التدريب ... الموسيقى ... لماذا ... ؟
24 شباط, 2007

يمكننا الاس تمتاع بالموسيقى دون أن نعرف الكثير من المعلومات عنها, ودون أن يكون المرء قادرا على العزف على أية آلة موسيقية أيضا. وعلى الشاكلة نفسها, فإن الموسيقيين ذوي المهارة العالية قد يصابون بالسأم وفقدان الاهتمام بالموسيقى أيضا.

إن التذوق الموسيقي ليس هو الاستعداد الموسيقي, رغم أن هذين الجانبين كثيرا ما يتفقان. كذلك فإن الموهبة الموسيقية ليست هي الذكاء العام كما يقاس باختبارات نسب الذكاء المقننة المعروفة.

هناك ميل طفيف للاتفاق بين نسب الذكاء المرتفعة والقدرة الموسيقية, لكن الموهبة الموسيقية تتسم أيضا بكونها مستقلة بدرجة جديرة بالاعتبار عن القدرات العقلية الأخرى.

وتتجلى القدرة الموسيقية الفذة وكأنها شيء بالغ الغموض. إنها تظهر أحيانا لدى أطفال يتسمون بالعجز في مهاراتهم اللفظية والاجتماعية. والأمر متعلق هنا بجملة الأعراض المرتبطة بالأطفال الذين يقال عنهم أنهم <<اجتراريون Autistic)1 <<) أو من <<البلهاء الحكماء idiot-savant<<.(2) ويمتلك أطفال آخرون مستوى العباقرة من نسب الذكاء (3) لكنهم يكونون في حالة من الصمم النغمي Tone-deaf على نحو واضح (4).

والارتباطات المذكورة في الدراسات العلمية

 

بين نسب الذكاء والقدرة الموسيقية ارتباطات كبيرة, لكنها تدور عادة في نطاق معامل ارتباط مقداره 3, (5) , ويعني هذا أن التداخل - أو المنطقة المشتركة - بين القدرة الموسيقية والذكاء العام هو تداخل منخفض على نحو واضح . فنسبة الذكاء المرتفع ليست شرطا مسبقا ضروريا للموهبة الموسيقية.قياس القدرة الموسيقية : Measurement of Musical ability

ابتكرت اختبارات عديدة عبر السنوات, لقياس القدرة الموسيقية, وذلك من أجل أغراض القيام بالبحوث العلمية, وأيضا من أجل عمليات الاختيار في الكليات الموسيقية.

وتقبل معظم هذه الاختبارات المبدأ القائل بأن القدرة الموسيقية الكلية ذاتها ينبغي تقسيمها إلى عدد من المكونات التي يعطي كل منها درجة مستقلة.

ومن الاختبارات النموذجية الملائمة في هذا الشأن مقاييس سيشور للموهبة الموسيقية Seashore measures of Musical Talent. وهي اختبارات متاحة تجاريا في شكل مقنن. ويتطلب الأمر حوالى ساعة واحدة لتطبيق هذه الاختبارات التي تشمل ستة اختبارات فرعية هي على النحو التالي:

الدرجة الصوتية pitch : ويتكون هذا الاختبار من أزواج من النغمات Tones التي يتم عرضها من خلال اختلافات في التردد تتراوح ما بين 2-17 دورة في الثانية, ويتم سؤال الشخص الذي يسمعها هل النغمة الثانية أعلى أم أقل من النغمة الأولى?

شدة الصوت Loudness: ويتكون هذا الاختبار من 50 زوجا من النغمات مع اختلافات في الشدة تتراوح ما بين 4-5 ديسبل (6) decibel ويتم سؤال الأشخاص : هل النغمة الثانية أقوى أم أضعف من الأولى?

الإيقاع Rhythm : ويتكون من 03 زوجا من الأنماط الإيقاعية, ويتم السؤال عما إذا كان النمطان اللذان يسمعهما الشخص مختلفين أم متشابهين?

الزمن Time : وهنا يوجد خمسون زوجا من النغمات المتفاوتة في مدى دوامها أو استمراريتها الزمنية وتتراوح مداها ما بين 3, إلى 5 ثانية, ويتم السؤال عما إذا كانت النغمة الثانية أطول في استمرارها الزمني أم أقصر من النغمة الأولى?

طابع الصوت Timbre أو جرسه : ويتكون هذا الاختبار من خمسين زوجا من النغمات, وقد تم تكوين كل منها من نغمة أساسية وخمس من النغمات الصوتية المتآلفة الأولى. ويطرح سؤال حول ما إذا كانت النغمتان متماثلتين أم مختلفتين?

الذاكرة المقامية Tonal memory : ويتكون هذا الاختبار من ثلاثين زوجا من المتواليات أو السلاسل المقامية (كل عشرة منها مكونة إما من 3 نغمات Tones أو أربع أو خمس). ويطرح سؤال حول النغمة المختلفة, ما هي?

وكما هو الحال بالنسبة للاختبارات التي من هذا النوع, فإن اختبارات سيشور هذه تكشف عن درجة مقبولة من الثبات reliability (حيث يكشف تطبيق الاختبار على نحو متكرر على الأفراد أنفسهم عن درجات متماثلة في أدائهم).

لكن صدق(7) validity لم يتعد الحدود المتوسطة (خاصة فيما يتعلق بمسار التقدم داخل الكليات الموسيقية.

تميز هذه الاختبارات الأشخاص ذوي الخبرة الموسيقية (أي المحترفين) عن الأشخاص غير ذوي الخبرة الموسيقية, ولكن هذا قد يكون أثرا راجعا إلى التدريب أكثر من رجوعه إلى الاستعداد الطبيعي. وهي اختبارات سيئة على نحو مزعج في تقديرها او قياسها للجوانب الأكثر إبداعية من الموهبة الموسيقية, كتلك الجوانب الخاصة بالتأليف والمهارة والتذوق للأعمال الموسيقية المركبة.

ورغم أن إعطاء الدرجات الست من الشروط الأساسية لتصحيح هذه الاختبارات ككل, فإن هناك قدرا من التداخل الذي يحدث بينها (إحصائيا تتراوح الارتباطات بين هذه الاختبارات وبعضها البعض ما بين 2 , 50, ) وقد وجد أن الدرجة الكلية كانت هي المؤشر الأفضل في التنبؤ بالأداء الموسيقى . ومن بين الاختبارات الفرعية الستة ارتباط الاختبارين الخاصين بالدرجة الصوتية, والذاكرة المقامية على نحو مرتفع مع المهارات الخاصة بالغناء والعزف على الآلات. وقد ظهر بعض الصدق فيما يتعلق باختبار الإيقاع لكن اختباري شدة الصوت والزمن يبدو أنهما قليلا الفائدة.

تعد المؤشرات التنبؤية الخاصة بالتقدم في أحد المسارات الموسيقية (كتعلم العزف على آلة معينة مثلا) وكما هو شأن اختبارات سيشور مثلا, مؤشرات أفضل إلى حد ما من اختبارات نسبة الذكاء العامة أو اختبارات التحصيل المدرسية السابقة.

والحقيقة هي أن هذه الاختبارات الموسيقية تصبح اختبارات سيئة عندما تقوم بمقارنتها على نحو مباشر مع الأداء الموسيقي. لكنها, من الممكن على أية حال, أن تساهم في التنبؤات الكلية من خلال إضافة درجاتها لمعلومات مختلفة نوعا وأكثر تخصصا حول القدرة الموسيقية.

تقيس الاختبارات التي على شاكلة اختبارات <<سيشور<< المهارات السمعية الأساسية فقط, وهو ما قد نسميه <<المعالجة الإدراكية للمثيرات الموسيقية<<. ولقد بذلت محاولات عديدة لقياس المهارات المرتبطة بالجانب الخاص بالأداء (الناتج أو المخرج output) في صياغة الموسيقى.

وتشتمل هذه المهارات عند مستواها الأول أو الأساس على اختبارات لقياس تآذر العين واليد eye-hand co-ordination واختبارات لقياس الدقة والسرعة الحركية. وحيث إن المهارات المقاسة هنا تتحرك من خلال عملية مضاهاة للإيقاع rhythm-matching وقراءة للمشهد أو قراءة بصرية sight-reading للمشهد, فإنها تتقارب في النهاية مع اختبارات التحصيل, حيث يمكننا القول هنا إنها تصبح مجرد مقاييس للمحك Criterion measures (8) أكثر من كونها مؤشرات تنبؤية بالأداء.

هناك منحنى آخر لقياس الاستعداد الموسيقي, ويتمثل هذا المنحنى في اختبار أو قياس التذوق appreciation في شكله التقليدي, التذوق هنا ما يطلق عليه اسم <<المعرفة الأولية الموسيقية<< (أو معرفة القراءة والكتابة الموسيقية) Musical literacy.

فقد أجرى جوردون Gordon مثلا دراسة مبحوثين كان المطلوب منهم أن يذكروا تفضيلهم الخاص من بين نسختين من الجمل الموسيقية المؤلفة خصيصا لهذه الدراسة, وقد كانت إحدى هاتين الجملتين <<أحسن>> من الأخرى وفقا لما أجمعت عليه مجموعة من الموسيقيين المحترفين.

وليس من المثير للدهشة هنا أن نجد أن الأداء أو الاستجابات على مثل هذا النوع من الاختبارات كان متأثرا بالتدريب والخبرة الموسيقية أكثر من تأثره بمهارات الاستماع الأساسية, التي حاولت الاختبارات التي من نمط اختبارات سيشور أن تقترب منها.

كان عدد آخر من الباحثين معنيين بقياس الاهتمام interest بالموسيقى مقارنة بعدد آخر من أو مظاهر الاستمتاع والنشاطات الأخرى وكذلك التفضيلات preferences الخاصة بين الأساليب الموسيقية المختلفة. ويعتمد مثل هذا الاهتمام البحثي على المقدمة المنطقية القائلة بأن الدافعية قد تكون مماثلة تماما في أهميتها للقدرة الموسيقية, وذلك من أجل حدوث التقدم في التدريب الموسيقي. قد تساعد مثل هذه الاختبارات أيضا في اتخاذ بعض القرارات والاختبارات المهنية فيما بين الآلات والأساليب الموسيقية المختلفة. وتتراوح وسائل قياس الاهتمام (التفضيل في مجال الموسيقى ما بين الاستبيانات Questionnaires التي تشتمل على أسئلة وأجوبة لفظية) والعينات (السمعية) المأخوذة من مجال الموسيقى ذاته.

الفروق الجماعية : Group Differences

يبدو أن أية قائمة لأعظم المؤلفين الموسيقيين عبر التاريخ لابد أن تشتمل في أغلب الأحوال على مؤلفين من الرجال. والأمر هو هكذا فعلا, رغم الحقيقة المعروفة عبر القرون التي فحواها أن نسبة النساء اللاتي تعلمن العزف على الآلات الموسيقية هي نسبة أكبر على نحو واضح من نسبة الذين فعلوا ذلك من الرجال.

لقد كتبت النساء عددا كبيرا من الأغاني القصيرة الراقصة الناجحة (التي ترجع إلى الأوقات الفيكتورية), لكن عدد السيمفونيات والأوبرات أو الأعمال الكوميدية الموسيقية ذات المنزلة الرفيعة التي كتبتها النساء هو عدد قليل على نحو واضح . هل يعني هذا أن الرجال يمتلكون قدرة موسيقية أكثر تفوق ا? هذا سؤال معقد والإجابة عنه ليست سهلة بالمرة.

لا تكشف اختبارات مثل اختبار <<سيشور>> عن أية فروق كبيرة مثيرة للاهتمام بين الجنسين فالبنات يكشفن فعلا عن اهتمام واضح بالمثيرات السمعية منذ مراحل مبكرة من العمر, بينما يكون الأولاد اكثر اهتماما بالمثيرات البصرية.

وكذلك فان النسبة الأكبر من الأولاد يجدون صعوبة في تعلم الغناء وهناك فرق آخر واضح البروز يتمثل في أن النساء أكثر حساسية للصوت من الرجال بحيث إنهن يذكرن أن نغمة معينة شديدة أو مرتفعة جدا. بينما تكون هذه النغمة عند مستوى <<ديسبل>> أكثر انخفاضا.

وقد يفسر هذا بعض المشاجرات المنزلية العديدة التي تدور حول مستوى الصوت المثالي لأجهزة التلفزيون أو <<الاستريو>>.

أيا كانت الأسباب المسؤولة عن العبقرية الخاصة بالتأليف الموسيقي التي تظهر لدى بعض الرجال, فإنها لا يمكن أن ترد أو تعزى إلى الفروق المتوسطة بين الجنسين في المهارات الموسيقية الأساسية, والأمر الأكثر احتمالا , هو أن عبقرية التأليف الموسيقي هذه إنما ترتبط بالتخصص الخاص بنصف المخ الأيمن الأكبر greater right hemisphere specialization في أمخاخ الرجال (أنظر ما سيلي بعد ذلك حول هذا الموضوع) وأيضا إلى بعض الخصائص المميزة للشخصية كالمثابرة وأوهام العظمة megalomamia والتي يبدو أن هرمون التسيستيرون (9) يعمل على تعزيز وجودهما.

فالأسباب وراثية وتشريحية تظهر أشكالا زائدة أو متطرفة من القدرة في معظم المجالات لدى الذكور, ومن ثم يتم تمثيلهم أيضا على نحو أكبر في فئات العباقرة العاجزين عن التعلم أيضا.

وهكذا, فإن النتيجة القائلة بأن عددا أكبر من الأولاد, مقارنة بالبنات, يعانون من الصمم النغمي قد تكون نتيجة متعلقة بالجانب الآخر من العملة, وهي تلك التي تعكس على وجهها الآخر مواهب موسيقية فذة تجلت لدى رجال أمثال باخ وبيتهوفن.

وبقدر اهتمامنا بالأداء الموسيقي يكون الأمر المثال أيضا أن نهتم بوجود درجة ما من الثنائية الجنسية أو الأندروجني Androgyny, فعند مقارنة الموسيقيين بالجمهور العام يبدو الذكور منهم أكثر أنوثية بينما الإناث يبدون أكثر ذكورية. وربما كان هذا راجعا أن الموسيقى هي مجال تشترك فيه القدرات الذكرية التقليدية (أي القدرة المتعلقة بالرياضيات وكذلك الميل للمنافسة). مع تلك الفضائل الأنثوية (الحساسية والتعبيرية), بحيث يكون الامتزاج بين هذين المكونين هو الأمر المثالي.

غالبا ما يقال عن الأفراد الذين من أصول أفريقية أن لديهم قدرة إيقاعية طبيعية. ويعد إسهامهم الخاص في موسيقى الجاز, يقينا, من الأمور التي لا يمكن إنكارها, كما أنهم يبدون متفوقين على نحو واضح في الرقص الحديث (كما في حالة مايكل جاكسون مثلا). على كل حال, فإن أي تفوق ليس من الأمور القابلة للاكتشاف من خلال اختبارات شبيهة باختبارات <<سيشور>>. وأيا كان الأمر فقد حصل الأمريكيون السود على درجات أقل بدرجة طفيفة من الأمريكيين البيض على كل مقاييس سيشور. هذا رغم أن الإيقاع هو أحد الاختبارات الفرعية من هذه المقاييس, وهو اختبار كان يفترض على الأقل أن يكون أداؤهم عليه أكثر تميزا.

إن هذا قد يعني أمرا واحدا من أمرين: أولهما أنه لا توجد فروق عرقية أو سلالية بين البيض والسود الأمريكيين في الاستعداد الإيقاعي. والأمر الآخر هو أن تلك الاختبارات التي من نمط اختبار سيشور هي اختبارات غير مناسبة لتقدير مثل هذه الاستعدادات. ويصعب في الوقت الراهن أن نحدد أي الأمرين هو الصحيح وأيهما الخاطئ, وحتى لو كانت هذه الفروق موجودة فإنها تعزى على نحو مناسب إلى التقاليد الثقافية أكثر من عزوها أو إرجاعها إلى عوامل فطرية.

أحيانا ما يقال إن الأشخاص فاقدي البصر يطورون مهارات استماع استثنائية أو فائقة من أجل التعويض عن افتقادهم للبصر. ويتم هنا بحالات خاصة لبعض المغنين وعازفي البيانو فاقدي البصر لتأييد هذه النظرية. وإذا كان الأمر هكذا, فإن هذا التعويض ينبغي أن يظهر باعتباره أداء متحسنا على الاختبارات مثل اختبار <<سيشور<<, وقد حصلوا في إحدى هذه الدراسات على أفضلية طفيفة مقارنة بغيرهم على ذاكرة الدرجة الصوتية, بينما وجدتهم دراسة أخرى أقل تميزا بالنسبة للإيقاع.

وهكذا, فإنه ورغم ذلك المستوى المرتفع من الموهبة الذي يظهره بعض المؤدين فاقدي البصر, ليس هناك دليل حقيقي يقول بأن فقدان البصر في حد ذاته يمنح أية ميزة موسيقية جوهرية . أما الفروق التي ترجع إلى التدريب الموسيقي فهي الأكثر دلالة مقارنة بتلك الفروق التي تحسب بين الأفراد سليمي البصر والأفراد فاقدي البصر.

الموهبة في مقابل التدريب : Talent Versus Training

إحدى أهم القضايا فيما يتعلق بالتربية الموسيقية هي تلك القضية المتعلقة بأصول أو جذور الموهبة الموسيقية. فلأي مدى تنبثق الموهبة الموسيقية musicality تلقائيا من الطبيعة الخاصة بالطفل وإلى أي مدى يمكن تنمية هذه الموهبة من خلال الخبرة أو التدريب?

وغالبا ما يتم الاستشهاد بحالة موتسارت لتأييد هاتين القضيتين كلتيهما. فالبعض يزعم أن القدرة الفذة التي أظهرها <<موتسارت>> كمؤد وكمؤلف, والتي كانت واضحة عند وصوله إلى سن الرابعة, هي قدرة يمكن تفسيرها فقط من خلال ذلك التفتح الطبيعي المبكر للعبقرية الفطرية.

أما أصحاب وجهة النظر المؤيدة للتأثير البيئي فيشيرون, على كل حال, إلى أن والد موتسارت, <<ليوبولد Leopolod>> الذي كان معلما للموسيقى, ربما كان محبطا في طموحه الخاص هو ذاته, ومن ثم فقد كرس نفسه لتعزيز المسار الإبداعي الخاص بابنه. فلم تعط إلا فرص قليلة على نحو واضح للصغير ولفجانج Wolfgang كي يلعب بشكل طبيعي مع أقرانه من الأطفال, لكنه انغمس في الموسيقى منذ طفولته المبكرة واستغله أبوه كما لو كان أعجوبة في سيرك. وحيث إن <<ليوبولد موتسارت>> لم يكن خاليا من بعض النفاق (أو الازدواجية) (فقد كان يكذب فيما يتعلق بأعمار أطفاله لأغراض الشهرة والدعاية), فإن ربما كان قد بالغ في الانتقاص من أهمية المساعدات التي قدمها هو شخصيا بالنسبة لتلك المؤلفات الموسيقية التي تنسب إلى ابنه الصغير. لا شك أن موتسارت قد ولد كعبقري, لكن يد المساعدة قد امتدت إليه أيضا, وذلك من خلال تربيته في مثل هذه البيئة <<الدفيئة<<.

تظهر القدرة الموسيقية بالتأكيد على نحو مبكر جدا من الحياة, وهي تظهر أولا كنوع من المناغاة أو اللعب الصوتي اللحني melodie babbling في الوقت نفسه تقريبا الذي ترتقي فيه اللغة المنطوقة. وقد درس موج Moog النظام الذي ترتقي من خلاله - أو تنمو - مهارات الغناء لدى الأطفال, ووجد أن معظم الأطفال يبدأون هذا النشاط أولا من خلال اكتسابهم لصوت الكلمات البسيطة, سهلة التذكرة مثل<<دنج - دونج ding dong<< وتأتي بعد ذلك المهارات الإيقاعية, ثم تجيء أخيرا الدرجات الصوتية للنغمات الصحيحة pitch of tunes.

عند عمر الرابعة, يستطيع 67% من الأطفال غناء بيت واحد أو سطر واحد من أغنية ما بشكل صحيح تقريبا, لكن نسبة صغيرة منهم هي التي تستمر في المعاناة من صعوبات خاصة في تعلم النغمة الصحيحة. أما اكتساب المهارات الإيقاعية, كتلك المهارات الخاصة بالتمييز الدقيق بين التوافق والتنافر فتأتي بعد ذلك إلى حد ما (حوالي السنة السابعة أو الثامنة من العمر). وتستمر جوانب معينة من الإيقاع, والهارموني, والتذوق العام للموسيقى في الارتقاء إلى سنوات المراهقة (أنظر الجدول1). ولكن, كما هو الحال بالنسبة لمعظم القدرات, فإن هناك فروقا فردية فيما يتعلق بالعمر الذي يتمكن عنده الطفل أو المراهق من السيطرة على مهاراته, فبعض الأطفال يتقدمون عبر هذه المراحل بشكل أسرع من غيرهم (خاصة عندما يتم إعطاؤهم تدريبا رسميا منظم ا).

يلفت الموسيقيون العظماء الأنظار غالبا إليهم في مرحلة مبكرة من العمر, فقد بدأ موتسارت وهايدن, وبيتهوفن, ومندلسون, وسوليفان, وبريتن كلهم التأليف الموسيقي قبل أن يصلوا إلى مرحلة المراهقة.

ولكن هناك في مقابل كل طفل معجزة طفل آخر مماثل في تأثيره أيضا لكنه بدأ خطواته على هذا الطريق على نحو متأخر. فقد قضى جلوك Glck اثني عشر عاما من حياته في بيئة تفتقر تماما إلى الموسيقى وقد أظهر موهبة موسيقية فقط عندما أرسل إلى المدرسة.

وشرع فاجنر في الاستعداد كي يصبح مؤلفا مسرحيا فقط خلال سنوات مراهقته, فاشترى كتابا حول التأليف الموسيقى, وكانت وجهة نظره الخاصة حينئذ أن يضيف الموسيقى إلى الدراما التي سيكتبها. ونشأ جورج جيرشوين George Gershwin (10) وليونارد برنشتاين Leonard Bernstein (11) في بيوت لا يوجد فيها أي بيانو, كما أنهما لم يتلقيا بالفعل أية مساعدة من أسرهم قبل أن يكبرا ليصيرا اثنين من أكبر عازفي البيانو والمؤلفين الموسيقيين نبوغا في تاريخ أمريكا.

لقد أكدت <<سوزنياك>> Sosniak أن الدعم أو المساندة المبكرة من جانب البيئة التي يعيش فيها الطفل ليست سببا جوهريا لظهور أو بزوغ الموهبة الموسيقية. وقد قامت بإجراء مقابلات مع 24 من عازفي البيانو الأمريكيين واضحي التفوق والنبوغ. وأجرت كذلك مقابلات مع والديهم, ووجدت أن هؤلاء الموسيقيين النابغين لا ينتمون بالضرورة إلى بيوت تهتم بالموسيقى, ففي حوالي نصف هذه البيوت التي جاء منها هؤلاء الموسيقيون لم يكن هناك أي اهتمام بالموسيقى لدى أبنائهم, بل ربما اهتمامهم الخاص نحو الموسيقى من النوع السلبي (الاستماع فقط), وذلك فيما يتعلق بالوقت السابق على الوقت الذي بدأ عنده أبناؤهم في تعلم العزف على البيانو.

على كل حال, فقد كان هؤلاء الآباء مساندين لميول أبنائهم على نحو ما. كذلك أتضح أن المدرس الأول الذي تلقى الأطفال الدروس على يديه كان له دوره المهم في توليد الحماس لديهم للعزف على البيانو. ويبدو أنه من غير المهم هنا أن يكون هذا المعلم متسما بدرجة رفيعة من القدرة الموسيقية أو لا يكون لكن الشرط الأساسي هو أن يكون متسما بالدفء والتشجيع, ومن ثم تصبح الدروس ممتعة ومفيدة في الوقت نفسه.

قام سلوبودا وهاو Soloboda & Howe بإجراء مقابلات مع الوالدين والطلاب (الذين تراوحت أعمارهم ما بين العاشرة والثامنة عشرة) في مدرسة بريطانية متخصصة في الموسيقى, وذلك في محاولة منهما لاكتشاف الظروف المحيطة الأساسية التي يمكن التنبؤ من خلالها بالإنجاز الموسيقي. ورغم أن العديد من هؤلاء الطلاب قد جاءوا من أسر ذات اهتمام قوي بالموسيقى, كما أنهم تلقوا قدرا كبيرا من الإشراف والتشجيع , فإن هؤلاء الطلاب - الذين كانوا مرتفعين في إنجازهم وفقا لتقديرات مدرسيهم - كانوا ينتمون إلى أسر أقل فاعلية واهتماما بالموسيقى. لقد تلقى هؤلاء المراهقون النابغون بالفعل دروسا قليلة في الموسيقى عندما كانوا أطفالا, ولم تكن التدريبات التي توفرت لهم تتفوق بأي حال من الأحوال عن الأطفال الأقل إنجازا. وهكذا, فإنه يبدو أنه رغم المساندة الأسرية قد تفيد في المسيرة المهنية الموسيقية, فإنها ليست بالتأكيد شرطا ساب قا ضروريا في هذه المسيرة, حيث يبدو ان الموهبة الطبيعية هي التي تلعب دورا أكبر في التفوق الموسيقي. إن نسبة من هؤلاء الطلاب الذين ينتمون إلى عائلات موسيقية قد يتابعون دراستهم للموسيقى, بسبب الضغوط الأسرية, أكثر من متابعتهم لها بسبب الموهبة الطبيعية أو الحب للفن.

إن الحقيقة القائلة بأن الموسيقيين النوابغ لا يتدربون, بالضرورة, على الموسيقى أكثر من الأشخاص العاديين أو المتوسطين في هذا المجال لا تعني - هذه الحقيقة - أن التدريب لا فائدة منه; لكنها توحي بدلا من ذلك , بأن الموسيقيين أصحاب المواهب الطبيعية يمكنهم أن يعملوا بشكل أقل جهدا, مقارنة بالآخرين, كي يصلوا إلى المستوى نفسه من الخبرة.

تعتبر الدراسات التي تجرى على التوائم أفضل طريقة للكشف عن المؤثرات الوراثية بالنسبة لأية خاصية, وقد قدمت هذه الدراسات بعض التأييد للفكرة القائلة بأن القدرة الموسيقية هي قدرة وراثية. فهناك تشابه أكثر بين التوائم المتطابقة identical twins مقارنة بالتوائم المتآخية fraternal twins (13) على الدرجات المشتقة من اختبارات مثل اختبار <<سيشور<<, لكن النتائج هنا متغيرة وغير ثابتة, كما أنها تكون قادرة في العادة على التفسير لما هو أقل من نصف التباين Variance(14) المدروس.

ورغم أن الإمكان الوراثي قد يكون أكثر ارتفاعا إذا تم الاهتمام بقياس الإنجاز الموسيقي (أو حتى العبقرية الموسيقية), وذلك بدلا من الاهتمام بقياس المهارات الأساسية الشبيهة بالنمط الذي يقيسه اختبار <<سيشور>> وهي التي يشك في صدقها ذاتها - فإن يبدو أن هناك العديد من المواضع التي يمكن توظيف الخبرة والتدريب من خلالها أثناء عملية الارتقاء الخاص بالقدرة الموسيقية.

لقد أشارت الدراسة التي قام بها كون وكاري Coon & Carey إلى القيمة الخاصة للتدريب. ففي هذه الدراسة تم تقسيم عينات التوائم إلى مجموعتين: تلقت إحداهما دروسا موسيقية والأخرى لم تتلق أيا من هذه الدروس. وقد كان الأداء الموسيقي لدى التوائم المتطابقة أكثر تماثلا مقارنة بالتوائم المتآخية , وذلك في حالة المجموعة التي لم تحصل على أية دروس في الموسيقى.

على كل حال, فقد اتضح أيضا أنه عندما يتلقى التوائم دروسا في الموسيقى (وغالبا ما يذهب الاثنان لهذه الدروس) لا يستمر الأخوان التوأم متماثلين.

إن ما تكشف عنه هذه الدراسة هو أن الموهبة الطبيعية, والاهتمام التلقائي يتعاونان معا في تشكل القدرة الموسيقية, أما التعليم الرسمي فقد يبطل هذا المصدر الخاص للتباين أو الاختلاف, على الأقل فيما يتعلق بالمستويات المتوسطة من الاداء الموسيقي.

تتفق هذه النتائج مع الدراسة التي أجراها دوكسي ورايت Doxey & Wright وأظهرت أنه عندما يتم قياس القدرة الموسيقية عند المرحلة العمرية من 4-6 سنوات فإن العوامل المرتبطة بالبيئة مثل: اتجاه الوالدين نحو الموسيقى, ووجود آلات موسيقية في البيت, ووجود اخوة يتلقون دروسا موسيقية تكون كلها عوامل مرتبطة على نحو إيجابي بالقدرة الموسيقية.

على كل حال, قد تكون العوامل الداخلية والتلقائية أكثر أهمية بالنسبة للمستوى الأعلى من الأداء. وقد راجع سلوبودا العديد من الشواهد فيما يتعلق بالشروط التي تدعم ظهور التفوق الموسيقي. وبعد أن أمعن النظر في الدراسات التي أجريت حول البلهاء - الحكماء أصحاب القدرة الفذة في إعادة إنتاج البنى - أو البنيات - الموسيقية على البيانو بعد سماعهم لها مرة واحدة فقط, وكذلك تلك الدراسات التي أجريت على عازفي موسيقى الجاز المتميزين مثل لويس أرمسترونج Louis Armstrong, خلص إلى أن التدريب الرسمي هو أمر غير ضروري لارتقاء الموهبة الموسيقية, كما أنه قد يكون حتى بالغ الضرر إذا تضمن استبعادا خاصا لمتعة المازج والمرج من عملية التدريب هذه.

إن ما يبدو مهما هنا هو ان يتعرض الطفل على نحو غير مقصود وبشكل متكرر للأشكال الموسيقية من الثقافة, ومنذ مراحل مبكرة من عمره, أي أن يكون لديه لهذه الفرصة المتعلقة بالاستكشاف الحر لوسيط موسيقي عبر مدى زمني ممتد, وكذلك تلك المصادر المتاحة للاندماج في الموسيقى (بما في ذلك الوقت, وتوفر الآلات الموسيقية والدعم المالي والاجتماعي).

وقد أكد <<سلوبودا>> أن غياب التهديد, والقلق والإلحاح في سياق الموسيقى هو أمر جوهري. إن الدافعية هنا ينبغى ان تكون داخل النشاط ذاته Intrinsic (أي تأتي المتعة من داخله) أكثر من كونها آتية من خارجية (تحدث نتيجة للرشاوي الصغيرة والإرهاب بالصياح أو العبوس ... الخ).

لم يوضع الموسيقيون الأفذاذ بالضرورة في سياق التدريب الرسمي منذ أعمار مبكرة, لكنهم كلهم تقريبا قد ذكروا أنهم كانت لديهم خبرات خاصة بحالات انفاعلية أو جمالية إيجابية شديدة (خبرات ذروة (peak experience (15) كاستجابة منهم للموسيقى, منذ الأيام الأولى لاستماعهم لها, وما بعد ذلك أيضا . ورغم أن <<سيشور<< قد اعتقد ان القدرات التي يقيس بها اختباراته هي قدرات ثابتة أو راسخة بدرجة كبيرة نتيجة أسباب وراثية, فإنه ليس هناك من شك بأن التدريب المكثف على هذه القدرات يمكنه أن يحسن درجات الأطفال والبالغين إلى حد ما. لكن ليس محددا مدى استمرارية الفوائد المتحصلة من هذا التدريب, ولا أيضا ما إذا كان هذا التدريب ينتقل إلى الاستعداد الموسيقي الواقعي أو الفعلي ويطوره أم لا.

وقد يكون ما يحدث هنا هو أن قدرا كبيرا من التحسن الحادث إنما يرجع إلى الفهم الأفضل لما تعنيه بعض المفاهيم كالدرجة الصوتية مثلا, أكثر من كونه راجعا إلى أي كسب أو زيادة واقعية في القدرة الموسيقية.

إن الافتراض القائل بأن الدروس التي يتلقاها الأطفال على يد مدرس متخصص تساعدهم في تعلم العزف على آلة معينة كالبيانو أو الفيولينة, هو افتراض واسع الانتشار بدرجة قللت من عدد الدراسات الإمبيريقية التي أخذت على عاتقها مهمة تقييم هذا الافتراض أو اختباره واقعيا. أما الدراسات التي قامت بذلك فقد كشفت عن أن الأطفال الذين تلقوا تدريبا قد تفوقوا إلى حد على ما الأطفال الذين لم يتلقوا أي تدريب, فيما يتعلق بعديد من مهام الإدراك الموسيقي, وكذلك فيما يتعلق بمهارات الأداء الموسيقي. فعلى سبيل المثال, يعمل التدريب على التسريع بارتقاء الحساسية لبنية الدياتوني (Seven-note) ولذاكرة المعلومات التفصيلية الموجودة في الألحان , ويعمل التدريب كذلك على زيادة احتمالية اكتساب الدرجة الصوتية المطلقة Absolute pitch (انظر ما سيأتي عنها بعد ذلك) . وهناك اتفاق كبير بين المعلمين على أن السنوات التي تقع ما بين الخامسة والتاسعة هي السنوات الملائمة على نحو خاص للتدريب الموسيقي, فهذا هو العمر المبكر الذي يستطيع الطفل خلاله أن يستفيد من التعليمات اللفظية, ويسيطر على المهارات الإيقاعية واللحنية والهارمونية ويكتسب أيضا فهما لعمليات التدوين الموسيقي notation.

على كل حال, فإن إسهام التدريب الرسمي في ظهور المقدرة الموسيقية الفذة (الأصيلة والإبداعية) هو إسهام أقل وضوحا. وتوحي دراسة <<سلوبودا<< بأن هذه الدروس يمكنها أن <<تسرق<< الإبداع من خلال كفها أو منعها للمتعة الخاصة خلال عملية التلقي لهذه الدروس. وقد وصف بامبيرجر Bamberger تلك الحالات المتكررة من الانهيار في أداء الأطفال العباقرة, وذلك عندما ووجهت التمثيلات الداخلية المتطورة النامية داخلهم بقواعد وأنساق خارجية وتقليدية. بمعنى آخر, فإن التمكن الموسيقي والعبقرية الموسيقية ليس من الضروري أبدا أن يسيرا متوازيين عبر المسارات الارتقائية نفسها. ومن الممكن أن يحدث التدريب المبكر على غناء الأغنيات تحسنا قصير المدى, لكن إلى أي مدى يمكن نقل هذه المكاسب الناتجة عن التدريب إلى مرحلة الرشد, ذلك أمر غير واضح.

قد يعمل التدريب, إلى حد كبير, على التسريع بالتقدم نحو السقف نفسه (الحد الأعلى) من القدرة, رغم أن بعض المكاسب قد تميل لأن تظل دائمة كما في حالة التحكم في الجهاز الصوتي والألفة بالمسافات الموسيقية والألحان الشائعة في ثقافة معينة كذلك ما يتعلق فيها بالتذوق العام للموسيقى كشكل من أشكال الفن. ومدى جوهرية دروس الغناء في ارتقاء البراعة الصوتية الفائقة هو من الأمور الخاضعة للتساؤل, وذلك لأنه يصعب علينا أن نفصل أو نعزل الآثار الخاصة بالنضج والخبرة عن تلك الآثار التي ترجع على نحو محدد إلى الإسهام الخاص بالمعلم.

إن عددا معينا من معلمى الغناء يحظون بشهرة كبيرة, لكن نوعا ما من الحلقات المفرغة ينشأ هنا, فشهرة المعلمين أو صيتهم الذائع يساعدهم على اجتذاب طلاب جيدين يتقدمون بدورهم بعد ذلك كي يدعموا أكثر هذه الشهرة الخاصة بالمعلمين. أيضا ينمو أحيانا نوع من وهم الثنائية الـ faolie deux بين المعلم والطلاب, ومن خلاله يكون الطالب مقتنعا بأن تقدمه يحدث أساسا لأن المعلم هو من يخبره بحدوث عمليات التقدم هذه , وعلى أساس من عمليات التدعيم المتقطع Intermittent Reinforament (16).

قد يكون هناك أيضا نوع من أثر الانتعاش المؤقت <<(Svengali efect) الذي من خلاله يستطيع الطالب أن يؤدي على نحو بارع في موقع التعلم, الذي يقوم المعلم بتعليمه فيه, لكنه غير قادر على تحويل أو نقل مهارته هذه إلى المواقف التي تقع خارج هذا الموقف, حيث يكون تشجيع المعلم غير متاح.

لا شك أن بعض معلمي الغناء يكون لديهم تأثيرهم الطيب على طلابهم, لكن معلمين آخرين قد تكون لهم آثارهم الضارة, من خلال محاولاتهم لغرس أفكار غير واقعية في أذهان طلابهم, ومن خلال التقنيات الزائفة ونظم التدريب الصارمة التي تنهك الصوت (وربما تؤدي إلى ضرر دائم في الأحبال الصوتية).

تكمن الصعوبة الكبيرة في تقدير أو قياس القيمة الخاصة بمسارات عديدة للتدريب الموسيقي في القيام بالفصل بين السبب والنتيجة, فالأفراد الموهوبون يشقون طريقهم بأنفسهم نحو التدريب أو يسعون من أجله, ومن ثم قد يكون هناك ميل لإرجاع موهبتهم إلى التدريب ذاته.

على كل حال, هناك عادة درجة من التداخل بين الموهبة والتدريب, حيث يعمل التعليم الموسيقي على معاونة الطالب على التحقيق الكامل لإمكاناته.

هناك أيضا تلك الميزة الخاصة التي تحدث حين يتوفر معلمو الموسيقى وكليات الموسيقى التنبيه الخاص الناشئ عن بيئة تحيا بالموسيقى, وتتنفس من خلالها, كما أنها تقدم للطلاب معلومات عملية كتلك المعلومات المتعلقة بنوع الآلة التي ينبغى عليه أن يشتريها وكيفية صيانتها, وكذلك بعض الإشارات الضمنية المهنية الخاصة والأماكن التي يمكن أن يجد فيها هذا الطالب الوظائف المناسبة, وأيضا الأماكن التي يمكن أن يستعرض فيها قدراته. وأحد الأخطار الكامنة هنا هو أن هذه المؤسسات الموسيقية قد تحدث نوعا من الانصياع - أو المسايرة - يعمل بدوره على سرقة الموهبة عالية الأصالة. إن مثل هذه المؤسسات قد تكون عاجزة عن التعرف على الإبداع العظيم, بسبب كون معايير التميز التي تنتابها ذات نظرة رجعية متخلفة. فعلى الرغم من كل شيء رفض الطلب الذي تقدم به فيردى, أشهر من أنجبتهم إيطاليا من مؤلفي الموسيقى, للالتحاق بمعهد الموسيقى في ميلانو من خلال حجج تتعلق بنقش الموهبة الموسيقية لديه.

الدرجة الصوتية المطلقة : Absolute pitch

تعتبر تلك القدرة على تحديد النغمات والمفاتيح الموسيقية على نحو واضح دون الرجوع, أو الإحالة, إلى نغمات سمعت من قبل, أي تلك القدرة على انتاج نغمة معينة خاصة عند الطلب, هي أحد الجوانب الخاصة في القدرة الموسيقية, وهو جانب لم يفهم حتى الآن على نحو جيد.

فالشخص الأكثر <<موسيقية<< هو الشخص الذي يزداد لديه احتمال <<امتلاك الدرجة الصوتية المطلقة>> (17), لكن ليس من الواضح ما إذا كان الظهور الأكثر بروزا لهذه الدرجة النغمية المطلقة لدى الموسيقيين راجعا إلى الخبرة والتعلم, أم راجعا إلى الانضمام أو الدخول الانتقائي أو الاختياري داخل هذه المهنة من جانب الأفراد ذوي القدرة الطبيعية الفائقة.

فواحد من كل أربعة تقريبا من قادة الأوركسترا لديه هذه الدرجة الصوتية المطلقة, مقارنة بواحد من كل أربعمائة مغن .

وقد يعزى هذا الفرق إلى حقيقة أن قادة الأوركسترا يتم اختيارهم, وإلى حد كبير, بناء على قدرتهم الموسيقية, بينما يتم اختيار المغنين لأسباب خاصة بسلامة أو صحة أصواتهم, ولكن ربما كان العمر الذي يبدأ عنده التدريب الموسيقي هو أيضا العامل المهم هنا.

الشيء المؤكد, هو أن المرء يمكنه أن يصبح موسيقيا عظيما دون أن يمتلك مثل هذه الدرجة الصوتية المطلقة, حيث يعتبر تشايكوفسكي وفاجنر من أعظم مؤلفي الموسيقى في العالم, وهما من كان واضحا أنهما لا يمتلكان مثل هذه البراعة.

وبينما قد تكون <<الدرجة الصوتية المطلقة<< مفيدة أحيانا بالنسبة لأحد المغنين, فإنه قد تكون هناك أوقات أخرى تتداخل - هذه القدرة - فيها مع أدائه.

فالمغني الذي تعلم غناء أغنية من خلال مفتاح معين, ثم يجد لزاما عليه بعد ذلك أن يغنيها بمصاحبة بيانو تم خفض درجته الصوتية بمقدار نصف تون (كما يحدث بالنسبة للكثير من المغنين) خاصة عندما يكبرون في السن, ولا يعودون قادرين على اتخاذ أو تحمل نفس الدرجة من التوتر المرتبطة بعملية توليف الصوت tuning التي تحدث . هذا المغني لا يكون في العادة معوقا بأي حال من الأحوال, وذلك لأنه يستطيع الغناء من خلال أية درجة صوتية أيا كانت.

لكن المغني الذي يمتلك <<درجة صوتية>> مطلقة قد يجد نفسه واقعا في براثن صراع خاص ما بين المفتاح الذي تعلم غناء الأغنية من خلاله, وذلك المفتاح الذي يسمعه الآن مصاحبا لأدائه, وتكون النتيجة هي أن يخلط هذا المغني أو هذه المغنية بين هذين المفتاحين أو المقامين فيغني بشكل حاد, أو يؤدي بطريقة غير مريحة بشكل عام.

قد يعوق عازفو البيانو أيضا من خلال ذلك التفاوت بين ما يرونه واجبا, وما يسمعونه. وقد عبر العازف المصاحب The accompanist جيرالد مور Gerald Moore عن ارتياحه الكبير عندما ذبلت البراعة الخاصة <<بالدرجة الصوتية المطلقة>> لديه والتي كان يمتلكها منذ الطفولة وعبر سنوات عمره.

هناك مثالان يمكنهما أن يفيدا في توضيح المزايا والمثالب الخاصة الصوتية المطلقة. فعندما عانت مغنية السوبرانو كريستين فلاجستاد Kristen Flagstad من مرض حاد في أذنها أدى بها إلى أن تصبح صماء فعلا , كانت خلال عام واحد قادرة على غناء أدوار فاجنر الكبرى في دار أوبرا الميتربوليتان باستخدام الإحساس الخاص بالدرجة الصوتية المطلقة, وهو ذلك الإحساس الذي كانت تمتلكه على نحو جيد وأيضا من خلال الاتصال البصري مع قائد الأوركسترا التي كانت تغني بمصاحبتها.

من ناحية أخرى, فإن مغنية ميزوسوبرانو mezzo-soprano (18) بارعة أخرى وتمتلك الدرجة الصوتية المطلقة كانت تغني مقطوعة صعبة مع كورس جوقة غير مصحوب بالعزف with unaccompanied قد فشلت فشلا ذريعا وذلك عندما تحولا لكورس إلى الأداء بالصوت المنخفض (كما يفعلون ذلك كثيرا), وذلك لأنها كانت غير قادرة على متابعة مفتاحهم المتغير والمتحول هذ

تعليقات

Comment Icon

moi walid j aim la misic

walid | 16/07/2007, 20:49 [ الرد ]

Comment Icon

moi walid j aim la misic

walid gazal | 16/07/2007, 20:51 [ الرد ]

اضافة تعليق
authimage
رمز التأكيد
A service provided by Al Bawaba