قضية المواطنة في الوطن العربي ، بما يفرضه هذا الارتباط الحتمي بين كلمتي المواطنة والوطن ، كانت العنوان العريض للندوة الفكرية السنوية لمنتدى الفكر العربي التي عُقدت قبل أسبوعين في الرباط ، والتي حفلت بمناقشات جادة ألقت الضوء على أهم تجليات المواطنة في واقعنا العربي الراهن .
قيمة هذا النوع من النقاشات تكمن في تهيئتها الأساس السليم والمنطلق الصالح لبناء المفهوم على أرض الواقع والخروج به من ويلاته ومصائبه المتراكمة ، فثمة نقاشات أكاديمية نحتاجها ( بمقدار ) من أجل البناء على أرضية فكرية ثابتة ، وثمة توصيات عملية وجرأة في رد الأمور إلى أسبابها الحقيقية ، فتحت المجال واسعا من أجل تناول ما يعتبره البعض محرمات غير مسموح ولوجها أو حتى مجرد النظر إليها من بعيد .
وهنا في موضوع المحرمات تبرز واحدة من أهم القضايا التي يُعْزى إليها قمع كل شكل من أشكال الممارسة الوطنية الحقة ، ويُلقى بسببها المواطن العربي في غياهب التخلف وجحيم الاستبداد .
استبداد الداخل :
فبحسب مشروع إعلان المواطنة العربي المنبثق عن الندوة ، كان أحد أهم الأسباب المسئولة عن عدم توفر الحد الأدنى من حقوق الأفراد والجماعات في سبيل بناء مجتمعات مواطنة سليمة ، هو استبداد الداخل ، بما يعنيه هذا الاستبداد من تضييق وكبت حريات ومصادرة للحقوق السياسية وغياب لمؤسسات المجتمع المدني وشيوع الفساد وممارسة الاضطهاد . هذا السبب إذا قرناه بالسببين الآخرين الذين أشار إليهما الإعلان : أطماع الخارج وازدهار ثقافة العنف والتطرف ، سنجد أنه المؤثر الأكبر الذي ينصهر فيه السببان الآخران ويستمدان مقومات وجودهما من خلاله .
فالبناء السليم المتماسك لا تهزه الأعاصير مهما كانت عاتية ، وهو قادر بتماسك لبناته وترابط أجزائه على مقاومة العوامل الخارجية من جهة ، واجتثاث أسباب العفن الداخلي والقضاء عليها من جهة أخرى . أما كبت الحريات ومحاصرة الإنسان بخطوط حمراء تكثر فيه الآلهة ويشتد فيها الوعيد ويأخذ فيها التنزيه أقصى مداه ، هذه العوامل بالذات هي الحاضن الحقيقي لثقافة العنف ، والمسبب الرئيسي لهشاشة البناء وتبعيته للآخر .
الممنوع والممتنع :
لكن استبداد الداخل لا يتوقف عند هذا الحد ، فهو ليس معادلة خطية ذات بعد واحد تنطلق من نقطة وتنتهي في النقطة المقابلة ، بل أن هناك استبدادا داخليا أخطر بمليون مرة من استبداد السلطة الحاكمة وأجهزتها البوليسية ، انه استبداد الإنسان على نفسه بكثرة مسلماته وعجزه عن نزع القداسة والأفكار المسبقة عن ما يفترض فيه أن يكون محلا للنقاش وموضعا لإعادة التقييم .
هنا علينا أن نميز بين الممنوع والممتنع ، فالممنوع هو ما تفرضه السلطة الحاكمة على أتباعها ، أما الممتنع فهو ما يفرضه على الإنسان جهله وبلادته وجبنه ونظره إلى أوضاعه بعين الاستسلام والرضا مهما ساءت الأحوال وتردت ، انه ثمرة تربية قائمة على السلبية والخضوع وهو عامل مثبط يقتل كل طاقة قادرة على التقييم والمساءلة والتغيير ، فيجعل العالم مجموعة من الحتميات التي لا نستطيع أن نقوم إزاءها بأي عمل ذي قيمة .
فاعلية التعليم :
هذا الكلام يقودنا مباشرة إلى البعد الرابع من أبعاد خطة العمل التي اقترحها المشروع من أجل تفعيل المواطنة في الوطن العربي ، أقصد نشر منهج التفكير العقلاني وثقافة التسامح وذلك بمحاربة الخرافات والأمية التي تصل نسبتها إلى 50% في أقطار الوطن العربي . هذا الكلام جميل جدا ، لكن طابعه العمومي يحثنا على الاهتمام بجزئيات بعينها من أجل محاربة الجهل والتخلف وتقليل مساحة الممتنع بإطلاق الفكر من عقاله ونشر منهج التفكير العقلاني النقدي ، ما نقصده هنا ضرورة العمل على ثلاثة خطوط متوازية اكتفى هذا البعد بالإشارة إلى واحد منها هو محاربة الأمية .
أما الخطان الآخران فهما ، أولا : الاهتمام بمخرجات التعليم وتنمية روح البحث العلمي ، وثانيا : الاهتمام بالتعليم الذاتي الذي لا يحده عمر أو درجة علمية . فأوطاننا لا ينقص أبناءها شهادات أو درجات علمية ، فهي موجودة بكثرة وسبلها سهلة متيسرة . المشكلة تكمن في ما نسميه بالعامية " ختم العلم " أي التوقف عن القراءة والاستزادة من المعارف بمجرد الحصول على الشهادة الجامعية المطلوبة . فالعلم ليس نظريات تدرس ثم يمتحن الطالب فيها في نهاية العام الدراسي فإما أن يرسب أو ينجح ويُلقى به في سوق العمل بعد أن يكون قد مزق كتب الامتحان وألقى بها في أقرب مكب للنفايات . العلم شيء أهم من هذا بكثير ، انه عملية مستمرة من الاطلاع والبحث بهدف تكوين موقف من الحياة وقضاياها الكبيرة والصغيرة . المطلوب هو تنمية روح التعليم الذاتي والعمل عليها بهدف صنع عقل متفتح واع ، يثق بنفسه ويقبل الآخر ويخضع الدنيا كلها لسلطان أفكاره وينابيع معرفته .
وكي لا يبدو الطرح السابق مثاليا ، نقول انه من البديهي أن ليس بالإمكان جعل الناس كلهم على درجة عالية من العلم والثقافة ، غير أن ما نطمح إليه هو الارتقاء بنوعية المتعلمين وزيادة عدد الأفراد الذين يشغرون المساحة التي ترضي طموحنا و تحقق آمالنا .
العقد الاجتماعي :
تكمن جاذبية فكرة العقد الاجتماعي في قابليتها للاستزادة والتطوير ودعوتها إلى مشاركة فئات المواطنين كافة في صياغة العقد الذي تنتظم بناء عليه حياتهم العامة وتتشكل انطلاقا من بنوده سمات وامتيازات السلطة السياسية التي يرونها مناسبة لإدارة الدولة والمجتمع ، انه مصطلح منفتح وحمال أوجه كثيرة من القراءة والتفسير والتأويل تبعا لتطور الزمان ومستجدات كل مرحلة .
وبرغم تعرض هذا المفهوم للنقد واتهامه بالطوباوية والخيال لدى كثير من مفكري عصر النهضة الذين تلوا زمن منظري فكرة العقد الاجتماعي الكبار ( توماس هوبز 1588 – 1678 ، جون لوك 1632 -1704 وجان جاك روسو1712 – 1778 ) فان الفكرة الأساسية في مجملها احتفظت ببريقها وشكلت أساسا قامت عليه معظم الأفكار الديمقراطية الحديثة .
هنا يحق لنا أن نتساءل عن بعض سمات العقد الذي افترض فيه الإعلان بعدا سياسيا قانونيا ينظم العلاقة بين الحكام والمحكومين ، فهذه منطقة مفتوحة للاجتهاد والتنظير ، كل بحسب رؤيته وخلفيته التي ينطلق منها ، وفيها شيء من الخطورة كون فكرة العقد الأساسية قد اختلف واضعوها في بعض أهم سماتها مثل الاختلاف حول أطراف العقد ، وهل يدخل الحاكم طرفا ملتزما بكافة بنود العقد وشروطه ؟ ومبررات اللجوء إلى فكرة العقد كون كل واحد من المفكرين الثلاثة تصور سمات مختلفة للمجتمع الإنساني في حالته الطبيعية ( ما قبل العقد ) .
ثم إن علينا كمسلمين ننطلق من أرضية حضارية عريقة أن نحدد الأطر العامة التي يتناولها العقد في تفاصيله ، ولعل أهمها الإطار الإيماني الذي يشكل نسيج الشعب ويوحد بين أجزائه ، ففكرة العقد إيمانيا موجودة وبكل وضوح في نصوص قرآنية متعددة ، ويكفينا الإشارة هنا إلى قوله تعالى " إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة " التوبة آية 111 .
أخيرا يبقى تعليق على نقطة وردت في البحث الذي قدمه الدكتور عدنان السيد حسين أستاذ العلوم السياسية في الجامعة اللبنانية ، فقد تطرق خلال بحثه إلى نقطة مهمة هي موضوع أهل الذمة في الإسلام ، داعيا إلى تجاوز هذا المفهوم في تطبيقات المواطنة المعاصرة . هذا الكلام جميل من ناحية أنه يربط القديم بالحديث فيفتح الباب على مصراعيه لأن يتجاوز دورنا الاقتباس والتطبيق ، وذلك بسعينا وانطلاقا من الجزئيات إلى إعطاء مفهوم المواطنة أبعادا جديدة ونقله نقلة نوعية إلى الأمام . فنحن نريد أن نضيف إلى هذا الصرح الذي ابتدأ بناؤه بأفلاطون وأرسطو ، مرورا بفلاسفة المدرسة الرواقية ، ثم ما أقره الإسلام ونظمه من علاقة بين الحاكم والمحكوم والمسلمين بمن جاورهم من أهل الذمة والمستأمنين ، وصولا إلى مفكري عصر النهضة ومفاهيم الحرية والليبرالية . فالبناء لم يكتمل بعد ، وفي صورته المطبقة حاليا في الديمقراطيات الغربية عيب خطير ، هو مفهوم الحرية المنفتح الذي لا يترك رمزا أو قيمة معنوية إلا ويطالها تشنيعا وسخرية ، فالمطلوب هو الإضافة والحفر في أعماق تراثنا الفكري نقدا وتأصيلا وتجاوزا من أجل إيجاد ما يساهم بفعالية في إرساء مفهوم مواطنة يقبل الآخر ويحرر البلاد والعباد .
هذه بعض الأفكار المتعلقة بدعوة المشروع إلى تبني فكرة العقد الاجتماعي ، وهي لا تهدف إلى أكثر من فتح المجال للتفكير بمئات التفاصيل الجزئية التي قد تشكل بنود العقد وشروطه ، وصولا إلى صيغة أولية مرضية ، ولا ندعي أن الصيغة – أي صيغة – قد تكون متكاملة ، فليس ثمة مشروع كامل يمكن الوصول إليه في أي شأن عام ، وإنما هي خطوات يتلو بعضها بعضا ، وباب التطوير والابتكار مفتوح حتى قيام الساعة .