« |
»
10 آب, 2008
العقل والحياء
حليتان يتحلى بهما المرء هي العقل والحياء ، إذا فقدهما طوح بنفسه إلى الهامش والتشيؤ ! والعقل في أصله التقييد ، من عقل البعير أي قيده ، وقيد الرجل هوعقله الذي يمنعه من التردي ، أما الحياء فقد يكون مأخوذ من الحياة التي هي ضد الموت ، فإن من كان قلبه حييا فإنه ولا شك شديد التأثر بالمواقف التي تثير القلوب ، ومن كان قلبه ميتا فإنه قد تخشب على حالة انكفاء عن كل المؤثرات ... ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم : ( الإيمان بضع وسبعون شعبة ، أعلاها لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان ) ولما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم الأعلى والأدنى من شعب الإيمان ، أفرد الحياء هنا باللفظ في إشارة إلى أنه الرابط بين شعب الإيمان .. والرسول صلى الله عليه وسلم يقول ( الحياء من الإيمان والإيمان في الجنة ، والبذاء من الجفاء والجفاء في النار ) والبذاءة : سوء الأدب ، والجفاء : غلظة القلب ... ولما كان العقل يتعلق بالكشف المعرفي للإنسان ، كان الحياء يتعلق بالناحية الانفعالية ( الأخلاقية ) وكما أنه لا أخلاق بدون معرفة ، فإنه لا معرفة بدون أخلاق .. وهذا في علومنا الشرعية وليس في العلم الإنساني العام الذي تبنى أسسه الأخلاقية بناء وضعيا .... وأقصد لا معرفة بدون أخلاق ، أي لا فائدة من هذه المعرفة عند المسلم في شرعه ، ذلك أن الأخلاق عند المسلم غائية ، والمعرفة وسيله لها .. ولذلك كان من الأسس الأولى للحوار والنقد هي إضفاء الطابع الأخلاقي لهذه الممارسة حتى لا تتحول إلى خصومات وتشنجات عصبية ، فإذا الوجهة نحو كشف الحقيقة كانت أخلاقية ، ( تعالوا إلى كلمة سواء ) وأما ما عداها من تتبع السقطات والهفوات وزلات اللسان فهو تشخصن باسم الكشف عن الحقيقة .. وليس من أحد فوق النقد فكل يؤخذ من كلامه ويترك .. وكلام غيري صواب يحتمل الخطأ .. كل هذه العبارات الوقورة التي وردت في تراثنا ، تدل على أن العالم الحق هو قوي بما يعتقده حق وإلا فإنه بغير هذا السلاح لا شيء ، بالإضافة إلى أن الإنسان مهما بلغ من شأو فإنه لا يستطيع أن يتخلص نهائيا من طبيعته الآدمية فهو يحب الظهور ، ويحب الأثرة ، ويقع فريسة للحسد والغيرة ، والأنانية .. لكن حظ الإنسان من علمه هو بمقدار ذالك العلم الذي هذب به أخلاقه .. ، والمفترض من الإنسان ، والمسلم بالذات أن يحرص على أن يتوافق مع ما يعتقده ، وإلا كان انفصاما في الشخصية ، فلا جدوى أن يكون عابدا متبتلا في مصلاه وإذا خرج إلى الناس أنشيء في خلق آخر .. ـ والمشكلة في عالمنا اليوم هي بالدرجة الأولى مشكلة أخلاق لا مشكلة علم ومعرفة ، قال صلى الله عليه وسلم ( إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق ) فأزمة التعامل بما في أيدينا من كتاب كريم وسنة نبوية شريفة هي المشكلة الأساس .. واليهود ضلوا وفي أيديهم التوراة .. لأنهم اتخذوا العلم بغيا بينهم ، أي سخروه لتذكية العداوات بينهم .. وليس للتصالح والعدل .. وهكذا إذا لم ينضبط الإنسان بأخلاقية العلم ، فإنه يتحول إلى إمدادات للظهور والشخصنة أمام خلق الله ... وبما أن الأخلاق هي مكون لشخصية الأمم ، وعامل تماسك فإن علماء الغرب قد افردوا لها بحوث وتجارب ضخمة ، لدرجة أنهم يعملون الآن في تقنينها لتتطابق مع القوانين الفيزيائية ـ فالكذاب مثلا = لا ينجح في كسب الثقة أو لا يصبح مدير شركة ... و المنافق يساوي ، عدم الحصول على منصب سياسي .. ويدعمون ذلك ببحوث تدعما كحقيقة وتأخذ الطابع العلمي المفروغ منه ، إليها .. ـ وبكل مرارة أقول : نحن وبفعل السقوط التاريخي لحضارة الأمة ، وما تموضع في تلك الفجوة السحيقة بين النهضة الاولى والسقوط المستمر حتى ساعتنا من تردى الأوضاع في شتى النواحي ، أقول بكل اسف أننا لسنا مؤهلين للخروج من هذه الأزمة كرجال عاشوا زمن السقوط ، لأن ذلة السقوط تفعل فينا فعلها ، والأحوال المتردية التي عاشها جيل السقوط من جهل في التربية ، وسوء معاملة ، ونقص التقدير ، وانغلاق الفكر ، وتخلف التنمية كل هذه لا تجعلنا مؤهلين للخروج من القم ..بالإضافة لكون الأمة وشبابها لم يتمتعوا بعد بروح الحوار الثقافي الرفيع ، لم يدلفوا إلى آفاقه ، ولم يتذوقوا حلاوته ، ولم يشيع فيهم جو التعاطي العلمي للقضيايا ، وتكون المشكلة أعقد بكثير حين يأتي الفشل في القيادات العاجزة عن بث روح الأمة ، والتوجه الناصح للخلاص ..وتهميش دور الشباب الطاقة الفاعلة في أي أمة .. والطريق الوحيد للخروج من هذا الوحل لا أراه إلا في الوعي الناضج الذي يستطيع استقراء التاريخ و تشخيص العلل وبعث العزيمة النضالية في جميع الاتجاهات ، فإذا أحسنا الوقوف على هذا ، وأدركنا عظم الأخطاء التي وقعت فيها الأمة نكون قد أنجزنا نصف العلاج ..بعدها ستصبح الأمور أسهل بكثير مما نظن ..
تعليقات