حقوق ...
07 تشرين ثاني, 2007
كلاريسا ... فتاة مرهفة المشاعر‏,‏ عفيفة‏,‏ وحيية‏,‏ تمتلك ثقة بقدراتها‏,‏ شديدة الإيمان بحريتها واحترام ذاتها‏,‏ تمارس وجودها بخيلاء واعتداد يفتقدان المعرفة والخبرة الحياتية بما يجري حولها‏,‏ ويفتقران إلي حدس التبصر في سلوك المحيطين بها‏,‏ وقراءة المخفي منه وراء الزيف والأقنعة‏,‏ لذا كان اشتباكها مع واقعها لا يصدر عن إدراك واضح لكل المعطيات‏,‏ إذ كانت تواجه قوي يتأسس خطابها علي معاملة المرأة علي أنها هدية تظل في طور التحضير حتي يأتي ( صاحب النصيب ) أو‏,‏ بوصفها محض ملكية خالصة لا خيار لها‏,‏ بممارسة آليات إكراهها علي قبول هذا البديل اليائس لوجودها‏,‏ الذي هو بمثابة الموت بعينه‏,‏ إذ يعني اغتصاب إرادة المرأة تقويضا لكيانها‏,‏ حيث لا ابتهاج تستشعره في حاضرها‏,‏ ولا ثقة لديها بمستقبلها‏.‏ يمثل سولمز ( روائي انجليزي ) التهديد العاجل لحريتها‏,‏ حيث قررت الأسرة أن تزوجها له‏,‏ فأعلنت كلاريسا رفضها لأسباب طرحتها‏,‏ إذ كان قبولها بالنسبة إليها يعني إذعانها لاغتصاب إرادتها التي هي شرط وجودها‏,‏ وسلب حقها في اختيار شريك حياتها‏,‏ وأيضا يطيح بحلم انفلاتها من إجراءات امتلاكها‏.‏ توهمت كلاريسا للوهلة الأولي‏,‏ أن طوق نجاتها في تخطي اغتصاب إرادتها‏,‏ والخلاص من قيودها‏,‏ يكمن في استجابتها لتودد شاب آخر‏,‏ هو ( لافلس ) الذي في مقابل احتشامها‏,‏ وعفافها‏,‏ يتمتع بقدر مضاد من التهتك والخلاعة والنرجسية‏,‏ ورهان دائم علي جاذبيته التي يتوجها تاريخ فسوقه المتواصل‏.‏ انخذل عقل كلاريسا وارتبك أمام حسابات احتمالات غير مستوفية لشروطها‏,‏ إذ أقرت بيقينها من قدرتها المطلقة علي ترويضه وإصلاحه‏.‏ وحين غادرت بيت أسرتها حفاظا علي حريتها‏,‏ لم تكن تدرك أن الرجل الذي اختارته حليفا وشريكا لها‏,‏ ليس سوي خصم عنيد لقضية وجودها‏,‏ وعلي نحو أخطر‏,‏ فهو علي الحقيقة يهدد ـ بالقصد الخفي عمليا ـ حريتها‏,‏ واحترامها لذاتها‏,‏ ونمو حياتها‏,‏ إذ لأنه كان مسكونا بحاجته المسيطرة التي تختزل مساحة وجودها الإنساني في الظفر بها كأنثي‏,‏ والهيمنة عليها من دون مواثيق تقيده‏,‏ ولأن الشعور كاشف للقصد‏,‏ لذا كان مخطط المخاتلة المزدوج لامتلاكها لتصبح تحت قبضته‏,‏ وفق شروطه‏,‏ أي خارج قيود الزواج‏,‏ وبالاقتران الحر فقط‏,‏ يرتكز علي أن يبدو الشعور الكاشف حاجبا للقصد‏,‏ بممارسة الزيف‏,‏ والتلاعب‏,‏ حتي حانت ذروة حبكته في استدراجها وتخديرها‏,‏ ثم قهرها باغتصابها‏.‏ عندما أفاقت كلاريسا أدركت بوعي الإثبات أنه قد مارس عليها طغيان كل القوي المضادة لها‏,‏ التي تنكر عليها حقوقها‏,‏ فواجهته بقولها إن الرجل الوغد الذي كان معي‏,‏ لن يستطيع أن يمتلكني أبدا‏.‏ ثم انتحرت كلاريسا رافضة أن يمتلكها‏,‏ وكأن الضحية قد أعلنت هزيمة المستبد المنتصر‏.‏.............. تري ...!!!! هل انتحرت كلاريسا نتيجة اليأس‏,‏ والإحساس بالفشل والخسارة الفادحة‏,‏ والخزي من النفس‏,‏ وانسداد الأفق...؟ تري هل يدفع انتحارها الناس إلي المقارنة بين انتحارها والقيمة التي انتحرت من أجلها‏,‏ أو تري أن انتحارها محض فعل مجاني لا يؤتي ثماره‏,‏ وفق اعتقاد بأن الانتحار يعد نوعا من التلاعب بالمستقبل‏,‏ وفق حسابات غير مضمونة قد تسوغ للشر أن ينتصر‏,‏ أو تري أنها شخصية خائبة وجوديا‏,‏ عجزت عن أن تصير ما يمكن أن تكونه‏,‏ باشتباكها الأعمي مع واقعها ونقص إدراكها لمعطياته؟ صحيح أنه تتعدد التساؤلات والتأويلات حول انتحار كلاريسا التي ابتدعها الكاتب الإنجليزي البارز صامويل ريتشاردسون في روايته الرائعة كلاريسا عام‏1749,‏ لكن الصحيح أيضا أنها تظل نموذجا للشخصية الضحية لقوي متسلطة ومغتصبة‏,‏ بأفكاره الآثمة وزيفه‏,‏ اختزل القضية العامة في مجرد الحصول علي مطمع خاص‏,‏ فأجهض حلم كلاريسا في الإنصاف ونسفه‏,‏ والذي هو حلم تقدم مجتمع‏.‏ وتعد شخصية خالدة في رواية ( تاء الخجل ) عام‏2003‏ للكاتبة الجزائرية فضيلة الفاروق‏,‏ تنويعا علي شخصية كلاريسا من حيث إنهما رمز للشخصية الضحية‏,‏ إذ واجها نفس القوي المستبدة غير المنصفة‏.‏ لقد تربت خالدة وعاشت داخل نظام اجتماعي تعلو فيه أصوات جماعة مهووسة بهاجس تملك المرأة‏,‏ وانتهاك كيانها‏,‏ ورفض حقيقة تقاطب الرجل والمرأة الذي يتضمن الاختلاف‏,‏ والمساواة‏,‏ والمشاركة‏,‏ بل إن هذه الجماعة تمارس إجهاض كل محاولات تمكين المرأة من حقوقها‏,‏ بالدفع الدائم إلي اغتصاب إرادتها‏.‏ ترسبت في وجدان خالدة عبر حياتها كل صور الإذلال والاستعباد التي تلاحق المرأة في جسدها‏,‏ بالضرب المبرح‏,‏ والاغتصاب والتعطيل والاستغلال‏,‏ بوصفها تجليات مفهوم الرجولة في مجتمعها‏.‏ صحيح أن خالدة ـ مثل كلاريسا ـ لا تريد أن تستسلم للمفهوم المتداول كي لا تغذي نهايتها‏,‏ لكن الصحيح أيضا أنها تختلف عن كلاريسا في حذرها عند اشتباكها مع واقعها‏,‏ حتي لا تعيش تلعق جراحها‏,‏ لذا فقد ثمنت مصير حياتها كأنثي في ضوء المفهوم السائد للرجولة‏,‏ وإدراكها لحجم تهديدات الشر المتربص بها‏,‏ ثم تقديرها لمدي فعالية تأثير مقاومتها‏,‏ فلازمها الرعب من حصار وضعها‏.‏ولأن الرعب موجع كالألم يدفع المرء إلي الخلاص منه مهما كانت كلفته‏,‏ مغامرة أو فرارا‏,‏ ولأن خالدة لم تكن تبغي خلاصا فرديا‏,‏ مثلما فعلت كلاريسا برهان مغامرة التحالف مع رجل هي تعلم مسبقا عدم صلاحه‏,‏ لذا فرت خالدة هاربة من أنوثتها‏,‏ ولم تستمر في استجابتها لمشاعر قلبها‏,‏ وفرت من الرجل الذي أحبته‏,‏ وأهدته انفصالا بوصفه مرادفا لأنوثتها‏,‏ قد يبدو له غير مبرر‏,‏ وإن كان يعد تحديا أكثر سطوعا‏,‏ وينطوي علي مفارقة أنها مازالت في ميدان معركتها‏,‏ تحاول الدفاع عن مشروع حياتها‏.‏ اشتبكت خالدة مع واقعها من خلال عملها صحفية‏,‏ أخبر رئيس التحرير خالدة أن بعض الفتيات المغتصبات قد حررن من أيدي الإرهابيين‏,‏ ويرقدن بالمستشفي‏,‏ وكلفها باعداد موضوع عن تجربتهن لنشره‏ .‏ وجدت خالدة أنهن إما قد أصابهن الجنون والهوس‏,‏ وإما أنهن يرفضن الحياة‏,‏ وإما أنهن يعانين تهتكا جسديا مروعا ومتعددا‏,‏ يعني انحسارا تاما لأي نظام قيم‏.‏ تمثلت خالدة نفسها فيهن‏,‏ فكابدت معاناة خلخلت الدنيا من حولها‏,‏ إذ الواقع في عمومه يؤكد أن الجرم تحول إلي إلزام لابد أن يقبله الكل‏.‏ لقد تبدد إذن كل ما نشرته عنهن من قبل‏,‏ إذ رد الفعل يشي أن الوضع غير قابل للحل‏,‏ وهناك من يغذيه ولا يسعي إلي تجاوزه‏,‏ لذا رفضت معاودة النشر عما حدث لهن‏,‏ بوصف الكتابة أصبحت محض صرخة ندب عليهن‏,‏ وطلبت أن تناقش الناس‏,‏ وتسائل ضمائر الذين انساقوا وراء دعاوي تلك الجماعات‏,‏ وكذلك الصامتون عن تأثيم أفعال الأذي الشرس الذي يتخذ من الوطن ساحة ورهانا‏.‏ رفض رئيس التحرير طلبها‏.‏ عندئد تخلت خالدة عن علمها الصحفي وهجرته‏,‏ وقررت الفرار من الوطن‏,‏ رافضة موت كلاريسا إذ مع الحياة يظل الأمل في التجدد باقيا‏.‏ وكأنها تعلن برحيلها أن الوطن لا يصبح وطنا عندما تسوغ جماعة باسم الديمقراطية أو الليبرالية أة تحت أي مسمي آخر للشر أن يسود وينتشر‏.‏لاشك أن الكاتبة تدين الصحافة التقليدية التي تكتفي بأن تقدم لمجتمعها أخبارا فقط لإعلامه‏,‏ وتنتصر لصحافة الجمهور المعاصرة‏,‏ التي تعتمد علي مهنية معرفية وفكرية متقدمة‏,‏ تستهدف تكوين الجمهور بقدر إعلامه‏,‏ وتؤدي دورها بوصفها حافزا نشيطا في شحذ حوار المجتمع‏,‏ تفعيلا للديمقراطية وتطويرها‏,‏ تكريسا لحماية الحقوق واستحقاقاتها‏.‏تري عيب من هذا .. المرأة أم الرجل كل منفرد .. أم المجتمع .. أم الظروف .. أم .. أم ..عن ملخص روايتي .. ( كلاريسا ) للكاتب الإنجليزي (صامويل ريتشاردسون ) . نشرت عام 1749 م .ورواية ( تاء الخجل ) للكاتبة الجزائرية (فضيلة الفاروق ) . نشرت عام 2003 م . 

 

A service provided by Al Bawaba