في البدء كانت الإرادة الكلمة الفعل ... هكذا تم جعلنا في هذا العالم .. وإيماني بقوة الثلاث دفعني لأن
أمارس الكتابة ليس كتقليد أو هوى
ولكن واجب أخلاقي محمود يساهم في تحقيق ذاتي ـ خليفة يسعى إلى رضى الله سبحانه وتعالى بتحقيق العبودية له بما منحني من الاستعداد ، والتعاطي مع منظومتي ـ البشرـ فكرا وسلوكا ...
رياض أبو خندج ...
06 آب, 2008
يمكن تشبيه الحيز الذي يحوي عالمنا المعنوي ، بقبة تجتمع فيها شتى المسميات والفكر التي تتسلل إلينا سواء من علوم ومعارف وحكم وتجارب شخصية أو مما ينقل إلنا من أفكار وتجارب الآخرين ، فهو مجمع لخليط من هذه وتلك ، تلج الأفكار إلى هذه القبة بجميع أطيافها اللونية والكيميائية والعاطفية ، فيعمل الدماغ محاولاته المستمرة في وضع هذه الكميات الهائلة من الخبرات في تصنيفات مناسبة ، بحيث يستخدمها فيما بعد كأساس تناقش به كل جديد يعرض عليه ، وتعاود عملها ليضع الجديد في التصنيف المناسب أو المكان المناسب ..فهي عملية مستمرة لا تتوقف ... فقرار أي إنسان تجاه أي موقف يعرض له هو مبني على ما يكتنزه من خبرات سابقة ... ومثال ذلك أنه مستقر في ذهني عن طريق التربية والخبرات الشخصية وما غذيت به من سماحة ولطف وعاطفة وغيره ـ أقول مستقر في ذهني هذه الخبرة المصاغة في العبارة ( أن الولد مطيع لوالديه) ، سواء صنفت هذه العبارة في ذهني على شكل واجب أو المفترض أو حب طبيعي المهم أن هذه الخبرة مستقرة عندي على هذا الكيفية فهي تأخذ حكم بدهي أو قناعة ، فلو قابلني موقف لا يشهد بما يتوافق مع هذه الخبرة أو القناعة المختمرة لدي ، أو أنه لو ذكر لي حكم يناهض ما هو مستقر في خلدي ، أو شهدت حالة تبين أن : ( الولد عاق لوالديه ) ..فإني أنكر ذلك الموقف ، لأنه لا يتوافق مع مالدي من أحكام وخبرات سابقة .أو يزلزل القناعة المستقرة لدي مسبقا ... ويظهر ذلك في شكل رفض عقلي أو نفسي .. لكن الواقع يفرضه سواء رضيت أم لا ..! فأنا إذا مضطر لتغيير قناعتي السابقة بما يقاربها ، فأصيغها على النحو التالي : (الولد محب لوالديه لكن بعض الأولاد عاقين لوالديهم ) أو عبارة من هذا النوع ... .ولنا أن نأخذ في الاعتبار هنا أن ما أقصده هو المعنى وليس كلمات العبارة تحديدا ، فالمعنى أكثر تسام من أن يتقولب في الكلمة ، وإنما وضعت اللغة لتكون وعاء لاصطياد المعنى وليست هي المعنى ذاته .. وهناك مثال آخر من نوع مختلف أورده في هذه الحكاية الصغيرة : كان سالم يسير في الطريق فوجد محفظة مليئة بالنقود ، فخبأها في جيبه ... وبعد قليل قابل رجلا يبحث في الطريق ، فسأله عن أي شيء تبحث ؟ فرد عليه الرجل : أبحث عن محفظتي التي فقدتها ، هل رأيتها ؟ قال سالم بعد تردد : لا ... انتهت القصة العنصر الواضح في القصة هو الكذب .. فإذا كان سالم يؤمن بالقناعات ... أن الكذب تصرف لا أخلاقي أو هو حرام ... يجب أن ترد الحقوق إلى أصحابها ... المفروض أن يعلن عن اللقيطة ثلاثة أيام ... لكن تصرف سالم ( خبرة جديدة ) ـ حطم به القناعات السابقة أو أربكها ..ولا شك أن هذا الحوار هو الذي يتردد في صدى نفسه : الصدق تصرف أخلاقي أو حلال ولكنني محتاج إلى النقود فلذلك كذبت ... فأنا كذاب .. إذا هو يقنع نفسه بأنه كذاب ... ولذلك فلن يتورع عن الكذب في المرات المقبلة ..... .وهذا الحوار يأخذ منحى ثان ليردد في نفسه : يمكن لي أن أكذب إذا أضطررت إلى ذلك ... وقد يأخذ منحى ثالث :... لا يجب أن التزم بالصدق في كل الأحوال ... الكذب ينجيني في بعض المواقف .. كل ماسبق هي صياغات لقناعات تبنى رويدا رويدا لدى سالم ، وإن لم تصل لدرجة قناعات في إرباكات للفكر ... فإذا ما حصل موقف مستجد لسالم ، فإنه يناقشه على ما هو مكتنز لديه من قناعات تالية ـ فمثلا : قد يكون سالم مسئولا عن أموال مؤتمن عليها ... فقناعاته الأخيرة صنف فيها نفسه على أنه كاذب أو أنه يستطيع الكذب ، أو أن الكذب يساعده ببعض الحلول ، ولذلك فهو مشروع إنسان مختلس ! قناعات الإنسان ويقينياته وظنونه ونواياه ليست جبة يلبسها متى شاء ويخلعها متى شاء ، إنها بناءات نفسيه تتحدد من ا الخبرات المنقولة إليه والخبرات الشخصية التي عاشها وهي تكون مجموع أفكاره .. وتحدد تصرفاته إزاء أي مواقف جديدة تمر به ، وفي قوله تعالى : ( ونفس وما سواها ، فألهمها فجورها وتقواها ) فإذا عرض للإنسان موقف فإنه إما أن يتخذ حكمه تجاهه وتصرفه بما يدعم أسس التقوى لديه ... وإما أن يأخذ موقف يدعم به أسس الفجور ... وبذلك تتحدد صفة نفسه بنسبة ما يتخذه من مواقف وتصرفات فتكون نفسا تقية أو تكون نفسا فاجرة . أو هي أقرب للتقوى أو للفجور ...
