في البدء كانت الإرادة الكلمة الفعل ... هكذا تم جعلنا في هذا العالم .. وإيماني بقوة الثلاث دفعني لأن
أمارس الكتابة ليس كتقليد أو هوى
ولكن واجب أخلاقي محمود يساهم في تحقيق ذاتي ـ خليفة يسعى إلى رضى الله سبحانه وتعالى بتحقيق العبودية له بما منحني من الاستعداد ، والتعاطي مع منظومتي ـ البشرـ فكرا وسلوكا ...
رياض أبو خندج ...
02 آب, 2008
هذا الإنسان الذي يقف أمامك عالم مدهش يصعب التكهن بما يدور في رأسه .. على أن ما حشر بهذا الرأس من أفكار تحدد مواقفه وقيمه واتجاهاته ليست سوى استجابات لتأثره بعالمه الذي يعيش فيه ، وهو ينفعل به من خلال قواه الإدراكية والتي حددت في خمس حواس ظاهرة وهي التي تدرك من الخارج ( السمع ، البصر ، اللمس ، الشم ، الذوق ) وخمس حواس باطنة كما اتفق على تصنيفها ابن سينا والفارابي هي ( الحس المشترك ، والمصورة أو الخيال ، والمتخيلة ، والوهم ، والحافظة ) ... هذه القوى الإدراكية منها ما يختص بالحيوان ، ومنها قوى إدراكية عقلية زائدة يختص بها الإنسان .. فالحس الظاهر أي الذي يدرك من الخارج ، هو الأقرب للعالم المحسوس ، فهو لا يستطيع أن يعمل في غيبته ، فالبصر يعتمد الصورة التي أمامه فإذا غابت الصورة انتهى عمله ، فالظلام حين يخيم على الصورة يتوقف الإبصار .. وكذا في حاسة السمع فإن الموجات التي تحمل الصوت هي التي تحدث الضغط المناسب في صماخ الأذن .. وتتولى القوى الإدراكية العقلية بعد ذلك تحليل هذه الأصوات .. وهكذا فإن الحواس الخمس لا يمكن القول عنها بأنها قوى تجريدية لأنها لا تستطيع أن تعمل في غيبة المادة ، أو لا تستطيع أن تنزع المادة من لواحقها ،... وحينذاك تتولى قوى أخرى وهي التي نسميها حواس باطنة تقوم بمحاولة تجريد هذه المادة الملتقطة من لواحقها ، والحواس الباطنة هي : أولا : الحس المشترك : وهو يقبل جميع المتأتية من الحواس الخمس ، مثل تشكيلات الصور مع الألوان والأحجام وكل متعلقاتها، والموجات الصوتية .وغيرها .. وتكون بهذا وظيفة الحس المشترك هي : قبول الصور المحسوسة التي أدركتها الحواس الخمس الظاهرة بدون مادتها ، ثم تأديتها إلى المتخيلة .. ويعرف ابن باجة الحس المشترك بأنه : إبقاء أثار المحسوسات عند انصراف المحسوس . كما أن ابن سينا يضيف : بأن الحس المشترك لا يبقي آثار المحسوسات عند انصراف المحسوس بل أيضا يحكم عليه ..أي بأن هذا المحسوس متحرك أسود طويل وهكذا ..ثانيا : الخيال أو المصورة ـ ويعرفه ابن سينا بأنه : قوة في الدماغ تحفظ ما قبله الحس المشترك من الحواس الخمس ، وتبقى فيه بعد غيبة المحسوسات .. إذا فوظيفته هي الحفظ ، ولكنه يجرد المادة المحسوسة تجريدا أعلى من تجريد الحس المشترك ، لأن الحس المشترك يأخذ الصورة ولواحقها كما هي ، أما الخيال أو المصورة ، فإنه يضع تقديرات ووضع مختلف للصورة نفسها ... فلو قلنا مثلا أن المادة ( قلم ) فإن البصر ينقل الصورة إلى الحس المشترك ، ثم الحس المشترك يأخذ صورة القلم دون مادته كما هي بدون تعديلات .. ويحكم بأنه قلم بطول وعرض ولون معين ، ثم ينقلها إلى الخيال او المصورة التي تحفظ الصورة ولكن لا تهتم بهذه التفصيلات التي ينقلها لها الحس المشترك فتضع لها تقديرا ووضعا ما مختلف ، فكأن الصورة تحولت إلى رمز ما للكتابة . ولذلك تخفف الصورة وتحررها من التكبيل في شكلها الحقيقي ، وكأنها تقول هذه المصورة : ما يهمني هو أن ما أرسل إلى هو القلم الذي هو في النهاية أداة كتابة قد تكون ريشة وطول مناسب للمسك بين اصبعين ، وهكذا يتم تجريد الصورة الحقيقية من كثير من ملحقاتها لتتحول إلى رمز يسهل الاحتفاظ به في المصورة ..ثالثا : المتخيلة : وهي التي تلتقط الرمز من المصورة ، و ترتبط المتخيلة بالوظيفة الابتكارية ، فحين يستغنى عن الثقل الحسي للصورة الحقيقية بالحس المشترك الذي يعمل على سحب الصورة فقط وتحديد معالمها ثم الحكم عليها ، يقوم بتسليمها إلى الخيال أو المصورة لتحولها إلى رمز ولكن لا زال له شكل محدد مرتبط بالناحية الوظيفية ، هذا الرمز يشبه ريشة أو قلم رصاص أو ماشابه ، ـ تقوم هذه المصورة بنقل الرمز إلى المتخيلة .. فما هي المتخيلة ؟.. إنه كما قلنا مرتبطة بالوظيفة الابتكارية، فهي لديها كم هائل من الصور الرمزية وهذا ما يسهل عملها ، فهي قد تعمل على تداخل هذه الصور وتركيب جديد في هيئات لم يكن يدركها الحس من قبل ..وهي أيضا قد تستغني عن الصور الرمزية ، لتأخذ المفهوم الوظيفي ، فإذا كانت المادة قلما في الواقع الخارجي فهو في الحس المشترك صورة القلم وهو في المصورة رمز القلم ، وهو في المتخيلة مفهوم للكتابة ، يمكن أن لا تكون قلما ولا ريشة بل ضوء يمتد من العين على الورقة ليسطر ماشاء للكاتب أن يسطر به ، فهذا إبداع إذ فيه تغيير للصورة الرمزية بطريقة ابتكارية غير معهودة ، والتغيير هنا هو أن الصورة الرمزية تداعت إلى مفهوم أو إلى فكرة مبتكرة .. وما دامت قد دلفت إلى عالم الأفكار الوظيفية ، فإنه لا يلزم من وجود أصل مادي للصورة ، ولا رمز لها ، بل أفكار يعاد ترتيبها حتى تنشئ شيء لا أصل له من قبل ـ هذا الشيء لا يلزم أن يكون هناك أداة للكتابة ، ولكن يعالج مفهوم كيف يمكنني أنقل للطرف الآخر ما أريد من معلومات ، و مثل كيف نعالج التلوث في البيئة ... ولأن من هذه الأفكار ما قد ينجح على أرض الواقع ، وما قد لا ينجح .. فإننا نعمل في عالم تخمين وظنون وتوقعات أي أننا في عالم الوهم... رابعا : الوهم ـ لأن المتخيلة مرتبطة بأفكار تحدد بالوظيفية ، فإن الوهم يستلم هذه الأفكار فقط دون الوظيفة ـ فهو يقارن بين فكرتين أيهما الأفضل من حيث قوة تماسكهما ، فإذا كنا نعالج التلوث في البيئة من حيث الأدوات والأساليب التي يمكن بها معالجة هذا التلوث وهذا في المتخيلة حيث ارتباطها بالوظيفة ، فإن الوهم يبحث في هل نحن فعلا بحاجة إلى معالجة التلوث ، وهنا نكون قد دخلنا إلى عالم الأفكار والأوهام .. فنعمل على غربلة هذه الأفكار، ومثل ذلك أن يكون هناك رأيين مختلفين أو فكرتين متقابلتين وهو لماذا نعالج التلوث في البيئة ، فا الفكرة الأولى تبرر بأضرار التلوث على الإنسان ، تقابلها فكرة مضادة قد ترى أن هذه المعالجة لو تمت فإنها قد تؤدي إلى الإسراف في استخدامات خامات البيئة ، فالبحث هنا في الأفكار المجردة وليس في الوسائل المرتبطة غالبا بالوظيفية ... وهو مايطلق عليه الوهم الذي مجاله الاعتقادات الفكرية المتضاربة .. فالوهم يستخدم الأفكار التي ليس في أصلها مادية ، مثل معالجة ـ ومثل مفروغ منه ـ ومثل مهروب ـ وإن كان لهذه الأشياء صورة في الأصل فإن الوهم جردها من الصورة الأساس وأكسبها معنى آخر فعبارة (ارتقى سلم المجد ) فالرقي ليس هو الرقي والسلم ليس هو السلم ، واستخدامه هنا منظلق من عالم المعاني والأفكار المجردة .. وتتميز سحرية الوهم هنا في قدرته على الخداع وحاكميته على بعض الحواس الباطنية التي تسبقه من حيث أنه يؤلف صورة كاذبة ثم يضعها في الخيال أو المصورة ثم يخدع بها نفسه لتعيش واقعا موهوما مزيفا ، فالشخص قد يصور نفسه يتنقل بين حدائق غناء .. ويسرح في هذا ليضفي على نفسه جوا من السعادة والحبور .. وهذا ما جعل ابن سيناء يسميه الحاكم الأكبر ، لأنه يثير القوة النزوعية ، والقوة المحركة من غير أن يكون لذلك حقيقة ، فقد تستسلم لقوة الوهم التي تقول بأن رجلك اليمنى قد شلت ، فإذا بك تختبر هذا بتحريكها للتأكد من سلامتها ! وقد تقول أنه ربما تعيش حلما فتحاول إيقاض نفسك . .. ويخبرني أحد الزملاء في أنه يستخدم هذا الوحي أو الوهم في طرد الخواطر السيئة حيث يستبدلها بصورة معدة في ذهنه عن رجل مكافح يحمل سيفه يصارع به هذه الخواطر وكأنها حشرات ..ثم يعيش هذا الكفاح الوهمي حتى يزهق عليها ... والأخطر من هذا أن الوهم وهو عالم الأفكار كما قلنا قد يغير مسار حياتك ، إذ أن عالم الإنسان المعنوي مرتبط بالأفكار ، فإذا تسللت إلى هذا الإنسان الفكرة الماركسية الخبيثة التي تقول : لا إله والحياة مادة ـ فإن سماع مثل هذه الفكرة فقط فضلا عن تماسك هذه الفكرة نظريا ، يحدث صراع داخل الإنسان ، فإذا لم يكن محصنا ضد هذه الأفكار الهدامة ولم يكن لديه سوى هزال فكري لا يعتد به في الدفاع ، فهذا قد يؤدي به إلى احتضان الفكرة الجديدة وتبنيها وبالتالي تتغير نظرته للحياة إذ أن مايقرع الفكر هو الفكر المضاد ... خامسا : القوة الحافظة أو الذاكرة ـ وهي القوة التي تتولى حفظ كل ما يدركه الإنسان عن طريق القوى النفسية الأخرى ، على أن كل هذه القوى تتعاضد لتكون مجموع خبرات الإنسان وتجاربه وأفكاره وهي لا تحفظ الصور والأفكار فقط بل الحجوم والأطوال والألوان والطعوم والروائح والعواطف والمذاقات إلى آخره .. وتتولى الذاكرة ترتيبها قربا وبعدا حسب اهتمامات الإنسان واسترجاعه لها في كل مرة .. وأخيرا يأتي النطق تلك الطاقة الصوتية كأعلى قوة تجريدية للإنسان ، تترجم الأفكار والصور إلى الكلمات ذات دلالات ومعاني تكشف ذلك العالم الداخلي وتستنطق ما بداخل ذلك الرجل الواقف أمامك !!
