في البدء كانت الإرادة الكلمة الفعل ... هكذا تم جعلنا في هذا العالم .. وإيماني بقوة الثلاث دفعني لأن

     

أمارس الكتابة ليس  كتقليد أو هوى 

     ولكن واجب أخلاقي   محمود يساهم في تحقيق ذاتي ـ خليفة   يسعى إلى رضى الله سبحانه وتعالى بتحقيق العبودية له بما منحني من الاستعداد ، والتعاطي  مع منظومتي ـ البشرـ فكرا وسلوكا ...

رياض أبو خندج ...

« | »

الأنظمة العربية والمأزق

 تكمن حذاقة  القائد في المهارة التي يدير بها  الدفة  ومحاولة الوصول بمركبه إلى شاطيء الأمان ، أما الأمواج العاتية التي تصطدم  جوانب  المركب  ، فلا يمكنه السيطرة عليها ،  لكن بشيء من الذكاء عليه  أن يستفيد من طاقة ذلك الاصطدام في تحويله  إلى قوة فاعلة في الداخل تتكسر عليها الأمواج ... في الحقيقة لست مع أولئك الذين يتهمون الأنظمة العربية بالتآمر والعمالة والسفاهة وخلافه ، فلا أحد يقوض كيانه بنفسه ،  لكن ما يواجه الأنظمة العربية في هذا الزمن الصعب هي قوى دولية جبارة  ، لها خططها وطموحها وإرادتها ، وتملك لذلك أجهزة عالية التنظيم والدقة ، تريد ما تفعل أو تفعل ما تريد ،  وهي تستطيع  تمرير قرارها السياسي بفعل امتلاكها   قوة ردع  وتفوق عسكري قادر على إنفاذه ، وكما يقال ـ فإن الحرب امتداد للسياسة ـ  هذه القوى الخارجية  بكل جبروتها ، بنت استراتيجيتها وطموحها ، على   سحق  دول ضعيفة ، عاجزة ، تحاول تطوير قدراتها ، وتحاول وضع عرباتها على القضبان للحاق بركب التقدم والتنمية وكأنها تسابق الزمن ... وأمام هاتين الإرادتين المتعارضتين  اللتين صنعتهما ظروف تاريخية معينة ، فإن التكافؤ يصبح منعدما والمواجهة تبدو كقدر محتم  لا بد منه وقد بدأت هذه المواجهة بالفعل من خلال إملاءات افعل ولا تفعل !!  ..  ... وأمام هذا التأزم في الواقع العربي  ، فإن الشعوب  تتجه اتجاها عصابيا  لا عقلانيا   ليس إلى محاكمة التاريخ واستخلاص العبر وفقه الواقع  ، بل إلى البحث عن ضحية تسقط عليه كل لومها وتقريعها ، وكان الحاكم العربي هو هذه الضحية الجاهزة التي يمكن  أن تحاكم التاريخ في شخصه ، متناسية أن الحاكم هو النبتة التي نمت وترعرعت في نفس المجتمع ، وأنه يسري عليه قانون البشر ، وأن  بروز شخصه وانسلاخه من عقد الجماعة لا يمكن أن يتم إلا بتواطؤ أفراد الجماعة ذاتها .... ولأن قوى المواجهة بين المعسكرين الشرقي أو الشرق متوسطي  المتهالك والمعسكر الغربي المتطور إلى أبعد الحدود غير متكافئة   ، فإن أي نظام عربي متعقل  مجبر على تفادي أي نوع من هذا الصراع  الذي لن  يؤدي إلى سقوطه كنظام فقط ، بل إلى انهيار تام لكل شكل تنظيمي يبقي على ملامح الدولة  ، ومثال ذلك الصومال ولبنان والعراق وأفغانستان وغيرها ... وبالطبع فإن الأنظمة العربية ومعها  الشعوب مدركة لأبعاد هذه الكارثة  ( كارثة الصدام فيما لو حدثت عسكريا لا سمح الله  ) بأنها ستأتي على  الجمل بما حمل ، ولذلك تحاول أن لا تجعل من المواجهة  أحد الحلول المطروحة على الطاولة  ...  فالأنظمة العربية ، وإن كان يغلب عليها الأنانية والاستئثار والاستكبار أحيانا بفعل تخليها عن مبدأ المحاسبة ، إلا أنها كأي نظام حاكم  يحافظ على مقومات وجوده ، فهو  من ناحية يأمل أن يفي بالتزاماته تجاه شعبه بالعمل على التنمية ، ومن ناحية أخرى فهو مجبرعلى مسايرة الإملاءات الخارجية التي تعوق  هذه  التنمية وتبطئها حد التوقف أو التراجع للوراء أحيانا ... وهي إملاءات تأتي في شكل معيب ومخجل كنصائح وتوصيات وتوجيهات وتنبيهات  ولفت نظر أحيانا عن طريق المؤتمرات واللقاءات الخاصة السفارات والبعثات الدبلوماسية والرسائل وغيرها ....     ولا مناص أمام هذا الوضع المتأزم من أن تعمد هذه الأنظمة العربية على مبدأ الأخذ  بأقل الضررين ، والذي يعني إغفال إرادة شعوبها ، وتأخير عجلة  التنمية في مقابل الروغان من  حتمية المواجهة والعنترية التي هزمت فيها كثير من الآنظمة العربية  ،  وهو التزام مشروع لا غبار عليه في نظر الحاكم وعقلاء المحكومين من الشعب ،  باعتبار أن المرحلة لا تحتمل المخاطرة   .... غير أن الحاكم العربي أيضا يجد نفسه في وضع لا يحسد عليه ، فهو في مواجهة مستمرة مع السخط الجماهيري والإذلال الإعلامي أحيانا كثيرة ، هذا السخط  الذي تنامى عند الجماهير عامة  من خلال عقد المقارنات عند اتصاله بالعوالم الأخرى وتفتحه على تنظيماتها وتطورها  بدء من  أنظمة الحكم ، وانتهاء باحترام الحريات الشخصية  عن طريق التواصل المعلوماتي الضخم من خلال القنوات الفضائية والانترنت وغيرها    ، وهذا التواصل المعلوماتي الذي أيقض الشعوب ، خلق حالة من انعدام الثقة بين الحاكم والمحكوم ، ولذلك فهو يسعى باستمرار إلى ردم هذه الفجوة ،  ومحاولة  الحفاظ على استمراريته  كنظام صالح   ، رغم  الأسلوب المهتريء في الإدارة والذي قد تجاوزه الزمن ، ورغم كل التناقضات التي تثبت أنه لم يعد يتمتع إلا بسلطة محدودة  قد لا تتجاوز سلطات التابع العسكري لأي دولة ...  وأمام هذه الحالة من فقدان السيادة الحقيقية ، فإن هذه الأنظمة العربية تتحول إلى شكل صوري لحزب حاكم  ، يعتمد في بقائه على إقامة التوازن بين  حماية الدول الخارجية المتنفذة ، و على   حشد  جيش من التبعيين الذين يعملون باستمرار على دعم النظام بالداخل  والحفاظ على تماسكه من خلال  تلميع الصورة حتى تظهر بغير ما هي عليه في الحقيقة ... أمام هذا الوضع الصعب فلا خيار للجماهير أيضا  إلا مساندة النظام المهتريء  ولوقوف بجانبه أو تصنيف الوضع كحالة ميئوس منها !!باعتبار ذلك  أهون الخطرين ، وستبقى هذه الجماهير  منتظرة الفرصة  التاريخية  التي ربما تأتي بها الأيام لتغير مجرى الأحداث ، وبعد ذلك تقول كلمتها وتنتزع سلطانها بيدها  ، وعندها سيردد قول الشاعر وأظنه أبو القاسم الشابي :  ... إذا الشعب يوما أراد الحياة **  فلا بد أن يستجيب القدر ...

تعليقات

اضافة تعليق
authimage
رمز التأكيد
 
A service provided by Al Bawaba