الملف الشخصي
الاسم: Samer Haidar ALMajali
القائمة
بحث
السلطة الرابعة أم السلطة التابعة ؟؟
30 نيسان, 2008

هل يمكن اعتبار الصحافة في دول العالم الثالث سلطة رابعة ؟ أي سلطة مستقلة تمتلك باستقلاليتها ومقدراتها الذاتية تأثيرا في الشأن العام يناظر أو يفوق ذلك التأثير الذي تمتلكه السلطات الثلاث الأخرى مجتمعة . فبحسب التعريف الذي وضعه مفكرو عصر النهضة لم تكن الصحافة سلطة رابعة انطلاقا من كونها امتدادا للسلطات الأخرى تعمل معها بناء على إيقاعات مشتركة ورؤى متطابقة وتلتزم بخط هو إلى الجانب الوظيفي اقرب منه إلى الجانب الإبداعي الحر , وإنما كانت كذلك باعتبارها كيانا مستقلا يوازي ويناظر هذا الكل الآخر الذي يتكون من السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية . وعليه فقد انحازت باستقلاليتها إلى ركن موضوعي تمارس فيه دورا رقابيا حينا و توجيهيا حينا آخر ثم منقبا عن كبائر الأمور وصغائرها في كل ما يتعلق بالشأن العام وروافده .

هذه العلاقة المفترضة والمشوبة بالحذر دائما بين السلطة ( الحكومة ) والصحافة أوجدت منطقة رخوة جعلت الحد الفاصل بين الجانبين غير مستقر أبدا , وباتت الصحافة جهازا من نوع آخر تقوم مبررات وجوده على مقدار نزاهته وانحيازه لما يراه حقا وواجبا وطنيا يؤديه بتفان وإخلاص , سواء انصب هذا الحق في جانب السلطة وسياساتها أو اتخذ موقفا معاكسا لتوجهات الجانب السلطوي . فكانت جاذبية الصحافة وسحرها قائمة على هذه المنطقة الرخوة التي تترك كل الاحتمالات مفتوحة فلا تتقيد بموقف مسبق أو رؤية خارجية , فقط المعطيات المنطقية والمصلحة العامة هي التي تحدد في لحظة واحدة الجانب الذي سوف تنحاز إليه الصحافة وتقدم رؤيتها من خلاله .
في بلادنا العربية بشكل عام نفذت أجهزة الدولة وصاية من نوع أبوي على مختلف الأجهزة الإعلامية والعمل الصحفي , واستطاعت أن تجعل من هذا العمل سلطة رابعة متممة للسلطات الثلاث وليس مناظرة لها , فكانت الصحافة بذلك اقرب ما تكون إلى جهاز حكومي مبرمج ينفذ سياسات جاهزة ويتحدث باسم الجانب السلطوي ويتبعه تبعية مطلقة .
إنها بركات العهد العثماني البائد والأنظمة الشمولية التي اتخذت من شعار المعركة مبررا لكبت الحريات وتضييق الخناق على كل الآراء الخارجة عن خطها , فالمطلوب دائما هو رأي عام يتلقى ما تريده الدولة أن يتلقاه ويرى ما تضعه السلطة أمام عينيه , فالمجال لا يتسع بحسب وجهة نظرهم إلى أي صاحب رأي متطرف , وأولويات المعركة المزعومة تطغى على كافة الأولويات التنموية وأهمها تنمية المواطن عقليا وفكريا واحترامه .
لقد فقدت الصحافة نزاهتها , وباتت مطية لثلة من المطبلين و المزمرين أو السحيجة – على رأي الأستاذ هاني العزيزي – أولئك السحيجة الذين يشتغلون على الأزرار تماما مثل الروبوتات التي نراها في أفلام الخيال العلمي , فضاع المعنى كله وأصبح الواقع مخجلا والنتيجة ما رأيتم في تقرير منظمة " مراسلون بلا حدود " حيث تقبع ثلثا الدول العربية بعد المركز 120 , مما جعل صحافتنا العربية – والمواطن بالمحصلة - في واد وصحافة العالم في واد آخر .
أريد بهذه المناسبة أن أقدم تحية خاصة إلى عمون , فهي لم تنحز أبدا إلى أي جانب وكانت بحق صوت الأغلبية الصامتة , وهذا هو سر نجاحها وتقدم مرتبتها بين المواقع الالكترونية , وهو كذلك السبب الذي أثمر حالة صدامية مع بعض الجهات الحكومية , هذه الحالة الصدامية يبدو أننا لم نشاهد إلا الفصل الأول من فصولها , فالقادم معروف ما دمنا نتحدث عن سلطة رابعة حقيقية .

21/10/2007

بواسطة kalamfekalam 09:21 | عام | تعليق(0) | الرابط الثابت
دعوة الى الصعلكة
29 نيسان, 2008

هناك ارتباط وثيق بين أن تكون مبدعا حقيقيا صاحب فكر خاص وطريقة فريدة في النظر إلى الأمور , وبين أن تكون متمردا خارجا على القانون فتعيش حالة صدامية لا تجد منها فرارا . والمقصود بالقانون هنا ليس مجموعة التشريعات التي وضعت من اجل بناء مجتمع آمن متكافل , فالجميع يجيدون التحدث عن الجمال والعدالة ويتفننون في التنظير وصياغة الديباجات الجزلة الجامعة التي لو تم تطبيقها على ارض الواقع فستتحقق ألف مدينة فاضلة وتغدو الأرض جنة مزهرة , وإنما المقصود هو شيء من الأعراف الانتقائية والآليات الظالمة التي وضعت لتحافظ على حالة راكدة تخضع لسلطانها من هم غير قادرين على تجاوزها أو المساس بها دون غيرهم , وعليه فان طبيعة الأمور تفرض حالة التمرد التي يحياها أولئك الذين لا يرون من الخطوط الحمراء إلا ما اتصل بإيمان وثيق يعيشون من اجله أو غاية سامية يناضلون في سبيل تحقيقها .

الصعلكة , مصطلح فهم بشكل خاطئ وتردى في سلم المعاني حتى أصبح يشير إلى نموذج بشري معدم عار من سمات الشرف والمروءة , نموذج فاقد للغنى المادي والروحاني يعيش طفيليا على الآخرين ولا يردعه رادع من خلق أو شهامة . ولعلنا إن دققنا النظر جيدا وأزحنا الغطاء الكثيف عن أبصار أرهقها الاستسلام للأشياء الجاهزة فسنجد أن ما أسلفنا من وصف ( وليس مصطلح ) إنما هو يليق بكثيرين ممن يصنفون على أنهم أشخاص محترمون ذوو مهابة أو حصانة ترتقي بهم فوق الشبهات , عندئذ سنتجاوز مصطلح الصعلكة لنتحدث عن طحالب وطفيليات تنهش بنيان المجتمع وتستأثر بحق الآخرين لا لشيء إلا لأنها امتلكت بعضا من مفاتيح القوة والنفوذ , أما الصعلكة فهي شيء آخر ولعلها في خضم ذلك كله شرف ما بعده شرف .

ولقد درج بعض المتفيهقين الذين يحبون وضع الأشياء في قوالب متينة على أن يقرنوا الصعلكة بالسلب والنهب فأدرجوا رموزها ضمن حفنة اللصوص وقطاع الطرق , ثم برز قوم أبانوا أن للصعاليك فكرا ثاروا من خلاله على مجتمعات طبقية أكل القوي فيها الضعيف فانعدمت العدالة وانتشر الظلم والجوع , فالأعراف الانتقائية هناك طحنت الضعفاء والمعدمين ومهدت السبيل أمام الأقوياء ليزدادوا تخمة ويهرسوا الضعفاء أقدامهم .

لكن ما يجدر الوقوف عنده مطولا هو تلك العلاقة المتينة بين الإبداع والصعلكة , فالصعاليك كلهم شعراء تركوا لنا ميراثا ضخما من الشعر النقي العذب الذي تعلو فيه القيم الإنسانية وسمات الفروسية والرجولة , شعرهم هذا ثار على كل شيء حتى على أسلوب الشعر نفسه فقلَّ أن تجد فيه وقوفا على الأطلال أو فحشا وغزلا مسيئا , كان فيه أخلاقيات من مستوى عال وتفرد جعل من أولئك النفر يفضلون الجوع واستفاف تراب الأرض على أن يخضعوا لظالم متجبر أو يشاركوا في ظلم يقع على مسكين مغلوب على أمره .

كان عند أولئك الشعراء المبدعين انتماء ليس له حد إلى المجتمع وسعي مستمر نحو العدالة والفضيلة , كانوا في كل ما غنوا من اجله أبناء تلك الصحراء اللاهبة وأصدقاء قطعان المها وأسراب القطا , أحبوا الأرض والناس فغدوا صعاليك ثائرين . وإنها لمن اكبر المفارقات في هذا الوجود أنك إن أحببت شيئا فان سبيلك الحقيقي للتعبير عن حبك له هو أن تثور عليه .

دعونا من الحديث عن تاريخ شعراء الصعاليك ولنقف موقفا من أنفسنا لأننا امتداد للتجربة نفسها وان اختلفت الظروف والمعايير , فنحن بكل علمنا وتفوقنا ومناهج بحثنا واتصالاتنا ما زلنا نحس بحاجتنا إلى الصعلكة , بل إلى الثورة ليس على تقدمنا في المجالات المادية وإنما على تلك السنن التي لا تتغير , حيث القوي يأكل الضعيف والغني في ازدياد والفقير في انحطاط , نحن نتكلم هنا عن الروحانيات وموازين العدالة وأصحاب المواهب الذين مكنتهم ملكاتهم وسعة اطلاعهم من تكوين موقف خاص من كل الأشياء المحيطة بهم , مسؤولية الإبداع وأهله أمام ما يرونه من آثام وجرائم وعالم غير آمن وضحك على العقول واستخفاف بالإنسان , ربما تكمن مشكلة أولي الألباب في احد أمرين , فهم بين من آثر الدعة والطمأنينة وبين من وضع نفسه في مكان غير مكانها فلم يعرف قيمة الجوهرة الثمينة التي امتلكها , نحن أحوج ما نكون إلى من يضع نفسه في مكانها ولا يعتبر الشهرة وثناء الألسن مقياسا للنجاح من عدمه , نريد مبدعين حقيقيين يقفون من الكون والإنسان موقف الضمائر الحية التي تضع مصلحتها وراء تلك الخزعبلات المادية التي لن يظفر منها امرؤ إلا بمترين من القماش الأبيض يرافقانه تحت أديم الأرض فيبليان بعد وقت قصير .

الناس هذه الأيام مشغولون بأشياء كثيرة , بعضهم أرهق نفسه بمتابعة الانتخابات وترشح فلان وانسحاب علان , ولنسأل سؤالا واحدا يقول : أين يمكن أن يجد المواطن نوابه الحقيقيين ؟ هناك تحت القبة ؟ أشك في ذلك فالمؤمن لا يلدغ من جحر واحد خمس مرات . النواب الحقيقيون موجودون في مكان آخر , إنهم هنا على صفحات المنابر الحرة , نواب وقفوا ويقفون أمام ضمائرهم موقفا لم يرحمهم فوضعهم أمام واحد من أمرين : فإما أن يجرفهم سيل المعتاد من الأمور فيضيعوا مع الجمع الضائع , وإما أن يكونوا علامات فارقة تماما مثل أولئك الصعاليك القدماء , يصعب تجاوزهم ومجابهة أفكارهم وإخلاصهم .

ربما على كل مبدع وصاحب قلم إذا أراد أن يكون علامة فارقة أن يفكر في أن يكون صعلوكا نبيلا .

1/11/2007

 

بواسطة kalamfekalam 08:44 | عام | تعليق(0) | الرابط الثابت
من رامسفيلد الى الانتخابات النيابية
28 نيسان, 2008

يقول أحد الحكماء المعاصرين : إن ما نجيد معرفته هو ما نجيد الحديث عنه . والحديث المقصود هنا هو تلك الكلمات التي نصف بها الأشياء بناء على صورتها في أذهاننا , تلك الصورة التي يكوِّنها واقع الأشياء من حولنا وقدرتنا على التخيل والاستنتاج .

الداعي إلى هذا المقال حدثان منفصلان يبدوان غير مترابطين إلا أن بينهما صلة يلحظها المدقق في واقع الأمور , خلاصتها أن هناك مشكلة نعانيها نحن معشر العرب المعاصرين في ربط تلك السلسلة المفترضة لتكوين الأفكار واتخاذ المواقف , الواقع .. الذهن .. الوصف بالكلمات , مشكلة ضخمة ينبني عليها جزء عظيم من تخلفنا وتراجعنا .

فقد كشف البيت الأبيض عن وثيقة سرية يعود تاريخها إلى العام 2004 وصف فيها وزير الدفاع الأمريكي الأسبق دونالد رامسفيلد المسلمين بالخمول والكسل , وقال إن اعتمادهم على الثروة النفطية جعلهم يأنفون من ممارسة العمل الجسدي ويستقدمون عمالة أجنبية من الهند وكوريا وغيرهما بينما أبناؤهم خاملون عاطلون عن العمل .

واللافت في الأمر ليس تصريحات رامسفيلد التي لا يشك منصف في صحتها إذا طُبِقَتْ على مناطق معينة في العالم الإسلامي ولم تُترك هكذا مطلقة شاملة , لكن الملفت هو طريقة ردة الفعل والكتابات التي اعتبرت التصريحات اهانة ما بعدها اهانة ورامسفيلد متجنيا علينا بل ممارسا أحقاده الدفينة , هذا هو كل ما فهمه أو أراد أن يفهمه أصحاب رد الفعل الذين تغاضوا عن مكامن الداء وظنوا أن الرجل قد هبط بفكرته هذه من المريخ هادفا من خلالها إلى تشويه صورتنا والنيل من كرامتنا .

هذا الكلام الذي احتوته ردود الأفعال بني على أفكار بينها وبين الواقع الحقيقي بون شاسع ومعظم أصحابها قد أغضوا الطرف عن الحقيقة المرة والواقع الذي يؤكد كل كلمة قالها رامسفيلد , فبقي الواقع وسيبقى إلى ما شاء الله كما هو , دون تغيير أو تبديل , أما خطبنا المنبرية فسيهدر أصحابها ويرغون ويزبدون دون أن يقدموا شيئا لأنهم لا يجيدون الحديث عن الواقع بل لم يفهموه ولم يحظ من اهتماماتهم بوقفة موضوعية فاحصة , ورحم الله امرأ أهدى إلي عيوبي حتى لو كان عدوا مجرما فعداوته شأن آخر وموضوع مختلف .

أما الموضوع الثاني فهو الشعارات الانتخابية المجانية حين يصبح الكلام سهلا واللعب على القضايا الكبرى سلما لتحقيق المآرب والشهوات . وربما لن يستطيع المرء أن يضيف الكثير بعد مقال الأخ فايز الفايز حول مهزلة المقرات الانتخابية , إلا أن ما يلفت الانتباه في تلك المقالة هو وصف معظم كلام اللقاءات الانتخابية بالقيء , وهذا لعمري وصف بليغ للكلام الذي لا يجاوز الحناجر ولا يُبنى على أسس سليمة .

فالواقع هنا في واد ومطلقو الشعارات في واد ثانٍ , فإذا ما علمنا أننا نعيش في زمن العالمية " بدلا من العولمة " , وأن انتقال المعلومة وأساليب البحث والإحصاء قد أصبحت سهلة المتناول وغدت آلياتها قادرة على إعطاء صورة حقيقية فيما يختص بأي قضية موضع البحث والنقاش , عليه يحق لنا أن نتساءل ونقول : أين الحد الأدنى من المنهج العلمي والمعلومات الموثقة في ما تبنى عليه شعارات المرشحين وبرامجهم ؟ أين المرشحون الذين استعاضوا عن البرامج التقليدية والخطب المنبرية ببرامج قائمة على أرقام ومعطيات من ارض الواقع ؟ بل أننا نخمن بناء على ما نشاهده ونسمعه أن أكثر المرشحين لا يعرفون شيئا عن مديونية الأردن الخارجية أو متوسط دخل الفرد ومعدلات النمو السكاني , حتى الذين ينبرون للحديث عن البطالة فان كلامهم لا يعدو كونه جملا منمقة لم تحتوِ في أي منها رقما أو معلومة تشير إلى اجتهاد صاحبها في صياغة برنامجه وقدرته على إقناع الناخب ذي العقل الراجح , على فرض أن هذا النوع من الناخبين موجود بشكل كاف على خارطة الانتخابات .

هنا نحن لا نظلم المرشحين أو نتعمد الإساءة إليهم , ولكن أين هذا كله في برامجهم الانتخابية ولقاءاتهم الجماهيرية , ألا يحق لنا أن نبحث عن مرشح يبرهن لنا أنه يفهم الواقع كي نتيقن أنه يطلق شعارات واقعية يؤمن بها ويسعى إلى تحقيقها . علما بأن هذه التساؤلات ليست دعوة إلى التعقيد وإرهاق العامة بالأرقام والتحليلات الرياضية , لكننا نبحث عن الحد الأدنى والبرهنة فقط على أننا نفهم ما ندعو إليه .

على مرشحي هذا الزمان أن يطرحوا برامج مؤسسية منهجية , فكل كلام في انتخابات 2007 غير قائم على دراسات متينة هو محض هراء ولعب على العواطف والتناقضات , كلام صلته بالواقع مقطوعة لن يأتي بجديد ولن يمكننا من إفراز مجلس نواب نفتخر به .

 6/11/2007

 

بواسطة kalamfekalam 10:00 | عام | تعليق(0) | الرابط الثابت
كلام في المال الانتخابي
27 نيسان, 2008

كان من المفترض أن يكون عنوان هذا المقال هو " المال السياسي " تماشيا مع المصطلح الذي شاع في الآونة الأخيرة والذي هو – كمصطلح - صناعة أردنية بحتة , لكن الرغبة في الوصول إلى درجة اكبر من الدقة فرضت أن يكون عنوان حديثنا هو " المال الانتخابي " . فالحديث بمجمله يدور حول العملية الانتخابية وتجلياتها , والانتخابات كما تعلمون جزء صغير من ممارسات السياسة وعالمها الواسع . كذلك فان الملاحظ في الآونة الأخيرة أن إضافة الأشياء إلى السياسة باتت وسيلة للترهيب وخلق حالة من التوجس تجاه هذه الأشياء , الإسلام السياسي .. المال السياسي وما قد يجدُّ بعد الآن , كلها مصطلحات تثير الرهبة , ولا ندري في حقيقة الأمر أهي رهبة من المنعوت ( الإسلام , المال ) أم رهبة عميقة الغور في وجدان المواطن العربي من النعت المشترك ( السياسة ) .

المال الانتخابي اصطلاحا هو تلك العطايا النقدية أو العينية التي يغدقها مرشح ما على فئة من أبناء دائرته الانتخابية بهدف استمالتهم إلى جانبه والحصول على أصواتهم يوم الاقتراع , وهو بهذه الصفة اختزال لجميع متطلبات النجاح وعوامله في عامل واحد هو المال , وسير بالعملية الديمقراطية نحو طريق يستثني المصلحة العامة وكفاية المرشحين ليفرز بالنتيجة مجلسا هشا ونوابا بعيدين عن هموم الوطن والمواطن .

والملاحظ في موضوع المال الانتخابي أننا نميل إلى اتخاذ المنهج التقليدي في نقد الأمور , فنقول أن ما يحصل هو شراء للذمم ورشوة لضمير المواطن , و رغم أن هذا الكلام لا غبار عليه إلا أن تناوله لن يقدم أو يؤخر شيئا في موضوعنا هذا ما لم نقترب وندقق النظر أكثر لنعلم ما هو المال وما هي الأشياء التي يمكن شراؤها به .

المال مضافا إلى البنين هو زينة الحياة الدنيا ووسيلة الإنسان إلى تلبية احتياجاته والحفاظ على كرامته , وهو كذلك أحد الأولويات الخمس التي سعت الشريعة إلى صونها والمحافظة عليها . أما مكانة المال قياسا إلى الأشياء الأخرى فهي متقدمة جدا في سلم الأولويات بحيث تغدو الأشياء التي تتقدم المال قيمة وأهمية - كالدين والروح والولد والوطن والكرامة والضمير والعقل - قليلة جدا ويكاد يتفق عليها معظم البشر على اختلاف أزمنتهم وأمكنتهم .

كذلك فان مما يتقدم المال أهمية وتستعصي قيمته على عمليات الشراء والبيع هو المكتسبات , والمقصود بالمكتسبات ما يصل إليه الإنسان بجهده وعرقه ونضاله فيصبح ذا مكانة عزيزة على النفس ومصدرا من مصادر الفخر والاعتزاز . وغالبا ما ترتبط هذه المكتسبات بقيم مستمدة من الأولويات التي أسلفنا ذكرها في الفقرة السابقة , فالديمقراطية مثلا مكتسب يحققه المناضلون في سبيل الوطن ومصلحة الجماعة بعد أن تدفع الشعوب ثمنه من دمائها وفلذات أكبادها , لذلك كانت الديمقراطية الحقيقية عند أصحابها مرجعا ومكتسبا ثمينا تهون كل الأشياء في سبيل المحافظة عليه ولا مجال فيه للمساومة المادية .

هنا نستطيع أن نفسر ما يجري من عمليات شراء وبيع في انتخاباتنا البرلمانية , ونستطيع كذلك أن نفسر هذا التناقض الذي يحيرنا للوهلة الأولى عندما نتحدث عن مواطننا صاحب الضمير النقي والكبرياء والأنفة , فحب الأردنيين لوطنهم مضرب الأمثال وولاؤهم لترابهم سمة بارزة من سماتهم , فما الذي يجعل فئات كثيرة منهم ترضى هذا الهوان وتقبل الثمن المادي فتعطي الصوت لمن لا يستحق ؟

السبب هو ضياع القيمة , فالديمقراطية عندنا ليست مكتسبا غاليا , إنها بضاعة هبطت علينا من السماء وهبة يراها بعض أصحاب القرار تلميعا و تجميلا لصور الفساد , هي عند المواطن ألعوبة لا يدرك لها قيمة حقيقية فهو لم يتعب من أجلها ولم يفرضها بناء على احتياجاته وتطلعاته . وهي عند المسئول حجاب يمكنه من تغطية سوءته وتمرير برامجه .

وقد يقول قائل إن الوضع الاقتصادي الصعب يساهم في تغذية هذه النزعة فيجعل المواطن مغلوبا على أمره أمام إغراء المال وسطوته , هذا كلام صحيح لكنه ليس مبررا لهذه الحمى الشرائية المجنونة ولن يكون ذا أثر فيما لو كانت الديمقراطية مكتسبا أهميته متجذرة في وجدان الإنسان وضميره .

ربما علينا أن نفكر جيدا في صنع ديمقراطية خاصة بنا , فهذا النوع من الممارسات يبدو أنه مفصل على غير مقاسنا , نحن بحاجة إلى أن نعرف همومنا ومكامن الضعف في مجتمعاتنا ثم ندرس تاريخنا وتراثنا وتجارب الأمم الأخرى جيدا , قبل أن نقدم في النهاية على الاتفاق على شكل الديمقراطية التي تناسبنا والتي ستكون عندئذ غالية جدا على قلوبنا فلا يمكن شراؤها بالمال أو غيره .

10/11/2007

بواسطة kalamfekalam 05:59 | عام | تعليق(1) | الرابط الثابت
النصف الصامت
26 نيسان, 2008

الصمت كما يصفه أحد الحكماء العرب هو ذاكرة المغلوبين ، وتطبيق هذا التعريف على النصف الصامت في انتخاباتنا النيابية الأخيرة ، جدير بأن يؤدي بنا إلى استكشاف بعض ما تختزنه هذه الذاكرة من عوامل جعلتها تلتزم الصمت والحيادية في حقها الذي كفله الدستور والقانون .

علينا إذن أن نستنطق الصمت ونبحث في غياهب هذا العقل الجمعي لنقيِّم الموقف ، ثم لا نقع في نفس الشَرَك الذي اعتدنا أن نقع فيه دائما .. أقصد مخاطبة الأغلبية الصامتة قبل موعد الاقتراع ثم لفظها من الذاكرة نهائيا إلى أن يحين موعد جديد .

اعتبار الصمت سلبية هو تغاضٍ عن المشكلة وتبسيط لها إلى ابعد الحدود ، فالصمت موقف والذاكرة خزانته ، وما يبدو اليوم راكدا قد يصبح غدا متلاطم الأمواج ما دام محتفظا بهذه الذاكرة الغنية . واختيار هذا الموقف ينبئ أن هناك هوة واسعة بين شريحة كبيرة من المواطنين ومجلسهم النيابي , هذا إذا أردنا أن نحصر الموضوع بالمجلس ولا نلتفت إلى الموقف الأساسي من الديمقراطية نفسها , هذه الديمقراطية التي هي فاقدة لأجلِّ معنى من معانيها .. معنى المشاركة القائم على شكل من أشكال العقد الاجتماعي أو الميثاق الفاعل الذي تُصاغ بنوده وتُحدد أطرافه بكل وضوح وشفافية , فيلتزم كل بواجباته قبل أن يطالب بحقوقه ويسعى باتجاهها .

غياب هذا التعاقد وضبابية الرؤية وإحساس المواطن بالتهميش ودفعه باتجاه الموازنات العاطفية أو المصلحية في قراره الانتخابي ، هذه كلها جعلت من عملية الانتخاب في نظره عملية غير ذات جدوى ، وجعلت ماهية المجلس المنتظر تحصيلا حاصلا لن يقدم الصوت فيه شيئا أو يؤخر . فإذا لم يكن هذا المقترع من أهل الموازنات العشائرية العاطفية الراغب أصحابها بكيد الأعادي , أو لم يكن من جماعة المصالح القريبة أو بعيدة المدى , وان كان لا يمتلك سلما يمكنه من الارتقاء والتعلق بأحد هذه الحيتان رغبة منه في إصابة شيء من فيض عطائها , عندئذ سيشعر أن ذهابه إلى صندوق الاقتراع هو ضحك على نفسه ومضيعة لوقته الثمين أو غير الثمين .

ولنا أن نعود – كي نتأكد من ارتباط الموقف بالذاكرة – إلى ما تختزنه هذه الذاكرة من صور باهتة عن النواب السابقين إلا من رحم ربي ، فالجفاء والتعالي ونسيان الناخبين سمة بارزة تختزنها تلافيف الذاكرة , هذه الصورة عبرت عتها مئات المقالات والحوارات في المنابر ذات الصفة الحرة أو غير الرسمية . وتبرز كذلك صورة الأداء غير المرضي للمجالس المتعاقبة ولا سيما المجلس الأخير الذي تعرض أداؤه إلى نقد مباشر من رأس الدولة جلالة الملك , ويبرز أيضا غياب التخصص والمؤهلات اللازم توافرها في من يريد أن ينبري لأداء مهمة النيابة , وارتباط وظيفة النائب بالخدمات مما يحيل المجلس إلى صورة من صور المجالس البلدية حينا و المشيخات القادرة على النفاذ وتسهيل ما لا يمكن تسهيله بالقانون حينا آخر . هذه الملفات المطبوعة في ذاكرة المغلوبين على أمرهم مؤداها شيء واحد هو السلبية ، لكنْ السلبية القائمة على مبررات لا على كسل وبلادة عقلية .

هنا نريد أن نقول شيئا واحدا , إن التجربة تستحق الاحترام وواجبنا جميعا كمواطنين منتمين هو دعمها والارتقاء بها والوقوف إلى جانب صاحب القرار في ما انتهجه وسعى إليه , هذا هو هدف النقد الذي يبدو قاسيا في بعض الأحيان , إلا انه لا يعني التقليل من شان التجربة أو محاربتها . المطلوب هو التطور والجدية في النظر إلى الأغلبية الصامتة ، فنسبة 46% قادرة على قلب الأمور رأسا على عقب في ما لو قرر نصفها فقط أن يتخلى عن صمته ويستخدم حقه الدستوري . تفعيل الأغلبية الصامتة في انتخابات 2011 يبدأ طريقه من اليوم , وذلك بالتحرك باتجاهها ومناقشة قضاياها ومعرفة جوانب الخلل المؤدي إلى عزوفها عن المشاركة .

الإخوة النواب الكرام : تذكروا دائما أنكم أمام أمانة عظيمة ملقاة على عاتقكم ، واعلموا أن قاعدتكم الانتخابية تتكون من الذين اقترعوا والذين لم يقترعوا , فلا أقل من تخرجوا من الغنيمة بالإياب وحسن السيرة , لأن الذاكرة الفردية قد تنسى وتمحو أما الذاكرة الجمعية فلا تنسى شيئا أبدا .

السادة أصحاب القرار : الديمقراطية حق لا مجال فيه للنقاش أو المنة , لكنه عندنا – ويا للأسف – يُفهم على أنه عطاء وتفضل , أما والحال كذلك فليكن عطاء مفتوحا لا عطاء مشروطا خاضعا لأدق الحسابات وأعقدها .

23/11/2007


بواسطة kalamfekalam 10:48 | عام | تعليق(0) | الرابط الثابت
أنابوليس ودولة أولمرت
25 نيسان, 2008

كتب هذا المقال في 27/11/2007 

يبدو أن الإسرائيليين هم أكثر الأطراف واقعية في تعاطيهم مع اجتماع انابوليس المزمع عقده خلال الأسبوع الحالي ، فتسلسل الأحداث والتصريحات المتتابعة تشي بعدم الجدية وانخفاض سقف التوقعات والآمال المعلقة على المؤتمر خصوصا وأنه يقام في مرحلة العد التنازلي لعمر الإدارة الأمريكية الحالية ، هذا ما صرح به شمعون بيريز بكل عقلانية وقوة وصراحة ، وتلك هي الحقيقة نفسها التي ترفض الأطراف العربية قبولها تطبيقا لصورة النعامة التي تدفن رأسها في الرمال .


فلسطينيا ، الرئيس محمود عباس في اضعف موقف يمر به منذ توليه منصب الرئاسة ، فغزة في زمن والضفة في زمن آخر . حتى فتح أصبحت شيئا وكتائب شهداء الأقصى شيئا آخر , والسلطات الفعلية تكاد لا تتعدى بعض الشكليات التي تستلزمها طبيعة المنصب المذكور . أما إذا أردنا أن نجري مقارنة بين ما كان مثلا في أيام أوسلو يوم كان عرفات قادرا على تقديم التنازلات ، فتنازلات عرفات كانت تعكس شخصية قوية على الصعيد الداخلي ، شخصية ينظر إليها بعين الجدية من قبل الطرف الآخر ، أما عباس فحتى تنازلاته لا تعني شيئا للإسرائيليين لأنها تنازلات عن ما لا يملك وما لا يطيق .

أما عربيا فالحديث يتمحور حول تفعيل مبادرة السلام العربية ، وقرار السعودية بالمشاركة ينطلق من هذا المبدأ . ومهما كان مستوى المشاركة سواء بوزير الخارجية أو حتى بالسكرتير الثالث في السفارة – على رأي جهاد الخازن – فالواضح أن ما تنوي إسرائيل - ومن ورائها الولايات المتحدة - تقديمه بهذا الخصوص معدوم ومجهض منذ البداية ، ولا أدل على ذلك من تصريحات وزيرة الخارجية الإسرائيلية تسيبي ليفني أمس خلال اجتماعها بطيبة الذكر كونداليزا رايس , فقد أعلنت وبكل صراحة رفضها لمشاركة الدول العربية في المحادثات الثنائية التي ستجري بين الفلسطينيين والإسرائيليين ، وأكدت على أنه ليس من المفترض أن تحدد الدول العربية شروط المفاوضات أو تشارك فيها .

ولنترك تصريحات بيريز و ليفني جانبا لننتقل صعدا إلى تصريحات أكثر وضوحا وشمولية في ما يتعلق بعملية السلام من أساسها ، فاولمرت أعلن منذ حوالي أسبوعين أن على الفلسطينيين قبل أن يتوجهوا إلى مؤتمر انابوليس أن يعترفوا بإسرائيل دولة للشعب اليهودي . ولاحظوا هنا مدى التناغم في تصريحات المسئولين الإسرائيليين بين الخاص والعام والجزئي والشامل , فالقضية من أساسها قضية فكرة يخدمها الجميع ويعملون من اجلها , ومهما اختلفنا مع هذه الفكرة وشعرنا بالحنق والغيض تجاهها فإننا مجبرون على الوقوف معجبين أمام عنفوانها وقوتها .

هناك في إسرائيل وفي كل الدول التي تحترم نفسها لا يوجد حالة فصام بين الفكرة والتطبيق أو صدام بين العقل والفهلوة ، والمبدأ والتكتيك . فالأشياء كلها تصب في خانة واحدة ، والأمور واضحة إلى درجة يصعب معها على متذاك أن يتذاكى أو يقود نفسه والآخرين نحو الهاوية .

عندنا تختلف الأمور كثيرا ، فليس عندنا فكرة من الأساس ، اللهم إلا ما يتم إطلاقه أمام أجهزة الإعلام والمؤتمرات التي هي على شاكلة انابوليس من وعود وأمنيات يعلم مطلقوها أن تحقيقها مستحيل ودربها شديد الوعورة . بل حتى أننا لا نمتلك مبدأ يوازي ذلك المبدأ في حديث اولمرت عن الشعب اليهودي ، فنحن تارة نريد أن نخرج الدين من المعركة وتارة أخرى نميع الهوية ونقتل خصوصيات الأشياء ، نحن اكبر الخاسرين في معركة الإرهاب والعولمة لأننا أصبحنا نخجل أن نذكر هويتنا بنفس القوة والطريقة التي عبر بها اولمرت عن هويته .

مشكلة كبرى تلك التي نعانيها عندما تنفصل الذات المفكرة عن الذات الناطقة ، فالخطوط الكبرى دائما يضعها المفكرون وأولو الثقافة ، أما السياسيون فواجبهم هو التكتيك وصنع الآليات المناسبة . ولنعد إلى تنازلات عرفات قبيل اتفاقية أوسلو يوم شطب بجرة قلم ما اتفقت عليه شخصيات فلسطينية بارزة من مطالب وشروط للتفاوض ، مما أدى إلى استقالة تلك الشخصيات المهمة وعلى رأسها مفكرون كبار مثل حيدر عبد الشافي وادوارد سعيد وحنان عشراوي .

هل لمستم الهوة الواسعة بين صانعي الأفكار ومطبقيها عندنا ؟ هوة عظيمة ستجعل من انابوليس وكل ما شابهها عبثية مطلقة وتطبيقا للمثل الشعبي القائل " تيتي تيتي مثل ما رحتي مثل ما جيتي " .

والسلام ختام

بواسطة kalamfekalam 12:16 | عام | تعليق(0) | الرابط الثابت
رحلة الى العالم الأول
24 نيسان, 2008

العالم الأول والعالم الثالث وما بينهما ، مسافات يمكن الانتقال بينها جغرافيا خلال ساعات معدودة بكل سهولة ويسر ، لكن الانتقال الذهني والعبور الحقيقي يتطلب أشياء كثيرة جدا يضيق عن الإحاطة بها هذا المقال ، لكننا مضطرون إلى تناول جزء يسير يتعلق بالتجربة الإنسانية التي هي مناط التغيير الحقيقي في كل زمان ومكان .

ويكاد الدمع يهمي عابثا ............ ببقايا كبرياء الألم

ذاك هو حال المنتمي إلى أمة لم يعد لها منبر للسيف أو للقلم ، وهو قبل ذلك شعور الإنسان المطلق القادر على بلوغ التمام وقد أيقن بلا شك أو مداراة انه عاجز . فالأرض هناك أخذت كل زينتها وازدانت بأبهى حللها عندما وقف على أديمها إنسان شامخ كريم حقق منهج الخلافة وأعلى بنيان الإنسانية .

إنسان شامخ كريم .. هذا هو سر الحضارة وعامل نمائها . فأول ما يواجهك هناك في مدينة ملبورن الاسترالية التي أقمنا فيها لمدة عشرة أيام هو القيمة العليا للفرد والإمكانات المتاحة له من اجل العمل والعمل والإنتاج . أنت من حيث كونك أنسانا تشكل رقما صعبا لا يمكن تجاوزه وعلاقتك بالمجتمع والتنظيمات من حولك علاقة واضحة منظمة ، صدقوني أن البحث في أصلك وعرقك وعمرك ومعتقدك أمر غير ذي جدوى وتحاشيه عمل غير مصطنع بل هو جبلة جبل عليها الناس في ذلك المكان ، فالمهم انك موجود فوق تلك الأرض وانك تعمل وتحترم الآخرين وتتقيد بالقوانين الموضوعة والمطبقة بحرفيتها عليك وعلى السكان أجمعين .

تمشي في الشارع مثلا فلا تلتقي عينك بأعين أخرى مصممة على البحلقة والنظر المريب ، قد تبدأ أنت البحلقة – كما حصل مع كاتب الكلمات بطبعه الذي غلب التطبع – فتكتشف أن لا أحد يدري بك أو يهتم بنظراتك النافذة المتفحصة ، حتى وان التقت عينك بعين أخرى فهو حادث عابر غير مستفز ولا مثير للسخط والاشمئزاز لان اللقاء لن يدوم أكثر من جزء من الثانية تستنتج بعده أن الشخص المقابل ماض في طريقه إلى شيء آخر غير آبه بك ولا بنظراتك ، هذا النقطة مهمة كثيرا لأنها تعني أن الناس غير مشغولين بما لا يفيد ويستهلك الوقت ، كل ينظر إلى نفسه أولا ويهتم بوقته وواجباته قبل أن يهتم بالآخرين وشؤونهم .

في الشارع كذلك أمر آخر ذو شأن عظيم .. أحد عشر يوما لم نبق فيها شارعا رئيسيا أو زقاقا إلا دخلناه فلم نسمع خلال ذلك صوت منبه " زامور " سيارة . نظام عجيب وتقيد بقوانين السير وهدوء لم أعهد مثله أبدا وصل بي إلى درجة الشعور بالغربة الصوتية ، لا أصوات أبدا ولا أشخاص حانقين يكثرون الضغط على المنبه ويرغون ويزبدون ويشتمون ويلعنون ، هل نحن على كوكب الأرض ؟ أم أن السيارات هناك غير مجهزة بهذه الأداة المهمة ؟ لا أدري ، لكنني متأكد أن شوارع ملبورن أضيق من شوارعنا والسيارات هناك كثيرة جدا ، لكن السائق مرتاح جدا . لماذا ؟ الجواب عندكم .

مفارقات كثيرة في الشوارع ، منها نظافتها وخلوها من الأوساخ والقاذورات ، تكاد لا تجد ورقة ملقاة في الشارع ، نظافة ورعاية واهتمام بالمنظر العام وآلات غريبة الشكل متوسطة الحجم تذرع الأمكنة جيئة وذهابا تنظف أرصفة وشوارع لم تعرف من القذارة شيئا لا قبل التنظيف ولا بعده .
الآن سأصدمكم فقد وجدت هناك شارعا ممتلئا بالنفايات والأوراق ، انه الشارع الذي يقع فيه المسجد الذي قررنا أن نصلي الجمعة فيه والذي غالبية سكانه من أصول عربية وإسلامية .
أمر محزن ، أليس كذلك ؟

أما نظام المواصلات فحدث ولا حرج ، فنظام المترو يصل إلى أدق الأمكنة وأضيق الزوايا ، انه نظام نقل مجاني مرتبط بمحطات غير متباعدة فتستطيع الصعود أو النزول عند كل تقاطع في المدينة ، الأوقات محددة و محسوبة بالدقائق ، والتعامل مع النظام سهل وسلس بحيث أن غريبا مثلي استطاع أن يذهب إلى كل مكان في ملبورن بأقصر الطرق وأقل الأوقات ، فلم احتج شيئا سوى خارطة صغيرة عليها كل المعالم المهمة وموقعها من محطات المترو بدقة وضبط .

هنا نتوقف فنقول ، أن كل ما تحدثنا عنه سابقا من راحة للسائقين ونظافة في الشوارع وفعالية في نظام المواصلات وغيرها من الأمور التي لم أرها كالتأمين الصحي والضمان الاجتماعي ، كل ذلك هو خدمات تقدمها الدولة بعد أن تكون قد استوفت الضرائب المستحقة على المواطنين ، فكل شخص هناك يدفع ما مجموعه 35% من صافي دخله كضرائب ، هذه النسبة عالية بلا شك لكنني لم أجد شخصا واحدا يتذمر منها ، فالكل هناك يحس بالرضا تجاهها ، ربما لأن مستوى الدخل عال أصلا ولأن نوعية الخدمات المقدمة للمواطنين تبرر هذه النسبة وتعكس حرص السلطات على راحة المواطن ورفاهيته .
ولكم هنا أن تقارنوا بين ضرائبنا وضرائبهم ومستوى خدماتنا ومستوى خدماتهم لتعلموا أن ضرائبنا مهدرة وهي لا تقدم لنا شيئا حقيقيا رغم ارتفاع نسبتها وتدني مستوى دخل الفرد السنوي .

هذه مقتطفات بسيطة استطعت أن الم بها خلال عشرة أيام قضيتها هناك ، وهي بلا شك مظاهر مادية بحتة تعكس حالة حضارية مبهرة وتترجم المثل الاسترالي الذي يقول أن الكمال له ثمن . نعم فالقضية من أساسها هي سعي نحو الكمال وتسخير لكل الإمكانات المادية في هذا السبيل وصولا إلى مجتمع متكامل وحالة من الراحة والرفاهية ، إنها بالضبط خلافة الله في الأرض لولا ما يكتنفها من نقص روحاني واضح .

فالحضارة هي حالة على المستوى الجماعي يعيشها الناس ويسعدون بها وهي واجب تؤديه الجماعة والفرد على حد سواء ، فالجانبان مترابطان إلى ابعد الحدود . الحضارة هي سيطرة الإنسان على الأشياء خدمة للغاية العظمى التي وجد من اجلها ألا وهي عبادة الله ، فان فهم العبادة على أنها طقوس مجردة وحركات يؤديها فقط يكن قد أخل بجانب مهم من جوانبها ألا وهو عمارة الأرض وخدمة الكون من حوله . وان فهم العبادة على أنها مجرد انجازات علمية وضرائب تدفع دون التزام بعلاقة متينة مع الخالق الذي اوجد كل شيء يكن أيضا قد اخل بجانب مهم من جوانب العبادة .

خلاصة القول أن مشاعر الحسرة والخيبة تتولد عند الفرد المسلم كلما عاين وجه الحضارة وتلمس الفرق بين زيف الاستهلاك الذي يحياه هنا ، والانجاز الحقيقي والتقدم المادي هناك .
وأخص الفرد المسلم بكلامي لأنه يعيش دائما بين واقع رديء وحلم جميل .

أما الواقع الرديء فهو احتلال البلاد وانتهاك أعراض العباد و ظلم ذوي القربى وانعدام قيمة الإنسان والفشل الذريع على كافة الصعد العلمية والصناعية والإنتاجية .
بينما الحلم الجميل هو ما يبثه في نفسه إيمانُه الراسخ بأنه حامل الرسالة الخالدة التي هي مفتاح فهم الإنسان للكون من حوله ، والمحركُ الأعظم من أجل العمل والبناء .
عوامل متضادة متنافرة تدور في دماغه بين روحانيات جميلة وواقع مؤسف .
أما السياسة والدين فهما حاضران بقوة يرسمان كل معالم الصورة ويدخلان في أدق تفاصيلها .

ولنقل شيئا عن هذين العاملين :

نحن برغم جميع بلاوينا ما نزال بخير من الناحية الدينية على المستوى الشخصي ، وهناك إيمان راسخ بأن لدينا من المقومات ما يؤهلنا لأن نعود فنتبوأ مركز الصدارة في العالم من جديد .
لكن حتى في تديننا هناك بعض المشاكل :
- هناك جهل بالنظرة الكونية للإسلام التي تجعل من كل إنسان مهما اختلف عرقه أو زمانه مسلما محتملا ، بمعنى أن الآخر محكوم عليه بالشر الأبدي والعداوة الحتمية ، وإنما سبَّبَ هذه النظرة انغلاقنا وخوفنا والظلم الذي مورس علينا من قبل المستعمر والمحتل . لقد أوقعتنا ظروفنا السيئة وتحول الدين من روح إلى شعائر ، أوقعتنا هذه العوامل في نظرة عنصرية تختصر الدين في مجموعة من الناس بدلا من أن تسعى إلى نشره والولوج به إلى أصقاع العالم المختلفة .
وعليه فقد باتت التجربة الحضارية الغربية في نظرنا تجربة عرقية تمثل أناسا آخرين ، نخشاها كما نخشاهم ، وتخلو في نظرنا من قيمتها الإنسانية التي تجعل لنا نصيبا منها كوننا بشرا أولا وأخيرا .
- الإغراق والمبالغة في الربط بين النجاح على الصعيد الروحاني والنجاح على الصعيد المادي ، فنحن متصوفون إلى أقصى الحدود في تديننا ونظن أن السماء قد تمطر علينا ذهبا وفضة فيما لو كنا أشخاصا طيبين نؤدي فروضنا الدينية ونطبق كل ما أمرنا به وننتهي عن كل ما نهينا عنه .
وبرغم أهمية العبادة والالتزام بالتدين قلبا وقالبا وهذه غاية كبرى من غايات الإنسان في الوجود ، إلا أن تجارب الدهر أثبتت لنا أنْ لا تلازم بين الجانبين ، فنحن قد نكون في أسمى حالاتنا الروحانية لكننا في المقابل لن نظفر من القوة العسكرية والاقتصادية ومقومات الحضارة بنصيب . علينا أن نحسن استغلال الأسباب ونتمرغ بتراب هذه الأرض التي منها وجدنا واليها معادنا كي نكون أحرارا راضين عن أنفسنا .
وأنقل هنا فهم مالك بن نبي للآية الكريمة " ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون " بأن المقصود بالصالحين في هذه الآية هم الأكفاء الذين يحسنون اتخاذ الأسباب والقادرون على صنع الحضارة وخدمة الإنسان بغض النظر عن تقواهم أو الدين الذي ينتسبون إليه .
والقرآن بمجمله لا يغفل جانبا على حساب الجانب الآخر ، فهو حين يأمرنا بالاعتصام بحبل الله فانه يطلب منا إعداد ما نستطيعه من أسباب القوة والظفر . أما الركون إلى حالة التصوف هذه فمرفوض جملة وتفصيلا .
ونتيجة النجاح على صعيد والفشل على الصعيد الآخر هي حالة من الفصام الواضح أمام أي حضارة أخرى , سبب الفصام أن المسلم يستشعر جانبي واجبه الديني فيحس بالتناقض عند نجاحه في جانب وفشله في الجانب الآخر ، فيلقي باللوم على المجهول ويظن أن نجاحه في مسألة العبادة كفيل بنجاحه في معركة الحضارة لولا ما يحاك حوله من مؤامرات وفتن .

لكن الحقيقة غير ذلك فالأسباب التي تخلى عنها هو وأحسن استغلالها الآخرون جعلتهم يتقدمون عليه ويصنعون الانجاز والرقي ويسعون نحو السيطرة عليه وعلى غيره كمظهر مهم من مظاهر القوة ، هذه الأسباب والانجاز من بعدها عوامل مادية بحتة تؤدي إلى طريق واحد هو الحضارة المادية والعمران ، سواء كان الباني مسلما أو غير ذلك .

ثمة أمر أخير مؤثر في قيمة الفرد عندنا وجاعل من طريقة تفكيره طريقة غير واثقة ومرتبطة دائما بالسياسة وشكل الدولة دون مراعاة للفردية والشخصية الذاتية . أنها ألف وثلاثمائة عام من التردي السياسي عاشها الفرد المسلم متحملا كل أشكال الكبت والضغط على أعصابه وإنسانيته ، هذا التردي السياسي ارتبط بشكل الدولة والحكم واستَغَلَ الدين أبشع استغلال في خدمة أنظمة الحكم ومصالحها ، لقد عشنا دهرا طويلا خاضعين لما يمكن أن نسميه " العلمانية المستترة " أي تهميش دور الدين الحقيقي في خدمة الدولة والمجتمع والاهتمام فقط بجوانبه الفردية ، أو – وهو الأخطر – تطويع نصوصه وثوابته في خدمة رجال الحكم والسياسة .
دائما كانت قيمة الفرد في الحضيض وأقصى ما يمكن أن يتخذه من إجراء هو أداء بيعة يقبل خلالها يد الحاكم المنتظر طواعية أو منقادا إليها بحد السيف . لقد استغل مفهوم الخلافة أبشع استغلال ومورس عن طريقه أشكال فظيعة من الاضطهاد وباسم الدين وهو من ذلك براء .

فالدين الذي جاء كي يعلي من شأن الفرد من حيث هو إنسان وقيمة مطلقة ، ضغط على الإنسان واستغل في خدمة هذه الدولة أو تلك ، لقد عشنا عصرا من التقدم العلمي والنهضة ، لكنني لا اعرف في تاريخنا عصرا كانت قيمة الإنسان فيه محترمة وعالية إلا عصر النبوة و الخلافة الراشدة وهو عصر قصير قصير .

هذا غيض من فيض الحشرجات التي في الصدور ، وهي أفكار غير مرتبة تتلى بصوت عال لعل النقاش يثريها ويساهم في صياغتها بأسلوب أكثر جمالا وترابطا . آملا أن لا نكون قد خرجنا كثيرا عن الموضوع في جزئه الثاني ، فالجانب الوصفي ليس هو المقصود لأن معظم الذين سيقرأون هذا المقال على اطلاع أعمق من اطلاعي بتفاصيل الحياة الغربية وثقافتها ونهضتها ، وإنما هي آفاق يفتحها الحديث عن الآخرين بما يذكرنا بأنفسنا وتقصيرها .

بواسطة kalamfekalam 09:18 | عام | تعليق(0) | الرابط الثابت
من أجل الوطن ارحموا الوطن
23 نيسان, 2008

في مقاله المنشور في عمون بتاريخ 9/10/2007 تحت عنوان ( نحو ميثاق مواطنة عربي ) ، يشير سمو الأمير الحسن بن طلال إلى مجموعة من القضايا الواجب الاتفاق عليها و تفعيلها من أجل مفهوم راسخ للمواطنة ، مفهوم يفضي بالنتيجة إلى مواطن مساهم في الوطن ، تماما كالشريك الذي يمتلك حصة من الأسهم في شركة ما ، فهو شريك ماديا ومعنويا في الوطن الأكبر . مما يعزز معنى المواطنة وينقلها من مجرد أفكار وأحلام جميلة إلى واقع تتوازن فيه الحقوق والواجبات بين الأطراف جميعها .

طرح تقدمي وجميل ، نبدو في حاجة ماسة إلى مناقشته والإضافة إليه في ظل " اللخبطة " المستشرية هذه الأيام ، وضياع مفهوم الوطنية والمواطنة أمام مجموعة من الأفعال وردود الأفعال التي تختصر الوطن والانتماء إليه في قطعة من الأرض أو عرق من الأعراق ، تماما كما هو تاريخ الفاشية والنازية والصهيونية والحركات الإرهابية التي تدعي انتماءها إلى الإسلام ، فئات تعض بنواجذها على صيغة واحدة وفهم ضيق لفكرة ما لتلغي ما سوا هذا الفهم و تنفس عن رغبتها الدفينة في محو الآخر ، محوا يحقق لها الاعتراف وإرضاء الأنا الجماعية التي تشعر بتفوقها ودونية ما سواها .

دائما وأبدا كان الانتماء فكرة ، يلتف حولها مجموعة من الناس فيقبلون بها ويعملون من اجلها ، وكلما كانت فكرتهم قادرة على استيعاب من هم خارج نطاقها ومحاورتهم والأخذ منهم وإعطائهم ، كانت أكثر نجاحا وأطول عمرا .

والمواطنة التي هي لب الانتماء وثمرته لم تخرج يوما عن هذا النطاق ، اللهم إلا ضمن الأمثلة الآنفة الذكر والتي كانت وبالا على أوطانها وعاملا من عوامل اندثارها وخرابها . بينما في الفكر الذي يريد أن يبني حضارة وينشيء شعبا حقيقا بالاحترام نجد أن مفهوم المواطنة يرتكز إلى المقدرة على العطاء والالتزام بالأسس العامة التي توافق الناس على قبولها والعمل بها . فلا توجد نظرة عنصرية ولا تقييم مسبق تبنى الأحكام عليهما .

مفهوم المواطنة في الإسلام مثلا قائم على الإيمان بالفكرة الأساسية للإسلام ، التي يغدو المؤمن بها أو القابل لها - حتى وان لم يؤمن بالرسالة -جزء من المجتمع له حقوق وواجبات صريحة لا تقبل النقض أو المساس ، وذلك بغض النظر عن نسبه أو تاريخه . كذلك الأمر في الدول الديمقراطية الحديثة ومفهوم الدولة الليبرالية على وجه الخصوص ، دولة المهاجرين والأعراق المختلطة حيث الغاية الأساسية هي خلق جو من الحرية الفردية يعترف فيه الجميع بالجميع ويعملون سوية بغض النظر عن شكلهم أو لونهم أو عقيدتهم ، وتتحدد بناء على هذا الاعتراف والقبول بالفكرة مدى الالتزام بالمواطنة واعتناقها .

والحالتان السابقتان تترجمان بشكل واضح مفهوم العقد ، العقد الإيماني في حالة الإسلام والعقد الاجتماعي في حالة الليبرالية ، فالأشياء واضحة ومحددة ، والانتماء مقاس بالفعل واحترام القانون لا بالقول وإطلاق الشعارات .

أما في ثقافة ( أنا أو أنت ) فالأمور مختلفة كثيرا والتوجس لا حدود له . يضيق الوطن إلى حد يصبح من الصعب على المرء أن يعيش فيه إلا بصك يؤكد انتماءه للجماعة ، تماما كما يسم الراعي إبله ليفرقها عن غيرها . المهم من أين أنت وهل تعتنق أفكاري وروحي . لا مكان للأفعال لأنها آخر ما يهم ما دام الأمر يتعلق بالأصل والفصل ، والنتيجة دائما جوع وعنت ومشقة .

في مجتمعات كهذه قد تصبح مباراة في كرة القدم محرقة لكل قيمة جميلة أو خلق قويم ، ويصبح إطلاق الاتهامات سهلا والرمي بالنقائص كانعدام الشرف والأصالة سمة متكررة ، ويكثر راكبو الأمواج ومستغلو أنصاف الفرص لتمتلئ الدنيا زعيقا وكلاما مكررا ممجوجا ، تارة يُهاجم أشخاص بعينهم وتارة يهاجم التقدم والتكنولوجيا ، وتارة أخرى تسترق الأسماع المتوجسة ما يدور في الفضاء الخارجي لتخلق منه حالة من الاستنفار الوطني والدفاع عن الكيان الذي ما مسه سوء إلا ما جره عليه هؤلاء – راكبو الأمواج – من دمار وويلات .

أما المواطنة والعمل البناء فصفر على جهة اليسار ، تمنيت أن يكون بين الكتاب والمعلقين في فضائنا الالكتروني من تناول ولو بتحليل بسيط أو مساءلة ملتزمة موضوعا هاما وخطيرا كموضوع إعادة ترسيم الحدود المائية مع المملكة العربية السعودية ، أو طرح للنقاش قضية المساعدات السنوية الأمريكية ومصارفها المتوقعة وما هو مفروض علينا أداؤه كمقابل لها ، حقوقنا المائية المهدرة ، ديمقراطيتنا ونتائجها المتوقعة في ظل نظام الصوت الواحد ، قانون المرور الظالم والذي ما زال ساريا رغم رفض مجلس النواب له ، أشياء كثيرة تمس صميم الوطن والمواطن ، لكنها مغيبة عن الصورة والحديث حولها لا يهم ، ما دام الذين يتشدقون بالوطنية يصطنعون لنا القضايا التافهة ويقسمون الناس إلى أصيل ودخيل أو وطني وخائن .

" أهم يقسمون رحمة ربك " سبحان الله .

لك الله أيها الوطن ما أوسع صدرك وما أضيق نفوسنا ، أسمعك تنادي بملء فيك : دعوا عنكم العنجهية والعنتريات فهي لا تزيد أصحابها إلا خمولا .

بواسطة kalamfekalam 07:20 | عام | تعليق(0) | الرابط الثابت
التوقعات الفلكية والتنجيم .. حياة بلا معنى
22 نيسان, 2008

كعادتهم في نهاية كل عام ، يطل المنجمون عبر أثير الفضائيات ليدلوا بتوقعات السنة المقبلة . أشياء كثيرة منها ما يهم ومنها ما لا يهم ، لكنهم مستمرون في عملهم .. بضاعتهم في رواج ومريدوهم في ازدياد .

عند الإنسان ميل فطري لاستشراف المستقبل وإماطة اللثام عن غموضه ، يحركنا الخوف أحيانا والشغف أحيانا أخرى . لكن التوق إلى هذا الجانب وبهذه الطريقة يشي بتناقض عميق ، فهو من حيث كونه محاولة للتغلب على المجهول فأنه يسلب الحياة معناها الأجمل ويجردها من مفاجآتها وغموضها .

نحن نتقلب في لهيب الحياة و نعيمها محاولين استخراج مكنوناتها ، كل بحسب طاقته وقدرته . بعضنا يتوقف عند ظواهر الأشياء ، وآخرون يغوصون في الأعماق ويمعنون في استنطاق التفاصيل . هناك من يشتغل بالماضي وهناك من يمد جسور المستقبل ، العلم يتحرك إلى الأمام والفلسفة تمهد له الطريق . واستهلاك الليالي والأيام هو الثمن الذي ندفعه بالمقابل .

بمعنى آخر نحن نقدم الحاضر ثمنا للمستقبل ، والدورة لا ترحم أحدا .

ويبرز هنا صنفان من الناس اختطا منهجين راسخين في التعامل مع المستقبل ، صنف يجعل العلم والتجربة طريقه ، وصنف آخر مستعجل يجري وراء المنجمين ويستنطق الأفلاك .

انه صراع مرير بين العلم والخرافة ، والفكر والأسطورة .

وفي الحالتين تبدو أسباب الحراك واضحة وتنحصر في سببين ، سبب ثانوي هو السعي من أجل السيطرة على الوجود وتحسين ظروف الإنسان المادية والمعيشية ، وسبب رئيسي هو الرغبة الحقيقية في أن نتفاجأ . المفاجأة بما تثيره في النفس من اندهاش وانبهار فتعطي لهذه الحياة معنى رائعا وتبث فينا الرغبة في مزيد ومزيد من الحياة .

ألا ترون أن أجل أنواع العلم وأرقاها ما كان من أجل العلم فقط وفي محرابه .

ربما من أجل السبب الأخير يتعلق الناس بسنواتهم الماضية ويكثرون الترحم على الأيام الفائتة ، وربما كذلك تكون أجمل أيام العمر عند الناس جميعهم هي أيام الطفولة . فهذه الصفحة البيضاء تكون أكثر قدرة على الاندهاش كلما ازداد بياضها . وتقل قدرتها على الاندهاش بتزايد ما يلطخها من خبرات وتجارب .

فإذا ما هرم الإنسان وارتد إلى أرذل العمر ، امتلأت صفحته بتجارب الحياة فقلت قدرته على الاندهاش وتسرب الملل إلى نفسه وأصبح خيار الرحيل عنده أكثر قبولا .

سئمتُ تكاليف الحياة ومن يعشْ
ثمانين حولا لا أباً لك يسأمِ

من هذا المنطلق أرى المنجمين والسائرين في ركبهم يقتلون الحياة ويفسدون علينا مباهجها . فهم قمة في التناقض ، إنهم يريدون معرفة المستقبل ليندهشوا ، لكنهم في المقابل – إن افترضنا جدلا قدرتهم على ذلك – يقللون من مساحة المجهول ويستلبون من الحياة قبل الأوان أهم شيء يجعلنا نحبها ونسعى وراءها .

ما هذا التناقض أيها التناقض ، حتى أنت لا تستقر على حال ، فطورا أراك تعبر عن نزعة تدعم الوجود وتعطيه معنى جميلا ، وطورا آخر تبدو عاملا من عوامل الملل والموت والفناء .

الخلاصة : ثقافة التوقعات الفلكية ثقافة انتحارية يمارسها الذين لا يفهمون الوجود .

بواسطة kalamfekalam 21:04 | عام | تعليق(0) | الرابط الثابت
مباراة بدون جمهور .. ممكن ، جمهور بدون مباراة .. مستحيل
22 نيسان, 2008

رغم عشقي الشديد لكرة القدم .. وأوداجي التي طالما انتفخت حسرة على فرصة ضائعة أو قرار تحكيمي جائر ، فإن حظي مع هذه اللعبة كان عاثرا ونصيبي منها يبعث على اليأس والإحباط . لقد جربتها لاعبا ناشئا فتلقيت في أهم مبارياتي ركلة ( متعمدة ) وجّهها لاعب الفريق الخصم إلى وجهي بعد أن ارتميت على الكرة وخطفتها من أمامه كي أحرمه من تسجيل هدف في مرماي ، فبقي أنفي وعيني اليسرى منتفخين أسابيع عديدة .

ثم التحقت بالجماهير وأصبحت من رواد المدرجات في عمان واربد والكرك ، إلا أن أحد المباريات انتهت ب " هوشة " من العيار الثقيل المُجَحْفَل ، فتلقيت حجرا طائشا أصابني في حنكي وأفقدني توازني وكدت أفارق هذه الدنيا رجيما ، أعاذني الله وإياكم من الشيطان الرجيم ، فقررت من يومها أن أُطَلِّقَ ستاد عمان الدولي وكل الملاعب الرياضية طلاقا بائنا بينونة كبرى ، فمن خاف سلم .. ويا روح ما بعدك روح .

عذرا لهذه المقدمة التي تتحدث عن تجربة شخصية في شأن عام يخصنا جميعا ، لكن ما يميز اللعبة الشعبية الأولى في العالم أنها لعبة يختلط فيها الخاص بالعام فتصلح بذلك لأن تكون مجهرا مكبرا يكشف نقاط ضعفنا وقوتنا دون مواربة أو خجل ، فهي نبض الشارع الحقيقي ، ومدرجاتها تضمنا جميعا بكل آمالنا وهمومنا .

إقامة مباراة الفيصلي والوحدات بدون جمهور للأسباب التي ذكرها الاتحاد ، تعني أن كل التدابير التي اتخذتها الجهات الرسمية بالتعاون مع رابطة المشجعين قد فشلت في أن تؤتي ثمارها وتقضي على الداء العضال الذي مازال يفتك بنا وبأخلاقنا وقيمنا . وهم معذورون في ذلك لأن المسألة ليست مسألة مجموعة من الجماهير اجتمعت في مكان واحد فأطلقت العنان لانفعالاتها فغضبت وشتمت وجرحت وأهانت ، الموضوع أعمق من ذلك بكثير ، وما الملاعب إلا سطح الماء الذي ظهرت فيه الفقاقيع معبرة عما في العمق بعيدا عن الأنظار ...

الموضوع أننا جميعا نلعب مباراة خارج الخط بل خارج حدود الملعب كله ، نلعبها في نومنا ويقظتنا وفي كل أحوالنا ، نلعبها بالاتجاه الأفقي بين بعضنا وضد بعضنا فقط !! بعد أن أصبحت كل الاتجاهات الرأسية مغلقة في وجوهنا فلم نجد بدا من أن نقبع في القاع ونرضى بقوانينه .

انظروا إلى كل هذه الدوائر التي تكبر وتصغر وتتجاذب وتتنافر بحسب واقع الحال . الدائرة الكبيرة تبدأ على مستوى الوطن كله فتقسم الناس إلى شرقي وغربي وشمالي وجنوبي ومسلم ومسيحي وعمري وزيدي ، ثم تصغر إن جدّت لها ظروف جديدة ، فتظهر على مستوى المحافظة ثم على مستوى العشيرة ثم على مستوى الفخذ وهكذا .. إلى أن تصل في النهاية إلى الإنسان نفسه فتصيبه بالفصام وتقوده إلى الجنون . كلها دوائر أفقية تفسد نسيجنا الاجتماعي وتهدد بنياننا بالانهيار .

إنها ثقافة " ويلك يا اللي تعادينا " التي ننفسها في بعضنا ونجترها في كل مرة يتهيأ لها ظرف مناسب ، هذه الثقافة قصرت يدها عن العدو الحقيقي الذي هو يذيقها الويل في حقيقة الأمر ، فنفست عن كربها وغضبها في نفسها ، وبدأت تأكل جسدها قطعة قطعة .

حضرت في أحد المرات مباراة بين فريقين محليين في محافظتي التي اعتز بها وبأهلها ، فكادت تلك المباراة أن تتحول إلى مذبحة حقيقية لولا أن منَّ الله علينا ببعض العقلاء الذين تداركوا الموقف في لحظاته الأخيرة . وشاهدت وشاهد كل واحد منكم منافسات انتخابية تحولت إلى ساحات حرب وقتال ذهبت فيها الكثير من الأرواح هدرا ، لا لشيء إلا لأننا نريد أن نذيق الويل لمن يعادينا ، وليتنا قادرون على تحديد عدونا الحقيقي !!

ما الذي تريدونه أيها الأردنيون بكل أصولكم ومنابتكم ؟ عيشكم في انحطاط وفقركم في ازدياد ومعدلات بطالتكم في ارتفاع ، والأدهى والأمر أن هناك من يريد أن يحولكم إلى " فِيَش " فوق طاولة روليت كبيرة ، أو يجعلكم مجرد شواخص مرورية فوق دروب وأراض ابتلعها مستثمرون غرباء .
فوجهوا طاقاتكم نحو ناب الجوع والعبوا مباراتكم ضده ، واعرفوا عدوكم الحقيقي الذي يسعى لابتلاعكم جميعا .

بواسطة kalamfekalam 08:16 | عام | تعليق(0) | الرابط الثابت
حداثيون بلا حداثة
21 نيسان, 2008

لا تُفهَمُ الحداثة إلا في أحضان الابتكار ، هذا ما نبهني إليه بكل تواضع أحد الأصدقاء ، مشيرا إلى أن خبرته في ميادين الفكر والسياسة ما زالت محدودة وغضة . ثم أتبع ملاحظته هذه بجملة من التعليقات التي طالت بعض تجليات الحداثة والحداثيين في واقعنا الراهن .

صديقي يقول أن الحداثيين يعيشون وهما كبيرا سببه تنطعهم وغرقهم في مُسلَّمات كبَّلَتْ أدمغتهم حتى الثمالة . فكثيرون منهم يشكون من الموروث الذي يقف التعلّق به الزائد عن الحد حاجزا دون تقدمنا ومسايرتنا لركب الإنسانية ، لكنهم مع ذلك يمارسون نفس التعلّق هذا بنظرياتهم الصلدة التي لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها ، فهم متمترسون خلف قوالب جامدة ، جاءوا بها من الخارج أو من الداخل ، هذا لا يهم ، فآلية العمل في رؤوسهم خطية ذات بعد واحد ، لا تقبل النقاش أو المحاورة .

هم والآخرون وجهان لعملة واحدة ، جميعهم مطبوعون بنفس السمات والخصائص و إن اختلفت الصورة الخارجية فقط . جوهر عقيم غير قادر على الخروج من براثن التقليد عند طائفة ، والتبعية عند طائفة أخرى . المسلمات كثيرة ، والمصطلحات صلبة غير قابلة للتفكيك ، تُلقى عليك المصطلحات مرة واحدة كجلمود صخر حطه السيل من علٍ ، والمطلوب منك إما أن تكون مع وإما أن تكون ضد .

ثم ضرب هذا الصديق المتواضع مثلا بالنقاش الدائر حاليا حول الليبرالية ، وقد أصبحت قضية ساخنة وموضوعا متداولا عند الخاصة والعامة ، علما بأنه لا ليبرالية واضحة المعالم في كل ما يجري حاليا على ساحتنا الأردنية . فقال إنها – أي الليبرالية – في حقيقتها ليبراليات ومدارس فكرية متعددة تفسر العلاقة بين الإنسان والسوق والدولة . فيها اتجاهات كثيرة تنتقل من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار ضمن نطاق لا يخرج عنها . يراها بعض أصحابها نهاية للتاريخ والصراع البشري حين يصبح الإنسان سيد نفسه بلا قيد يوقفه عند حد ، ويراها آخرون نزعة فردية تهب الإنسان كل إمكانيات الحركة والتطور لكن ضمن إطار مجتمعي يتكافل فيه الناس ويقيلون عثرات بعضهم . تضمحل الدولة إلى حدها الأدنى في بعض صورها فتصبح مجرد حارس قضائي هدفه فك الاشتباكات والمنازعات ، وتبقى قوية تفرض إرادة الأغلبية في صور أخرى .

أما عندنا وكما يطرحها الحداثيون فهي كلمة واحدة تؤدي معنى جامدا ذا سمعة سيئة لأن دعاتها اقتبسوا الواقع كما هو ولم يحاولوا تفكيكه تمييزا لطيبه من خبيثه . ربما – والكلام لصديقي – تكمن المشكلة في أن إعجابنا بالشيء يجعلنا لا نرى عيوبه ، وكرهنا إياه يعمينا عن حسناته ، واستشهَدَ بقول الرسول صلى الله عليه وسلم " حبك الشيء يعمي ويصم " . هذا المنهج المنغلق الرافض للتفكيك سمة يظهر أثرها على طرفي المعادلة المؤتلفة-المتناقضة في آن معا ، بعض التراثيين وبعض الحداثيين ، فهم في حقيقة الأمر عقل واحد يعمل مستخدما نفس الآلية ، والذي يختلف فقط هو الصور التي يبرزها إلى العلن .

ثم انتقل صديقي إلى الديمقراطية وأبدى إعجابه بفهمي جدعان الذي اعتبرها " تكنولوجيا سياسية " لا تستلزم منك أن تأخذها منهجا اعتقاديا يفرض إرادة الشعب ولا شيء غيره ، ولا تستثني كذلك أي خلفية إيمانية أو اعتقاديه يقوم عليها بنيان الدولة والأمة ، وهي كذلك ليست معادلة رياضية لا تحتمل إلا صورة واحدة . إنها تكنولوجيا يمكنك استخدامها لتحترم رأي الأغلبية في أي شأن مطروح للنقاش والمداولة . لكننا وياللاسف ما زلنا تائهين بين من يريدون اقتباسها بشكلها المطبَّق في الديمقراطيات الغربية من جهة ، ومن يرونها كفرا بواحا مخرجا من الملة من جهة أخرى .

هل سبق لك أن عرفت حداثة تطبق على نفسها ذات المنهج الذي يطبقه أعداؤها – يقصد غير الحداثيين – على أنفسهم ؟ هذا ما سألني إياه صديقي مختصرا كل الكلام الذي سبق وشمل الليبرالية والديمقراطية والعلمانية وحقوق الإنسان والإسلام السياسي وكل ما تستجد به قرائحنا من كلام كبير . وأردف قائلا هذه سمة كبرى من سمات التخلف ، فمنهج التفكير في أي عملية بناء وتحديث هو الأساس ، أما النظريات والمشاريع فهي نتيجة المنهج السليم لا مقدماته .

نريد منهجا تصحيحيا لا يبقي ولا يذر ، منهجا قادرا على التفكيك والاقتباس والتأصيل ، يخضع كل شيء ضمن اجتهاد البشر للمناقشة والتقييم ، فنحن بصدد مشروع نهضوي ، والنهضة لا يصنعها الذين يحبون على أربع ولا الذين يريدون السير في الهواء بلا أقدام راكزة فوق سطح الأرض .

ملاحظة : صديقي هذا شخص خيالي والكلام لم يدر إلا ضمن رأسي .

بواسطة kalamfekalam 05:52 | عام | تعليق(0) | الرابط الثابت
الغناء الرديء مزاج رديء
19 نيسان, 2008

خلافا للرأي الذي أدلى به الموسيقار محمد علي سليمان في برنامج خليك بالبيت ، يبدو أن قاعدة " الجمهور عايز كده " تَحْكُمُ بشكل شبه مطلق مسيرة الأغنية العربية في وقتنا الراهن ، وتتحمل المسؤولية الكاملة عن ما ينخر آذاننا كل يوم من غناء رديء وتراجع في الذوق والإحساس .

الأغنية ترجمان المزاج فهي صنيعته ووسيلة إرضائه ، ولعل الفن كله كذلك ، لكنَّ الفن الغنائي الراقي كان دائما وأبدا يستمد مقومات وجوده من رحم يمده بالحياة وأسباب الإبداع ، رحم نخبوي رعى أسماء كبيرة محفورة في ذاكرة الأمة ووجدانها ، فعكس الغناء مزاج هذه النخب وارتقى برقيها .

من يقرأ " الأغاني " على سبيل المثال يجد قصصا كثيرة تتحدث عن رعاية المهدي والرشيد والأمين وخلفاء بني أمية في الأندلس لأسماء لامعة عرفت واشتهرت في بلاط الخلفاء ومجالس سمرهم ولهوهم . إبراهيم الموصلي وزرياب ودنانير أمثلة على رأس هذه القائمة ، فهم صنائع نخبوية وعلامات فارقة لا تمحى من تاريخ الأغنية العربية .

ولم يختلف الأمر أبدا في العصر الحديث مع بروز بشائر النهضة العربية منذ منتصف القرن التاسع عشر ، فعبده الحمولي مثلا كان نديم الخديوي إسماعيل ، ومحمد عبد الوهاب مشروع ثقافي تبناه احمد شوقي الذي كان يمثل مؤسسة البلاط في العصر الملكي في مصر ، وعبد الحليم حافظ كان الطفل المدلل لثورة يوليو والناطق الفني باسمها ، ومحمد عبده وطلال مداح هما رعاية محضة لأمراء البيان في الجزيرة العربية ، حتى كاظم الساهر باعتباره إلى حد ما علامة فارقة في زمننا هذا ، كان أيضا مشروعا تبناه نزار قباني ومن كلمات قصائده حقق قفزته الهائلة .

هذه أمثلة فقط تبين ارتباط الفن الراقي بمؤسسات الحكم والثقافة ، وكلامنا لا ينفي طبعا وجود الجيد والرديء في كل زمن من الأزمان ، ولا ينفي كذلك تجليات الفن الشعبي والثقافة المنقولة شفهيا . لكننا إن أردنا أن نتحدث عن الغناء الحقيقي الذي يبقى خالدا ويشيد مدارس متميزة عطاء وإبداعا ، فلن نستطيع أن ننكر دور النخب وتأثيرها في مسيرة المطربين الكبار ودعم الفن الجميل .

فما هذا الذي يحصل اليوم ؟ ولماذا انحدر المستوى فباتت الأغنية العربية مسخا تعبيريا لا مضمون فيه ولا جمال ؟

لقد أحدثت التكنولوجيا الرقمية ومن قبلها بقليل تكنولوجيا الكاسيتات والبث الفضائي نقلة نوعية جعلت جمهور الأغنية الذي يفرض مزاجه على مسيرتها ويرفع هذا النوع من الفن ويخفض ذاك ، جعلته جمهورا من نوع جديد لا يمت إلى النخبة بصلة ولا يعرف عن فن الكلمة واللحن شيئا ذا بال .

أصبحت الأغنية صنيعة شركات الإنتاج التي هي بدورها صنيعة المبيعات اليومية للسي دي ورسائل أل SMS ومداخيل الحفلات الجماهيرية الصاخبة وإعلانات الرعاة والداعمين . شركات الإنتاج هذه عبارة عن مؤسسات ربحية تمارس عملا محترفا يُجري في آخر الموسم عملية تقيمية لحجم المبيعات والمدخول والربحية الصافية ، وبالتالي فان عملية التقييم محكومة بالناحية المادية فقط ولا شيء غيرها ، والمادة هذه مصدرها جيب العامة وبالذات المراهقين منهم ، فأصبحوا بهذا المعنى هم الحضن والرحم ومصدر الدعم ، فمزاجهم هو المزاج المسيطر الذي يقيم الأغنية ويقرر نجاح المطرب الفلاني أو فشله . ولكم أن تتخيلوا متطلبات هذه الأمزجة وأي نفاق يمارس من اجل إرضائها ، وأي ترد تعيشه الأغنية والفن كله .

العملية متكاملة ، وهي لهاث مستمر نحو تحقيق أقصى ربحية ممكنة على حساب الفن الحقيقي والإبداع و الأخلاق واحترام الجمهور . انه فن لا يخاطب إلا جانبا واحدا من الحواس ، الجانب الذي ينفذ مباشرة إلى الغريزة ، فيصنع نجوما مكررين يشبهون بعضهم في كل شيء .. في عريهم وطريقة كلامهم وغنجهم وأفكارهم التي يخاطبون بها جمهورا غائبا عن الوعي . جمهورا يدفع في إحدى الدول العربية أكثر من 20 مليون دولار في ليلة واحدة ، كي يصوت لنجمته المفضلة ويمكنها من الفوز باللقب الذي أهلها في اليوم التالي لإصدار سي دي جديد لا يوجد فيه شيء مميز إلا المساحة الشاسعة المكشوفة من رأسها حتى قدميها ، مرورا بفخذيها اللاحمين .

قديما قال الشاعر : والأذن تعشق قبل العين أحيانا ، ربما علينا أن لا نؤمن بهذه النظرية بعد اليوم لأن الأذن العربية لم تعد تسمع إلا قهقهات وآهات وغنوجات من النوع المغلف بالسليكون ، نوع تستوي فيه الأذن العاشقة والأذن البهيمية فلا يبقى من الفن إلا اسمه ومن الثقافة إلا قشورها .

بواسطة kalamfekalam 19:24 | عام | تعليق(0) | الرابط الثابت
جِنين وذكرى البطولات
19 نيسان, 2008

اتخذت هذا الصباح قرارا جريئا بأن أشحن نفسي عاطفيا وأزيد من مساحة اللوعة والألم في أعماقي ، تماما كما يقوم أحدنا بشحن هاتفه الخلوي قبل توجهه إلى عمله كل صباح . غير أن الفرق بيني وبين الهاتف الخلوي أن الهاتف قادر على تفريغ شحناته تدريجيا مع انقضاء ساعات النهار ، أما أنا فإن دفعة الشحنات العاطفية التي تلقيتها منذ الصباح ما زالت عالقة في دماغي واستعصت عليها كل المنفذ التي قد تتسرب من خلالها ، وهي بذلك تكاد تطيح برأسي مهددة بانفجار من النوع الذي لا يبقي من العقل شيئا ولا يذر .

سبب هذا القرار أنني فتحت عيوني على تقرير في قناة العربية أعدته مراسلة أجنبية . التقرير أسمه " زيارة إلى فلسطين " وهو يتحدث عن مخيم جنين بعد ست سنوات من معركته البطولية التي خاضها ضد قوات الاحتلال الإسرائيلي والتي تمخضت عن إكليل غار طوق به أبطالُه جبينَ أمتهم إلى يوم الدين .

التقرير عرض حياة المخيم البسيطة ودخل بيوت الشهداء وحاور أمهاتهم وزوجاتهم وأطفالا أبرياء لم يدركوا بعد حجم الفاجعة التي حلت بهم بفقدانهم آباءهم ، لكنَّ هؤلاء الأطفال وبكل ما في الكون من براءة مصرون على كلمة واحدة هي .. سننتصر .. يقولونها مهللين فرحين مترافقة مع إشارة النصر التي صدَّرَها الشعب الفلسطيني الباسل إلى العالم كله فباتت علامة مسجلة باسمه .

عجيب أمر أهل المخيم ،، فبرغم كل مآسيهم وصعوبة أوضاعهم فإن الفرح يحتل مساحة كبيرة من حياتهم ، وهم مقبلون على الحياة كما يكون الإقبال ، وكما تراها العروس التي التقت بها المذيعة في يوم زفافها . حتى مقبرة الشهداء بدت جنة يانعة بما زينوها من أعلام وصور وعبارات كُتبت بكل الألوان ، حتى لكأنك لا تنظر إلى مقبرة بل تنظر إلى بانوراما ضوئية تبهر العين وتشرح الخاطر .

فلما انتهى التقرير ألقيت عصا الطاعة لهواجس وأحلام منسية طوعا أو قسرا ، واستبدت بي ذكريات الزمن الجميل ، زمن " موطني " لإبراهيم طوقان . ففزعت إليها وشنَّفتُ آذاني وكل أجهزة الاستقبال ، فكان أصدق الشعر أبسطه وأرقه ، وكان تأثيرها في وجداني الحاضر هو نفسه كما كان في وجدان فتى لم يجاوز مرحلة الابتدائي حين كان يسمع هذا النشيد يوميا بشكل يشبه الإدمان ، فيمتلأ حماسا ويلتهب عاطفة خصوصا إذا وصل النشيد إلى مقطعه الذي يقول :

نستقي من الردى
ولن نكون للعدى
كالعبيد
لا نريد لا نريد
ذلنا المؤبدا
وعيشنا المنكدا
لا نريد بل نعيد
مجدنا التليد
موطني

ولكن موطني هذه المرة أثارت أشجانا أضافية ، بل آلاما وقروحا لا تقوى الجبال الرواسي على حملها . فقصيدة موطني هذه أصبحت النشيد الوطني لجمهورية العراق بعد أن كان الذي لا يخفى عليكم . وكأن هذا القلب المتعب بحاجة إلى من يضيف إلى أعبائه أعباء جديدة . فالويل لهم كيف استعاروا هذا الكلام الجميل والمعنى المباشر العذب فألصقوه بخيبة ما بعدها خيبة ، وهل أبقوا من معنى لوطن أو بلد ؟ وهل ما يجري الآن هناك غير شكل قاس من أشكال العبودية والتبعية ؟ وهل هناك عراقي حر لا يعاني العيش المنكد والعنت والمشقة ؟ سحقا لمن وضع هذا النشيد شعارا للمسخ السياسي الذي ما كان ولن يكون أبدا عراقنا الحبيب .

فلما قررت أن أمعن بزيادة في عملية الشحن العاطفي انتقلت من ديوان إبراهيم طوقان إلى ديوان رشيد سليم الخوري أو الشاعر القروي ، ربما لأن غربة رشيد الخوري في بلاد المهجر تذكرني بغربتنا نحن في أوطاننا الأم ، فكل غريب للغريب نسيب ، وهو برغم سنوات البعد التي جاوزت الخمسين عاما ما نقص حب بلاده في قلبه مثقال ذرة ، بل انه لما عاد إلى لبنان بعد كل هذه العقود قال :


حتّامَ تحسبُها أضغاثَ أحلامِ
سَبِّحْ لربك وانحر أنت في الشام

المهم أن هذا الشاعر واحد من الشعراء الذين خلدوا مآثر بطولية في تاريخ الأمة ، فقد تحدث عن ثورة جبل العرب ضد الاستعمار الفرنسي في عشرينيات القرن الماضي ، الثورة التي كان بطلها سلطان باشا الأطرش الذي خاض وأهله معركة بطولية ضد القوات الفرنسية واجهوا فيها الدبابات بأسلحة بدائية وصدور عارية إلا من الإيمان بالنصر وحب الأوطان ، فحققوا انتصارا مذهلا تقهقر الفرنسيون على إثره مجللين بالخزي والعار معترفين بهزيمتهم المدوية . فخلد الشاعر القروي تلك الملحمة الحربية بملحمة شعرية كان أجملها قوله :

فَيالَكِ غارة لو لم تُذعْها
أعادينا لكذّبنا المذيعا

وَيالَكَ أطرشا لما دُعينا
لثأر كان أسمعَنا جميعا

مآثر رائعة أشك أن الأجيال التي من بعدنا قد تهمها " سواليف " من هذا النوع .

على سيرة الأجيال ، هل تعلمون أن جيلنا – جيل السبعينات – ينفرد عن الأجيال التي سبقته والتي لحقته بأنه الجيل الوحيد الذي لم يعط الفرصة ليستوعب متغيرات الحياة ومتناقضاتها . فقد تغير العالم كثيرا في المرحلة التي كنا فيها لم ننضج بعد .. الاتصالات تقدمت تقدما مذهلا ، وتكنولوجيا الحاسوب حلت محل كل شيء كنا قد ألفنا استعماله ونحن صغار ، القلم أصبح كيبورد وأدوات الهندسة ألغاها برنامج الأوتوكاد ، والعدو أصبح صديقا ، و" فلسطين داري ودرب انتصاري " تجزأت وباتت الطريق إليها خاضعة لخارطة مبهمة ، والمحتلون أصبحوا أبناء عمومتنا وذوي أرحامنا . متغيرات كثيرة جدا واجهتها كل الأجيال . لكن الذين سبقونا واجهوها وقد بلغوا مرحلة من النضج مكنتهم من استيعاب الوضع الجديد ، والذين من بعدنا خرجوا إلى الحياة فتعاملوا مع الوضع متغيرا جاهزا فلم يحسوا بصدمة ، أما نحن فقد انتُزعنا انتزاعا من طفولتنا ومبادئها الراسخة ففُرضت علينا مفاهيم جديدة بين عشية وضحاها .

للعلم هذا الكلام عن المتغيرات يدخل في صميم موضوع الشحن العاطفي وإن بدا للوهلة الأولى خروجا عن النص .

آه منك يا قصيدة موطني فقد أثرت أشجانا لم تكن لتخطر على البال .

وللعلم أيضا أنا ما زلت حتى هذه اللحظة مستمرا في عملية الشحن ، لأن سيرة سلطان باشا الأطرش قادتني إلى سيرة المرحوم حابس باشا المجالي ، فقد التقيا بعد أن لجأ سلطان باشا الأطرش إلى عشائر الأردن لما ضيَّق الفرنسيون عليه الحصار ، فشاهد حابس باشا الذي كان ما يزال فتى يافعا ، وتنبأ له بمستقبل عظيم . فوجدت أن رحلتي مع البطولات لن تكتمل إن لم أعد إلى شيء يتحدث عن بطولات جيشنا العربي في معركة باب الواد .. وها أنا أفعل الآن .

بواسطة kalamfekalam 09:00 | عام | تعليق(0) | الرابط الثابت
قميص أبو تريكة .. حبذا نفحة من جنون
16 نيسان, 2008

" تعاطفا مع غزة " .. قد يُكلِّف هذا الشعار لاعب المنتخب المصري محمد أبو تريكة الإيقاف ومنعَهُ من المشاركة في بقية مباريات منتخب بلاده في بطولة كأس الأمم الإفريقية 2008 في غانا ، بدعوى أن قوانين الاتحاد الدولي لكرة القدم تحظر إقحام السياسة في المنافسات الرياضية . علما بأن الاتحاد الدولي لم يتخذ إجراء من أي نوع بحق احد اللاعبين الغانيين في بطولة كأس العالم 2006 ، عندما قام هذا اللاعب برفع علم إسرائيل أمام إحدى الكاميرات عقب فوز منتخب بلاده على المنتخب التشيكي خلال منافسات البطولة .

الرياضة تتنفس سياسة ، هذا هو واقع الحال الذي ما زال مستمرا منذ أمد بعيد ، فقد قاطع الأمريكان دورة الألعاب الاولمبية في موسكو عام 1980 فرد السوفيات بمقاطعة الدورة التالية في لوس انجلوس عام 1984 ، ونحن نذكر جرأة اللاعب الهولندي رود خوليت الذي أهدى فوزه بجائزة الحذاء الذهبي عام 1988 إلى الم