الملف الشخصي
الاسم: Samer Haidar ALMajali
القائمة
بحث

عذرا للمقاطعة
02 ايار, 2008

يُحكى أن شاعر الصين الأعظم في كل تاريخها " لي بو " والذي كان الصينيون يعتقدون أنه ملاك طُرِدَ من السماء , أراد ذات يوم أن يُقَّبِلَ صورة القمر المنعكسة على صفحة الماء الناصع في أحد الأنهار فانزلقت قدمه في النهر ولقي حتفه غريقا مستقرا في القاع البعيد .

وما بين صورة القمر المنعكسة على كل أديم وصورته الحقيقية في قبة السماء وقف الإنسان دائما ذات الوقفة ونشد نفس المعنى والهدف , فلم يظفر من أمانيه إلا بخداع الصورة وانزلق المنزلق ذاته جانيا على نفسه و تاركا الصورة على حالها للقادمين من بعده .

عجيبة رغبات هذه النفس وبعيد غورها , فهي طاغية في كل حال وخارجة عن الصواب والمنطق , هي دائما بين حالين :
أنفس متعلقة بزخرف موشى بداء الكبر والأنفة , لا ترى في الصورة إلا نفسها ولا تقيم لعواقب الأمور والمنزلقات قيمة , رغباتها شره ووعودها خداع وأغلاطها كفر بواح .
وأنفس أخرى على الهامش المستفيض جاذبية وأغراء , أمانيها سراب وغصاتها اختناق وأمراضها خُبث كامن .

أما الحبل الواصل بين النفسين فهو الكذب المبجل والقهر والغفلة , في خضم ذلك كله كذب الكاذبون واشتط المغالون وضاعت الألفة والشهامة , فأخذت الصورة زخرفها وازينت مؤذنة بقرب الهلاك وأوان العقاب .

أف للذات لا يكاد المرء يظفر بشيء منها إلا انقلبت في الحال مرارة وحسرة , وسحقا لأمنيات ما تمنيناها إلا وجدنا العقبات وأشواك الطريق حاضرة في كل خطوة , أف لقلوب قد خلدت إلى دعة وهوان وأُلقيت في ذل ونكوص , أف للأوصياء على أحلامنا تحدوهم جهالات السياسة وضلالات الرياسة , وهل التاريخ إلا كما وصفه فولتير بأنه السجل المستمر لجرائم البشرية وحماقاتها ؟

البشرية وحماقاتها .. ما ابلغ الوصف وأصدقه , تلك البشرية التي إذا ما قُدِّرَ لها يوما أن تكشف شيئا من الحُجُب التي غلفت الأبصار وتطهر الفضاء من أغشيته المتراكمة فتسعى طليقة نحو غايتها المنشودة , شدَّها وثاق قوي نحو قاع ذلك النهر فحكم عليها بالفناء والخذلان .. وثاق قلبه من حديد ويده من صوان .

لقد تهنا نحن معشر البشر في سعينا نحو الجمال فقد أضعنا الطريق من بدايته يوم استسلمنا لسلطان المرغوب فيه , ضجت الأرض منا لما أحلنا جنتها سوقا يسمسر فيها المسمسرون وينهب غلاتها قطاع الطرق والآثمون , وضعنا أنفسنا في متاهة التبرير والتسويف , رسمنا صورة الفضيلة فدنسنا اللوحة .. حكمنا على الأبصار بأن تزيغ وتطغى فعاش الأكثرون في محراب العمى المطبق و تلذذ الأقلون بغنائم الجباه الخاشعة والأرواح المتعبة , كم من أمنية في هذه المتاهة قد أزرت برجل , وكم من رجل أزرى بألف أمنية أو مليون , وما بين هذا وتلك كان ما كان وحصل ما حصل .

كثيرون لن يصدقوا هذا الكلام وسيجذبهم النهر إلى قاعه وتتملكهم عزة الآثام المبطنة , لكن هذا الوجه أينما التفت في هذا العالم فلن تخذله ظنونه ولن يرى إلا ما تعود عليه من زواق الخديعة وطنين الحناجر الجوفاء , فليكن ما يكن وليمض الركب إلى مستقره فاللقاء قريب والموعد أكيد .

وكثيرون غيرهم سيراهنون على برعم قادر على الإزهار كلما انقضت دورة فلكية , فانبعث شعاع الشمس ودبت الحياة في أوصال ارض أنهكها الجدب والعطش , فلنكن من هؤلاء ولنصر على هذا الرهان ولتخسأ الحياة من دونه .

زمان قال أحد الحكماء " لم أرَ قط إنسانا يحب الفضيلة بقدر ما يحب الجمال " , ويحَهُ أما علِمَ أن الفضيلة هي الجمال والجمال هو الفضيلة ؟

نسيت أن أقول لكم أن " لي بو " كان ثملا عندما انزلق إلى قاع النهر , ترى أين يقع الخط الفاصل بين الصحو والثمالة والذي علينا أن نحترس منه جيدا كي لا تخدعنا الصورة فنستقر في القاع ؟

سبحانك , أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة أن يحل عليَّ غضبك أو ينزل بي سخطك , لك العتبى حتى ترضى ولا حول ولا قوة إلا بك .

بواسطة kalamfekalam 15:01 | عام | تعليق(0) | الرابط الثابت

تعليقات

اضافة تعليق
authimage
رمز التأكيد
A service provided by Al Bawaba