الملف الشخصي
الاسم: Samer Haidar ALMajali
القائمة
بحث

أطفال الحاويات .. قسوة مجتمع
03 ايار, 2008

وتستمر السلسلة، أمهات يلقين بفلذات أكبادهن بين العفن والقاذورات، ثم يولين ظهورهن وقد اغتيلت الإنسانية في مهدها وتلاشت أدنى المقومات التي من اجلها يكتسب الإنسان قيمة عليا بين المخلوقات. حاويات القمامة ودورات المياه العامة هي الحل الأمثل لتغطية نزوة عابرة جمعت مخلوقين تجردا من كل عقل وتقوى، فلم يسيرهما إلا هوى مضل وشبق تردى بهما إلى الحضيض.

هذا الفعل هو ثمرة الخطيئة، ذاك الفعل الإنساني الذي لم تستطع حتى أقوى الشرائع وأنقى المجتمعات أن تقضي عليه قضاء مبرما. فالخطيئة قديمة قدم الإنسان ومستمرة ما بقي هذا المخلوق (العلوي – السفلي) على وجه الأرض. لكنها في حالتنا هذه تكتسب أهمية خاصة. ليس لأنها بدعة استجدت في مجتمع ملائكي تخلص من شهواته ودنسه منذ زمن طويل، فنحن لسنا كذلك ولن نكون. بل لأن الهروب من ثمراتها يتخذ شكلا تعبيريا ينم عن مشكلة عميقة متجذرة في الثقافة والوجدان الجمعي، شكلا يتجاوز كل العوامل التي نتفق على دورها المحفز فقط. يتجاوزها ليلقي الضوء على ما هو أعمق من هذه المحفزات بكثير.

أما المحفزات فقد أشبعت تمحيصا وتحليلا فما عادت بخافية على أحد. بدءا بالتغييرات الديموغرافية في الاردن عامة وعمان الحبيبة بشكل خاص، مرورا بالمستجدات الاقتصادية الصعبة التي فرضتها ظروف اقليمية ودولية فتأجلت الاولويات وتفشى العنت النفسي، وصولا الى الحالة الغريزية التي يستثيرها الاعلام الهابط وفضائيات الغنج والخيبة. هذه العوامل وربما غيرها الكثير ساهمت في بروز ظاهرة من هذا النوع، ولكنها – ان اردنا أن نكون منطقيين - اتخذت دور المحفز فقط، ولن تقدم لنا إجابة منطقية على السؤال الذي يقول: ما هو السبب الذي يجعل أما تلقي بفلذة كبدها في حاوية القمامة أو دورة المياه العامة؟

هل يبلغ الخوف من الخطأ والفضيحة مبلغا يقضي على أجمل وأرق عاطفة انسانية فيدنسها، ويطور الاثم فيتردى به الى ما هو ابشع من النذالة والحقارة؟ فهذان الوصفان – النذالة والحقارة- يدخلان في نطاق الوصمات التي تطلق على البشر وبني الانسان، لكنهما في حالتنا هذه يقفان عاجزين لاننا نتحدث عما هو دون الانسان، بل دون احط المراتب في سلم المخلوقات.

هنالك شيء نفسي كبير يلعب لعبته، انه الخوف من العقاب والفضيحة والموروث الاجتماعي الذي يجعل خطأ من هذا النوع حكما مباشرا بالاعدام. اعدام جسدي في بعض الاحيان، واعدام نفسي يطال المحيط وكل من انتسب الى تلك البنت الآثمة بوشيجة أو صلة في الاحيان كلها.

ونعود هنا الى قيمة الانسان وقد انحدرت منذ زمن بعيد، فاستقوى العرف على كل شيء. على الدين والفكر والحرية، وطال الخلجات النفسية واسلوب التعبير عن المشاعر والوجدان. نحن كثيرا ما نلقي باللوم في تردي اوضاعنا على المستعمرين وأهل السياسة، لكننا نجهل ان هؤلاء جميعا لم يخترعوا شعوبا خانعة وأفرادا ذليلين. فقد تعاطوا مع واقع قائم لا مكان فيه للانسان الا ضمن ما ينسج حوله من اطار مقيد وتعاليم دينية أفرغت من مضمونها، ففقدت روحها وخضعت للعرف متناقضة مع نفسها وفاقدة الغاية من وجودها.

العرف أقوى من القانون والشريعة عندنا. هذا لا شك فيه، وهو وجه خطير يشي بتناقض فاضح في مجتمعات توصف بأنها متدينة وذات حظ عظيم من العلم والمتعلمين، لكنها عند قضية من هذا النوع ترمي بكل التعاليم الدينية والافكار المنطقية وراء ظهرها لتمارس العرف في صورته البشعة وتشارك في اطلاق رصاصة البغي، ليس على الضحية، بل على نفسها وقدرتها على مواجهة مشاكلها بصبر وشجاعة.

أما كيفية العلاقة المفترضة بين العرف والشريعة، فبينت في قوله تعالى: "فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك في ما شجر بينهم، ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت، ويسلموا تسليما". فهذه المشاكل حلولها واضحة وبينت في الشريعة الغراء التي يفترض بالمؤمن ان يقدم احكامها على كل شيء بما فيه عواطفه وغضبه، هذا هو المفروض، لكن التزامنا بتعاليم الشرع كأفراد مقتصر على ما تقتضيه العبادات التي حولناها الى صور خالية من الروح. هذا وجه من أوجه العلمانية المستترة التي تقدح في ايمان العامة والخاصة وتؤكد أن الانسلاخ من الدين مستمر من قاعدة الهرم الى رأسه في مجتمعاتنا المعاصرة.

أما القانون الوضعي فهو يساهم في تفاقم المشكلة، وقد افرغ تماما من تعريف للزنا يتلاءم وما في المجتمع من محافظة وتقاليد. فالاجراءات الوقائية معدومة والعقوبات لا تطال أحدا ما دامت العملية تمت بالتراضي ولم تخدش الحياء العام ضمن مسافة مقاسة بالامتار بعدا او قربا من الشارع الرئيسي.

فهل يستغرب بعد ذلك ألا نواجه اخطاءنا الا بما تمليه علينا روح الفروسية الغابرة ايام كانت البنت توأد تحت التراب خوفا من عارها الذي قد تستجلبه لاهلها بعد حين من الزمن. دائما وأبدا الوأد هو السبيل المناسب للتخلص من المشكلة والعيش بسلام واطمئنان.

وهل يستغرب أن تبادر البنت الآثمة ومن ورائها أم محطمة الى دفن العار في اقرب المزابل درءا لما يفرضه هذا العرف الغاشم وبقايا روح الفروسية المستندة الى تراث العزة بالاثم، هذا ليس دفاعا عمن رضيت لنفسها ارتكاب الاثم والفاحشة، لكنه دفاع عن الانسانية والطفولة البريئة التي لم تجد ما يدثرها في نقائها الا مزبلة الخطيئة ثم العرف ثم القمامة.

ربما نكون قد ذهبنا بعيدا في هذا الكلام، لكننا لا نعالج حالة فردية ونؤمن تماما ان كل مجتمع معرض لحوادث من هذا النوع، فعالم الفضائل في هذا الوجود عالم غير مكتمل والآثام فيه مطلة برأسها في كل حين.

القضية تكتسب عمقها من الانسلاخ الواضح بين الفرد ومعتقداته والمتعلمين وعلومهم والقوانين وروحها انها حياة بأكملها على الهامش، هامش لا يبقي من الشرف الا هذه الصورة اليتيمة فيقدمها الانسان على كل شيء حتى على ايمانه والتزامه.

بواسطة kalamfekalam 10:00 | عام | تعليق(1) | الرابط الثابت

تعليقات

Comment Icon

مقالك جيد جداً لكنني لم أعرف إذا كنت تلوم المجتمع الذكوري المتدين سطحياً - المتخلف عمقياً أم المرأة الأم التي اضطرت لترك ابنها أو ابنتها. الجواب واضح على ما أعتقد, فالمجتمع يقتل المرأة لو اكتشف تلك العملية, و الرجل الذي غرر بها يتركها لتعالج المشكلة لوحدها أو يهددها بالفضيحة, فالمرأة بين نارين و الحل الوحيد التخلي عن الطفل.

رؤى | 04/05/2008, 09:54 [ الرد ]

اضافة تعليق
authimage
رمز التأكيد
A service provided by Al Bawaba