في البدء كانت الإرادة الكلمة الفعل ... هكذا تم جعلنا في هذا العالم .. وإيماني بقوة الثلاث دفعني لأن
أمارس الكتابة ليس كتقليد أو هوى
ولكن واجب أخلاقي محمود يساهم في تحقيق ذاتي ـ خليفة يسعى إلى رضى الله سبحانه وتعالى بتحقيق العبودية له بما منحني من الاستعداد ، والتعاطي مع منظومتي ـ البشرـ فكرا وسلوكا ...
رياض أبو خندج ...
29 آب, 2008
في الهند أرعبتني كتل بشرية تقف أمام تمثال له ستتة أذرع ، فسألت السائق عن اسم هذه المجموعة فقال لي اسم هذه المجموعة بعد التعريب طبعا ( المتقين ) قلت : عجبا ، إذا كان هم المتقون فمن نحن أتباع الدين الحق في هذه الدنيا ؟!
قم قلت في نفسي ، هم فعلا متقين ، ولكن في إطار الجهل ! فهم متقون لأنهم يعتقدون بأن ما يفعلونه يقيهم الشرور ويطهرهم من أدران الذنوب ـ وهي تقوى في إطار الجهل ، لأنهم في أفعالهم لا يصدرون عما جاء به دين الحق ( الإسلام ) وقد وضعت تساؤلي في هذا في ( إشكالية ) لتفكيك المشكل وتبيين نقاط التقاطع والانحرافات ... فقلت بدء : المؤلف أي مؤلف ( بفتح اللام مع التشديد) بما أنه نتاج خبرة إنسانية محدودة ، فإنه يقدم اشتراطات ضمنا ليكسب القارئ تحصيل خبرته ، منها أن يكون القارئ ملم باللغة المكتوبة ،والإشتراط الثاني منوط بالإنسان وهو أن يكون لديه من الاستعداد ما يجعله يستوعب ما هو مكتوب ، ومن ذلك الاستعداد العزم والإرادة ما يجعله مقبلا على القراءة ... على أن هذين الأخيرين وهما العزم والإرادة منشؤهما الشعور بالحاجة والنقص ... والقرآن الكريم له المثل الأعلى فهو منذ البدء في سورة البقرة ، يقدم هذه الاشتراطات للشريحة التي يستهدفها ، وذلك في قوله تعالى (ألم * ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين ) .. أي أن المستفيد من هدي هذا الكتاب هم المتقين ...... والسؤال هو كيف يكون الكتاب الكريم قد وضع للمتقين ، في حين أن المتقي لا يحتاج إلى ما يقيه ؟ فإذا كان المتقي اسم فاعل ، لذلك الشخص الذي يضع حائلا بينه وبين ما يؤذيه ، فكيف يكون بحاجة إلى التقوى وقد عمل بها .؟.. وللخروج من هذه الإشكالية أقول: أن المراد بالتقوى هنا هو المعنى العام للتقوى وليس الخاص المحدد في المصطلح الإسلامي ، يقول الله سبحانه وتعالى في وصفه للمتقين ( الذين يؤمنون بالغيب ، ويقيمون الصلاة ، ومما رزقناهم ينفقون ..). ويكون المعنى العام للتقوى في هذه الآية ، أن المتقي هو من تتوفر فيه هذه الاشتراطات الثلاثة المذكورة ، فإذا ما توفرت فسيجد الهدى في هذا الكتاب .. فإن الإيمان بالغيب في العموم .. يعني الاعتراف الضمني للإنسان بمحدودية فكره ، وقد يكون الإيمان بالغيب ، نزعة مغروسة في فطرة الإنسان ، كالعهد الذي اخده الله على بني آدم وهم ذرية ، فالأول دليل على الإيجابية الفكرية ، فإنه إعمال للعقل واتباع لما يرمي إليه ، والثانية منحة موقوفة من الله عز وجل .... وعلى هذه الحال فإن الإيمان بالغيب ـ بالمعنى العام ـ يشمل أيضا المشركين وعبدة الأوثان وكل أصحاب الديانات ، فهم يؤمنون بوجود تدابير وأمور غيبية من آلهتهم ... ... وفي قوله تعالى ( ويقيمون الصلاة ) فهي ـ بالمعنى العام ـ مداومة الرابط الروحي بذلك الغيب .. كالاتكال والخشية والخوف .. ومثل هذا .. وهو حال ملازم للمشركين وعبدة الأوثان وأصحاب الديانات الأخرى .... وفي قوله تعالى في الشرط الثالث ( ومما رزقناهم ينفقون ) الاتصال بذلك العالم الغيبي من خلال بذل العنصر المادي ( الصدقات ، الذبح ، النذور ... الخ ) وهو ما يفعله المشركون وعبدة الأوثان أيضا ... فكانت هذه الثلاثة هي الاشتراطات الأول لمن أراد أن يهتدي بهدي هذا الكتاب الكريم ... وهي كما قال العلماء : (هدي دلالة وإرشاد) ..وتبقى المهمة الثانية للاستفادة من المؤلف أي مؤلف ، مرهونة بعزم الإنسان وإرادته ، وهي الإرادة الحرة التي ليس لأي إنسان سلطة عليها غير نفسه ..( إنك لا تهدي من أحببت ) و( أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين ) .. وقد جعل الله سبحانه وتعالى سنة للاهتداء وطريقا إليه ، وهو التماس الهدى فيما يرشد إليه في كتابه الكريم ، ولن تجد لسنة الله تحويلا ، فمن أراد أن يتهدى بهدي القرآن ويترشد بإرشاده ، فسيهتدي ويرشد به بإذن الله ، وهي الطريقة المشروعة التي أذن الله سبحانه وتعالى بها ، ومن ابتغى الهدى في غيره ضل عنها .. وهذه هي هداية التوصيل كما أوردها تفسير بعض العلماء ... وقد جاء الإسلام بهديه في كتابه الكريم إلى أقوام مختلفين في دياناتهم و كانت الضلالة هي جامع الاختلاف ..فإذا تتبعنا الآيات .. سنجد أن القرآن الكريم يقسم الناس إلى ثلاثة أقسام هي كلها بحاجة إلى الهداية .. القسم الأول : المتقين... والقسم الثاني : الكافرين ... والقسم الثالث : المنافقين ( المخادعين ) ... فالقسم الأول : المتقين ، وهم الذين توفرت فيهم الاشتراطات الثلاثة .. وعليه فيكون الضالين قبل الإسلام هم المقصودين بالمتقين ..وهم الذين نزل القرآن الكريم فيهم ، لأن من الضالين من يحمل نفسا تقوية ، تخشى الغيب وتقيم الصلة به وتتقرب إليه بما تملك ، ولكنها على غير هدى في سعيها و تصورها لذلك الغيب ، وقد نزل القرآن الكريم لهدايتها ...وهم الذين صدع فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بآيات القرآن الكريم وقرعهم به ، فهم إذا المتقين بالمعنى العام ـ وهي تقوى غير مقبولة أو تقوى لا تقي ـ لكن التقوى اكتسبت بعد الإسلام مصطلحا جديدا ، لتكون الآية التي تليها هي المحدد لمعنى التقوى التي أقرها الإسلام في قوله تعالى ( والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون .. ) والقسم الثاني : هم الكافرين .. الذين لا ينفع فيهم الإنذار ولن يجدوا في هذا القرآن الكريم الهداية وهم على هذه الحال .. ذلك أن الكفر هو إرادة إعراض من الإنسان .. لأن الإنسان مجبول فطرة على معرفة الخالق سبحانه وتعلى ( ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله .. )، ولكن في وضع ما فإن عزيمة الإنسان وإرادته تضعف وتتراخى ، أمام مشتهيات أخرى كالمتع والملذات فتتسامى عنده هذه العوارض وتحتل الغائية ، فيصبح إنذار هذا الإنسان من عدمه سواء إلا أن يعود لينصب وليصحح إرادته بنفسه ، فيكون الحق غايته ومناه وموضع بحثه ومبتغاه ، عندها يكون من المتقين بالمعنى العام وليس بالمعنى الإسلامي الخاص ! والقسم الثالث : المخادعون ..ــــــــ ( ولن أشرح هذا لأنه ليس غرض البحث ) ********... وعليه يقصد بلفظ المتقين ، في بداية سورة البقرة ،الذين يحققون شروط التقوى بمعناها العام ، ولكنهم في إطار الضلالة .لأن الرسالة لما تأتيهم بعد .. وقد يكونوا اكتسبوا هذا المصطلح بعد إتباعهم للرسالة كنقلة نوعية في التقوى ، لتكون هي التقوى بمعناها الاصطلاحي في إطار الإسلام .. كما في قوله تعالى ( ياأيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون ) أي التقوى الحق .. وعليه يمكن القول : بـأن المتقين المقصودين في بداية الآية من سورة البقرة ، هم المشركين وعبدة الأوثان وغيرهم من أصحاب الديانات الأخرى ، لأنهم أولئك الذين يصدقون بالغيب ـ ويقيمون الصلة الروحية والمادية به ، وإن لم يكونوا على الطريقة التي أقرهم عليها الإسلام فيما بعد ... فهم متقون من ناحية الخصيصة النفسية أو العقلية قبل نزول الرسالة أي في (الإطار الضال أو إطار الجهل ) ، فعابد الصنم مثلا كان متقيا ، لأنه يفي بشروط التقوى .. وهو الذي نزل من أجله القرآن لهدايته .. ولكنها تقوى ضالة لا تنفع .. لأنهم يقولون: ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى ، فهم يحققون فيهم الثلاثة الاشتراطات للتقوى بالمعنى العام .. وهي الإيمان بالأمر الغيبي وهو شفاعتهم عند الله سبحانه وتعالى ــ ويعكفون عليها لتحقيق الصلة الروحية ـ ويذبحون وينذرون عندها أيضا وهي الصلة المادية ... لكن الإسلام رفض التقوى التي من هذا النوع رفضا قاطعا .. ( فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله ) .. ولو كان القرآن الكريم نزل على المتقين الذين هم بالمعنى المتبعين للإسلام لكان المعنى : أن القرآن الكريم نزل هداية للمهتدين وهذا لا يكون .. وإذا تأملنا الآيتين المتتابعتين في أول سورة البقرة .. سنجد أن هاتين الآيتين تحدثت عن التقوى بنوعيها ـ أي في الإطار العام ( الضلال والجهل ) في الآية الأولى ، والإطار الخاص ( الهدى ، العلم الحق ) في الآية الثانية .. ففي الآية الأولى تعريف للتقوى في ( الإطار العام )قال تعالى ( الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون ) وفي الآية الثانية تعريف التقوى في الإطار الخاص وهو الإسلام .. ( والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون ) ... ونحن إذا ما تأملنا التقسيم للناس من ناحية الإقبال والإعراض لأمر الغيب يكون الناس على هذه الثلاثة أقسام ... القسم الأول : المتقين .. وهم المقبلون على وسيلة التقوى من ذلك الغيب ( الخوف والرجاء ) .. وهم في إطار الجهل يمنحون هذه الهيئات القلبية لمعبوداتهم من دون الله ، أما في الإطار الإسلامي فلا يجوز أن تصرف إلا لله وحده .. والقسم الثاني : الكافرين ... وهم المعرضون عن أمر الغيب .. فلا يخافونه ولا يرجونه ، فهذه الحالة الكفرية التي يصل إليها الإنسان هي نتاج إغفال الإنسان لنداءات الفطرة وموجبات العقل ودواعيه ، فإن الفطرة نفسها لتصدأ وتثلم وتنحرف عندما تهمل ، كما في قوله تعالى ( نسوا الله فأنساهم أنفسهم .. ) وا الإسلام جاء ليبقي هذه الفطرة حية في القلوب وفي النفوس ، ليلقى الإنسان ربه بقلم سليم ... والقسم الثالث : وهم المنافقين أو المخادعين .. الذين يراوحون بين القسمين .. فمرة ينجذبون إلى هذا ومرة إلى ذاك ، فحيث تكون مصلحتهم الدنيوية يكونون .. والتقسيم يأتي من الناحية العقلية على النحو التالي : المتقين .. الذين يعملون بإيجابيتهم العقلية ، أي يعملون عقولهم . فإن الإنسان الذي يقر بمحدودية فكره ، فإنه في الحقيقة إنما يقدم اعتراف بفقده لجزء من الحكمة والبصيرة لهذا العالم ، ولذلك فهو في حالة تلمس للهدى ، ولهذا فإن كل الإحتمالات التي يأتي بها الغيب ( الخير ، الشر ، الرحمة العذاب ) تبقى واردة عنده ، وبلا شك تكون حاله بين الخوف والرجاء ، وهي حالة أو ضوء صغير من البصيرة لدى كل إنسان يدعوه إلى تلمس طريق الهدى ... وهؤلاء هم الذين نزل فيهم القرآن الكريم ليخرجهم من ظلمات الجهل والضلال إلى نور العلم والمعرفة .. الكافرون : وهم الذين أعرضوا عن تلمس طريق الهداية .. فمع أن لديهم هذا الضوء الصغير من البصيرة لأنها فطرة عند كل إنسان إلا أنهم يتعامون عن هذا النور، لأنه يفوت عليهم مصالح عاجلة بنظرهم أو غير ذلك ، أو هم يسترون أو يغطون هذه البصيرة وهذا النور الذي بداخلهم ، من أجل أنه يفقدهم لذة التمتع كما في قوله تعالى ( ليكفروا بما أتيناهم وليتمتعوا ...) فالكفر يعني الستر والتغطية وهدفه التمتع والتحلل من المسؤولية ، وكما أن المتقي هو الذي يعمل بإيجابياته العقلية ، فإن الكافر هو الذي يعرض عن ما يوجبه عقله ، وهي سلبية محضة ..