الملف الشخصي
الاسم: Samer Haidar ALMajali
القائمة
بحث
تداعيات يومية ، فشة قلب زغيرة
29 تشرين اول, 2008

قررت اليوم أن أبقى في البيت ، لم أذهب إلى الدوام و ( حَلَقْتُ ) لكل المسؤوليات الملقاة على عاتقي ، أحب أن يسكنني شيء من التهتك بعد أن أمضيت شطرا من العمر حاملا سلم الحياة بالعرض . لن أرى اليوم كل الأشياء المرعبة التي أصادفها في عملي . أهم رعب هو الروتين والوجوه المتجهمة وتحية الصباح التي تعتبر ترفا لا لزوم له . ثمة أشخاص أثريون في الشركة التي أعمل بها ، بعضهم جاء إلى الشركة قبل أن أولد ، وبعضهم الآخر جاءها أعزبا ومكث فيها حتى التحق به أحد أبنائه موظفا في نفس الشركة . مكان كئيب يبحث على الإحباط ، وهواجس شتى تسكنني كلما دخلت ذلك المكان ، أهمها : هل هناك في حقيقة الأمر من يقدّر قيمة خدماتنا للشركة ؟

كلما خطر هذا الهاجس على بالي تذكرت رواية ( الأم ) لمكسيم غوركي ، ففيها وصف دقيق لاستغلال أصحاب العمل وجشعهم ونهمهم إلى الربح المادي على حساب العمال البسطاء . هؤلاء العمال البسطاء هم الذين يحققون الانجاز فعلا ، وعليهم تقع مسؤولية الإنتاج والمضي بالشركة خطوات واسعة إلى الأمام . لكنهم لا يأخذون من حقهم إلا فتاتا لا يقيم أود يومهم ، بينما يظفر أولئك الكسالى أصحاب الكروش المنتفخة بكل شيء ، ويبددون ثرواتهم تحت أقدام العاهرات وبنات الطريق . هذه مفارقة عجيبة ، يكدح مئات الناس البسطاء ويعرقون وتنحني ظهورهم ثمنا لنزوة ( برجوازي ) متعجرف ، ورغبة غانية سلكت أيسر الطرق من أجل الكسب السريع المغموس بالوضاعة وخسة النفس .

ما علينا .. فالصورة تتكرر وان اختلف الشخوص وتعددت الأماكن ، غير أن حدتها في حالتنا نحن تبدو أقل مما تصفه رواية ( الأم ) ، وان كان المبدأ واحدا ، والظلم واقعا في الحالتين .

أخطر ما في نوع العمل الذي نمارسه ، هو الكذب وتلبيس الطواقي . لن تستطيع أبدا في مجتمع مريض كالذي نعيش فيه أن تحقق حجم المبيعات الذي يطلبه منك صاحب العمل إن كنت ذا ورع واستقامة . هنالك عالم كامل تدور أحداثه تحت الطاولة ، هنالك غش وخداع وفهلوة . كل الأطراف يضحكون على بعضهم ، البايع والشاري ، لذلك لم يفتح الله بينهما . والنتيجة أن ليس ثمة انجاز حقيقي في مجتمعاتنا ، ولا تنمية ولا تقدم ، ذلك برغم الكم الهائل من الأموال المستثمرة ، وعشرات المشاريع ومئات الشركات التي تقدم لك فوق ما يخطر ببالك من خدمات .

الجلوس في البيت أفضل من معاناة ما سبق وغيره وغيره ، هنالك رغبة عارمة بي لأن أتوحد ، وأعمل بقول أبي العلاء المعري :

تَوَحَّدْ فإن الله ربك واحد
ولا ترغبنْ في عِشرة الرؤساء

قد يكون من الأجدى أن يحادث المرء شباك غرفته أو وسادة رأسه ، أو يستحضر ابن الفارض قليلا فيستمع منه عن زفرات العشق ولوعة الفراق . قد يكون محظوظا فيحظى بحلم جميل قبيل إفاقته من النوم بقليل ، حلم يملأ عليه نهاره شوقا وطربا . ألم أقل لكم سابقا أننا حين نحلم فإننا نكون قد عقدنا مصالحة مع الزمن .

هذا الواقع يرهقنا كثيرا . الآن فقط عرفت معنى القول الذي مفاده أن معظم الفلاسفة يموتون بعد ولادة طفلهم الأول بقليل . يبدو أن سبب ذلك هو أنهم يصبحون مجبرين على مجابهة الواقع فيفقدون استقلاليتهم ، ويخسرون توحدهم تحت ضغط لقمة العيش ومسؤولية الأطفال . طبعا أنا لست فيلسوفا وأحمد الله أنني قادر على تأمين حياة كريمة لأطفالي وزوجتي ، غير أن الشيء بالشيء يذكر ، وفي الكلام معنى مفيد .

حتى كتابة هذه السطور لم أغادر بيتي . الدخان يكاد أن ينفذ ، أنا مجبر على الخروج الآن ، وممارسة هوايتي السرطانية . كل الطرق تؤدي إلى روما ، وسنموت جميعا يوما ما ، لكن الأفضل أن نموت بعد أن نكون قد استنفذنا كل الإمكانيات المتاحة في هذه الحياة . سحقا لهذه الحياة التي لا نمل منها ولا نيأس من محاولاتنا المتكررة لجعلها جميلة ، رغم ما يكتنفها في كل خطوة من يأس وإحباط .

سحقا ومرحبا .

بواسطة kalamfekalam 11:33 | عام | تعليق(0) | الرابط الثابت
الموت خلف الباب ، هل تخشونه ؟؟
15 تشرين اول, 2008

نحاول جميعا توفير الوقت ، اختصاره وتعليبه واستغلال كل ( فانية ) منه ، اولئك الذين يبددون اوقاتهم هم الأولى بالمحاكمة وسحب الرخصة الزمنية منهم .

 من المفارقات العظيمة أن الموت يكمن خلف الباب ينتظر الاذن بالانقضاض . الموت هذا هو فناء الزمن .. لا أكثر من ذلك ولا أقل .

 منذ القديم حاول الأنسان مقاومة الزمن والالتفاف عليه ، باحثا عن ترياق سحري يلجم هذه المركبة ويخفف من غلوائها في المسير . أحد الخطط الجهنمية التي ارتكبها الانسان أنه تقمص لبوس الألوهية ، فلما عجز عن أداء الدور أرتضى أن يكون نصف اله أو ثلث . حتى هذه لم تجد نفعا ، فطفق يبحث عن حل آخر .

 علامات الزمن .. الشمس والقمر ، وسيلتاه من أجل التعبير عن وجوده ، هو لا يكل ولا يمل ، وهما لا يفنيان ويؤديان المهمة باقتدار . يأتيان ثم يذهبان ثم يأتيان من جديد ، يتبادلان المراكز ، فيلج هذا في ذاك ، ويمتزج ذاك في هذا . فلنحملهما المسؤلية اذن ، ولنصنع زمن الأساطير والخرافات .

 كل الأساطير التي أخترعها الأنسان تكمن في فكرة واحدة تقول : اذا كان مكتوبا عليك أن تموت ، فلنأمل اذن بأن تعود الى الحياة مرة أخرى . هكذا يفعل الفرقدان فيشرقان من جديد . حل توفيقي جميل لم يبارح ساحة الخيال والأحلام .

 أمس تحدثت عجوز طاعنة في السن عن ذكرياتها أيام الصبا ، حملتنا معها الى حيث سالت دموعها الغزيرة . ترى أي سر تحمله قدرتنا على التذكر ؟ وأي مكان ذاك الذي نخبيء فيه أزمنة مديدة ؟ كيف تأسرنا الذكريات ويمارس الزمن الفاني سطوته على ذواتنا ؟ أي باعث يحشرج الصوت ويخرج الدمعة من مكمنها ؟ كيف تجحظ العينان فتمدان كفا تصافح وتعانق ؟ لماذا نعجز عن الحركة ونتوقف عن توليد الأفكار حين نستحضرك أيها الزمن ؟ من الذي يستحضر اللآخر .. نحن أم أنت ؟؟

 الموت وراء الباب ، اولئك الذين لا يفقهون شيئا هم الذين يخشون انقضاضته المفاجئة . ليتهم يدركون - ويا عجبا - أن توالد الثواني يصنع الحياة ، أما توقفها عن الحركة فيصنع الخلود .

 في عالم الأحلام نعبر عن رغباتنا المكبوتة بشكل أفضل ، نصنع أمجادا ونحقق انتصارات ونعانق ألف حبيبة . لي روضة يانعة أرتادها كل ليلة ، أقطف من أزهارها ما شئت ، وأخلص في صداقتي لطيورها . صادفت فيها ذات مرة العبد الصالح فهمس لي بكلمات أعذب من تراتيل داوود . نسيت كل كلامه بعد ذلك ، فقد غادرت الروضة وعدت الى سباتي العميق .

 لن تقهر الزمن الا ان واجهته بكل ثبات وشجاعة ، يظن نفسه يسلبك شبابك وقوتك ، يتغلغل في شرايينك ويحطم مفاصلك . الحقيقة غير ذلك ، فهو يستنفذ نفسه ويأكل اجزاءه مع كل نفس يتنفسه . انه سائر نحو الفناء ، سيكون ذبيحا يوما ما . ما أشبه الزمن بالنار .

بواسطة kalamfekalam 12:01 | عام | تعليق(0) | الرابط الثابت
فلنعالج أزماتنا أولا
14 تشرين اول, 2008

من بركات الأزمة الاقتصادية العالمية أنها كشفت عن مواهب اقتصادية فذة وجمهرة عظيمة من المحللين الذين لا تخفى عليهم شاردة ولا واردة في عالم المال وأسواقه . فعلاوة على العدد الهائل من المقالات التحليلية ، شاهدت بالأمس برنامجا حواريا تحدث الضيف خلاله بإسهاب عن واقع الأزمة وتداعياتها ، اكتشفت خلال الحديث أن الضيف طبيب بشري ، وأن لا علاقة له بعالم الاقتصاد من قريب أو بعيد .

عجبا لهذا الواقع ، واقع مثقفي الدرجة الثالثة وما أكثرهم في كل زمان ومكان . زمان كان يلزم أحد هؤلاء المثقفين أن يلقي بيتين من شعر أحمد مطر أو يسرد حديثا سطحيا عن سيرة المناضل تشي غيفارا ، كي " يَهُتَّ " عليك بعلو كعبه المعرفي وانتسابه إلى عالم الثقافة والمثقفين .

اليوم أضيفت أشياء جديدة ، باتوا يتحدثون عن الليبرالية الكينزية وعن ارتفاع معدلات التضخم وأسعار الفائدة . أصبحت الأحاديث المتخصصة مشاعا لكل من هب ودب ، فقدت المعلومة عذريتها وأصبحت بغيا مقدسة يرتادها كل الباحثين عن الطهرانية المزعومة ، فلا عجب إن وجدتنا دائما في أدنى درجات السلم الحضاري .

خلال كتابة هذه السطور وردني النبأ الفاجع ، رحيل المبدع محمد طمليه . قرأت له كثيرا ، وأهم شيء استوقفني مما له علاقة بحديثنا السابق هو اعترافه في غير مقال بأنه لا يفهم شيئا في عالم السياسة . هكذا يكون المثقف وهكذا تكون الموضوعية والثقة بالنفس . لماذا يسيطر على أغلبنا هاجس " أبو العرّيف " الذي لا تفوته شاردة ولا واردة من قضايا الكون . بعض الناس يستمتعون بلعب هذا الدور ويصرون عليه إصرارا مجحفا . وأدين هنا بنقطتين الأولى للصديق عاطف الفراية فقد قرأت له في أحد المرات شيئا عن أحد هؤلاء وقد أنبرى للحديث عن الكوميديا الإلهية فجاء خلال حديثه بعجب عجاب . والثانية للصديق هشام غانم الذي نبهني ذات مرة إلى انتشار ظاهرة ( المداخلاتية ) في ندواتنا ونشاطاتنا الثقافية .

خلاصة القول أن البعض يهمه أن يتكلم فقط ، حتى لو كان كلامه حشوا أو دون درجات الحشو بمراحل . على فكرة ، الكتابة الالكترونية كشفت الكثير من عيوبنا واستهتارنا بقيمة الكلمة ، فقد أصبح الفضاء مفتوحا والصوت قادرا على أن يصل إلى أكبر عدد من المستمعين . أصبح البعض وكأنهم في سباق مع الزمن ، يلوكون مقالات بعدد حبات المطر ، يأتون خلالها بما شئت من الأخطاء النحوية والإملائية ، ناهيك عن الفضائح المعرفية . بعضهم يخطئ حتى في كتابة العنوان ولا يقوم بأدنى مراجعة لما اقترف من ذنب بحق نفسه وحق الإنسانية من حوله . آراء وآراء وآراء ، وأحكام مطلقة لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها ، من أين يأتون بكل هذه الثقة في ما يطلقونه من أحكام ؟ ثقة لا يكاد يبلغها إلا أولو العزم من الرسل . إذا كان صاحب الكلمة نفسه مستهترا بكلمته وقيمتها ، فلمَ يُلامُ القارئ أو المستمع ؟ أجزم أن ما قاله إبراهيم عيسى في أحد برامجه صحيح تماما ، فقد قال أننا نعيش في زمن لا يقدر قيمة الكلمة فيه إلا جهة واحدة ، إنها الأجهزة الأمنية ، ولا شيء غيرها .

نعود إلى موضوع الأزمة المالية العالمية ، بعض الناس عندنا يطيب لهم أن يتحدثوا عنها بأسلوب لا يخلو من الشماتة ويستبشرون خيرا منذرين بقرب انهيار العالم الرأسمالي . ويزيد القضية تعقيدا أن بعضهم يربط الشأن الداخلي بالشأن الخارجي فيتحدث عن سقوط مدرسة الليبراليين الجدد هنا وهناك . نترك هذا الكلام بدون تعليق لأننا لا نشك في أن النظام الرأسمالي بصيغته المتوحشة كما نظَّرَ لها فون هايك وفريدمان وتبنى تطبيقها مارجريت تاتشر ورونالد ريغان وجيل من التلامذة بعدهم ، هذا النظام يحمل في داخله بذور الهلاك والفناء ، ولا قدرة له على الاستمرار طويلا في ظل تفاقم الفوارق الطبقية وسيطرة أقلية شرهة على قطاع المال والأعمال .

السؤال المهم هنا : ما الذي سيتغير عندنا حتى لو سقط ألف غرب رأسمالي وقام مكانه ألف نظام آخر ؟؟ هل سنكون قادرين على احتلال حيز من التاريخ نبني خلاله وجودنا ونشارك بفعالية في رفد مسيرة الإنسانية ؟ أم أننا سنبقى منفعلين فقط ؟ أفئدتنا هواء وتغشى وجوهنا النار . داخليا : هل رحيل فلان ومجيء علان سيغير من واقعنا شيئا ؟ هل المشكلة مشكلة أشخاص ؟ أم هي مشكلة طريقة حياة وأسلوب تفكير ؟ لماذا نخلط الأمور ببعضها ونبني قصورا في هواء خانق حاجب للنور وأشعة الحقيقة ؟ أتمنى أن نكف لحظة واحدة عن التنظير ، وننقد واقعنا نقدا حقيقا بأن يخرجنا من غياهب العمى والضلال .

فليكف المستنجدون بماركس عن الاستمرار في حفرياتهم التاريخية التي أكل الدهر عليها وشرب ، وليحذر مروجو العولمة من أن يكونوا جسر عبور إلى عالم هو في حقيقته مجموعة من جمهوريات الموز الدائرة في فلك القطب الأوحد .

بواسطة kalamfekalam 08:50 | عام | تعليق(0) | الرابط الثابت
القرضاوي .. خصوم الأمس هم أصدقاؤك اليوم
06 تشرين اول, 2008

 كما هي العادة ، وربما فوق العادة هذه المرة ، كانت تصريحات الشيخ يوسف القرضاوي التي حذر فيها من تنامي المد الشيعي وعمليات التبشير المنظمة المدعومة من إيران في أكثر من بلد عربي ذي أغلبية سنية ، محط اهتمام شريحة عريضة من المحللين السياسيين وكتاب الأعمدة اليومية . وكانت شخصية الشيخ ، قبل آرائه ، حاضرة بقوة وطغيان في ثنايا التحليلات والآراء المطروحة.

 هكذا تعودنا ، فالشيخ القرضاوي شخصية جدلية تثير حولها كما كبيرا من الاختلاف والنقاش ، وهذا لا يعيبها أبدا ، لكن الملفت في هذه القضية بالذات أن ثمة تغيرا كبيرا قد حصل في موقف طائفة من المحللين تجاه القرضاوي ، فأصبحنا في حيرة من أمرنا ، نضرب أخماسا بأسداس محاولين تفسير الهدف الذي من أجله انقلبت موازين البعض فانتقلوا من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار في تعاطيهم مع شخصية شيخنا الجليل . ولنترك آلة الزمن تتحدث ، فالقرضاوي تحول – في أعين هؤلاء – فجأة وبقدرة قادر ، من شيخ تسيره الآلة الإعلامية التي يسيطر عليها ( فسطاط الممانعة ) كما درج الدارجون على الإشارة إلى المحور الذي تتزعمه إيران والى جانبها سوريا وقطر وحماس وحزب الله ، إلى عالم وسطي وحجة بل إلى مرجع إسلامي عظيم ورمز للاعتدال . فانقلب الخطاب من شاتم ومبغض إلى مبجل ومعظم . كل هذا لأن المواقف هنا تطابقت والمصالح اتحدت ، فغدا من الضروري أن يلجأ هؤلاء إلى بلورة الموقف من جديد ، والإمعان في مديح الشيخ والثناء عليه ، كما تم سابقا الإمعان في انتقاصه ووضعه في خانة لا تلاءم قدره ومكانة أمثاله من العلماء .

 

 الهوى الشخصي الذي يسيطر على هكذا نوع من المحللين ، وغياب الموضوعية والأمانة الأدبية والشفافية ، عوامل كفيلة بأن تجعلهم يسلكون مسلك التطرف في إبداء الآراء واتخاذ المواقف . فهم أشبه ما يكونون بمؤلفي المسرحيات الذين يتكئون على الشخصيات ويبدلون ملامحها بحسب أهوائهم الشخصية رغبة منهم في خدمة الفكرة التي تسكن رؤوسهم . إنهم يمعنون في إظهار الخير وإحاطته بهالة أسطورية إن تطلب الموقف ذلك ، أو إبراز الشر وتضخيمه إن كان ثمة داع يتطلب التضخيم والإثارة .غير أن هذا الفعل وإن كان مطلوبا في حالة التأليف وبناء العوالم الخيالية ، فهو لا يلاءم الواقع ولا يمكن بناء عليه تحليل الواقع والنظر إليه نظرة موضوعية تهدف إلى تعريته قبل الشروع في إصلاحه . إنهم أصحاب الأفكار المسبقة والأحاديات الراسخة التي لا تحتمل النقض والتي يدور الكون كله في فلكها خدمة لها وتأكيدا على صحتها ومشروعيتها !!

 

 قد يكون للسياسة أصولها ومن ضمنها أن صديق الأمس عدو اليوم ، وعدو الأمس صديق اليوم . لغة المصالح تفرض نفسها كثيرا ، غير أن الذي نتحدث عنه اليوم هو شيء آخر غير السياسة وغير ما يقدمه الإعلام الموجه الذي يلتزم بخط واحد ووجهة نظر حرفية لا يمكنه الخروج عنها . ما نتحدث عنه هو ما ينبني في نفس القارئ والمستمع إلى هذا النوع من المحللين عندما يرى تبدل المواقف وانتقال أصحابها من خندق إلى خندق مقابل بعد أن قاموا سابقا هم أنفسهم بتلغيم المسافة الفاصلة بين الخندقين . ما نتحدث عنه هو ثقة المواطن في إعلامه وقدرته على الفهم ، إن كان يراد له – أصلا - أن يفهم شيئا .

 

 هذا الذي يفعله هؤلاء لا يمكن أبدا إدراجه في خانة المرونة ، فالمرونة تتطلب الالتزام بالقاعدة الذهبية الواردة عن الرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام والتي تقول : أحبب حبيبك هونا ما عسى أن يكون بغيضك يوما ما , وأبغض بغيضك هونا ما عسى أن يكون حبيبك يوما ما . المرونة هي ما يمكن تعلمه من شعرة معاوية التي كان حريصا على أن لا تنقطع أبدا .

 

 نعود إلى الشيخ القرضاوي نفسه ، حرصا على أن لا يوضع الكلام السابق في غير محله ، فذنب هذا الشيخ أنه يختار دائما وبملء أرادته الوقوف في المنطقة المؤثرة - ولكن الحساسة – تجاه قضايا الأمة . حرص القرضاوي على أن يبين موقفه الداعم للعمليات الاستشهادية في فلسطين ، وحرص كذلك على التأكيد على مشروعية المقاومة في العراق وفي كل أرض محتلة . حرص شأنه شأن أقرانه وسابقيه من الأشاعرة على إقامة مصالحة بين العقل والنقل ، فلا يشتط العقل في تحكمه بالنصوص ، ولا تبالغ الأفهام الجامدة المتعالية على التاريخ في فرض فهم أحادي للنص . من هنا نفهم زيارته التي قام بها إلى نظام طالبان أيام قرر هذا النظام تفجير عدد من التماثيل الأثرية التي أدرجتها اليونسكو ضمن قائمة التراث الحضاري الإنساني ، ونفهم زياراته السابقة لإيران ومحاولته التقريب بين المذاهب الإسلامية المختلفة بما فيها المذهب الجعفري ، هذه الزيارة بالذات كان أصحابنا الذين نتحدث عنهم قد البسوها ثوبا سياسيا واستخدموها حجة في مهاجمة الشيخ والانتقاص من قدره . نفهم من كل هذا لماذا كان وما زال لهذا الشيخ منتقدون كثر ، الغرب من جهة ، المنهمكون في قضايا أكل الدهر عليها وشرب من جهة ثانية ، وأصحابنا الذين بدلوا مواقفهم تجاهه من جهة ثالثة ، الشيعة من جهة رابعة ، وغيرهم كثر .

 

 من الصعب أن تكون وسطيا بحق ، وتتكلم من فوق أقوى منبر يتحلق حوله المستمعون ، ثم لا يكثر أعداؤك وناهشو لحمك . هذا هو الشيخ يوسف القرضاوي .

بواسطة kalamfekalam 13:18 | عام | تعليق(0) | الرابط الثابت
A service provided by Al Bawaba