في البدء كانت الإرادة الكلمة الفعل ... هكذا تم جعلنا في هذا العالم .. وإيماني بقوة الثلاث دفعني لأن
أمارس الكتابة ليس كتقليد أو هوى
ولكن واجب أخلاقي محمود يساهم في تحقيق ذاتي ـ خليفة يسعى إلى رضى الله سبحانه وتعالى بتحقيق العبودية له بما منحني من الاستعداد ، والتعاطي مع منظومتي ـ البشرـ فكرا وسلوكا ...
رياض أبو خندج ...
03 آب, 2008
هويتنا تتحدد وفقا لما نفكر فيه .. ولذلك يجب أن لا نسمح بكل شيء يدخل إلى أذهاننا مما يقوض هويتنا الداخلية .. ولأن السلوك الخاطئ هو نتيجة لفكر خاطئ ، فبلا شك يكون خطأ الفكر أكبر من خطأ السلوك ، وتتفاقم الخطورة حينما تتحول التجربة في ممارسة سلوك خاطيء بشكل ديناميكي إلى الفكر لتقدم له تغذية راجعة وهي عبارة عن مؤثرات نفسية تبقى آثارها وتنتشر في نسيج الفكر كتجربة ذاتية لا يمكن الخلاص منها بسهولة .. لا بد أن يدرك الإنسان أن الأفكار تحمل الشر كما تحمل الخير وهي لا تفرق بينهما ، وأن من يسمح لنفسه بدخول الأفكار الشريرة فإنه يلجئ الأفكار الخيرة بداخله إلى الانزواء عن دائرة السيطرة .. ..فالفكر الشريرة إذا حبلت تلد الخطايا.. ولذلك يجب أن ننصر الأفكار الخيرة بمجاهدة الأفكار الشريرة وكأنهما في ساحة حرب .. ولأن الإنسان يولد ولديه الرغبة الجامحة في المغامرة ، فإن صراعنا للأفكار الخبيثة يعطي معنى لحياتنا واستمتاع أيضا ... من حيث أن الإنسان يشعر فعلا بنشوة الانتصار عند تغلبه عليها هذا إذا عرف طبيعة المعركة ، كما يكتئب ويحزن للحظة الهزيمة .. ومع كل تجربة فاشلة ينتصر فيها علينا الشر لا يجب أن يتملكنا الحزن حتى النهاية وتتوالى علينا مشاعر الهزيمة فإن التجارب التي نخطئ فيها قد تتحول إلى مكاسب نستخدمها أيضا في صالحنا للحروب المقبلة مع الشر والتي لا تنتهي ..إن انتصارنا في هذه الحرب مبهج ، وحتى هزائمنا قد تكتسب مشروعيتها إذ أنني كجندي هزمت في الحرب فإنني لم أهزم في الشرف .. وإنما كانت الغواية استدراج وشرك وقعت فيه بسبب اندفاعي وتهوري في الشجاعة ..وإن كل ذلك اختبار من القائد الذي يختبر حزني وشعوري بالهزيمة هل هو من أجل مجدي الشخصي أم من أجل عدم قدرتي على تحقيق أهداف القائد .. إنه اختبار عن مدى إخلاصي على وجه التحديد .. يجب التأكيد على أنفسنا باستمرار حقيقة أننا ا نصارع قوى شريرة ، وأن هذه القوى تأتي في هيئة أفكار وثم بالتالي ستقودنا إلى أفعال ..لأن الاعتراف بهذه الحقيقة يدفعنا للتصدي ... أما تغييب هذه الحقيقة عن مشاعرنا فإنه انهزامية بالإضافة إلى أنه تغييب لوعينا عن واقع حقيقي مؤلم ، وهو تصرف أحمق كمن يدفن رأسه في التراب حتى لا يراه أحد ... وهناك فرق بين الاستمتاع بالأفكار الشريرة عن عمد، وبين الصراع ضدها ... فالاستمتاع بالأفكار يعني أنك تتقبل غزواتها وترضخ لها ، فإذا أتت على هيئة الصور الخليعة الإباحية أو على صورة مشاريع أمل بدون أن يكون لها أصل في حركتك على الواقع فهذا هو بالفعل الاستسلام لها لأن يعمل فيك فعلها .. أما صراعها فيعني حسرها في الزاوية الضيقة حتى لا تعوق مسارك وأهدافك .. فهذه الأفكار تحلق كالطير فوق رؤوسنا ونحن لا نستطيع منعها من التحليق ، ولكن في نفس الوقت هذا لا يعني أن نتركها لتبني أعشاشها على رؤوسنا ..فقذفها بالحجار هو أقل الواجب علينا .. إن الشيطان يترك كثير من تجاربه التي يكتشفها الإنسان ليجرب بأسلحة جديدة ، لكن الإنسان الذي لا يقاوم ولا يمتلك حكمة وفكر المقاومة تنطلي عليه خدع الشيطان بكل سهولة .لأنه مامن سلاح يستخدم في حرب كهذه إلا الفكر المقاوم ... وسيظل الصراع ضد الأفكار الشيطانية مستمرا وهذه حقيقة مرة يجب أخذها في الاعتبار ، وهذا لا يتعلق فقط بإنجازنا نحن في محاربة الشيطان ولكن الشيطان نفسه موجود ولن يتوقف عن المداهمة واستغلال عنصر المباغتة وكل عنصر يسهم في تحقيق أهدافه .. ولذلك يجب أن ندعو الله دائما بأن يحفظنا من كيده ومكره .. إن الإنسان الذي يشاهد أفلام أو صور إباحية أو يتناول المخدرات أو يسترسل في المتع والملذات هو في الحقيقة مسخ إنسان ، لأنه لم يبق شيئا من مروءته أو شرفه أو عزه ، ومالم يكن لديه شيء من هذا فليس لديه إيمان فالإيمان حياء والحياء مأخوذ من الحياة ـ ولذلك نجيز القول بأنه ميت فالجسم والفكر الذي لا يقاوم إنما هو جسم وفكر الميت ... وبالتأكيد مثل هذا الإنسان الميت وإن لم يشعر بموته ـ الميت لا يشعر بموته !!ـ ، لا تتسلل إليه نشوة المغامرة ولا يشعر بالصراع أصلا ، لأن ليس لديه إشكال أو قضية ، بل أن الإنسان المخذول الذي يسرح مع خيالاته ولا يكف نفسه عن سلوك سبل الشيطان ويمرر خططه بكل برود ، لن ننكر عليه فرحه ونشوته واستمتاعه بفعله المشين ، لأنه أصبح هو الشيطان ذاته ... إن أي فكرة مهما تكن ضعيفة واهنة ، فإنها تجاهد لتحقق وجودها على أرض الواقع وذلك بقدرتها على السيطرة على مشاعر الإنسان التي تقوده إلى الفعل.. وأن سكوت الإنسان وخضوعه للأفكار السيئة والممارسات السلوكية الخاطئة التي ينغمس فيها المجتمع ، لا تعني تبرئته وخلو مسؤوليته بل تعني دعمه ومباركته لها لأنه يأتي من باب الرضى أو من باب القناعة بعدم القدرة على التغيير وهو هنا اعتراف ضمني بالهزيمة والتقهقر ...والمشكلة أن سكوت أفراد قلائل من الناس عن الإنفلاتات التي تتجاوز الشرع هو ما يضخمها لتكون في النهاية رأيا عاما ، فإذا وصل لأن يكون رأيا عاما أصبح معروفا وليس منكرا .. هكذا تقلب الموازين فيستحل الحرام ويحرم الحلال .. فبني إسرائيل كانوا لا يتناهون عن المنكر مما يعني تواطوء جماعيا ضد الرذيلة وبذلك استحقوا اللعنة ، فرأي الفرد مكون أساس لرأي الجماعة .. فليس المشكلة متعلقة برأي فرد واحد بل بما يتهدد المجموع ..على أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو الحصانة وخط الدفاع الأول ضد الرزايا التي تفتك بالمجتمع ، وهذا يشبه فعل كريات الدم المسؤولة عن الدفاع عن الجسم ، فإذا لم يكن هناك إنكار للمنكر انهارت قوى المجتمع .. قد يسمح البعض لنفسه بدخول باب الخطيئة باسم التجربة فقط أو بأي تبرير واهي ، لكن في الحقيقة هذا هو ما يريده الشيطان فقد مرر خطته بهذا الدهاء ، فنحن قد نستصغر الذنب من أجل اكتشاف عوالم جديدة كما نظن ، ولكن نحن بذلك نضيق عالم النقاء والصفاء الذي بداخل قلوبنا ونسمح لإبليس بممارسة سلطانه علينا .. إذ في الحقيقة إنما استبدلنا سلطان الخير الدال عليه بسلطان الشر المهون للذنب ... قد يفوز الإنسان فيما لو كانت الخطيئة جسدا أمامه وذلك بقوة عضلاته ، ولكن الخطيئة لا تقف بجبروتها هكذا ولكن بكيد ضعيف واهن يتودد إلينا ليسكن معنا ، فإذا نحن نكتشف وقد لا نكتشف بأننا قد استضفنا الجرثومة التي تفتك بما لدينا من سماحة وخير في هذه القلوب ... إن هذا الإنسان قد يمنع عن نفسه الرحمة والرزق ونقاء النفس وذلك بقبوله تمرير الخطط الشيطانية ( الشيطان يعدكم الفقر ويأمر بالفحشاء ) ... إن ما يحدث هو أننا نتلقى الخطط الشيطانية على هيئة أوامر بل وساوس قد لا تصل إلى حد أوامر يقذفها في خضم أفكارنا المبعثرة ، فإذا رغباتنا وشهواتنا تنفعل وتتهيأ لقبول هذه الأوامر والوساوس وكأنها صادرة من اختياراتنا المتعقلة ، وهذا غير صحيح فالفكرة الصحيحة هي التي تتفق مع صوت المرشد الخير الذي بداخلنا وهي التي يجب أن تمرر وماعداها فليس إلا الكيد الواهن الذي يمكن التخلص منه والقضاء عليه في مهده ... والشر لا يتأتى من الكيد الشيطاني كإسقاط فقط بل ربما يأتي من قلوبنا نحن التي اكتسبت بعض الآثام ولذلك فهي في تغازل الشيطان بهذه المقترفات . فيقول: قد اعتدت على ارتكاب هذه الآثام ولم يحدث لي شيء ، ..( إنما استزلهم الشيطان ببعض ما اكتسبوا) .. على أنه ليس بقوة إرادتنا فقط نهزم الشر بل لابد من الاستعانة بالخبير سبحانه وتعالى والمعين على النصرة ، ففي هذا مدد روحي لتقوية ضمير الخير فينا ، وإلا أننا في الحقيقة قد نبتكر خططا لمطاردة هذا الشيطان بينما هو يستثمر هذه الخطط لصالحه ويخطط لأبعد مما نتصور، وباستعانتنا بالله تعالى تفتح بصائرنا وتترجح خياراتنا ، ويجب أن نستشعر ضعفنا إلى جانب قدرة الله لنحس بأنه هو الفاعل فينا ، وبذلك تتقزم فينا نوازع الكبر والغطرسة وترسى بدلا عنها قواعد الخضوع والإيمان بعظمة الجبار ، والمولى عز وجل لا يرفض طلب الملتجيء إليه فهو كريم حليم مجير ، ولكنه يدع ذلك الرجل الذي يشعر باستغنائه ويفخر بعضلاته ليصارع الشيطان بمفرده ..ويدع ذلك الذي يشعر بأنه غير مقبول من الله لأن شعوره هذا قد أحبط عمله ... إن فكرة الإقلاع عن الشيء تدفع الإنسان إلى الإقلاع ، لكن فكرة اقتراف الخطيئة ثم التوبة بعد ذلك تدفع إلى براثن الخطيئة فحسب ، وذلك ببساطة أن الفكرة متوهجة باتجاه الخطيئة وليس باتجاه التوبة والإقلاع عن الذنب .. وهذا راجع إلى قوة الإيحاء في النفس ، فإنك لو فكرت في سطوع الشمس وحرارتها فإنك ستشعر بالدفء يتسلل إلى جسدك ، فحين نفكر بالخطيئة فإن التلذذ بالفكرة هو مدعاة للاحتفاظ بها وإغراء باقترافها مع أول فرصة سانحة ، وصحيح ا أن للإيحاء سلبياته وإيجابياته ولكن الكثير منا يجهل استخدام الإيحاء لصالحه ويهدر هذه الطاقة النفسية بدون أن يكلف نفسه عناء القراءة أو السؤال عن هذه القوة الجبارة ، كما أن إعراض بعض المشايخ والعلماء عن تجديد مذاهبهم الفكرية بما وصلت إليه نظريات المعرفة ساهم في خلق أمية عند كثير من الناس من نوع آخر ، فالعلماء يمثلون المرجعيات التي تتصدى للشرح والتفسير والتوجيه لشريحة عريضة من المجتمع .. وبالتالي فعليهم واجب الكشف في العلوم والنظريات المعرفية الحديثة ... والتصدي لها إما قبولا أو تفنيدا .. وأنه من المستحسن للإنسان أن يستقطع وقتا لرحلة حج يقوم بها إلى داخل نفسه ليكتشف عوالمها واتجاهاتها ، فهذا العصر من أرعب العصور التي تمر بالبشرية ، وقراءة هادئة تكفي لتكشف للنفس المهاوي والمنزلقات التي يتردى فيها كثير من العوام ، حيث الإعلام والقضايا المزيفة والمجون يوجه الناس نحو البهيمية والانحلال ، فالملابس الفاضحة والفن الخزي وصرعات الموضات الغريبة والحرية الغير مسؤولة وتسطيح الأفكار كل هذه مدعاة لأن يقوم الإنسان برحلات إلى داخل نفسه الطاهرة ليمسح منها القشور التي قد علقت بها ، كثير من الناس لم يعد يوقد المصباح من داخل نفسه الطاهرة ، المستقاة من هدي ربه سبحانه وتعالى ، بل يفتح نافذة إلى أهواء نفسه التي تزين له كل ما يتوافق مع اعوجاجها ، فبعضهم يستسلم لهتافات الغواية التي تقول : أن عالمه هذا يجب أن يعيشه كما هو وإلا أصبح شاذا .. مع أن الشذوذ ليس عيبا لمن يدرأ نفسه عن الرذائل بل تميز وإمامة ينتزع بها اعتراف الجميع وإن حاولوا التهويل والإنكار والسخرية ، ولا يجب أن يهتم إن ذهب الناس بالحريات المزعومة وصرعات الفن وذهب هو برضاه عن نفسه ومعه من الله مؤيدا ونصيرا .. إننا قد نغضب كثيرا لأننا اقترفنا كثيرا من الآثام بدم بارد، وهذا شعور حسن بأن مازال لدينا حس لطيف يوجهنا ، لكن في الحقيقة ما يجب أن نغضب له ليس هذا بل ما هو أشد فضاضة وهو شعور الياس من أننا لن نستطيع أن نقلع عن هذه الآثام .. فهذا الشعور بذاته يحمل في طياته إقتلاع الإيمان مما هو مؤسس عليه في قلوبنا ، إذ أنه يضلل بصيرتنا في الشهادة بأن أن الله غفور رحيم ( غافر الذنب ، وقابل التوب ، شديد العقاب ) يقبل التوبة عن عباده العائدين إليه ... فنحن مأمورون بالغضب المحمود الذي يدفعنا إلى التوبة وليس استبداله بمشاعر القنوط التي تبعدنا عنها ، إن الياس والإحباط سلبية تعمق الخطيئة وتقتلع بذور الإيمان من أساساتها .. ولذلك من الأفضل أن نفزع إلى الصلاة عند الشعور بحالة اليأس هذه ونقدم التضرع إلى الله بأن يحفظ لنا بقية ماء الحياء منه الذي سكبناه بإسراف عند ارتكاب الآثام ... إن شعورنا الدائم بالقلق من أن الله لن يغفر لنا زلاتنا ، وأنه قد فات قطر النجاة يدفعنا بطريقة لولبية إلى معاودة الخطايا نفسها ، وأن اليأس ذاته هو وسيلة من وسائل التحبيط والتحزين التي تجعلنا نندب حظنا باستمرار فلا واديا نقطع ولا ظهرا نبقي ... إن مواجهتنا لعيوب أنفسنا والاستماع لصوت الضمير هو فعل محمود ، وهو مايجب أن نمارسه باستمرار لتعديل مشاعرنا نحو الأفضل من خلال العبادات والقربات إلى طريق الهدى .. ولكن المكث الدائم عند أطلال الخطيئة هو مما يجعلنا نتخشب عند تلك اللحظة ، وكأن العالم قد توقف ، ولذلك يجب أن لا نرسم نهاية مسيرتنا بهذه الطريقة ، بل بطريقة الكفاح الذي يحول هذه الخطيئة إلى معطى لتجاوزها ، قد ترى طفلا يبكي عند تعرضه للخطر ، ولكن كإنسان راشد عليه أن يتخذ الخطوات التي تبعده عن الخطر ... ومهما نرجع أمر الإقلاع عن الذنوب إلى الإرادة فإن إرادتنا ذاتها تحكمها عدة قوانين ولذلك فمن الأفضل أن يبحث الإنسان في دهاليز نفسه عن مقومات الإرادة لديه وأن يستحضر دائما بأن ما يسير عليه من تنقية لأفكاره خاصة هو منهج وليس حلا لأزمة معينة ، وأن المنهج يعني استمرارية التطهير واستمرارية التعديل وهذا هو المطلوب منه وهكذا تسير بنا الحياة وإن فرج الله لآت ...
