الملف الشخصي
الاسم: Samer Haidar ALMajali
القائمة
بحث

القرضاوي .. خصوم الأمس هم أصدقاؤك اليوم
06 تشرين اول, 2008

 كما هي العادة ، وربما فوق العادة هذه المرة ، كانت تصريحات الشيخ يوسف القرضاوي التي حذر فيها من تنامي المد الشيعي وعمليات التبشير المنظمة المدعومة من إيران في أكثر من بلد عربي ذي أغلبية سنية ، محط اهتمام شريحة عريضة من المحللين السياسيين وكتاب الأعمدة اليومية . وكانت شخصية الشيخ ، قبل آرائه ، حاضرة بقوة وطغيان في ثنايا التحليلات والآراء المطروحة.

 هكذا تعودنا ، فالشيخ القرضاوي شخصية جدلية تثير حولها كما كبيرا من الاختلاف والنقاش ، وهذا لا يعيبها أبدا ، لكن الملفت في هذه القضية بالذات أن ثمة تغيرا كبيرا قد حصل في موقف طائفة من المحللين تجاه القرضاوي ، فأصبحنا في حيرة من أمرنا ، نضرب أخماسا بأسداس محاولين تفسير الهدف الذي من أجله انقلبت موازين البعض فانتقلوا من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار في تعاطيهم مع شخصية شيخنا الجليل . ولنترك آلة الزمن تتحدث ، فالقرضاوي تحول – في أعين هؤلاء – فجأة وبقدرة قادر ، من شيخ تسيره الآلة الإعلامية التي يسيطر عليها ( فسطاط الممانعة ) كما درج الدارجون على الإشارة إلى المحور الذي تتزعمه إيران والى جانبها سوريا وقطر وحماس وحزب الله ، إلى عالم وسطي وحجة بل إلى مرجع إسلامي عظيم ورمز للاعتدال . فانقلب الخطاب من شاتم ومبغض إلى مبجل ومعظم . كل هذا لأن المواقف هنا تطابقت والمصالح اتحدت ، فغدا من الضروري أن يلجأ هؤلاء إلى بلورة الموقف من جديد ، والإمعان في مديح الشيخ والثناء عليه ، كما تم سابقا الإمعان في انتقاصه ووضعه في خانة لا تلاءم قدره ومكانة أمثاله من العلماء .

 

 الهوى الشخصي الذي يسيطر على هكذا نوع من المحللين ، وغياب الموضوعية والأمانة الأدبية والشفافية ، عوامل كفيلة بأن تجعلهم يسلكون مسلك التطرف في إبداء الآراء واتخاذ المواقف . فهم أشبه ما يكونون بمؤلفي المسرحيات الذين يتكئون على الشخصيات ويبدلون ملامحها بحسب أهوائهم الشخصية رغبة منهم في خدمة الفكرة التي تسكن رؤوسهم . إنهم يمعنون في إظهار الخير وإحاطته بهالة أسطورية إن تطلب الموقف ذلك ، أو إبراز الشر وتضخيمه إن كان ثمة داع يتطلب التضخيم والإثارة .غير أن هذا الفعل وإن كان مطلوبا في حالة التأليف وبناء العوالم الخيالية ، فهو لا يلاءم الواقع ولا يمكن بناء عليه تحليل الواقع والنظر إليه نظرة موضوعية تهدف إلى تعريته قبل الشروع في إصلاحه . إنهم أصحاب الأفكار المسبقة والأحاديات الراسخة التي لا تحتمل النقض والتي يدور الكون كله في فلكها خدمة لها وتأكيدا على صحتها ومشروعيتها !!

 

 قد يكون للسياسة أصولها ومن ضمنها أن صديق الأمس عدو اليوم ، وعدو الأمس صديق اليوم . لغة المصالح تفرض نفسها كثيرا ، غير أن الذي نتحدث عنه اليوم هو شيء آخر غير السياسة وغير ما يقدمه الإعلام الموجه الذي يلتزم بخط واحد ووجهة نظر حرفية لا يمكنه الخروج عنها . ما نتحدث عنه هو ما ينبني في نفس القارئ والمستمع إلى هذا النوع من المحللين عندما يرى تبدل المواقف وانتقال أصحابها من خندق إلى خندق مقابل بعد أن قاموا سابقا هم أنفسهم بتلغيم المسافة الفاصلة بين الخندقين . ما نتحدث عنه هو ثقة المواطن في إعلامه وقدرته على الفهم ، إن كان يراد له – أصلا - أن يفهم شيئا .

 

 هذا الذي يفعله هؤلاء لا يمكن أبدا إدراجه في خانة المرونة ، فالمرونة تتطلب الالتزام بالقاعدة الذهبية الواردة عن الرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام والتي تقول : أحبب حبيبك هونا ما عسى أن يكون بغيضك يوما ما , وأبغض بغيضك هونا ما عسى أن يكون حبيبك يوما ما . المرونة هي ما يمكن تعلمه من شعرة معاوية التي كان حريصا على أن لا تنقطع أبدا .

 

 نعود إلى الشيخ القرضاوي نفسه ، حرصا على أن لا يوضع الكلام السابق في غير محله ، فذنب هذا الشيخ أنه يختار دائما وبملء أرادته الوقوف في المنطقة المؤثرة - ولكن الحساسة – تجاه قضايا الأمة . حرص القرضاوي على أن يبين موقفه الداعم للعمليات الاستشهادية في فلسطين ، وحرص كذلك على التأكيد على مشروعية المقاومة في العراق وفي كل أرض محتلة . حرص شأنه شأن أقرانه وسابقيه من الأشاعرة على إقامة مصالحة بين العقل والنقل ، فلا يشتط العقل في تحكمه بالنصوص ، ولا تبالغ الأفهام الجامدة المتعالية على التاريخ في فرض فهم أحادي للنص . من هنا نفهم زيارته التي قام بها إلى نظام طالبان أيام قرر هذا النظام تفجير عدد من التماثيل الأثرية التي أدرجتها اليونسكو ضمن قائمة التراث الحضاري الإنساني ، ونفهم زياراته السابقة لإيران ومحاولته التقريب بين المذاهب الإسلامية المختلفة بما فيها المذهب الجعفري ، هذه الزيارة بالذات كان أصحابنا الذين نتحدث عنهم قد البسوها ثوبا سياسيا واستخدموها حجة في مهاجمة الشيخ والانتقاص من قدره . نفهم من كل هذا لماذا كان وما زال لهذا الشيخ منتقدون كثر ، الغرب من جهة ، المنهمكون في قضايا أكل الدهر عليها وشرب من جهة ثانية ، وأصحابنا الذين بدلوا مواقفهم تجاهه من جهة ثالثة ، الشيعة من جهة رابعة ، وغيرهم كثر .

 

 من الصعب أن تكون وسطيا بحق ، وتتكلم من فوق أقوى منبر يتحلق حوله المستمعون ، ثم لا يكثر أعداؤك وناهشو لحمك . هذا هو الشيخ يوسف القرضاوي .

بواسطة kalamfekalam 13:18 | عام | تعليق(0) | الرابط الثابت

تعليقات

اضافة تعليق
authimage
رمز التأكيد
A service provided by Al Bawaba