(أنتم يا من تعيشون وَحدكم اليوم وتقفون جانبا ستصبحون شعبا في يوم من الأيام ، ومنكم يا من اخترتم أنفسكم سينهض شعب مختار يخرج منه الإنسان الأعلى ) نيتشه .. هكذا تكلم زرادشت
الإنسان الأعلى أو السوبرمان ، الصورة المشوهة عن علاقة الإنسان بوجوده ووليد الصراع الأبدي بين الإنسان وشعوره الدائم بالنقص والفناء .. هذا ( الإنسان – الفكرة ) وبال على البشرية ، وطريق ليس له نهاية غير الانهيار .
من سخريات هذه الفكرة القديمة التي بدأت على الأغلب مع وجود الإنسان نفسه ، أن كبار منظريها ومستلهميها كان أمامهم في النهاية واحد من طريقين ، فإما الجنون والعته ، وإما الموت كأبشع ما يكون الموت .
نيتشه ، الفيلسوف الألماني الكبير وشيخ المنظرين لفكرة الإنسان السوبرمان انتهى به المطاف معتوها يعاني أوهام العظمة والاضطهاد ، بل أنه بات فوق جنونه عالة على أمه العجوز ثم على أخته المسكينة يستجدي منهما لقمة عيشه ووسادة يرخي عليها رأسه . نيتشه هذا هو الأب الروحي لهتلر والهتلرية التي نحسبها تمثلت أفكاره وأوجدت لها مساحة من التطبيق العملي ، فكانت نتيجة التطبيق ما تعلمونه جميعا .. هزيمة مدوية وانتحار صاحب الفكرة برصاصة أطلقها على رأسه المسكون بهاجس التفوق والعظمة .
أسطورة الإنسان السوبر تتكئ في وجودها على أسطورة العرق السوبر أو الشعب المختار المتفرد ( وراثيا ) بصفات المجد والعظمة دون خلق الله أجمعين ، وهذا هو الفرق الدقيق بين الإنسان السوبر من جهة والإنسان الذي يعاني مرض جنون العظمة من جهة أخرى . فالأول هو نتاج فكرة وأطروحة ترتكز على عقيدة عنصرية خالصة كما في الحالة النيتشوية – الهتلرية ، أو مسوغ لاهوتي كما يرى الإسرائيليون أنفسهم . أما جنون العظمة فهو ثمرة السلبية والخوف وشعور شعب ما بالدونية والحاجة الدائمة إلى قائد ملهم ذي صفات تاريخية استثنائية تخوله فعل المعجزات وقهر الأعداء المتربصين من كل جانب . ومع ذلك فهناك الكثير من الصفات المتداخلة ونقاط الالتقاء التي جعلت فكرة العرق السوبر تولّدُ على الأغلب زعماء مصابين بجنون العظمة والتفوق الشخصي .
غير أن مشكلة ( السوبريزم ) لا تتوقف عند هذا الحد فهي قادرة على التوالد وإعادة إنتاج نفسها بصيغ كثيرة وأشكال متعددة ..
فلسفة نهاية التاريخ والإنسان الأخير تدخل في هذا السياق ، فثمة إنسان سوبر يظن نفسه استطاع السيطرة على الكون من حوله وأدى به عقله الفذ إلى دخول جنة الليبرالية الديمقراطية . هذا الإنسان ذو الكذبة الكبيرة والرؤية الأحادية عاجز عن تقديم نموذج إنساني مقنع ، فهو إقصائي إلى أبعد حد ، يقدم نفسه حاميا للسلم وحقوق الإنسان بينما تاريخه مليء بالمجازر ودماء الأبرياء ، ثم يدرج كل من سواه في خانة الإرهاب والهمجية . انه نموذج بشري يحمل في داخله بذور الانتحار والهلاك من حيث يظن نفسه قد سيطر على الوجود سيطرة مطلقة .
أما على الجهة المقابلة فتتجلى فكرة السوبريزم بظهور الحركات الإرهابية التي تسوغ لنفسها أن تقتل وتعيث في الأرض فسادا . هذه الرؤية قد تمكننا من تلمس جانب إضافي من جوانب التعصب الأعمى الذي أفضى إلى ظهور بلاوي الإرهاب والحركات التي تقتل على الهوية الدينية والمذهبية ، إنها نفس الفكرة فمفهوم الفرقة الناجية قد حوله هؤلاء إلى مفهوم فرقة ( سوبر ) من البشر ، هي وحدها القادرة على فهم الدين واستنطاق النصوص ، فكانت النتيجة أن ارتد الدين - بما شوهوه - على نفسه وتحول من رسالة ومنهج في التواصل مع الآخر ليصبح فكرة اقصائية تحتكر رحمة الله وتحاسب الناس على نواياهم وتأخذ المحسن بجريرة المسيء .
متى سيتخلص الإنسان من فكرة السوبريزم ؟ متى سيقنع أن قوته وجماله وعظمته في نقصه وأن مناط حياته سعي نحو الأفضل لا نحو الكمال ؟ كيف يمكننا في وسط هذا كله أن نفهم السياسة ونطبق الدين ونعامل الآخر ونقيم أنفسنا ؟ وكيف يمكننا أن نحمي أحلامنا من أفكار السوبر ستار وسواها من أحلام اليقظة ووسائل ابتزاز العقول والجيوب .
الإنسان حرب على نفسه مادام مسكونا بهذا الهاجس ، ونتيجة هذه الحرب أمر من ثلاثة .. الجنون أو الموت أو عمى الألوان ، والأخير أخطرها جميعا .
يا ابن بلادي .. فخور أنا بك فخري بكلّ قلّم يحمل جناحيه ويحلّق في سماءات الفكر .. ينثر من درر الكلام ما ينثر ... ضاربا بعرض الحائط رضا فلان أو سَخَط علتان ... ساعياً إلى إبراز نموذجٍ فكريٍّ همّه القضايا في وطنه والقضايا في عالمه ... يصحح الخطأ ويدعم الصحيح .. يبرز تحديّاتٍ اجتاحت عالما يعيش فيه .. ممزوجة بفكره ..
بوركت أخي سامر .. ابن بلادك العمّاني: أحمد سعود العراكزة
أحمد العراكزة | 14/07/2008, 18:34 [ الرد ]