كيف تنمى مهارات ابنك
04 حزيران, 2008

كيف تنمى مهارات ابنك

مقدمة :

اخوتي الكرام تربية الأبناء مسئولية عظيمة وحساسة للغاية وخاصة في زماننا هذا لكثرة المتغيرات والأحداث وانفتاح العالم وتغير المفاهيم ..
وتبقى حال الطفل ماثلة أمام المربي حين تربيته ، كما تتجلى حال المريض أمام الطبيب حين معالجته ، يراعي حالته ومقدرته ومزاجه فيكون أثر التربية أتم وأعظم ثمرة " وهذا هو الأساس في معاملة الكبار مع الصغار ..
ويختلف أسلوب التعامل مع الطفل من شخص لآخر ومن طفل لطفل ... ومن وقت لآخر .

وعلى الرغم من كون هذا الموضوع متشعب وواسع المدى إلا أنه يمكن تناوله على النحو التالي بطريقة مبسطة ووفق نقاط محددة من خلال الإجابة عن سؤالين :ـ

1- من هو ابني ؟
2- ما تلك المهارات الواجب تنميتها لديه ؟

السؤال الأول : من هو ابني؟

من هو ابني ؟ ويمكن لكل أم أن تجيب عنه بسهولة على سبيل المثال ما سنه ؟ ما قدراته ؟ ما ميوله ؟ ما رغباته ؟ ووفق كل مرحلة عمرية من المفترض أن هناك مهارات يجب أن يجيدها الابن في كل مرحلة حسب طبيعتها ، وعلى هذا ينبغي على الأم أن تتفهم طبيعة كل مرحلة وطبيعة المهارات التي يكمن لابنها أن يمتلكها فى تلك المرحلة ، وعليه يجب أن تكون توقعات الأم تجاه طفلها متسمة بالواقعية والمرونة ، فلا تطالب ابنها بمهارات أعلى من قدراته الفعلية ،وعلى النقيض لا يجب عليها أن تهمل طفلها .

ونهمس في أذن كل أم بأن عليها أن تدرك أن الهدوء والحب وإجادة اللعب بمثابة المفتاح الذي نفتح به الباب لكي يتعلم الابن المهارات اللازمة ، كما يجب على الأم أن تتقبل الفروق الفردية الموجودة بين الأطفال ، وأن تكون على يقين بأن الله سبحانه وتعالى قسم الجمال والأرزاق والقدرات.... الخ بين الخلق . كما يجب على الأم أن تسمح لابنها بالخطأ وعليها أن تصححه بهدوء ودون انفعال .

السؤال الثاني:ـ ما تلك المهارات الواجب تنميتها لديه ؟

فالمهارات عديدة ومتنوعة ويمكن أن يكتسبها الإنسان أو يتعلمها ، ولكننا سوف نركز على مجموعة من المهارات التي نستشعر قيمتها وأهميتها ومنها : الثقة في الذات ـ الاعتماد على النفس ـ الاستقلالية ـ اتخاذ القرار . ولعلنا ندرك أن المهارات السالفة الذكر بمثابة سلسلة متشابكة من المهارات . والسؤال الآن كيف تبدأ الأم مع طفلها في تعلم المهارات السابقة ؟

على الأم أن تترك العنان بالتدريج للابن في تولى إدارة شؤونه بنفسه ، انها تسلمه عصا القيادة وتتابع خطواته عن قرب وهى إلي جانبه لتتأكد أنه بخير ، وعليه يجب عليها أن تتخلى وبالتدريج عن حقها في أن تختار كل شيء يتعلق بنواحي حياة الطفل ، وان تتيح له فرصة ممارسة حقه في أن يختار ويتحمل مسؤولية هذه الخيارات .

نصائح للأم :

- ونصيحة أخرى نهمس بها في أذن كل أم " عليها أن تعلم ابنها أن يحكى لها كل شيء يدور في حياته كأن يحكى لها ماذا حدث له منذ أن ذهب إلي الحضانة في الصباح إلي أن عاد إلي البيت ، ولعل المغزى من هذا يتمثل في كونه يصبح أكثر قربا من والدته .
- على الأم أن تعلم ابنها السباحة فتلقى به في اليم ولكن تكون قريبة منه حتى لا يغرق ، فعندما يبلغ الابن سن 6سنوات يكون قادرا على تحمل مسؤولية معظم احتياجاته الشخصية ( رعاية ذاتية ) وفى سن 7 سنوات ممكن له أن يساعد والدته في غسل ملابسه وترتيب غرفة نومه ونظافتها . وفى سن 8 سنوات يمكن له أن يختار ملابسه بنفسه ويعطى مصروف جيب يكون حرا في أن يتصرف فيه كيفما شاء . ومن سن 9ـ 12يحدث له طفرة كبيرة في الاستقلالية وعلى الأم أن تتقبلها وتكون مسرورة بها ، ويصبح للابن رأى في شؤون الأسرة ويجب أن يشترك في اتخاذ القرارات .
- على الأم أن تدرك أن الحماية الذائدة للطفل تضر بشخصيته أكثر مما تفيده .
- على الأم أن تشجع ابنها في مرحلة لاحقة على اتخاذ القرار وكلما زاد قدر المسؤولية التي تلقى بها الأم على كاهل طفلها كلما كان الابن أكثر قدرة على تحمل المسؤولية .

التعلم والاستذكار :

إن الحديث عن موضوع التعلم والاستذكار يعتبر من الأمور المفيدة للأسرة بشكل عام، وعلى هذا سوف نلقى الضوء على مجموعة من الأمور تساهم وبشكل مباشر فى تعلم الابن مهارة الاستذكار وهى على سبيل المثال :

ـ تنظيم الوقت .
ـ القراءة .
ـ التركيز .
ـ التذكر .
ـ زيادة الدافعية .
ـ تقليل الخوف من الامتحان .

كيف نعلم الابن تنظيم الوقت ؟

هناك مجموعة من الخطوات يمكن اتباعها حتى نحقق هذا الهدف منها:ـ

ـ يجب أن يتعرف الأبناء على الأمور التي قد تسبب تضييع الوقت ومنها ( التلفاز ـ التليفون ـ زيارة الأصدقاء ..الخ )
ـ يجب أن نحدد الأولويات المرتبطة بالمقررات الدراسية ،وعدد ساعات المذاكرة ،والأولويات الشخصية .
ـ يجب على الأبناء أن يكتبوا قائمة يحددوا من خلالها أفضل أوقات المذاكرة.
ـ يجب على الأبناء أن يعدوا جدول للمذاكرة لمدة أسبوع ( جدول واقعي ).
ـ يجب على الأبناء أن يحللوا الجدول السابق وفي ضوءه يضعوا جدول آخر ( مثالي ) لمدة أسبوع .
ـ على الأبناء أن يقارنوا بين الجدول المثالي والجدول الواقعي ويسجلوا الاختلاف بين الجدولان.
ـ يجب على الأبناء ألا يضعوا أهدافاً بعيدة المدى حتى يسهل عليهم تحقيقها .

كيف تعلم الابن القراءة :

ـ للتأكيد على هذه المهارة على الأبناء القيام بالآتي :

1- تحديد النقاط الأساسية في المادة المقروءة.
2- عدم وضع خطوط على كل أجزاء الكتاب . ولكن ينبغي وضع خط تحت الفكرة الهامة ، حيث يساهم ذلك في توفير وقتك عندما تقوم بالمراجعة .
3- عليك أن تضع علامات خاصة مثل ( ؟ ـ ! ـ : ـ " * ) حتى تساعدك على تحديد الأفكار الرئيسية .
4- استخدم المساحات البيضاء لتدوين الملاحظات وبشكل واضح .

   التركيز :

دائماً ما تكون البداية صعبة عند الاستذكار وعليك أن تتبع الآتي حتى تكون أكثر قدرة على التركيز:

ـ اجلس وابدأ في تذكر ما في ذهنك عن الدرس.
ـ اختبر معلوماتك في ضوء ما تتذكره.
ـ اكتب مجموعة من الأسئلة التي تغطي الدرس الذي تحاول التركيز فيه.
ـ ابدأ الدرس وحل الواجبات.
ـ امسك القلم باستمرار وقسم الدرس إلى مراحل.
ـ خذ فترة قصيرة من الراحة ( علماً بأن تركيز الفرد 40 دقيقة ) .

تذكر :

ستذكر موضوعات متكاملة ولهذا عليك أن تقرأ الموضوع ككل ثم تستمع إلى ما تستطيع فهمه وحفظه دون النظر إلى النص .

ـ عليك أن تلجأ عند التذكر إلى تقسيم الدرس إلى مجموعات متجانسة قدر المستطاع .
ـ عليك أن تربط بين المادة الجديدة التي تتعلمها وبين المعلومات التي تختزنها من قبل.
ـ عليك أن تنتبه للمعنى .

كيف تحسن دافعية الابن :

ـ عليك أن تتعرف على اهتمامات ابنك وتحاول أن تدفعه إلى التخصص في المجال الذي يحبه وأن يعرف هو ما يحب وما يكره .
ـ على الابن أن يحدد ما سوف يكون عليه بعد خمس سنوات من الآن وهذا يجعله قوي العزيمة.
ـ فكر في نتائج الفشل الدراسي حيث أن الخوف من الفشل يدفع الإنسان إلى العمل والتغلب على المشاق والصعوبات .
ـ اجعل الأهداف مرحلية ( بعيدة ـ متوسطة ـ قريبة ) وساعد ابنك على أن يكتب قائمة بالأهداف يمكن له تحقيقها في فترات وجيزة.
ـ عود ابنك على أن يكافأ نفسه على أهداف يحققها كل يوم ( المكافأة على قدر صعوبة العمل الذي قام به ).

احذر :

ـ التعب من المذاكرة يمكن التغلب عليه بواسطة ( تغيير مكان المذاكرة ـ الاسترخاء واختيار وقت مناسب بعد العودة من المدرسة ـ ساعات الصباح الباكر ـ بعد العشاء .
ـ صعوبة المادة يمكنك التغلب عليها من خلال تقسيمها إلى أجزاء لمحاولة فهمها وكذلك يمكنك الاستعانة بصديق وطلب العون منه حتى يساعدك في التغلب على تلك الصعوبة .
ـ لا تخفي أخطائك .
ـ تغلب على الخجل والقلق ( الاسترخاء ـ الأفكار الإيجابية ـ تكوين صداقات ـ ممارسة الرياضة ـ مراجعة الأهداف والمكافأة الذاتية ).

تقليل الخوف من الامتحان (1 ) :

 لتقليل الخوف من الامتحان عليك اتباع الآتي :

ـ نم جيدا.
ـ تناول وجباتك العادية.
ـ مارس الرياضة لتخفيف التوتر.
ـ خذ حماماً دافئاً أو بارداً كما تهوى.
ـ اذهب للامتحان بهدوء بدون عجلة من أمرك.
ـ ادخل مقر الامتحان قبل موعده بوقت يسمح لك أن تستريح وخذ نفس عميق أخرجه ببط أو اشرب مشروب مفضل لديك.
ـ ثق في نفسك وأنك أديت ما يجب عليك .

تقليل الخوف من الامتحان ( 2 ):

ـ اقرأ الأسئلة ووزع الزمن عليها وعلى المراجعة.
- ابدأ بتسطير أو كتابة البيانات .
ـ اختار مكان بعيداً عن الأصدقاء حتى لا تراهم وهو يكتبون فتتوتر.
ـ أبدأ بالسهل ـ لا تخف عندما يبدأ الآخرون في الكتابة وأنت لا تكتب فأنت لا تحصل على الدرجات لأنك تكتب أكثر بل لأنك تكتب الأصوب.
ـ لا تقلق ولا تتعجل إذا رأيت أصحاب أصدقائك أو زملائك ينهون الإجابة ويخرجون قبلك.
ـ لا تفزع من فوات الوقت ولكن تماسك وحاول أن تستغل الوقت الباقي.
ـ راجع الامتحانات القديمة.

واجبات الأسرة في فترة الاختبار:

-توفير الجو الهادئ والمريح في المنزل .
- متابعة الطالب أو الطالبة في استذكار الدروس خلال فترة الاختبارات .
-الاهتمام بالتغذية الجيدة والنوم الهادئ لأنهما من عوامل الصحة الجيدة والقدرة على الاستذكار ، وعدم الإكثار من تناول الشاي والقهوة .
-الحضور للمدرسة مبكراً قبل موعد الاختبار بوقت كاف والعودة إلى المنزل في الوقت المحدد للانصراف .
-التأكد من إحضار جميع الأدوات المدرسية اللازمة وتكون بصحبة الطالب أو الطالبة دائماً .
-عدم تكليف الطالب أو الطالبة بأي عمل في المنزل خلال فترة الاختبار .
-الامتناع عن الدعوات ا لاجتماعية استقبالاً أو حضوراً في هذه الفترة .( قبل الاختبارات ) لتوفير الجو الهادي الخاص بهذه الفترة .

واجبات الطالب نحو نفسه :

إن الفترة التي يوجد بها الطالب على مقاعد الدراسة هي فترة ذهبية ، ففيها تتحدد شخصيته ونمط حياته ، والكل منا يحلم بـأن تكون له شخصية متزنة تساعده على مواجهة ظروف الحياة والوفاء بمتطلباتها .

وليحدث ذلك يلزم مراعاة بعض النقاط والواجبات وهي :

- مراعاة الله في السر والعلن .
-
طاعة الوالدين ، وعمل ما يسعدهما .
-
الإيمان بأن تعلم العلم ، والتدرب على المهارات هو الوسيلة لتحقيق الغايات .
-
العمل على بناء الشخصية من خلال التفكير العلمي المنظم والفاحص الناقد لما يقدم من معلومات ، و مناقشة المعلمين بها والأقران ، وعدم الاكتفاء بالموقف السلبي والأخذ بالمسلمات على علاتها فقط أو قبولها .
-    ممارسة مهارات التعلم الذاتي والتعود عليه ، وذلك بأن يبحث الطالب عن المعلومة بنفسه من خلال جميع الوسائل المتاحة ( الكتاب ، الأفلام ، الإنترنت ألخ ........) .
 -    المبادرة بطرح الأفكار و مناقشتها مع الآخرين وعمل البحوث العلمية المناسبة .

أهم سمات المناخ الأسرى التي تساعد على تنمية القدرات والابتكار لدى الأبناء :

لا أحد يغفل ما تلعبه الأسرة من دور في حياة الأبناء ،وكلما أتاح الأباء للأبناء فرصة النشاط الحر الذي يرغبون فيه كلما ازدادت قدرات الأبناء الابتكارية ونمت .

ومن أهم سمات هذا المناخ الأسرى :

1- أسلوب تربوي معتدل للأبناء يشجع على الاستقلالية فى التفكير واتباع أسلوب التفاهم بالحوار والمناقشة وليس بإلقاء الأوامر وأسلوب السمع والطاعة ، وأفضل ما تقدمه الأسرة هو إشعار الابن بالأمن والاطمئنان وترك الحرية له للاختيار ، فإن حرية الابن تعتبر نقطة البداية فى تنمية الابتكار .
 2ـ تخلص المناخ الأسرى من الأساليب غير السوية في تربية الابن ومنها :

ـ القسوة ، تهديد ،توبيخ ، سخرية ، عقاب بدني ، مطالبته بمطالب سلوكية أعلى من قدراته وبالتالي يعجز عن تحقيقها مما يؤدى إلى ضعف الثقة لدية وميله إلى الانطواء أو التمرد عليها والخوف منها .
ـ التدليل والحماية الزائدة يجعل الابن أكثر اتكالية كما يجعله أنانيا مفرط الحساسية ضعيف الثقة فى نفسه ـ الإهمال والنبذ وعدم العناية بالابن نفسيا وجسميا ، غالبا ما يؤدى إلى شعور الابن بالحرمان وعدم الأمان وعدم التقبل مما يجعله يلجأ إلى استخدام أساليب للفت الانتباه منها " ادعاء المرض ، الامتناع عن الأكل ، الامتناع عن الكلام ، التبول اللاإرادي "
ـ تذبذب سلوك الأباء تجاه الأبناء وعدم ثبات هذا السلوك واستقراره يشعر الابن بالقلق ويفقده القدرة على توقع ردود الفعل نحو سلوكه.
3- تقديم مثيرات متنوعة وكثيرة تتح فرصة الابتكار ومنها تقديم عدد مناسب من اللعب ،وممارسة الألعاب المسلية مع الوالدين ، ومشاهدة قصص الأطفال .
4- تنمية حب الاستطلاع عند الأبناء ، حيث توجد علاقة طردية بين حب الاستطلاع وقدرة الأبناء على الابتكار ، والأباء الذين يساهمون في تعزيز حب الاستطلاع لدى أبناءهم يساهمون بشكل مباشر في تنمية قدراتهم الابتكارية .
5- تحلى الأباء بالصفات والقدرات الابتكارية يدفع الأبناء إلى تقليد الأباء في ذلك لكونهم بمثابة قدوة حسنة للأبناء .

د / صلاح عبد السميع عبد الرازق
كلية التربية / جامعة حلوان / قسم المناهج وطرق التدريس

دراسة فى وصية أمامة بنت الحارث ليلة زفاف إبنتها
01 حزيران, 2008

دراسة في وصية أمامة بنت الحارث ليلة زفاف ابنتها

[21:45مكة المكرمة ] [19/05/2008]

بقلم: د. محمد صادق

الحمد لله الذي أنزل كتابه بلسان عربي مبين، والصلاة والسلام على النبي الرحمة؛ الذي أُرسل إلى العالمين، وبعد..

فهذه الوصية تعد من أفضل الوصايا وأكملها في موضوعها، وهي تمثل تحفةً أثريةً فكريةً حيةً؛ تجب على الأجيال مدارستها، والتمعُّن بدقة، والتوغُّل في مراميها، وليس وقوفًا لفظيًّا عابرًا؛ لا يكشف عن عمق دلالاتها؛ فالتهميش لهذا الرصيد التراثي يعدُّ قطعًا للتواصل بين ماضي الأمة وحاضرها؛ فدخول الأمة مرحلة التراجع الحضاري يعني الكف عن تجديد الهوية وبعثها، ويعمل على تشويه المستجدات الإبداعية.

فالوصية خطوة تهدف إلى تنمية إنسان، بل جعلت تنميته ذات أولوية مطلقة، وفيها منفعة في الحضِّ على طاعة الزوج، وحسن التبعُّل، والقيام بخدمته، وإحسان معاشرته، وإيثار ما يهواه؛ لتقتدي بذلك من النساء من بلغها خبرُ هذه الوصية حتى تتأسى بها؛ فتقر أعين أزواجهن بهن.

والوصية مظهر من مظاهر العلاقة والحث على البذل في سبيلها من تضحية نفسية ومالية؛ فالأم لم تُرِد العبودية لابنتها كما قد تتوهَّم بعضهن، أو كما شحنتهن المؤتمرات النسائية التي تُعقَد هنا أو هناك؛ فأفرغت المرأة من القيم، وعبَّأتها بأقاويل جوفاء لا يهدف مروِّجوها إلا إلى إخراج فتاة ذات سفسطة متعالية بحقوقها وهي تهوي بها في منحدر التفكك والتيه.

وصية "أُمامة بنت الحارث".. دراسة تاريخية تحليلية

نص الوصية:

لما حان أن تُحمَل "أم إياس" إلى زوجها "الحارث بن عمرو" ملك كندة، خلَت بها أمها أُمامة بنت الحارث، وقالت تُوصيها:

أي بُنية.. إن الوصية لو تُركت لفضل أدب تُركت لذلك منك، ولكنها تذكرة للغافل، ومعونةٌ للعاقل.

ولو أن امرأة استغنت عن الزوج لغنى أبويها وشدة حاجتهما إليها، كنتِ أغنى الناس عنه، ولكن النساء للرجال خُلقن، ولهن خُلِق الرجال.

أي بنية.. إنك فارقت الجوَّ الذي منه خرجت، وخلَّفت العش الذي فيه درجت، إلى وكرٍ لم تعرفيه، وقرينٍ لم تألفيه؛ فأصبح بملكه عليك رقيبًا ومليكًا، فكوني له أمةً يكن لك عبدًا وشيكًا.

يا بنية.. احملي عني عشر خصال تكن لك ذخرًا وذكرًا:

الصحبة بالقناعة، والمعاشرة بحسن السمع والطاعة، والتعهد لموقع عينه، والتفقد لموضع أنفه؛ فلا تقَعْ عيناه منك على قبيح، ولا يشمَّ منك إلا أطيب ريح، والكحل أحسن الحسن، والماء أطيب الطيب المفقود، والتعهُّد لوقت طعامه، والهدوء عنه عند منامه؛ فإن حرارة الجوع ملهبة، وتنغيص النوم مغضبة، والاحتفاظ ببيته وماله، والإرعاء على نفسه وحشمه وعياله؛ فإن الاحتفاظ بالمال حسن التقدير، والإرعاء على العيال والحشم حسن التدبير، ولا تفشي له سرًّا ولا تعصي له أمرًا؛ فإنك إن أفشيت سره لم تأمني غدره، وإن عصيت أمره أوغرت صدره، ثم اتقي مع ذلك الفرح إن كان ترحًا، والاكتئاب عنده إن كان فرحًا؛ فإن الخصلة الأولى من التقصير، والثانية من التكدير، وكوني أشد ما تكونين له إعظامًا، يكن أشد ما يكون لك إكرامًا، وأشد ما تكونين له موافقة، يكن أطول ما تكونين له مرافقة.

واعلمي أنكِ لا تصلين إلى ما تحبين حتى تؤثري رضاه على رضاك، وهواه على هواك، فيما أحببتِ وكرهتِ، والله يخيِّر لك.

الإبداع الفكري في الوصية

1- بناء الوعي

في بؤرة اللا شعور تحرَّكت لدى الأم نوازع فطرتها، وبكل تلقائية أسهمت في فتح دائرة الانغلاق لدى ابنتها المقبلة على حياة جديدة؛ فالانغلاق يسهم مساهمةً فعالةً في تشكيل عقلية (البعد الواحد)، فأرادت الأم إزاحة الستر الذي أحاط بابنتها طيلة حياتها حفاظًا عليها.

وها هي قد وصلت بها بعد رحلة السنين، وآن لها أن تسلِّم ابنتها زمام أمرها، فتقود هي حياتها بذاتها، فأخذت توقظ في ابنتها حسَّ المسئولية، وتُلقي التبعة، وتُشعل فيها وهج "الوعي بالذات" بعدما أوقفتها عند (حدود ذاتها)، وذلك عن طريق إقامة جسور التواصل مع (القرين)؛ فالجهل بحقه وعدم إدراك الطريقة المثلى للتعامل معه؛ سوف يحرمها جزءًا من وعيها بذاتها، أو قد تفقد سعادة هذه الذات.

"إن النجاح مع الآخرين، أو الإخفاق معهم لن ندرك حجمه إلا من خلال الانفتاح على الآخرين انفتاحًا يمكننا من رؤية نافذة إلى جوهر ما هم عليه، ويمكننا من حل الأزمات الداخلية؛ فلا بد من استيعاب كل ما يجدُّ في العلاقات، وهذا ينمِّي الانسجام ويُديم أواصر الترابط"، ويكون سدًّا يمنع تسرب أي قطرة خلاف قد يزداد فتغرق فيه الأسرة.

وهذا ما حاولت الأم بناءه في عقلية ابنتها، لكن بلا فلسفة غامضة ولا استغراق منطقي، فلديها حسٌّ مرهف، فهي تدلِّل باللمحة، وتُفهم بالإشارة، وتعي بالنظرة، فجاءت فلسفتها فطرية.

"وأخطر ما في الانغلاق هو تشكيل العقل الخيالي، الذي يحمل الأفكار الخاطئة عن الواقع المعيشي؛ مما يجعله ينهار عند احتكاكات الحياة الجادة مع من يعيشون خارج دائرته.. إن الانطلاق يولِّد الخبرة، والخبرة تولِّد الثقة بالنفس، والمنغلقون على ما لديهم لا يستطيعون إلا أن يكونوا خائفين غرباء، والخوف والغربة من عوامل الاضمحلال".

وهذا كله- وأكثر- أرادته الأم بذكائها الفطري الصافي؛ لذلك تأثرت الابنة بكلامها؛ "فمن طبيعة الكلام إذا أثر في النفس أن ينتظم في مثل الحقائق الصغيرة التي تلقى للحفظ".

الاتصال بين الأم وابنتها وموضوعيته:

"أول أنواع الاتصال التي عرفها الإنسان هي الاتصال وجهًا لوجه أو ما نسميه "بالاتصال الشخصي"؛ "فأبسط صور الاتصال هي التي تتم بين فردين، ولذلك فالاتصال ليس إحساسًا أو شعورًا ذاتيًّا، وإنما هو سلوك يقع خارج حدود ذواتنا"؛ فالاتصال يزيد المعلومات، وبالطبع تتغيَّر وتتطوَّر آلية التفكير وبناء الذات، والاتصال وسيلة للترابط والتماسك في المجتمع، "وعن طريق الاتصال يجني الإنسان كثيرًا من المكاسب والمعارف والتجارب التي تؤهله لتبوُّؤ مركزه اللائق به في مجتمعه".

"والأم تجهِّز ابنتها للذهاب لملك كندة فهي ملكة؛ ولذلك خلت بها قبل رحيلها فكان الاتصال الشخصي بينهما؛ فالاتصال له تأثير بالغ على الأفكار وما يترتب عليها".

من هنا برزت أهمية هذه الخلوة بين الأم وابنتها ليلة زفافها، وهكذا يجب أن تكون الأمهات؛ "فالاتصال فضلاً عما سبق هو ظاهرة اجتماعية مهمة للجنس البشري؛ فهو يكرِّس سمتين رئيستين في أي مجتمع ناجح، وهما:

1- العمل على زيادة القدرة من جانب الأفراد على التكيُّف الاجتماعي المتبادل.

2- العمل على زيادة درجة اندماج الأفراد في الجماعات".

وهذا ما نجحت الأم في إيصاله إلى ابنتها؛ فهي مقبلة على حياة جديدة لا بد من التكيف معها، لتبادل التأثر والتأثير؛ فليس المطلوب محو شخصية الابنة، بل العمل على التكيف والتنمية، ثم على هذه الابنة أن تندمج في القبيلة والجماعة التي أصبحت إحدى لبناتها، تحمل همهم وتفرح لفرحهم.

وعناصر عملية الاتصال هي:

1- (المرسل) وهو هنا الملقي (الأم).

2- (المستقبل) وهو المتلقي (الابنة).

3- (الرسالة) وهي هنا (الوصية).

4- (الوسيلة) وهي هنا (الألفاظ والتراكيب بدلالاتهما والإشارات والصور).

5- (التأثير) وهي الغاية التي أرادتها الأم من الفهم والإفهام، وكل هذا في وصية الأم.

وللطبيعة الخاصة التي أحاطت نشأة "أم إياس" أرادت الأم أن تكفكف من الغلواء التي نشأت عليها ابنتها؛ فهي ابنة من لا حر بواديه.

والوصية حفظت لنا اتصالاً مع الماضي؛ فها نحن نطالع ونتدارس صفحةً من كتابه، فنظل أوفياء له، متواصلين مع امتداده، بارعين في النهل من معينه مع الابتكار والتجديد.. "قال لازويل: الاتصال له ثلاث وظائف: من بينها نقل التراث الاجتماعي من جيل إلى الجيل الذي يليه"، "وليس من شك أن الاتصال يتم به نقل تراث الأجداد إلى الأحفاد، ومن خلاله تحتفظ الأمة بشخصيتها، وتقوم بنقل مناقبها، وذلك بنقل التراث الثقافي إلى الأجيال، وبمراجعة هذا التراث نرى كيف انعكست فيها قيم المجتمع التي عززت شخصية الأمة".

2- معرفة حدود الذات

"إذا أدرك المرء أبعاد ذاته فهو يتعامل من خلال ذلك الإدراك مع أي مشكلة أو موقع تعاملاً موضوعيًّا؛ لأن الجهل بحدود الذات يؤدي إلى الكبر والغرور والتهور، ويؤدي إلى نكران الذات، وعدم الاستفادة من إمكاناتها المقدرة لها"، وهذا ما حاولت الأم غرسه في ابنتها فقالت لها: "ولكن النساء للرجال خلقن ولهن خلق الرجال.. فكوني له أمةً يكن لك عبدًا"، و"اعلمي أنك لا تصلين إلى ما تحبين حتى تؤثري رضاه على رضاك، وهواه على هواك، فيما أحببت وكرهت".. حاولت الأم كسر موروث يعوق امتداد المستقبل نحو آفاق السعادة؛ ألا وهو موروث الآبائية "لغنى أبويها، وشدة حاجتهما إليها"، فعملت على نبذ الآبائية "كثيرًا ما يكون تراث الآباء سببًا في تعطيل العقل والاستفادة من خير جديد".

ذكًّرت الأم ابنتها باستقلاليتها الجديدة، وأنها يجب أن تعبر جسر ماضيها العائلي الذي كان مسئولاً عنها؛ فهي اليوم ستكون مسئولةً عن بيت جديد.. "أي بنية، إنك فارقت الجو الذي منه خرجت، وخلّفت العش الذي فيه درجت إلى وكرٍ لم تعرفيه، وقرينٍ لم تألفيه؛ فأصبح بملكه عليك رقيبًا ومليكًا".

نلاحظ أن الوصية "منوال تنسج عليه ضروب النشاط الاجتماعي، وليست لونًا من الترف للمسرَّة والتسلية، والأم تريد أن تتحوَّل الأفكار إلى أشياء متمثِّلة في واقع الحياة".

3- الإقناع بالنقل الفعال للمعلومات

"والمعلومات التي لا نستطيع دمجها في مبادئ ونظم عامة؛ لا تجدِّد سوى جزء يسير من الوعي"؛ ولذلك شرعت الأم في الحديث عن العموميات، والصورة الكلية للموضوع "ولكن النساء للرجال خلقن ولهن خلق الرجال" ويمكننا الإقناع بنقل المعلومات نقلاً تفصيليًّا، منه ما يلي:

أولاً: التحدث عن التفاصيل، وربطها بالصورة الكلية للموضوع من حين لآخر، وكان ذلك واضحًا في وحدة الموضوع، ومن مظاهر الربط والاتصال استخدام الضمائر المكنَّى بها عن الزوج بعد التصريح بكلمة "الزوج" تبادل الإظهار والإضمار؛ إشعارًا بأن الزوج هو محور الحديث والاهتمام، ومن الجدير بالذكر أن ضمير الكناية عن الفتاة لا يُذكر إلا حين أمرها أو تكليفها بفعل أو نهيها وتحذيرها من شيء مما يوحي بثقل التبعة.

حقًّا.. إن الأم أعطت زوج ابنتها مكانته؛ فهو بحق أسد العرين، والسيد: هو "الزوج" في قوله تعالى: ﴿وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ﴾ (يوسف: من الآية 25) أي صادفها زوجها زوجة بلغ بها منتهى الطاعة صورة الأمَة في تخشعها، وبذلت جهدها ابتغاء مرضاة زوجها؛ فأخذت صورة الأمَة وما هي بأمَة، إن هي إلا سيدة عزيزة عاقلة، وكانت تبعيتها لزوجها تبعيةً تستوجب عزةً، فهي تبعية التبعة والاتباع البنَّاء وليست المذلة والهوان؛ فقابل الزوج ذلك بمنتهى الشفقة والرحمة فبلغ صورة العبد في لينه وسكونه.

والصورة من البلاغة بمكان؛ فالأصل (كوني له كالأمة- يكن لك كالعبد) ولكن المجاز أعلى منزلةً وأسمى بيانًا، فمالت عن التشبيه الوضعي، وجنحت إلى ما يوهم الاستعارة (التشبيه البليغ)؛ حيث إنه ادِّعاء أن المشبه به هو ذاته المشبه، فجاء خبرًا عنه، فهو أبلغ في الدلالة على وضوح الحال، وأبين كمالاً في رسم الصورة.

(كوني له أمةً.. يكن لك عبدًا).

فالمعادلة: "كوني له.. يكن لك

أمة.. عبدًا" 

 لما كانت له.. كان لها.

 (كوني.. يكن)

 (له.. لك)

لمَّا بادرته بـ(أمة) لبَّاها بـ(عبدًا).

استخدمت الأم التعبير الأدنى ولم تقل (كوني له سيدة يكن لك سيدًا كفؤًا) لسببين:

1- أن ابنتها ابنة "عوف بن محلّم الشيباني" سيد قومه، والزوج ملك كندة، فهما ليسا بحاجة إلى ما يُعلي قدرهما.

2- أن الأم ذكَّرت ابنتها بأن ما يؤثر الرجل هو لين جانب زوجه، وليس نديَّتها له؛ فالزوجة أخلت ساحة السيادة للرجل، هنا تجري الأمور سويةً، لا يشعر بمن يزاحمه، بل يشعر بالوحشة، ويشعر بحاجته إلى من تؤنسه وتملأ قلبه حبًّا؛ فيتحقق "كنت له أمة فأصبح لي عبدًا"، و"يكن" من جهة الزوج تضمين أو علاقة لزومية، وفي إطارها العام "تفاعل واستجابة" أو سببية "مجاز مرسل"؛ فالشيء يستدعي نظيره.

* استخدام الترقيم في سرد ما تريد توصيله للآخرين من معلومات؛ ففي رواية "العقد الفريد" جاءت الوصايا مرقَّمة مزدوجة (الأولى والثانية، والثالثة والرابعة)، وهكذا؛ فالتسلسل المرقَّم يوحي ببرمجة فكرية، وأن الأمر لم يكن مجرد خواطر سانحة، فالوصية ليست مجرد انطباعات إنشائية، تلقي الكلام على عواهنه؛ بل هي أفكار دفعها عقل بعدما برمجها ورتبها وصاغها.

* استخدام أقل عدد ممكن من الكلمات المعبرة الموجزة، جاءت الوصية عبارة عن رسائل سريعة خاطفة، وكأنها تعليمات تنفَّذ، وتوقيعات تلقى للحفظ، والمقام يقتضي ذلك.

* استخدام المقارنة والتشبيه.. كثيرًا ما استحضرت الأم المقابلة؛ لتوضيح الصورة لابنتها، وليكتمل رسمها للأمر؛ فاستخدمت التقابل لتبرهن على أن بديل حسن الطاعة سيئ، وعاقبته وخيمة؛ لتحذر ابنتها من مغبَّة تغليب هواها على هوى زوجها، وعدم طاعته في السراء والضراء، وكذلك استخدمت أعلى درجات التشبيه؛ وذلك لترسيخ جدية الأمر، وبيان خطورة عدم أخذه بما هو أهله.

4- بناء منهجية في التفكير

أرادت الأم أن تسنَّ لابنتها دستورَ حياتها؛ فأخذت في وضع لبنات صرح سعادتها المستقبلية، وأولى هذه اللبنات إزالة التعصب لقبيلتها؛ فالتربية المتوارثة تغذي الانتماء القبلي؛ فلا مجد ولا شرف إلا للقبيلة..

وهل أنا إلا من غٌزيّة إن غَوت      غويت وإن ترشد غزية أرشد

"وحين تمتد هذه التربية عبر الأجيال فإنها تُورث مرضًا خطيرًا وهو (التركيب العقلي الأحادي)؛ الذي يكون عاجزًا عن الاستفادة من أكداس المعلومات المتاحة له، بل قد يختص منها ما يغذي نفسيته ويسوغ له أفعاله وأفكاره مما يزيد تعصبه الأعمى".

وهذا ما دفع الأم للتعريض بخطورة استمرارية الانتماء القبلي القديم، وبيَّنت أنها مرحلة يجب تجاوزها في إطار النظرة المستقبلية الواقعية؛ "فالتكيف المتوازن يتطلب نوعًا من التجاوز عن بعض المفاهيم والآليات القديمة التي ليست لها سوى قيمة وفعالية زمنية".. "أي بنية.. إنك فارقت الجوَّ الذي منه خرجت، وخلَّفت العش الذي فيه درجت".

5- الواقعية

وهي ركيزة مهمة من ركائز الموضوعية؛ فكثيرًا ما نقع أسرى حركة ترددية بين الماضي بمثله وقيمه وخبراته وبين المستقبل بآماله وخططه ومشاريعه، متجاوزين الواقع وظروفه وضروراته، أي نعيش لحظتين لا نملك واحدة منهما.. "وشدة حاجتهما إليك كنت أغنى الناس عنه، ولكن النساء للرجال خلقن ولهن خلق الرجال".

ومن مظاهر الواقعية:

أ- الانشغال بالواقع:

وهذا ما قامت به الأم فأخذت تطوف بمخيلة ابنتها نحوه "الصحبة بالقناعة، والمعاشرة بحسن السمع والطاعة، والتعهد لموقع عينه".

ب- تقدير العوارض وحسن التعامل معها (مهارة التوقع):

"وكوني أشد ما تكونين له إعظامًا يكن أشد ما يكون لك إكرامًا، وأشد ما تكونين له موافقةً يكن أطول ما تكونين له مرافقةً واعلمي أنك لا تصلين إلى ما تحبين حتى تؤثري رضاه على رضاك، وهواه على هواك، فيما أحببت وكرهت".

وهي في كل ذلك تضع التفاصيل لكل قسم، والأسباب الموجبة له؛ إذ لعل ابنتها لا تدرك معنى من المعاني التي ذهبت إليه الأم؛ لأن تجربة "أم إياس" في الحياة محدودة لمَّا تصل إلى غاية الإدراك بعد.

ثم تواصل الأم في دائرة الوصايا لتختم بتحذير من مغبَّة أمر يكون معه الفراق الأبدي، فتحذرها من الأمور التي تفكِّك عرى الألفة والوفاق بين الطرفين، فتصل إلى ما لا تحمد عقباه.

6- الاستدعاء الانطلاقي

وإنما أقصد به استدعاء الكم المعلوماتي، واستحضار التجارب والاستفادة منها عمليًّا استفادةً انطلاقيةً ينطلق بها صاحبها نحو التطور والرقي؛ فطبيعة اشتغال الذهن بالمعلومات الواردة إليه تسبِّب له بعض الأضرار والمؤثرات السلبية في منطقيته وطلاقته، والمعلومات التي لا نستطيع دمجها في مبادئ ونظم ونماذج عامة تقل الفائدة منها؛ فهي لا تجدد سوى جزء يسير من الوعي "ولكنها تذكرة للغافل، ومعونة للعاقل".

وكثافة المعلومات وتدفقها قد يوقف الإبداع، ويحول دون الاستفادة من هذا الكم إن لم يبرع في توظيفه، وكثيرًا ما يربي تابعًا مقلدًا، وهذا قصور في منهج التفكير "والشيء قد يموت بصورة ما إذا قطع عن وسطه الثقافي المعتاد؛ إذ إن لغته خارج هذا الإطار تفقد معناها".

أرادت الأم لابنتها ألا تكون أسيرةَ القصور الذاتي، فترهقها تبعات قصورها الإدراكي لطبيعة الحياة الجديدة، فتلهث خلف الحلول لما ترتب على هذا القصور، وتكون دائرة إنتاجها العقلي هي وضع الحلول المبتسرة، أو ردود الأفعال، فعلَّمتها الأم فن القيادة وسر السيادة "كوني له أمةً يكن لك عبدًا" "ولا تفشي له سرًّا ولا تعصي له أمرًا" "وكوني أشد ما تكونين له إعظامًا يكن أشد ما يكون لك إكرامًا".

الاحتفاظ "والاحتفاظ ببيته وماله، والإرعاء على نفسه وحشمه وعياله"، وحسن التوقع "وأشد ما تكونين له موافقة، يكن لك أطول ما تكونين له مرافقته"، والاستشراف المستقبلي "واعلمي أنك لا تصلين إلى ما تحبين حتى تؤثري رضاه على رضاك وهواه على هواك فيما أحببت وكرهت"، كل هذا ذخيرة، كما قالت الأم في بداية وصيتها: "احملي عني عشر خصال تكن لك ذخرًا وذكرًا" تستدعيها ابنتها وقت الحاجة؛ فالأم أعطت ابنتها درسًا هو عصارة حياتها ورسمت لها طريقها الصحيح.

الأم تهيِّئ ابنتها نفسيًّا، وتلمست الأم الوقت المناسب لإسداء النصيحة؛ فاقتنصت الفرصة السانحة، واستجمعت الأم قلبها، وألجمت عاطفتها بنور عقلها؛ فتوهَّجت نصيحتها ضياءً، وامتد عطاؤها عبر الأجيال والأزمان، في ليلة تطلق الأمهات العنان لعواطفهن ويسترسلن بكاءً، فلقد استقلَّت الابنة، وخرجت من البيت الذي ملأته أنسًا، تترك الأم فارغةَ الفؤاد، لكن أمامة طراز آخر، وجَّهت عاطفتها الحرى، وأفرغتها حِكَمًا تُسديها لابنتها؛ فخرجت حِكَمًا واعيةً خلدها التاريخ "وجماع البلاغة التماس حسن الموقع، والمعرفة بساعات القول، وقلة الخرق بما التبس من المعاني أو غمض"، وهذا ما فعلته الأم.

فالأم تعلم الرهبة النفسية التي تكون لدى كل فتاة هذه الليلة؛ فهي قد مرت بتلك الأحاسيس من قبل، وها هي تسكب السكينة على ابنتها حنانًا وتلطفًا وإيناسًا؛ فلقد برعت الأم في استهلال نصيحتها "أي بنية إن الوصية لو تركت لفضل أدب تركت لذلك منك".

عنصر التشويق كان من الأم؛ فعليه تقوم الرسالة، ويصاغ الخبر؛ "فخير الكلام ما شوق أوله إلى سماع آخره"، ومما برعت فيه الأم استخدام لفظة "بنية" و"يا بنية أمك" "وبعض كلمات اللغة لها معنى عاطفي وجداني، إضافةً إلى معناها الدلالي الأساسي، ومن أمثلة الكلمات الغنية بالمعنى الوجداني أو المعنى النفسي: "أم، ابنة"، وكل كلمة من هذه الكلمات لها معنى أساسي مصحوب بشحنة غنية من العواطف، والأم هي الوالدة، وهي أيضًا رمز العطاء والفداء.

والأم هنا استخدمت "بُنية" مسبوقةً بالنداء، أو مقدرةً بالنداء، أو "يا بنية أمك"؛ ففي علم الدلالة الاهتمام بالمؤثرات الخارجية مما يوضح المعنى ويزيد في تفهيمه واستجلائه، "فأدوار المخاطبين تقوم على العلاقة بين المتكلم والسامع تؤثر في معاني الجمل المتبادلة بينها والعلاقة السابقة هي علاقة ودية".

وبدأت الأم "بإظهار ما الحسن فيه أوضح وما النفس بتقديمه أعنى"، فابنتها متوترة قلقة كأي فتاة ليلة زفافها، فأتقنت الأم زرع الثقة، ثم ومن حيث لا تشعر ابنتها آنستها إلى الإصغاء لوصاياها لأنها منحتها الرضا، وأشبعت نفسيتها ثناءً وثقةً، فزال عنها توترها؛ "فالشخص الذي يستشعر الإحباط يشعر بعدم الرضا ويكون في حالة من عدم التوازن ولذلك كان لا بد من شيء من التكيُّف لتخفيف التوتر"، وتمكينها من تقبل الوضع الجديد والتجاوب معه.

"أرادت الأم أن تزيل عنها غربة الدار، وأن توجد الألفة بينها وبين قرينها فأمرتها أن تتحلى بهذا الخلق وتتبع هذه الوصايا". ونجحت الأم في التوصل إلى حصول الغرض من المخاطب (ابنتها) والملاطفة (لها) في بلوغ المعنى المقصود، من حيث لا تشعر به، ويلاحظ تدرج الأم في إفراغها خبيء قلبها لابنتها حبًّا وتربيةً، ودروسًا في واقعية الحياة فما أفرغت ما عندها جرعة واحدة ولكنها تدرجت وتسلسلت تسلسلاً مركزًا، وعلى جرعات حتى تحفظ ابنتها ما تلقيه أمها وتعيه، فالتدرج والتسلسل المركز يقي الذاكرة النسيان، ويحفظ للذهن توقده عند الاستدعاء المعلوماتي والمتلقي أكثر استعدادًا لتلقي الرسالة على جرعات، وعملت الأم على ألا يفلت زمام قلب ابنتها المتهدج منها، فاستخدمت الاستمالات العاطفية (أي بنية).

وفي رواية "مجمع الأمثال" (يا بنية أمك) في هذا التركيب ما فيه من روعة حنان وعاطفة جياشة. "فالوصول إلى قلب المتلقي هدف من أهداف توصيل الرسالة" وقيل البلاغة هي: "إهداء المعنى إلى قلب السامع في أحسن صورة من المعنى". وقيل أيضًا إنها: "تنهي المعنى إلى قلب السامع فيفهمه".

ولا شك أن استخدام الاستمالات العاطفية واحد من التكتيكات المتبعة في الاتصال حاليًا.
إذ توصل "ماينفي وجرينبرج" في دراسة لهما حول تأثير الدعاية العاطفية وكذلك توصل "هارتمان" إلى أن: "الاستمالات العاطفية في الدعاية تفوق الحجج المنطقية"، وفي صحيفة "بشر بن المعتمر" وصايا مهمة للتأثر والتأثير منها:

1- اختيار اللحظة المناسبة نفسيًّا لدى المستمع لتبليغ الرسالة، وهذا ما قامت به الأم مع ابنتها.

2- البعد عن التعقيد لأنه يستهلك المعاني ويجهد الذهن، لذلك جاءت الوصية سهلة الألفاظ واضحة المعاني، لأن هدفها بناء الوعي وإيجاد شخصية جديدة تتناسب والمرحلة الحياتية، فالألفاظ مناسبة معبرة.

3- عملية الاتصال التي قامت بها الأم توافق فيها الحال مع المقال فحققت الرسالة هدفها.

4- علاقة المتصل (الأم) بالمستقبل (الابنة)، كانت على مستوى راقٍ، مما أنجح عملية الاتصال على المدى البعيد.

"وينبغي أن تعرف أقدار المعاني، فتوازن بينها وبين أوزان المستمعين، وبين أقدار الحالات، فتجعل لكل طبقة كلامًا، ولكل حال مقامًا حتى تقسم أقدار المعاني على أقدار المقامات، ومقامات المستمعين على أقدار الحالات".

--------

المصادر:

1- تجديد الوعي، د. عبد الكريم بكار.

2- التفكير الموضوعي، د. عبد الكريم بكار

2- وحي القلم، الرافعي.

3- خلاصة تاريخ العرب، سيديو.

4- الاتصال الجماهيري، صالح خليل أبو إصبع.

5- مشكلات الحضارة، مالك بن نبي.

6- تفسير أبو السعود.

7- علم المعنى (الدلالة)، د. محمد علي الخولي.

8- أصول علم النفس وتطبيقاته، د. فاخر عاقل.

9- الوصايا في الأدب العربي، د. سهام التفريح.

10- الصناعتين، لأبي هلال العسكري.

11- فصيحات العرب وبليغاتهم في الجاهلية، عبد القادر فياض حرفوش.

12- البيان والتبيين، الجاحظ، تحقيق عبد السلام هارون.

13- الأعلام، للزركلي.

14- مجمع الأمثال، للميداني.

15- العقد الفريد، لابن عبد ربه.

A service provided by Al Bawaba