في البدء كانت الإرادة الكلمة الفعل ... هكذا تم جعلنا في هذا العالم .. وإيماني بقوة الثلاث دفعني لأن

     

أمارس الكتابة ليس  كتقليد أو هوى 

     ولكن واجب أخلاقي   محمود يساهم في تحقيق ذاتي ـ خليفة   يسعى إلى رضى الله سبحانه وتعالى بتحقيق العبودية له بما منحني من الاستعداد ، والتعاطي  مع منظومتي ـ البشرـ فكرا وسلوكا ...

رياض أبو خندج ...

« | »

الفاتحة العظيمة

يفتتح القرآن الكريم بسورة الفاتحة  ( الحمد لله رب العالمين )  ..وفيها : إقرار من الله  عن نفسه ..   بأن له الثناء سبحانه وتعالى ، حقا واستحقاقا  ،   وله كمال الحمد بكل وجه   ...    و...( الحمد لله رب العالمين ) من جهة أخرى.. إخباره سبحانه وتعالى  لعباده . فهي جملة خبرية ....   و.....( الحمد لله رب العالمين ) من جهة ثالثة :   ترديد القول من العبد  امتثال لعظم  القول من الله  ودليل موافقته والاعتراف به  .. ....  فكان ( الحمد لله رب العالمين )        (  إقرار ) وكان ( الحمد لله رب العالمين )       (إخبارا) وكان  ( الحمد لله رب العالمين )      ( تمثلا ـ تقريرا  ) من العبد  ولما كان الكتاب الكريم هو كلام الله ، أنزله هداية لعباده ،  بلغة العرب ....   فقد بين لنا فيه  حقيقته خبره  لعباده  التي  أراد لنا أن نتعرف بها عليه ،   ومن سنن هداه تعالى ، هي هذه السورة العظيمة التي يفتتح بها العبد مناجاته ودعائه لربه فـ (الحمد لله رب العالمين ،  الرحمن الرحيم ) .... وفي الحمد لله رب العالمين ..نقرآ ثناءه سبحانه وتعالى  على ذاته بذاته    ...  وهو سبحانه وتعالى  (الرحمن    ) صفة راجعة لذاته ، وهي صفة لصيقة والعرب تعهد هذا كمن يسمي نفسه حمدان فإنه يرجع لمعنى التكثر من الحمد ، وخيران للتكثر من الخير وهكذا . و( الرحيم) صفته لغيره ..  وكلامه سبحانه وتعالى لعباده إخبار عن نفسه وهديا لعباده،    إفاضة رحمته  عليهم ..  فهو سبحانه وتعالى رحيم بعباده  ومن رحمته دلا لتهم على طريق الهداية ..  .. وتكون ( الحمد لله رب العالمين )  تلاوته من عباده ،  استجابة لدعوته   وامتثالا لـطاعتة وعبوديتة ...  فأما إقراره لنفسه سبحانه  ، أسماء وصفاتا وثناء ،  ففيه شهادة من نفسه على نفسه ، وإذ لا يتوصل ألى هذا إلا بعلمه ... و( الحمد لله رب العالمين ) فيه  دليل غناه عن غيره  من خلقه  . إذ أن من يثني على نفسه بنفسه يخرج من دائرة العلل والأسباب وهذا لا يكون إلا لله سبحانه وتعالى .. وفي ذلك تعظيم له سبحانه وتعالى ... ـ و( الحمد لله رب العالمين ) فيه قطع لأخبار أهل الضلال والبدع  عن ذاته وصفاته وهديه  التي  قامت على غير إخباره عن نفسه وعن هديه ، إذ  لو أن أحدا يعرف حقيقة ربوبيته وهديه وتكليفاته سبحانه وتعالى بغير إخباره سبحانه وتعالى ،  لما استلزم ذلك إخباره عن نفسه سبحانه وتعالى بالكتب والرسل صلوات الله وسلامه عليهم .....     وعلى هذا يكون هديه سبحانه وتعالى لخلقه .. تفضلا منه عليهم ورحمة ، وعطاؤه منة وكرم ...        وأما امتثال العبد لآيات هديه واستجابته لدعوته بترديد قوله تلاوة كما أمر سبحانه وتعالى بذلك وخاصة في الصلاة التي يناجي العبد بها ربه    ، ففيه انصياع وتوافق لأمره سبحانه وتعالى وذلك بالاستفادة من معطى الخبر الذي يمثل الحقيقة  ...           والحمد ثناء ـ  والثناء الكامل لا يكون إلا للكامل ، فيتطابق الثناء مع الكمال ، فمن كان له الكمال التام كان له الثناء التام ...وهذا لا يكون إلا لله سبحانه وتعالى ... وأما الثناء لغيره فإنه  ينحى إلى التدرج فمن اعتلى  أكثر في سلم الكمال لحقه من الثناء ما يناسب ذلك العلو ... ،  فالثناء للولد النجيب أقرب منه للولد الأقل نجابة ..ولله المثل الأعلى .. وهكذا يقترب الثناء للكمال ..والله عز وجل هو الغني وكل ماعداه فقير إليه   ، فهو الكامل وهو  المستحق للثناء كله ...  ثم (الحمد رب العالمين) ، ثناؤه لنفسه ، وهو مانردده نحن ثناء عليه بما أثنى به على نفسه , وفيه إشارة إلى أن خير ما نثني به عليه سبحانه وتعالى هو الثناء الذي هدانا إليه سبحانه وتعالى ، إذ أن الإنسان قد يريد أن يثني على أحد ، فيثني بما هو أقل      ، أو يثني بما هو أكثر ، ولا سبيل لنا إلى الثناء على الله سبحانه وتعالى  إلا بما ارتضاه لنفسه ثناء ،  ورضيه لنا  ... وهو من سنن هديه ومن طرق الإنابة إليه . إذ أن آدم عليه السلام لما غوى لم يكن له من سبيل إلى التوبة والإنابة  إلا أن تلقى كلمات من ربه فتاب عليه ربه ....   و ( الحمد لله رب العالمين ) تعبير قرآني  ، لا يستقيم له من الناس  إلا من يتجاوز عقبة تمثلاته المعرفية ، بحيث يكون كلام الرب سبحانه وتعالى مقدم على ما يعتقد وما يظن  ، وإنما نزل هذا القرآن من لدن حكيم خبير ، أما ظنون وأوهام العبد فإنما هي رجم بالغيب  ، وبالتالي فإن انطلاقه من واقع موهوم لا  يمثل الحقيقة بل بما يعتقد هو أنه الحقيقة ... وإنما جاء القرآن كله هداية للبشر ليخرجهم من الظلمات إلى النور ، ولذلك فانطلاقه من أيات الله الكريمات هو انطلاق من علم الله وبصيرته  ونوره..   ( الرحمن الرحيم ) ...الرحمن صفة في نفسه ، والرحيم لغيره من خلقه .. فبعد أن وفق سبحانه وتعالى العبد إلى كلمة الثناء المستحق لها  مقام الربوبية  فتمثلها اعتقادا بقلبه و ذكرا بلسانه  ،  فناسب أن يعرف أن من وفقه لذلك هو رحمن في نفسه صفة  لازمة  له ،  ولغيره إفاضة وكرما .. وهذا فيه دليل على عظم ترديده للثناء ،وأنه به قد سلك مسلك الهداية وتعرض لنفحات رحمة ربه ، وفيه دليل أيضا إلى أن ما يقال باللسان يأخذ طريقه إلى القلب ، فالكلمات والعبارات التي تتضمن مدلول عاطفي كا ( الرحيم ـ الرؤوف ـ )  تنقل معها ذلك الضمير الحسي  إلى القلب ، و كلما كانت العلاقة العاطفية تسير في اتجاهها الصحيح ، ربط السبب بالمسبب الحقيقي ، وفي نسبة الفضل لصاحب الفضل فإنها تكون متماسكة وتؤتى ثمراتها .... فإن المشركين لما أشركوا مع الله غيره  ، فإنما اتجهت قلوبهم لمعبودهم من دون الله ، وإن كانوا ليقولون ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى ،، لكن الله عز وجل لم يقبل لهم هذه الطريقة لأنها تصرف قلوبهم  إلى  تعظيم وتقديس الوسيط بينهم وبين ربهم من حيث لا يعلمون  ...    وفي  ( الحمد لله رب العالمين )  معنى   مضمرا  للمتوجه إلى ربه   بأن له الحمد في عطائه  ، وله الحمد في منعه لأن في منعه خير لا نعلمه  ، ومضمون ذلك أن الحمد لله لا يقولها صادقا من قلبه إلا من ظن بأن لله حكمة في منعه وعطائه وإن لم تظهر له الحكمة في المنع  فيكفيه التوكل عليه سبحانه وتعالى وتفويض أمره إليه ،  ..على  أن المتوجه إلى الله الظان بأنه سيلتفت عنه أو   يصده عن طلبه ،  فإن ظنه هذا هو أول عقبة تقدح في إيمانه وصدق توجهه إليه تعالى وصدق عبارته ....فإنما يكون الثناء الصادق من الإنسان للإنسان  لمن يتوقع أن يلبي طلبه أو أن يعطيه أحسن من طلبه  ، ولله المثل الأعلى ... وإنما يتوقع الإنسان من أخيه الإنسان أن يقضي طلبه إذا وثق وعلم بقدرته وحسن ظنه به ، فما بال المتوجه إلى ربه  وفي قلبه بعض هاجس بأنه لن يحقق مطلوبه ، أو لن يعطيه بأحسن مما سأل ؟  وفي قوله تعالى ( الرحمن الرحيم )    والرحمن صفته في نفسه والرحيم صفته لغيره من المخلوقين ..ولم تذكر الصفات الأخرى لأن المقبل على الله طلبا إنما هو متقصد ومتعرض لنفحات رحمته ...فناسب أن تكون هذه الأسماء والصفات في جانب الدعاء لطلب الهداية...  ..فهو ( الرحمن الرحيم ) .. ( .مالك يوم الدين)  ، واليوم معروف .. وهو الأجل المعهود المترقب .. وأما الدين فهو اليوم الذي يخضع فيه الناس لربهم ، حين تتقطع بهم الأسباب ،   وهو يوم يجازى الناس على أفعالهم  ، مأخوذ من الدنو الذي هو القرب  . ومأخوذ من الدين الذي هو الجزاء ، ومأخوذ من الإدانة فإن العبد مدان لربه من كل وجه .... وبقراءة أخرى فالفاتحة تعني افتتاح أمر ما .. وهذه الفاتحة هي التعليم من الله سبحانه وتعالى بأنها اللغة الخطابية المناسبة ليبدا بها الإنسان نجواه مع ربه سبحانه وتعالى .. فيقول : أبدأ باسمك أيها الإله الذي أنت رحمن في نفسك  ، رحيم بغيرك ...والثناء لك يامن ربأت العالمين وسدتهم   ... يا من أنت رحمن في نفسك رحيم لغيرك ، ويا من تتصرف بما شئت في يوم شئته ، حين تنخلع الأسباب التي ركن إليها كثير من الناس وظنوا أنها تمنعهم منك ، ويوم  يستسلم فيه الجميع لقهرك وحكمك  ... هذه النجوى الافتتاحية ( سورة الفاتحة )   لا تناسب حالا ومقالا إلا أن تكون لله عز وجل ... فلا تناسب حال كل مخلوق .. ولا تناسب الآلهة التي زعم المشركين أنهم ما اتخذوها إلا لتقربهم إلى الله .. فكان ظلمهم عظيم وعظمته كبرت لأنهم  جعلوا هذه الآلهة المزعومة  تتشبح  بمقام الربوبية الحقة الذي لا يدانية مقام ولا يجب أن يدانيه  ..وهي فتح من الله سبحانه وتعالي لأنها تفتح البصيرة والقلوب إلى عظم مقام الربوبية والألوهية والأسماء والصفات  , فمن كانت نفسه طالبة لطريق الهدى نافية عنها  وتاركة لكل طرق  الإغواء والزيف والخداع تسللت إلى قلبه وفتحت بصيرته للصفات العظيمة التي لا يمكن أن تخلع إلا على عظيم واحد متفرد سبحانه وتعالى ...فإذا كانت عظم الصفات للمخلوق ترفع قدره وسلطانه  ولله المثل الأعلى .. فإن قدرة الله اعظم من كل قدرة وسلطانه أعظم من كل سلطان ،  وهو رب كل شيء ومليكه ،   وله كل الصفات المحمودة التي تليق بجلاله وعظمته ... ثم يأتي قوله تعالى ( اهدنا الصراط المستقيم ) فكأنه يقول سبحانه وتعالى بعد أن علمنا كيف نفتتح النجوى معه بما يليق به  وبما يفتح بصيرتنا على عظمته وتفرده ، أن نطلب منه أن يرشدنا ويدلنا على الطريق الواضح السهل  الموصل إليه سبحانه وتعالى ... ثم قال ( صرا ط الذين أنعمت عليهم )  وبلا شك فإن الذين أنعم الله عليهم هم  الذين اتبعوا سنن هداه ... ( غير المغضوب عليهم ) وهم الذين عرفوا الطريق وتنكبوه  ... ( ولا الضالين ) وهم الذين يبحثون عن الهدى بالطريق الذي لم يشرعه لهم الله عز وجل .... هذا ما فهمته أو ما حدثتني  به نفسي ... والله أعلم 

تعليقات

اضافة تعليق
authimage
رمز التأكيد
 
A service provided by Al Bawaba