الموريسكيو ، أو المسلمون الصغار ، هم العرب الذين آثروا البقاء في وطنهم الأندلس بعد سقوط آخر حكم عربي فيها .. حكم بني الأحمر في نهاية القرن الخامس عشر للميلاد . هؤلاء المسلمون تعرضوا خلال مدى زمني يقرب من مئة وعشرين عاما إلى أقسى أشكال الاضطهاد والتنكيل على يد محاكم التفتيش ، قبل أن يصدر قانون قسري أجبر من تبقى منهم ونجا من هذه المحاكم على مغادرة اسبانيا إلى الشواطئ المغربية ، وذلك في التاسع من نيسان من عام ألف وستمائة وتسعة للميلاد ، أي قبل أربعمائة عام من يومنا هذا بالتمام والكمال .
صفحة الأندلس التي كان الموريسكيو آخر سطورها ، بدأت قبل ذلك بألف عام ، برسالة الإسلام وعنفوان الدعاة الأوائل ، الذين تحرك في صدورهم شوقهم إلى الجنة ، وقادهم فهمهم العميق لمضمون الرسالة إلى تجاوز المضيق والتوغل في شبه الجزيرة الأيبيرية ، اسبانيا والبرتغال ، قبل أن يوقف زحفهم شارل مارتل في بلاط الشهداء ، التي أجمع دارسو التاريخ على أنها لو انتهت إلى غير ما انتهت إليه ، لكان القرآن اليوم يتلى في باريس ، وتُدرّس أحكامه في كامبردج وأكسفورد .
هناك في اسبانيا والبرتغال ، تلاقحت الحضارات فأثمرت ابن رشد والإدريسي والحسن بن الهيثم وموسى بن ميمون ، وتصارعت في نفس الوقت فكانت نتيجتها محاكم التفتيش والموريسكيو . وهنا وجه المفارقة ! أن تعطي الآخر وتأخذ منه ، لكنك في كل الحالات لا تملك أن تتجنب الصراع معه .. صراع القيم والمبادئ ، بل صراع الفهم والفكر وتفسير الوجود ، هذا النوع من الصراع الذي يقود حتما إلى المواجهة والعداء ، مهما تفاءل المتفائلون وادعوا أن نظرية صراع الحضارات ليس لها مكان في إعراب التاريخ ومسيرته . ما علينا .. فالتاريخ يقرأ بحقبه ومدده المتطاولة ، وإذا سلمنا بخطية التاريخ فعلينا أن نؤمن بالتراكم والبناء ، والأهداف والغايات الكبرى . وكما كان صِدام في القدس وشواطئ الشام انتهى بطرد الصليبيين ودحرهم ، عبر عمل دائب طويل ، لا يعرف أكثر العامة بل المثقفين من رموزه إلا نور الدين زنكي وصلاح الدين الأيوبي ، متجاهلين بناء صلبا وقف عليه هؤلاء العمالقة .. بناء أسسه رجال عظام من أمثال مودود ونجم الدين ايلغازي وغيرهما . كما كان هذا الصدام موجودا ، وتراكمت فيه جهود القادة المخلصين وصولا إلى قمة الانجاز ، فقد حدث في الأندلس شيء شبيه بهذا ، مع تبدل الأدوار وتغير اللاعبين .
فمظاهر المقاومة الاسبانية ، عبر القوط وغيرهم من أهل اسبانيا ، لم تهدأ يوما واحدا منذ اللحظة الأولى التي رست فيها مراكب المسلمين على الشواطئ الاسبانية . وعملية ( التحرير ) التي أثمرت بعد ثمانمائة عام كان لها بذورها وروحها التي لم تمت أبدا في صدور الاسبان برغم فرقتهم وشتاتهم وأزماتهم العاصفة . فكما عبر المسلمون المضيق فانشئوا دولة وبنوا حضارة ، فقد عبر القوط مضيقا صعبا ، قل فيه المدد والعون ، وغدوا خلاله فلولا منهزمة ، خسرت كل شيء ، الأرض والمال والسلاح ، إلا شيئا واحدا ، هو روح المقاومة في صدور مجموعة صغيرة من الرجال ، لم يتعد عددهم ثلاثين رجلا ، كانوا نواة المقاومة ، وآباءها الحقيقيين .
يحدثنا التاريخ عنهم فيقول أن جيوش المسلمين لما تتبعت فلول القوط التجأ الناجون منهم ، وكان دون الثلاثمائة عددا ، إلى صخرة حصينة في الشمال الغربي من اسبانيا تقع في أعلى قمم جبال كنتبرية . هذه الصخرة ما زالت تسمى حتى اليوم باسم " صخرة بلاي " نسبة إلى قائد المجموعة المعتصمة بالموقع الحصين الوعر . فلما عجز المسلمون عن الوصول إليهم حاصروهم مدة طويلة ، فقضى أكثر المحاصرين جوعا وعطشا ، ولم يبق إلا بلاي ومعه ثلاثون رجلا ثبتوا برغم صعوبة أوضاعهم . وطال الحصار حتى أعيا المسلمين أمر هذه المجموعة فتركوهم وقالوا : ثلاثون علجا ما عسى أن يكون أمرهم . واحتقروهم ثم بلغ أمرهم - أي المجموعة المحاصرة - إلى أمر عظيم ، فتحولوا من فلول مطاردة إلى دولة مستقرة ، جمعت شتات الجيوب الأخرى ، وأذكت الكفاح المسلح ضد المسلمين طيلة تواجدهم في الأندلس .
هذه هي القصة بإجمال ، قصة القرون الطويلة التي ابتدأت بـ " ثلاثون علجا ما عسى أن يكون أمرهم " ، وانتهت بـ " ابك مثل النساء ملكا مضاعا ،،،،،، لم تحافظ عليه مثل الرجال " ومأساة الموريسكيو .
تلك قصة الروح والعزيمة والمقاومة والإرادة ، نتعلمها من الطرف المقابل فلا بأس في ذلك ، ونجدها في تاريخنا أيضا إن أردنا أن نقرأ هذا التاريخ بعيون واعية وقلوب مؤمنة ، مبتعدين عن ترهات السياسيين ودهاقنة الفضائيات أصحاب الحسابات الدقيقة التي لا يتمسكون بأهدابها الا عندما يتعلق الأمر بمشروع حقيقي للمقاومة والعزة .
فتبا للذين يقرأون التاريخ من ذيله ، وسحقا للذين لا يعرفون القراءة أصلا .....