أحمد والبزار والطبراني. فالحديث يخبرنا بأن هناك خمس مراحل ستمر بها الأمة الإسلامية، ولقد مرت بالفعل بأربع منها لتبقى المرحلة الخامسة: خلافة على منهاج النبوة، على وشك التحقق. نعم، أخي الحبيب، ستكون هناك خلافة عظيمة للمسلمين، وسيكون هناك خليفة واحد لأمة واحدة، شاء الناس أم أبوا.. هذا وعد قاطع من الله عز وجل على لسان نبيه، ليبقى السؤال: متى سيتحقق هذا الوعد. إن هذا الوعد ينتظر الجيل الذي يحقق الشروط التي اشترطها الله عز وجل، والتي ربط تحقيق وعده بها ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ (البقرة: من الآية 40). فالله عز وجل كتب على نفسه نصر المؤمنين ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (الروم: من الآية 47)، فإن لم يتحقق لنا النصر فلا ينبغي علينا أن نشك في وعد الله، بل نشك في أنفسنا ونواجهها بحقيقة الأمر ونسألها: هل حققنا الإيمان الذي يستوجب تحقيق الوعد الإلهي هل حققنا صفات جيل النصر والتمكين التي أخبرنا الله عنها في كتابه؟! ألم يقل سبحانه ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِي الصَّالِحُونَ (105) إِنَّ فِي هَذَا لَبَلاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ (106)﴾ (الأنبياء). ألم يقل سبحانه ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمْ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ (النور: من الآية 55). إذن فالأمر عندنا نحن، بمعنى أننا إن حققنا ما يريده الله منا: حقق الله لنا وعده، وإن لم نفعل فسيذهب جيلنا دون أن يرى إلا الذل والهوان والهزيمة، وسيستمر ذلك حتى يأتي الجيل الذي يستوفي ما يريده الله فيوفي الله بوعده له: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (54) إِنَّمَا وَلِيُّكُمْ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (55) وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمْ الْغَالِبُونَ (56)﴾ (المائدة). فلنعد إلى التاريخ: لقد كان الكثير من المسلمين في الماضي وقبل فتح القسطنطينية يراودهم الأمل بأن تتحقق فيهم بشرى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.. "لتفتحن القسطنطينية فلنعم الأمير أميرها ولنعم الجيش ذلك الجيش" (8) رواه الإمام أحمد في مسنده 4/335. وكانت هناك محاولات عديدة لفتح القسطنطينية عبر القرون الأولى ولكنها باءت بالفشل حتى ظهر جيل محمد الثاني (الفاتح) ذلك القائد العثماني الذي استكمل عدة النصر واستوفى الشروط التي طلبها الله عز وجل فكان الوفاء من الله، وكان الفتح المبين للقسطنطينية على يد محمد الفاتح وجيشه العظيم. وكذلك نحن أبناء هذا الجيل، أمامنا فرصة تاريخية لكي نكون ممن يحقق الله على أيديهم الخلافة الموعودة إنه شرف وأي شرف، أن نكون ممن يعيد الله على يده مجد الأمة الضائع. إنها فرصة تاريخية نستطيع اقتناصها- بعون الله- إذا ما وضعنا هذا الهدف أمامنا، وشمرنا في السعي إليه وبلوغه من خلال استكمال الشروط، واستيفاء الطلبات التي طلبها الله عز وجل. ولقد تم الحديث- بعون الله وفضله- عن أهم هذه الشروط بشيء من التفصيل في كتاب (الجيل الموعود بالنصر والتمكين) وكيفية تحقيقها، وإن أردنا أن نجملها فهي: أولاً: الإخلاص لله عز وجل، مصداقًا لقوله تعالى ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمْ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ (النور: من الآية 55). وإخلاص العبد لله عز وجل يستوجب منه أن يقصد بعمله رضا ربه ويطمع في مثوبته، ويستوجب منه كذلك أن يستعين بالله في أداء العمل، فلا يستعين بالله في أداء العمل، فلا يستعين بنفسه ولا بإمكاناته أو خبراته، بل يستشعر دومًا أنه بالله لا بنفسه، وأنه لا حول ولا قوة إلا بربه. ثانيًا: تمكن حب الله من القلب حتى يصير حبه أشد من جميع المحاب الأخرى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ (المائدة: من الآية 54). والدليل العلمي على صدق هذا الحب هو المسارعة إلى طاعته- سبحانه، والتضحية من أجله، والشوق الدائم إليه، والأنس به، والتلذذ بذكره، والرضا بقضائه. ثالثًا: التواضع وخفض الجناح وإنكار الذات، وأن يكون كل واحد من أبناء هذا الجيل عند نفسه صغيرًا ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ (المائدة: من الآية 54). والتواضع حالة قلبية يعيشها العبد وتظهر في سلوكه وتعاملاته مع ربه، ومع نفسه، ومع الناس. فمع ربه تراه دومًا متذللاً إليه، خاضعًا بين يديه، مظهرًا عظيم افتقاره وحاجته إليه، وأنه مهما أوتي من أشكال الصحة أو القوة أو الثراء أو الجاه.. فهو كما هو: عبد ذليل لرب جليل، وأن هذه الأشياء لم تغير من حقيقته شيئًا. أما تواضعه مع نفسه فيكون باستصغاره لها، ورؤيتها بعين النقص، لذلك فهو يمشي على الأرض هونًا، ولا يتبختر أو يختال. وأما تواضعه مع الناس فينطلق من رؤيته لهم بأنهم أفضل منه، مهما كانت أعماله ورتبته، فهو دائمًا ينظر إلى الجانب الإيجابي لكل من يتعامل معه، ويستشعر أفضليته عليه. رابعًا: الخوف من الله.. ذلك الذي يدفع صاحبه إلى الاستقامة على أمره سبحانه ﴿إِنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (الأعراف: من الآية 128). وفارق كبير بين خوف عارض يهز المشاعر، ويرسل العبرات، ثم يمضي إلى حال سبيله، وبين خوف دائم يملأ القلب ويجعله دائمًا في حالة من التذكر والانتباه. إن الخوف المطلوب وجوده هو الخوف الذي يدفع للعمل، ويثمر التقوى والورع في كل الأقوال والأفعال، فيتحرى صاحبه الدقة في كلامه، ويترك الكثير من المباح مخافة الوقوع في الحرام. سادسًا: عدم التعلق القلبي بالدنيا كما اشترط النبي يوشع بن نون على بني إسرائيل عندما أراد أن يدخل الأرض المقدسة كما في الحديث: "غزا نبي من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم فقال لقومه: لا يتبعني رجل ملك بضع امرأة وهو يريد أن يبني بها ولم يبن بها، ولا أحد بنى بيوتًا ولم يرفع سقوفها، ولا أحد اشترى غنمًا أو خلفات وهو ينتظر أولادها.." (9) متفق عليه. سابعًا: كثرة العبادة، فالجيل الذي سيمكنه الله عز وجل جيل عابد يحن دومًا إلى المحراب ليسكب العبرات ويتزود بوقود الإيمان، ولقد أخبرنا الله عز وجل بأن ﴿الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِي الصَّالِحُونَ (105) إِنَّ فِي هَذَا لَبَلاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ (106)﴾ (الأنبياء). وأخبرنا بصفة من يمكنهم في الأرض ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنْ الْمُنْكَرِ﴾ (الحج: من الآية 41). ثامنًا: الصبر والثبات: فطريق التمكين ليس مفروشًا بالورود بل مليء بالأشواك والعقبات ﴿الم (1) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ (2)﴾ (العنكبوت). ولقد سار في هذا الطريق أصحاب الدعوات من قبلنا، فلما صبروا وتحملوا مشاقه ولأوانه أكرمهم الله عز وجل بالنصر والتمكين ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ﴾ (الأنعام: من الآية 34). تاسعًا: الاعتدال والتوازن، فالجيل الموعود بالنصر والتمكين عليه أن يفهم الإسلام فهمًا صحيحًا شاملاً متكاملاً، فيعطي كل ذي حق حقه، لا يضخم صغيرًا، ولا يصغر كبيرًا، لا يترخص فيما لا ينبغي الترخيص فيه، ولا يتشدد فيما لا ينبغي التشدد فيه حتى يستقيم له السير ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (112) وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمْ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لا تُنصَرُونَ (113)﴾ (هود). عاشرًا: الترابط والتآخي: فلا بد من الوحدة، ولا بد من التآخي في الله.. لا بد من وحدة القلوب وعدم التنازع ﴿وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ (الأنفال: من الآية 46). لا بد من توحيد الصفوف، والتحرك الجماعي الذي يستفيد بجميع الطاقات، ويقوم بتوزيع المهام على كل الأفراد حتى يصل إلى الهدف المنشود، فإن لم يستطع المسلمون أن يتوحدوا تحت راية واحدة، وهم يسعون لاستكمال شروط النصر، واختلفوا فيما بينهم، فليكن اختلاف تنوع لا اختلاف تضاد، بمعنى أن يكمل بعضهم بعضًا تحت ظلال المحبة في الله، وليكن شعار الجميع، نجتمع فيما اتفقنا عليه، ويعذر بعضنا بعضًا فيما اختلفنا فيه. ولو حرك قدم العزم لوصل: والناظر المتفحص للصفات العشر السابقة يجد أن أمر تحققها ليس بالمستحيل، فأدواتها بين أيدينا، ولا ينقصنا إلا صدق الإرادة، والعزيمة، وكيف لا، والذي سيمكننا هو الله.. والذي سيعيننا ويفتح لنا القلوب هو الله.. والذي سيكف بأس أعدائنا عنا هو الله.. ولم العجب وخزائنه ملأى بكل خير؟ ومن السهل علينا أن نستفتحها لنتزود منها بما يحقق لنا آمالنا شريطة أن نقبل على الله ونلح عليه إلحاحًا شديدًا، وتظهر عظيم افتقارنا إلى ما عنده. إن العقبة الأساسية التي تعرضنا هي عقبة الإرادة، فلو أردنا بصدق أن نكون من جيل التمكين، وأن ننعم بالخلافة فسيهيئ الله لنا الأسباب التي تعيننا على الوصول إلى هذا الهدف. ولنتذكر أن سلمان الفارسي عندما أراد الوصول إلى الحق بصدق، مكنه الله من ذلك بعد سلسلة طويلة من المتاعب. إن ما عند الله لن يأتي إلا بالله، والله لن يعطيه إلا لمن يريده بصدق ﴿إِنْ يَعْلَمْ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا﴾ (الأنفال: من الآية 70). وعلى قدر النية والإرادة تكون المعونة والتأييد، فالإمداد على قدر الاستعداد. نموج عملي: ويكفيك- أخي القارئ- في تأكيد هذا المعنى ما حدث في عهد عمر بن عبد العزيز من عودة إلى الإسلام الصافي كما كان في عهد الخلفاء الراشدين رغم حدوث الكثير من الانحرافات في عهد الدولة الأموية وقبل توليه الخلافة. فيعد أن آلت الخلافة إلى عمر بن عبد العزيز بعث إلى سالم بن عبد الله بن عمر يطلب منه أن يرسل إليه بكتب عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأقضيته وسيرته لأنه عازم على السير على نهجه. فكتب إليهم سالم يقول: أما بعد، فقد جاءني كتابك الذي تذكر فيه أن الله عز وجل ابتلاك بإمرة المسلمين من غير طلب منك ولا مشورة، وأنك تريد أن تسير بسيرة عمر، فلا يفتك أنك في زمان غير زمان عمر، وأنه ليس في رجالك من يماثل رجال عمر، ولكن اعلم أنك إن نويت الحق وأردته، أعانك الله عليه، وأتاح لك عمالاً يقومون لك به، وأتاك بهم من حيث لا تحتسب، فإن عون الله للعبد على قدر نيته، فمن تمت نيته في الخير تم عون الله له، ومن قصرت نيته نقص من عون الله بقدر نقص نيته.. (10) صور إيمانية من حياة الصحابة والتابعين، لمصطفى أبو المعاطي 224، 225. ومع أن زمان عمر بن عبد العزيز يختلف عن زمان عمر بن الخطاب، ورجال عمر بن عبد العزيز يختلفون عن رجال عمر بن الخطاب، إلا أن صدق عمر بن عبد العزيز وإرادته الجازمة التامة بأن يسير على هدى عمر ابن الخطاب كانت سببًا حاسمًا في استدعاء التوفيق والمعية الإلهية التي رافقته طيلة فترة حكمه ومكنته من أن يعود بالأمة إلى عهد الخلفاء الراشدين، فيستحق لقب الخليفة الخامس. من هنا يتأكد لدينا بأننا لو أردنا بصدق أن نكون من جيل التمكين لأتانا المدد بذلك من الله عز وجل. فالإرادة الجازمة الصادقة هي نقطة البداية، وكما قالوا: ليس الشخص الذي يقفز إلى أعلى هو الذي يفوز بالثمن، يفوز بها من يريدها أكثر. معنى ذلك أننا نريد أن يكون كل منا ممن عناهم عبد الرحمن الكواكبي بقوله: ما بال الزمن يضن علينا برجال ينبهون الناس، ويرفعون الالتباس ويفكرون بحزم، ويعملون بعزم، ولا ينفكون حتى ينالوا ما يقصدون. علم الخلافة يرفرف من بعيد: لقد كان محمد الفاتح يربي منذ صغره على أنه الذي سيفتح القسطنطينية، وكانت الأمة من حوله تربى على ذلك، فحقق الله لها ما أرادت. ونحن كذلك إن اعتبرنا أننا المعنيون بالمرحلة الخامسة من مراحل الأمة الإسلامية- مرحلة الخلافة على منهاج النبوة- وأخذنا هذا الأمر مأخذ الجد، وتمكن من إرادتنا حتى قويت واشتدت، وترجمنا هذه الإرادة الجازمة بإلحاح حار ومتواصل على الله عز وجل بأن يفتح لنا خزائن رحمته ومدده وتوفيقه، وبدأنا في السعي لاستكمال الصفات المؤهلة، والشروط المطلوبة لجيل التمكين، فلا تسل عن المدد الإلهي الذي سيفيض علينا ومن حيث لا نحتسب ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (106) أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ (البقرة). غدًا نلتقي في دار الخلافة: لقد رفع اليهود شعار: "غدًا نلتقي في القدس" بعد أن قرروا إقامة دولتهم في فلسطين، وذلك في مؤتمر "بال" في سويسرا عام 1897 ميلادية، وكان الواحد منهم حينما يلتقي يهودي مثله في أي مكان في العالم يقول له: "غدًا نلتقي في القدس"، ووضعوا هذا الهدف أمامهم. يلقنونه أبناءهم، ويختمون به اجتماعاتهم، وذلك لمدة خمسين عامًا أو يزيد حتى تحقق لهم ما أرادوا، وهم من هم... هم المغضوب عليهم، المحرومون من توفيق الله ومعيته. فلماذا لا نفعل ذلك، ونحن الأمة التي وعدها الله بالتأييد والتوفيق إن سلكنا طريقه، وجاهدنا في سبيل إعلاء كلمته؟! فلنرفع جميعًا هذا الشعار: "غدًا نلتقي في دار الخلافة" ولنرب أبناءنا على ضرورة بلوغ هذا الأمل، ولنذكر به في كل مناسبة، وحين اللقاء وحين الوداع. فإن تحقق ذلك الأمل في حياتنا فتلك عاجل بشرى المؤمن، وإن لم يتحقق فيكفي أننا مهدنا الطريق له، واختصرنا المسافة على من بعدنا، وليس هذا فحسب بل كيفينا كذلك وعده سبحانه وتعالى على لسان نبيه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: "من سأل الله القتل في سبيل الله، صادقًا من قلبه، أعطاه الله أجر شهيد، وإن مات على فراشه" (11) صحيح الجامع (6277). زراعة الأمل أخي الحبيب: لنبدأ من الآن بزراعة الأمل في أنفسنا وأولادنا بأننا الجيل الموعود بالخلافة على منهاج النبوة، ولنتعامل مع هذا الأمر على أنه حقيقة ستتأكد قريبًا، وأن الفرصة سانحة أمامنا لنيل هذا الشرف العظيم. فإن لم نفعل، واستسلمنا للهزيمة النفسية التي يحاول أعداؤنا إغراقنا فيها، فسيذهب جيلنا كما ذهب غيره، وسيظهر حتمًا جيل جديد يتحقق فيه هذا الوعد بعد أن يستوفي شروطه، فينعم بالخلافة، ويرى عز الإسلام ومجده، فيسعد في الدنيا والآخرة. ولكن لماذا: لا نكون نحن هذا الجيل؟ ما الذي يمنعنا من ذلك؟! كل ما هو مطلوب أن نشمر عن سواعد الجد، وأن نأخذ هذا الأمر بقوة، ونعتبره هدفنا جميعًا، وأن نترجم هذا كله بالاستعانة الحارة بالله عز وجل بأن يعيننا ويقوينا، ويجعلنا أهلاً لحمل أمانته، ثم ننطلق في استكمال بناء المشروع الإسلامي حتى يفتح الله بيننا وبين قومنا بالحق وهو خير الفاتحين. والحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. ---------- 1- انظر السيرة النبوية للصلابي 1/348، 349. 2- العس: القدح الكبير. 3- غيلة: خديعة 4- أخرجه الطبراني. |
من صفات العابدين: الكرم والجود |
[11:54مكة المكرمة ] [18/05/2008] |
![]() |
من صفات العابدين |
بقلم: د. أحمد عبد الخالق |
حمدًا لله تعالى، وصلاةً وسلامًا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد.. فلقد ذكرنا في حلقات مضت أن العابد لله تعالى يتميز بصفات يعرف بها، دون غيره من الناس، وذكرت ثلاثًا من هذه الصفات، وفي هذه الحلقة يتواصل الحديث حول بعض هذه الصفات الأخرى للعابدين. ومن هذه الصفات الكرم والجود؛ بحيث لا يكون شحيحًا ولا بخيلاً؛ حيث إن العابد لله تعالى لا يمكن إلا أن يتصف بالجود والكرم؛ قال تعالى: ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (180)﴾ (آل عمران)؛ فالعابدُ لله تعالى يكون كريمًا؛ لأن قدوته في ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كان أجود الناس، بل كان أجود بالخير من الريح المرسلة. وعن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أنه كان يقول: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان، حين يلقاه جبريل، وكان جبريل يلقاه في كل ليلة من شهر رمضان، فيدارسه القرآن؛ قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم حين يلقاه جبريل عليه السلام أجود بالخير من الريح المرسلة. ولقد ربَّى الرسول صلى الله عليه وسلم أصحابه على هذه الخلال الحميدة تربيةً عمليةً، وذلك من خلال ما كانوا يرونه منه عليه الصلاة والسلام، حين يأتيه السائل، فيعطيه عطاءَ مَن لا يخشى الفقر، إن كان عنده، وذلك كما روى أنس، أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم غنمًا بين جبلين، فأعطاه إياه، فأتى قومه، فقال: أي قوم أسلموا؛ فوالله إن محمدًا ليعطي عطاء من لا يخاف الفقر، وإن لم يكن عنده ما يعطيه دلَّه على من يعطيه، وذلك كما روي أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله: "ما عندي ما أعطيكه، ولكن ائت فلانًا"، فأتى الرجلَ فأعطاه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من دل على خير، فله مثل أجر فاعله، أو عامله"، أو يقول له: اشتر على حسابي، وأنا أقضي عنك ما تشتريه. ومما روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله أن يعطيه؛ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "ما عندي شيء، ولكن ابتع علي، فإذا جاءني شيء قضيته"، فقال عمر: يا رسول الله، قد أعطيته، فما كلفك الله ما لا تقدر عليه، فكره صلى الله عليه وسلم قول عمر، فقال رجل من الأنصار: "يا رسول الله، أنفق ولا تخف من ذي العرش إقلالاً"، فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعُرِفَ في وجهه البشر، لقول الأنصاري، ثم قال: "بهذا أمرت". لذلك فقد رأينا تلامذة رسول الله صلى الله عليه وسلم يسيرون على نهجه، متأسِّين به في جوده وكرمه، وذلك كما روي عن أنس بن مالك قال: كان أبو طلحة أكثر الأنصار بالمدينة مالاً من نخل، وكان أحب أمواله إليه "بيرحاء"، وكانت مستقبل المسجد، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخلها ويشرب من ماء فيها طيب؛ قال أنس: فلما نزلت ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ (آل عمران: من الآية 92)، قام أبو طلحة فقال: يا رسول الله، إن الله تعالى يقول: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ وإن أحب مالي إليَّ "بيرحاء"، وإنها صدقة لله أرجو برّها وذخرها عند الله، فضعها يا رسول الله حيث أراك الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بخ، بخ.. ذلك مال رابح، وقد سمعت ما قلت، وإني أرى أن تجعلها في الأقربين"، فقال أبو طلحة: أفعل يا رسول الله، فقسمها أبو طلحة في أقاربه وفي بني عمه. والأمثلة في هذا المجال كثيرة؛ فمن أحب رسول الله صلى الله عليه وسلم اقتدى به، وتشبَّه به حتى يحشر معه في الآخرة. والعابد لله تعالى يكون كريمًا؛ لأنه يثق فيما عند الله تعالى الذي لا تنفد خزائنه؛ قال الله تعالى: ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (96)﴾ (النحل). ويقول تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَمَا أَنفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (39)﴾ (سبأ)، ويقول تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (261) الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُوا مَنًّا وَلا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (262)﴾ (البقرة). فالثقة سواد عين التوكل، ونقطة دائرة التفويض، وسويداء قلب التسليم، وهذا ما يلاحظ في قوله تعالى لأم موسى: ﴿فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي﴾ (القصص: من الآية 7)، فإن فعلها هذا هو عين ثقتها بالله تعالى، إذ لولا كمال ثقتها بربها، لما ألقت بولدها وفلذة كبدها في تيار الماء تتلاعب به أمواجه وجريانه إلى حيث ينتهي أو يقف. والعابد الجواد الكريم عندما يجود بما معه، إنما يثق في وعد الله تعالى، الذي وعده بمضاعفة الأجر إلى سبعمائة ضعف ويزيد، ويثق في أن الله تعالى، إنما يعوضه عما أنفق في الدنيا قبل الآخرة، ويثق في أن الله تعالى يبارك له في نفسه وأهله وماله؛ لذا لما قيل لعبد الرحمن بن عوف إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لا تزول قدما عبد يوم القيامة، حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه، وعن علمه ماذا عمل به، وعن ماله من أين اكتسبه، وفيما أنفقه؟"، قال عبد الرحمن بن عوف: وماذا أصنع إذا كنت أنفق المائة في الصباح فيرزقني الله بألف في المساء، وأنفق المائة في المساء، فيرزقني الله بألف في الصباح. والعابد لله تعالى لا يكون بخيلاً ولا شحيحًا؛ لأن الشح والبخل من المهلكات؛ حيث إن الله تعالى يقول: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ﴾ (الحشر: من الآية 9)، فمنطوق الآية يشير إلى أن الذي يقي نفسه من الشحّ والبخل إنما يكون من الفائزين المفلحين، أما مفهوم الآية فإنه يشير إلى أن الذي يكون شحيحًا وبخيلاً إنما يكون من الهالكين، وهاكم حديثًا يبين أن شحيح القلب قاسي القلب لا يستجيب لله وللرسول، ولا ينتفع بالذكرى ولا تحرِّكه موعظة؛ فعن أبي أمية الشعباني قال: أتيت أبا ثعلبة الخشني فقلت له: كيف تصنع بهذه الآية؟ قال: أيةُ آية؟، قلت: قوله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ (المائة: من الآية 105)، قال: أما والله لقد سألت عنها خبيرًا، سألتُ عنها رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، فقال: "بل ائتمروا بالمعروف، وتناهوا عن المنكر، حتى إذا رأيت شحًّا مطاعًا، وهوى متبعًا، ودنيا مؤثرة، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فعليك بخاصة نفسك، ودع العوام؛ فإن من ورائكم أيامًا الصبر فيهن مثل القبض على الجمر، للعامل فيهن مثل أجر خمسين رجلاً، يعملون مثل عملكم"، قال عبد الله بن المبارك وزادني غير عتبة، قيل: يا رسول الله، أجر خمسين منا، أو منهم؟ قال: "بل أجر خمسين منكم" (رواه الترمذي). فالعابد لله تعالى صاحب قلب رقيق، وعين هطالة بالدمع، وحس مرهف؛ لذا فإنه يشعر بالجائع فيتحرك لإطعامه وسد حاجته، ويشعر بالملهوف فيتحرك لإغاثته ونجدته، ويشعر بالمستضعف والمظلوم فيتحرك لنصرته، ويشعر بالمريض فيتحرك لإسعافه وتطبيبه وتخفيف معاناته، ويشعر بالبائس فيتحرك لإسعاده وإدخال السرور عليه، وهكذا يكون العابد لله لا يمكن أن يتصف بالشح والبخل فهما ضدان لا يجتمعان معًا في قلب العابد لله تعالى. والعابد لله تعالى لا يكون شحيحًا ولا بخيلاً؛ لأن البخل من صفات المنافقين والكافرين، ومعاذ الله أن يكون العابد من المنافقين؛ قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (37) وَالَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَنْ يَكُنْ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا (38)﴾ (النساء)، وقال تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَى وَلا يُنفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كَارِهُونَ (54) فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ (55)﴾ (التوبة)، ويقول عز من قائل: ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمْ الْفَاسِقُونَ (67) وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمْ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ (68)﴾ (التوبة). فهل رأيتم أيها الأحبة كيف يكون سلوك المنافقين؟! فسلوكهم هو عبارة عن أمر بالمنكر ونهي عن المعروف وقبض لليد؛ بمعنى الإمساك والبخل، فلا ينفقون أموالهم طوعًا، إنما ينفقونها كرهًا، والعابد لله تعالى إنما ينأى بنفسه عن كل ذلك. لقد ذكَّرنا الله تعالى بصفات العابدين بعد أن ذكر المنافقين؛ فقال تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمْ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (71)﴾ (التوبة)؛ فمن صفات العابد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وطاعة الله ورسوله، وهذه الصفات كلها تنمُّ عن أن العابد شديد الاهتمام بأمر أمته، حريص على إسعادهم والأخذ بأيديهم، وإنقاذهم من كل ما يكون سببًا في إهلاكهم، ثم ذكر الله أجرهم الأخروي فقال: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنْ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (72)﴾ (التوبة). ويا له من أجر وصفه الله خالقه بالعظمة!! وكيف لا يكون عظيمًا وقد أعده الله تعالى لعباده العابدين الطائعين؟! وكيف لا يكون عظيمًا، وهو عبارة عن مساكن طيبة في جنات عدن؛ أضف إلى ذلك الرضا الذي أحله الله على عباده، والرضوان الأكبر كافٍ لإسعاد العابدين، الذين عملوا على إسعاد غيرهم في الدنيا، فكان الجزاء من جنس العمل، وهذا كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم: "من نفّس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفّس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسر على معسرٍ يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلمًا ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه". لقوله عليه الصلاة والسلام: "من أفضل العمل، إدخال السرور على المؤمن، تقضي عنه دينًا، تقضي له حاجة، تنفس له كربة". فهنيئًا للعابد بهذا الأجر والثواب. وهنيئًا للأتقياء الأخفياء، الذين يعملون في صمت. طوبى لهم وحسن مآب. أيها الحبيب: هل تحب أن تكون من العابدين؟، إذا كنت تحب ذلك، فما عليك إلا أن تسلك سلوكهم، وتنهج نهجهم، وتقتفي آثارهم، ولا تكن كما يقول القائل: ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها إن السفينة لا تجري على اليبس فاعملوا ليوم تشخص فيه الأبصار، واعلموا أنه لن ينجيكم من الهلاك في هذا اليوم إلا ما قدمتم لأنفسكم من خير وأخرتم من شر ﴿ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وَمَا تُقَدِّمُوا لأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (المزمل: من الآية 20). أسأل الله تعالى لي ولكم النجاة من النار، وأدخلنا الجنة مع الأبرار، وإلى أن نلتقي.. أستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه. |